إيلان بابيه    

ترجمة- عزة خليل

لا تأتي من فلسطين سوى الأخبار السيئة والمحبطة على مستويات عدة. وهكذا كان الحال دائمًا منذ فترة طويلة وحتى الآن. لقد خيم إعلان “صفقة القرن” بكآبته على عقدي القرن الحالي، مع اللفتات الأمريكية لصالح إسرائيل التي تبعت ذلك، فكانا عقدين مشئومين على فلسطين والفلسطينيين. حتى حسب بعض الناس اليوم في سواد نكبة 1948 على الفلسطينيين، إن لم يكن أحلك. وتضمنت تلك اللفتات الأمريكية إضفاء الشرعية على احتلال القدس الشرقية، وعلى المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية، وإسباغ الشرعية ذاتها أيضًا على الإلحاق المرتقب لأجزاء من الضفة الغربية بإسرائيل مستقبلًا.

بدأ القرن بالقمع الوحشي للانتفاضة الثانية، وواصل تقدمه مع التطهير العرقي المتصاعد ضد قطاع غزة منذ 2006. ثم استكمل مسيرته بقوانين عنصرية ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل، بلغت ذروتها مع قانون الدولة القومية في صيف 2018، الذي أشار إليه كثيرون بحق، بقانون الفصل العنصري الإسرائيلي. وخلال السنوات العشرين تلك، شنت عمليات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين يوميًا في ما يطلق عليها المنطقة (ج) من الضفة الغربية، وخاصة في غور الأردن ومنطقة جنوب الخليل. وفي الوقت نفسه، تواصلت عملية “تهويد” أبطأ، وإن لم تكن أقل فتكًا، على منطقة القدس الكبرى. كما شطر جدار العزل العنصري الضفة الغربية، وشقتها الأسافين التي تخلقها المستعمرات اليهودية، حتى باتت منقسمة إلى جزئين.

إجمالاً، تبدو هناك محاولة لمحو الصفة السياسية للقضية الفلسطينية، من خلال نزع الشرعية عن السرد الفلسطيني حول الماضي. وهناك إنكار تام للنكبة، ومسئولية إسرائيل عنها، وإنكار للحقوق الإنسانية والسياسية للفلسطينيين في الحاضر أيضًا.

ويعوق عاملان أساسيان قدرة الفلسطينيين على التعامل مع تلك المحن، ومع العدوان على وجودهم نفسه. أولهما الشقاق داخل الحركة الوطنية، وثانيهما إحجام النخب السياسية في العالم، وخاصة في الغرب، عن التدخل لصالحهم بشكل حقيقي. وعلى العكس، توفر هذه النخب، سواء كانت في حكومة أو صحافة أو مجال أكاديمي، حصانة للسياسات الإسرائيلية الإجرامية على أرض الواقع.

ومع ذلك، فليس الظلام مطبقًا. ففي خارج فلسطين، بلغت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض الجزاءات (BDS) أوجها منذ 2005، بما يعكس تغييرًا واضحًا في موقف المجتمع المدني تجاه فلسطين في كافة أنحاء العالم. كما تعد أنشطة الشباب الفسلطيني أينما كانوا، ظاهرة لا تقل عن تلك أهمية، وأن لم تكن ملحوظة بنفس القدر. وهذا ما ستركز عليه هذه المقالة.

وتبلغ أنشطة الشباب أوجها أثناء أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي كل عام، بالجمعيات الفلسطينية في مقار الجامعات حول العالم، فتحيي من خلال ذلك حركة التضامن العالمي. وفي كل الأحوال، ولا يقتصر ما يصدرونه للجميع على مجرد فورة الحماس الشبابي. بل يقدم هؤلاء الشباب باستمرار أفكارًا طازجة وجديدة أيضًا، تعني بالنسبة لنا على الأقل، سببًا مقبولًا للتمسك بالأمل، ودليلًا على أن الصراع الفلسطيني ما يزال بعيدًا عن نهايته. وربما يساعدنا تكثيف البحث حول هذه الأنشطة والأفكار، على التوصل إلى تقييم أوضح حول الحالة الراهنة للصراع من أجل الحرية في فلسطين، وخياراته في المستقبل.

يعد المجتمع الفلسطيني أحد أكثر المجتمعات شبابًا في العالم. ورغم عدم تيسر إحصائيات عن كل جالية فلسطينية في كافة أنحاء العالم، إلا إن المجتمعات التي توجد عنها إحصائيات، لا تتجاوز نسبة 57% من سكانها عمر 24 عامًا، ويقل عمر 80% منها عن 30 عام.(1) ومن المرجح أن يكون لباقي الجاليات الفلسطينية تركيبًا عمريًا مشابها لهذا تقريبًا.

وسوف يتولى هؤلاء الشباب قيادة القضية الفسلطينية في المستقبل. لذا، تحاول هذه المقالة رسم تصور لبعض أنشطة تلك القوى الجديدة وأوجه الترابط بينها، إلى جانب تقدير الميول الأيديولوجية بين هذه المجموعات وطموحاتها وأمزجتها. وربما نستدل من خلال هذا على ما إذا كان بمقدور ذلك النبض الشاب، الذي يغذي الحركة الوطنية كلها بالطاقة، أن يأخذ بيدنا للخروج من الفترة المؤسفة الحالية، التي تعد إحدى أحلك فترات التاريخ الفسطيني.

يعيش الشباب في مناطق جغرافية شتى، مثل باقي المجتمع الفلسطيني. وبالطبع، هناك أولويات وطموحات خاصة لكل مجموعة تتحدد محليًا، ولكن هناك أيضًا أهداف وآمال تمس الحركة الوطنية ونضال التحرير الفلسطيني ككل.

 

المناطق المحتلة

ولنبدأ أولًا من المواقف والأجندات الأكثر تفردًا لبعض هذه المجموعات. وأولهم الشباب المقيمون في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر.

لا يختلف جزء من اهتمامًات ومخاوف هذه المجموعة من الشباب عن مجمل سكان المناطق المحتلة، كما أشارت البحوث الحديثة، وتوافق أيضًا مع انطباعي الأولي بعد قضاء فترات طويلة هناك.(2) ويأتي الهم الأكبر على قائمة الاهتمامًات متمثلًا في المحاكمات والمعاناة التي يعيشها المقيمين تحت الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر. وتتضمن تحرشات الجيش والمستوطنين وشرطة الحدود، وخاصة ما يتعلق بالخوف من الإغلاق المتواصل وحظر التجول والسجن دون محاكمة بشكل.

وكان الاستياء من التهميش المتزايد في المجال السياسي، والشعور المزعج بالاستغلال في المجال الاجتماعي، أكثر ما ميز مجموعة الشباب. حيث يستبعد المجلس الوطني الفلسطيني الشباب الفلسطيني، فلا يحظون فيه سوى بوجود باهت- أتى ثلاثة أعضاء فقط من اتحادات الطلاب، بين 450 عضوًا في المجلس.(3)

وهناك أدلة على استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي للشباب، بل والأطفال بوجه خاص. فمعظم القتلى الفسلطينيين على يد جيش الاحتلال في الفترة الأخيرة من الشباب. إنهم الجيل المولود في النطاق الجغرافي للكارثة التي خلقتها إسرائيل، مع أثارها المفجعة على صحتهم العقلية والبدنية. لقد شكلتهم مقاومة هذا الواقع، وصاغت توجهاتهم السياسية.

وهناك أيضًا شكوك سائدة حول إغلاق البيروقراطية والمحسوبية والفساد على الشباب طريقهم إلى الفرص المهنية المحدودة المتاحة في ظل الاحتلال. ولا عجب في ارتفاع مستوى الإحباط بين أقسام معينة من الجيل الأصغر في المناطق المحتلة، مقارنة بأي مكان آخر في فلسطين التاريخية أو بالخارج. ومع هذا، كما سأشير، هناك حركات شباب تناضل من أجل فلسطين مختلفة، في مناطقها وبالاشتراك مع الآخرين أيضًا.

ونفس الشيء بالنسبة للشباب الفلسطيني بمخيمات اللاجئين في سوريا، وبعض مخيمات اللاجئين في لبنان، يلعب القلق الوجودي على حياة الشخص وأسرته دورًا حاسمًا، ويطغى على الرؤى حول المستقبل. ومع ذلك، لا ينبغي لنا الإغراق في التعميم. فهناك، كما سأوضح، مبادرات رائعة تجمع بين نضالات الشباب الفلسطيني اليومية من أجل البقاء، مع إطار عام أكثر استراتيجية: تصور مستقبل أفضل ومختلف.

وهناك اهتمامًات أخرى مشتركة بين الشباب الفلسطيني في كل مكان. ويعتبر الانقسام الدائم بين فتح وحماس من بين هذه الاهتمامًات، كما إنه يشكل مصدرًا لإنزعاج كثير من الشباب الفلسطيني. حيث باتوا لا يكنون كثيرًا من الإعجاب للفريقين، وإن إدركوا دورهما التاريخي، وأهميتهما الحالية في استمرار النضال من أجل الحرية أو عرقلته. ومن ناحية أخرى، لايشير أي من المواقف تجاه السلطة الفلسطينية إلى الإعجاب بأي درجة. وظهر هذا في المسح الأخير الذي أجرته منظمة “البديل”، وهي منظمة فلسطينية غير حكومية؛ حيث أجمع الشباب الفلسطيني على أن السلطة الفلسطينية بناء فاسد، وعائق أمام التعبئة الحماهيرية.(4) ورغم ذلك، أظهر مسح “البديل” أيضًا إدراكًا لأنه في اللحظة الراهنة، لا يمكن حل السلطة الفلسطينية من أسفل. حيث ذكر مركز “العالم العربي للبحوث والتنمية” إن هناك تسليمًا بأن السلطة الفلسطينية “تطعم ملايين الفلسطينيين”.(5) وهناك خشية من أن يؤدي حل السلطة الفلسطينية إلى الاحتلال الكامل، ويحول هذا دون تأييد الشباب لهذه النهاية بوصفها استراتيجية. وفي عام 2021، على الرغم من عدم إجراء أي مسح شامل حول هذا حتى الآن، إلا أن ما يبدو هو شك الجميع في أن مثل هذه السيناريو يعتبر الأسوأ.

وسواء في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل أو في سائر انحاء العالم، هناك إحباط من استخفاف النخبة السياسية الفلسطينية بإمكانيات الشباب الفلسطيني. وتذكرنا أنشطة الشباب بأن مؤسسي الحركة الوطنية الفلسطينية كانوا أنفسهم شبابًا عندما بدأوا نشاطهم.

إرث الانتفاضة الأولى

وبالنسبة للشباب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، كانت الانتفاضة الأولى في 1987 أول حدث ينير لهم خياراتهم للمستقبل. وفي تلك الانتفاضة، كان للشباب حضورًا في الوعي العام، نتيجة للدور المركزي الذي لعبوه. وصاروا جزءًا من القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، وساهمت هذه المشاركة في إحساسهم بالأهمية والارتباط الوثيق بالقضية.

بدا أداء الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة بالنسبة لكثيرين في الغرب، نوعًا من المقاومة السلمية غير المسلحة التي يمكنهم تأييدها، حيث تصدت بنجاح لتصوير إسرائيل النضال الفلسطيني على أنه إرهابًا. ومن وجهة نظر الفلسطينين في أنحاء العالم، قاد الشباب المسيرة من خلال مقاومة ديمقراطية جماهيرية شعبية قائمة على المساواة. وقد ظهر هذا النمط من العمل السياسي في الماضي، في أثناء فترة الانتداب، ولكن وقتها حلت محله حرب العصابات ما بين 1948 و1982. وما زالت ذكرى مشاركة الشباب في الانتفاضة تمنحهم قوة، وخاصة الطلاب، لأنها تمثل الوقت الذي استطاعوا فيه حشد جماهير ضخمة وراءهم- ليس من خلال العمل الملهم في الميدن فقط، بل لأنهم كانوا بمثابة بوصلة سياسية للمستقبل أيضًا. ويتنامى حاليًا لدى كثير من هؤلاء الشباب التسليم بضياع إنجازات الانتفاضة الأولى نتيجة “لعملية السلام” بأسلو، التي بدأت في 1993. ومع ذلك، يشعرون أن الانتفاضة تركت إرثًا باق من القوة.

وفي الواقع، ما يزال ميراث الانتفاضة الأولى منتشرًا. وقد أبرز قوة تحركات القواعد الشعبية في الأحياء والمخيمات، التي توجهها صناعة القرار من خلال الديمقراطية المباشرة، كما أنهى ما يمكن أن يطلق عليه “الدرامات الأيديولوجية”. وتفسر تلك الملامح السبب في بقاء الانتفاضة لمدة ثلاث سنوات تقريبًا، رغم عدم توازن القوى بين جماعة غير مسلحة وأقوى جيش في المنطقة.(6)

مبادرة “بلا حكي فاضي”

واختفت تلك الأصوات الشابة بأشكال مختلفة في الانتفاضة التالية الأكثر اعتمادًا على السلاح. وكانت الانتفاضة الثانية نقطة تحول في أنشطة الشباب من نواحي عدة، داخل وخارج فلسطين التاريخية. أبرزت الانتفاضة الانقسام المثبط بين فتح وحماس في مقدمة الصورة، وصعد هذا بدوره أنشطة الشباب الساعية إلى النأي بالنفس عن هذا الانقسام الخبيث. وأطلق الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة على هذا انتقال باتجاه “وقف الحكي الفاضي”[1]، واستمرت هذه المبادرة بصورة أو أخرى حتى اليوم، باحثة عن طريق بديل للمستقبل. واتخذت الحملة من المجتمع المدني قناة لها، سواء في صورة منظمات غير حكومية أو جمعيات شبابية، اجتمعت تحت مظلة منظمة تسمى حركة الشباب المستقلة.(7)

ومنذ 2003، تطورت هذه المبادرة إلى حركة مقاومة شعبية تبادر بتدخلات قوية في الأحداث البارزة؛ مثل النضال ضد جدار العزل العنصري، والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة والربيع العربي. وبلغت أوجها مع “مسيرة العودة الكبرى”، حركة المقاومة الشعبية الشجاعة عند أسوار قطاع غزة في 2018. ومن فترة أقرب، اتخذت صورة حركات شبابية محلية. ويوجد لكثير منها مواقع إلكترونية وصفحات على فيسبوك في مواجهة محاولات التطهير العرقي الإسرائيلية في أجزاء واسعة من المنطقة (ج) في الضفة الغربية. وعلى سبيل المثال توجد مجموعة تسمى “مسافر يطا” (منطقة تلال جنوب الخليل). فمنذ سنوات وحتى الآن، يتحرش الجيش والمستوطنون بالسكان المحليين في هذا المنطقة. ونجم عن هذا في بعض الحالات طرد الفلاحين بالقوة. ويعيد الشباب توطين تلك القرى التي تم إخلاءها، حتى يستطيع الفلاحون العودة، ويوفرون مرافقين للأطفال والفلاحين الذي يواجهون اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين يوميًا في طريقهم للمدارس والحقول.(8)

ولا تواجه حركة المقاومة والاحتجاج الشعبية هذه الاحتلال فقط، بل إساءة استخدام السلطة والموارد وتمويل الدولة أيضًا. وتقف هذه الحركة بالمرصاد لإشارات وإيماءات التطبيع، التي قد تعمل على تعزيز الاحتلال ومنحة شرعية. وليست هذه بظاهرة جديدة؛ ففي الإنتفاضة الأولى، طالما حارب الشباب بالفعل الشعور بالكلل الذي انتاب بعض أفراد الجيل الأقدم، الذين بدوا وكأنهم سلموا للاحتلال وقبلوه بوصفه واقع مفروغ منه، لا يمكن تغييره.

ولهذا، لا عجب أن يرغب شباب كثيرون في إستعادة الانتفاضة الأولى. وفي الواقع عاد بعد أوسلو، الواقع المرير الذي كان حافزًا للإنتفاضة في المقام الأول، ولكن النسخة الثانية أسوأ في من عدة نواحي. فالأحوال الاقتصادية اليوم أسوأ بالتأكيد، وجذورها ناجمة عن السياسات إسرائيلية المتمثلة في حواجز المرور، والتفتيش الذاتي، والإبعاد، وهدم المنازل، وتشتيت الأسر، والسجن دون محاكمة. ولا يزيد هذا عن جزء من قائمة ذخيرة الانتهاكات التي يصبها ذلك الاحتلال على الفلسطينيين.

ومن الواضح أن اليوم أشبه بالأمس تمامًا، وستواصل إسرائيل سلوكها المتفرد في وحشيته ضد الفلسطينيين من أفراد عزل وحركات سلمية. وبالتالي، ستواجه الموجة الجديدة من مثل هذا الاحتجاج بردود أشد قساوة ووحشية. وما يزال بعض الناس يؤيدون اللجوء من جديد للمقاومة المسلحة، كالتي حاولتها فتح وحماس في أثناء الانتفاضة الثانية؛ ولكن هذا النمط من السلوك يترتب عليه أيضًا رد فعل إسرائيلي أشرس. وبالنسبة للحال في قطاع غزة، سيصل هذا الرد لحد تطبيق سياسات التطهير العرقي.

وليست هناك رؤية شاملة وحيدة للشباب الفلسطيني، بل يعتمد الأمر أكثر على الموضع الذي يوجد فيه هذا الشباب. ومع هذا، هناك ملامح مشتركة، وتأكيد بطرق مختلفة على نفس النقاط. حيث تحرك الشباب في الضفة المحتلة وقطاع غزة المحاصر هموم الشقاق السياسي الجاري بين فتح وحماس. وما يزال التركيز على إنهاء الاحتلال، لكن بالاختلاف مع الجيل الأكبر، صار مصحوبًا بتأكيد أكبر على التحرير الكامل لفلسطين. ويعتقد الشباب أن وجهات نظرهم وأفكارهم إن نالت التقدير الواجب، ستحل الخلافات الأيديولوجية بين الكتل السياسية الرئيسية. وهم على ثقة من أن هذه الوحدة ستلعب دورًا حاسمًا في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والفوز بحرية كافة أنحاء فلسطين. ورغم تهميش قادتهم لهم (بل حتى قمعهم أحيانًا)، إلا أنهم يواصلون المطالبة بموطئ قدم لهم في العملية السياسية من أعلى، ومن أسفل أيضًا. ويتشبثون بحقهم في تولي نصيبهم في عملية صناعة القرار السياسي، الذي سيحكم مستقبل وطنهم.

“عرب 48”: الأقلية الفلسطينية في إسرائيل

لعبت الانتفاضة الثانية دورًا مختلفًا في الحياة السياسية للشباب الفلسطيني داخل إسرائيل، إذ عملت على تكثيف أنشطة الشباب داخل المجتمع المدني. وأشادت بعض الكتب بالنشطاء الشباب بوصفهم جيل أبي، بل بلغوا حد الاستخفاف وإساءه فهم تضحيات وإنجازات الجيل الأكبر من الفلسطينيين في إسرائيل مابين 1948 و2000، مثل كتاب “نعوش على أكتافنا: تجربة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل” للكاتبين دان رابينوفيتش وخولة أبو بكر (Dan Rabinowitz and Khawla Abu-Baker’s Coffins on Our Shoulders: The Experience of the Palestinian Citizens of Israel )(9). ويمضي هذا جنبًا إلى جنب مع توسع المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني إجمالًا، مدفوعًا بنشاط الشباب المتحمس. وهنا أيضًا، كانت القوى السياسية القائمة في المجتمع المحلي – الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلي – تحظى باحترام الشباب، وإن كانوا ينتقدونها أيضًا بسبب افتقارها للوحدة. واختلف هذا في السنوات الأخيرة إلى حد ما مع تكوين القائمة المشتركة، التي تشمل كل الأحزاب السياسية الفلسطينية في إسرائيل. وشق قليل جدًا من الفلسطينيين الأصغر طريقهم إلبها، ومن بينهم أيمن عودة، رأس القائمة.

ومع هذا، والمسألة الأكثر ارتباطًا بهذه المقالة، توجه نشطاء الشباب بشكل متزايد إلى حل الدولة الواحدة، والتطلع بشكل استراتيجي إلى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والدفاع بقوة عن حق العودة الفلسطيني. ويحاول هذا النمط من النشاط التصدي للسياسات الإسرائيلية التي تسعى إلى حرمان الفلسطينين من التوطن داخل إسرائيل، وتصورهم باعتبارهم غرباء في وطنهم.

وتشكل المشروعات الثقافية التي تحافظ على الذكريات التاريخية المرتبطة بالنكبة جزءًا مهمًا من الصراع، وعاملًا مؤثرًا في طموحات الشباب المحلي ورؤيتهم للمستقبل. وتتضمن تلك المشروعات إعادة إعمار القرى التي دمرتها النكبة، سواء بما يظهر الحالة التي كانت عليها قبل 1948، أو ما يمكن تخيله من الصورة التي قد تكون عليها بعد عودة اللاجئين. بل نتج عن تلك البرامج تكوين مجموعة صغيرة من الشباب، عملت على خلق وجود مادي فعلي في موقع من المواقع المدمرة.(10)

يحافظ هؤلاء النشطاء الشباب على بقاء ذكريات النكبة حية. وبالنسبة لهم ولفلسطينيين كثيرين آخرين، يمثل ما يعيشون فيه “نكبة مستمرة”. ويتردد صدى لهذا المفهوم في النقطة الحيوية التي أثارها عالم الأنثروبولجيا باتريك ولف Patrick Wolfe حول الاستعمار الاستيطاني: إذ أنه لا يمثل حدثًا، بل بنية. لقد تغذت السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين في الماضي والحاضر، على أيديولوجية الاستعمار الاستيطاني للصهيونية، وشكل عدم اكتمال التطهير العرقي في 1948 السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين منذ ذلك الحين. ويركز الشباب الفلسطيني اليوم على التصدي لتلك السياسيات من خلال المطالبة بتدارك جرائم إسرائيل في الماضي إلى جانب التوقف عن أجندة القمع الحالية في فلسطين التاريخية.(11)

واليوم، أصبحت ذكرى النكبة مشهدًا سنويًا يؤديه الشباب الفلسطيني؛ ففي كل عام يجتمع الآلاف في مسيرة العودة إلى واحدة من القرى الكثيرة التي دمرت في 1948. وحيث يحضرها كافة السياسيين الفلسطينيين، فقد صارت بؤرة للصراع الثقافي، والسياسي أيضًا، ضد قانون النكبة الإسرائيلي في عام 2011، الذي يحظر التمويل العام لأي شخص يحي ذكرى أحداث نكبة 1948. بدأ اللاجئون الفلسطينيون بالداخل هذه المسيرة السنوية في أعقاب عجز مؤتمر مدريد 1991 عن طرح مسألة اللاجئين. وفي 1995، أنشئت جمعية الدفاع عن حقوق النازحين الداخليين في إسرائيل، من أجل تنظيم مسيرة سنوية للعودة في 15 مايو، إلى موقع إحدى القرى المختلفة، بما يؤدي إلى فرض القضية على الأجندة العامة لأسرائيل.

في العالم الذي يعيشون فيه – بين المواطنة الإسرائيلية والهوية الفلسطينية، يساعد البعد الأهلي لهذه للذكرى السنوية في تحديد دورهم سواء في إسرائيل أو الدولة الفلسطينينة. ويساعد اعتراض الصهيونية، خاصة الصهيونية الليبرالية، على مشروعاتهم الثقافية لإحياء الذكرى، في تحديد هويتهم بدقة أكبر. إذ ينتقد الأستاذ شولومو أفينيري Shlomo Avineri، أحد أئمة الصهيونية الليبرالية، إحياء الذكرى بوصفها عملًا ينفي شرعية دولة إسرائيل، قائلًا أن ذلك يخفي رغبة دفينة في ترسيخ حركة قومية أقوى للمواطنين الفلسطينيين، بما يشكل أساسًا لبناء أمة في كافة أنحاء فلسطين التارخية.(12) وتفضح انتقادات أفانيري تمامًا مدى ضآلة الفروق بين كافة التيارات السياسية الصهيونية في إسرئيل، إذا ما تطرق الأمر للحقوق الشرعية للفلسطينيين. ولقد أنكر اليسار واليمين الإسرائيلي على السواء التطهير العرقي الذي وقع في 1948. وإذا ما استمر هذا الإنكار في صورته نفسها، دون أن يحل محله إعترافًا بمسئولية إسرائيل عن الجريمة التي اقترفت ضد الإنسانية في 1948، وتتفاقم عام بعد عام منذ ذلك الحين، فلا أساس لأي تسوية ذات شأن في المستقبل.

ويعد “مدى الكرمل”، الذي أسسه المؤلف والفيلسوف عزمي بشارة، معهدًا مهمًا في هذا الخصوص. إذ يمثل المؤسسة الوحيدة التي توفر مساحة نقاش حر للمثقفين الفلسطينيين الشباب حول تاريخهم وظروف حاضرهم: المناقشة المستحيلة داخل المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. ويمتلك المجتمع الفلسطيني في إسرائيل رأسمال إنساني وثقافي ضخم بداخله. وبمجرد أن يلعب هذا المجتمع المحلي دورًا رياديًا في السياسة الفلسطينية عمومًا – الدور الذي أنكرته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية على السواء – ستعزز هذه الإمكانية حركة الحرية والعدالة.

لا توجد مسوح كثيرة يركن إليها حول مواقف جيل الشباب تجاه الحل المستقبلي. ومع ذلك، تظهر الدلائل انتقال واضح من دعدم حل الدولتين إلى تأييد حل الدولة والوحدة. وظهرت في الفترة الأخيرة، مبادرات جديدة تعمل على تطوير هذه الفكرة. وتعتبر “حملة دولة ديمقراطية واحدة” من أبرزها.(13) وستصير هذه الحملة حركة شعبية في نهاية الأمر، عندما يعترف آخر المؤمنين بحل الدولتين بسقوط الفكرة والتخلي عنها. فلا يمكن أن يبقى مثل هذا الفراغ الأيديولوجي شاغرًا، كما علمنا ماركس.

وفي النهاية، تضع هذه المجموعة بالذات من الشباب الفلسطيني أجندة حقوق الإنسان إلى جوار الأجندة الوطنية. وبتالي، تأخذ الدولة الفلسطينية أو السيادة الفلسطينية نفس أهمية المساواة المدنية والاقتصادية والاجتماعية. ولهذا يحظى سياسيون مثل جيريمي كوربين Jeremy Corbyn وبيرني ساندرز Bernie Sanders بتقدير كبير منهم. ويفكر بعض أعضاء الكنيست الفلسطينيين بتلك النماذج؛ على الرغم من إخلاصهم الديني تقريبًا لحل الدولتين أيضًا، بالاختلاف مع أعضاءهم القاعديين والعناصر الأكثر شبابًا في المجتمع المدني.

وتلقى هذه الرؤية، ذات التأكيد الشديد على حق العودة، صدًا أيضًا لدى شباب الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين خارج إسرائيل وفي المناطق المحتلة- ومهم من صار لاجئًا للمرة الثانية في أوروبا منذ 2012- وبينهم أصحاب الخبرة الأطول في مجتمعات المنفى المحلية.

اللاجئون في جاليات المنافي

تصور القادة الإسرائيليون أن مصير اللاجئين إما الفناء بالكامل، أو نسيان النكبة. ولم يتحقق هذا التصور على أرض الواقع. وعلى العكس، على الرغم من كل الجهود الإسرائيلية لمحو المجتمع الفلسطيني، لم يتخل الشعب الفلسطيني عن حقوقه. بل واصل الصمود في مواجهة سياسات الإبعاد الإسرائيلية.

ويشير المسح الثاني لمركز بديل بوضوح إلى أن الجيل الثالث والرابع من اللاجئين الفلسطينيين لم “ينسوا” إرتباطهم بفلسطين. وقد أُجري المسح في السبع مناطق التي تقيم ن بها غالبية الفلسطينيين: إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والأردن وسوريا ولبنان. وقد طبق المسح على شباب الفلسطينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة. وتظهر نتائجه أن الأغلبية الساحقة بين الشباب المُتضمنين في المسح، يعتبرون أنفسهم فلسطينيين. وكما جاء في المسح “يمكن إدراك مدلول هذه الأغلبية فقط عندما نأخذ في اعتبارنا أن تلك الجاليات ولدت في منفى إجباري، ولم تطأ قدم أحدهم إطلاقًا فلسطين – التي تنكرها إسرائيل.” ووصفت نتائج البحث نماذجًا من وحدة الهوية الفسطينية، برغم محاولات إسرائيل تدمير نسيجهم الاجتماعي بشكل يتعذر تلافيه، من خلال التجزئة الجغرافية.

وفوق هذا، يظهر المسح أن الشباب الفلسطيني في المناطق الجغرافية المختلفة، يحمل وجهات نظر متشابهة حول هويتهم ومستقبلهم. ولا تنتهي فلسطينيتهم عند مجرد بطاقة الهوية، بل تعني إلتزامًا بالصراع من أجل التحرير الكامل لفلسطين.(14) وتأكدت نتائج هذا المسح، الذي أجري في 2012، من خلال بحث حديث حول المسألة نفسها. وعند بحث وجهات نظر الشباب الفلسطيني في جاليات المنافي، تظهر رغبة أوضح في الحل القائم على الجمع بين حق العودة وتأسيس دولة ديمقراطية على كامل فلسطين التاريخية.

وفي كل أنحاء العالم، ينظم هذا الشباب في جمعيات فلسطين بالمخيمات، وفي الحركات التي تشمل كافة مناحي الحياة. وتثير أنشطتهم الإعجاب في الولايات المتحدة على نحو خاص، حيث ينظمون الفاعليات بدأب في الجامعات والمنتديات والكنائس والمساجد، إلى جانب الأماكن الأخرى. ولديهم قليل من المنافذ إلى منصات الإعلام الرئيسية- ولكن مع ذلك، لا يعد الشباب من المستهلكين المتحمسين لهذه الوسائل بشكل خاص، ولا يثقون بها أيضًا.

وتمثل “حركة الشباب الفلسطيني” إحدى المنظمات المظلية لهذه الأنشطة، وتمثل الشباب الفلسطيني في أمريكا بشكل خاص. وتعرف “حركة الشباب الفلسطيني” نفسها باعتبارها “حركة قاعدية مستقلة عابرة الجنسية، للشباب الفلسطيني في فلسطين والمنافي في أنحاء العالم”.(15) ويميزها رفضها لأن يكون لها لونًا أيديولوجيا واضحًا من اليمن أو اليسار، عن تيارات السبعينيات السياسية داخل داخل حركة التحرير الفلسطينية، عندما اتخذ كل منها حلفاء أيديولوجيين دوليون. وتقول “حركة الشباب الفلسطيني”:

بغض النظر عن خلفياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية، فإننا نعمل جاهدين لإحياء تقليد الإلتزام التعددي تجاه قضيتنا لضمان مستقبل افضل، يتسم بالحرية والعدالة على المستوى الاجتماعي والسياسي لأنفسنا وللأجيال المقبلة.

ويتردد صدى هذا في أجندة عدد لا يستهان به من الشباب المنضمين إلى الاحتجاجات في أنحاء العالم منذ 2008، من المشاركة في الربيع العربي، إلى مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا. إنه مقام يحمل صدى أفكار اشتراكية ويسارية. ولكن، كما نوهت سابقًا، يحتاج التراث اليساري، والمتبنون للهوية اليسارية تمامًا من أمثالي، إلى إعادة تعريف جوهر وجهة النظر الاشتراكية. حيث يجب أن تكون عالمية، وليست متمحورة حول أوروبا، ويجب أن تدمج القيم القديمة الجيدة مع وجهات النظر والتطلعات الجديدة للجيل الشاب. ولنعطي مثالًا بقضية مهمة تستحق مقالًا كاملًا في حد ذاتها، قضية الموقف من الإسلام بوصفه حضارة في الشرق الأوسط، وليس دينًا فقط، والكيفية التي ربما يصير بها جزءًا من وجهة النظر العالمية، الأمر الذي يمكن أن يكون ملائمًا وداعمًأ لإعادة إنتاج الحلف الثوري على الأرض. وهناك مسألة أخرى، مسألة التخوف من التبني الكامل لحل الدولة الديمقراطية الوحدة، لدى منظمات الجناح اليساري السياسية القائمة مثل حزب العمال، ومؤتمر النقابات العمالية، والاتجاه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وتقدم “حركة الشباب الفلسطيني” حلفًا جديدًا على أساس الهوية، بدأ نسجه في الفترة الأخيرة وسط الفلسطينيين والنضالات الممثالة حول العالم، والنضال الذي اتسم به الربيع العربي كذلك. وكما يشير موقعها الإلكتروني؛ فأنشطة حركة الشباب الفلسطيني”متجذرة بعمق في السياق الإقليمي العربي، الذي يجب أن يتحرر من الاستعمار الجديد، حتى يصبح التحرير الكامل لفلسطين واقعًا ملموسًا.”

ومثل نظيراتها من المجموعات الفلسطينية، تنبعث “حركة الشباب الفلسطيني” من إيمان قوي بقدرة الشباب على إعادة النشاط للحركة الوطنية ككل، والتقدم بالقتال من أجل الحرية إلى الأمام. وتشعر “حركة الشباب الفلسطيني” بأنها مميزة بامتلاك صياغة واضحة لنهاية اللعبة: رؤية مشتركة لفلسطين الديمقراطية المحررة. والحركة مطلعة جيدًا على نظرية الحركة الاجتماعية وتطبيقها العملي، ويتمثل قوامها الأساسي في العمل بحرفية من أجل تمكين الشباب وخلق حضور لهم، من أجل توسيع النضال في مدارس الولايات المتحدة وورش عملها ومؤتمراتها ومظاهراتها وحملاتها. ومن خلال ذلك تضمن وجودًا ثابتًا في العقل العام والمساحات العامة. وسينبئنا الزمن بمدى نجاحها، ولكن يبدو أنها مهدت الطريق لتأييد كبير للقضية الفلسطينينة بين شباب الولايات المتحدة.

الانتفاضة الإلكترونية

يستخدم الشباب الإنترنت بنهم، سواء في مختلف مناطق فلسطين التاريخة أم بالخارج. وهناك، تناقش الأفكار وتعلن عن نفسها في برتامج عمل ورؤيه للمستقبل. وتمتلك “حركة الشباب الفلسطيني” حضورًا إلكترونيا مثيرًا للإعجاب، وينطبق هذا أيضًا على كثير من حركات الشباب الفلسطيني. وقد أشرت من قبل إلى بعض هذا: الشباب في الخليل، ومنظمات المجتمع المدني داخل إسرائيل، واللجان الشبابية المتعددة في مخيمات اللاجئين. وإذا ما طالعنا عن كثب حركة المعلومات في هذه المواقع وبين بعضها بعض، لانكشف خطاب واضح بشأن المستقبل. حيث يشيرون إلى فلسطين بوصفها “فلسطين التاريخية”، ويرون البلاد محتلة ومستعمرة ككل؛ ويرون إمكانية التحرير في المقاومة الشعبية، مع مساعدة من الخارج عبر حملات مثل “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض الجزاءات”. إنه نمط جديد شديد الذكاء من المقاومة، التقطه أحد مواضع هذا النشاط الرئيسية، موقع “الإنتفاضة الإلكترونية”.

يتجاوز حضور الإنترنت الحدود الفيزيقية التي عملت في الماضي على تجزئة الشعب الفلسطيني، بما شكل عقبة أساسية تعيق توحيد العمل والرؤية. ومع هذا، يجدر بنا الانتباه أيضًا إلى وجود شباب فلسطيني في المناطق المحتلة وتجمعات اللاجئين لا يمكنهم الوصول إلى الإنترنت بسهولة؛ وهذا العالم لا يتدخل الخطاب الإلكتروني في تشكيله كثيرًا، ولازالت الوقائع اليومية لنضالهم الوجودي مصدرًا لمدهم بالمعلومات. ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وهبوط متوسط دخل الأسر الفلسطينية التي تعيش في المناطق الفلسطينية المحتلة في 1967، زاد بشدة عدد مستخدمي الإنترنت الفلسطينيين، وخاصة الشباب، عبر الاتصال من المدارس والجامعات والمقاهي. وفي الجامعات، لم يكن هناك مفر من تطوير طرق التدريس باستخدام الإنترنت، بسبب تكرر عجز الطلاب عن الوصول إلى مقرات الجامعة نظرًا لظروف الحصار.

وعلى الرغم من هذا، يتغير الواقع باستمرار. وحتى قبل جائحة كوفيد 19، وأكثر بكثير مما حدث تحت تأثيرها، كانت هناك زيادة في استخدام الإنترنت. وكان هذا في نظام التعليم في المناطق المحتلة داخل إسرائيل بشكل أساسي. وأصبحت الإنترنت الأداة الأساسية للاتصال بين المدرسين والطلاب، ومن ثم تحولت إلى أداة من أدوات للنشاط السياسي المكثف والمقاومة الإلكترونية. وبالمثل، كان انتشار التليفون الذكي باستمرار يربط عددًا أكبر فأكبر من الشباب الفلسطيني بالإنترنت.

وأصبح الفلسطينيون الآن أكبر مجموعة مستخدمة للإنترنت في العالم العربي. ويقدر أن أكثر من ربع الفلسطينيين تحت الاحتلال لديهم منافذ ثابتة إلى شبكة الإنترنت. واتسمت الشبكة الإلكترونية الفلسطينية في الغالب بالخطاب السياسي الشبابي الموحد حول النضال وأهدافه. وكما ذكر مكرم خوري ماشول Makram Khoury-Machool من المركز الأوروبي لدراسات التطرف (European Centre for the Study of Extremism)، في 2007: هذا قسم من “المقاومة السياسية السلمية الوطنية، وأحد العناصر المحورية للحياة اليومية”.(16)

ولهذه الأسباب مجتمعة، يشير الخيط المشترك في التوجه الذي تطرحه أنشطة الشباب الفلسطيني إلى رؤية واضحة بشأن المستقبل، دون الانتهاء إلى طريقة للسير قدمًا من أجل تنفيذه.

وتتمثل الرؤية في الدولة الديمقراطية الواحدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، التي تفكك المؤسسات الصهيونية، وتسمح بعودة اللاجئين وتنمية الديمقراطية القائمة على العدالة الاقتصادية والسياسية. وسيعني هذا أيضًا إجراء واضح لتصحيح آثام الماضي، عبر إعادة توزيع الأرض ووسائل الانتاج الأخرى بين مجموعة المستوطنين اليهود والأهالي الفلسطينيين. وتبقى هناك خيوط سائبة يجب سحبها وحبكها في نسيج فلسطين المستقبلية هذا، ولكن ذلك يتجاوز إطار هذه المقالة. ومن أهمها، فكرة الدولة العلمانية في مجملها، ومسألة الكيفية التي تمكن من أن يصبح الشباب الموالي للإسلام السياسي، جزءًا من هذه الحركة الجديدة، وذلك ما يستحق مزيدًا من المناقشة في المستقبل. وقد طُرحت أفكارًا بناءة مؤخرًا جدًا، مثل الدولة المدنية بدلًا من الدولة العلمانية. وعلينا الانتظار لنرى على أي نحو ستتطور الحوارات، ولكن سيكون لتقدمها الناجح آثارًا أوسع على أنشطة اليسار في الغرب والعالم العربي.

وتتمثل الوسائل الكفيلة بذلك في التضامن العالمي، الذي يشمل تأييد “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض الجزاءات”، وشبكة موسعة لتعريف الهوية لتضم نضالات الأهالي والمجموعات المضطهدة حول العالم، وقيادة ديمقراطية موحدة على أرض الواقع ستمثل الجيل الأكثر شبابًا على نحو سليم.

وداخل هذه الرؤية، يبقى مجال إدراك أهداف المدى القصير لمثل هذه الحركات، والذي تحدده الظروف الخاصة لكل مجموعة فلسطينية. وتمثل ثلاثة أنماط عمل مختلفة الوسائل الممكنة لدفع المقاومة الشعبية للأمام في كل واقع محلي. في الضفة الغربية، توجه تركيز الشباب الفلسطيني على نحو شديد المحلية، في مواجهة سياسات التطهير العرقي والقهر الإسرائيلي تحديدًا. وفي قطاع غزة، انحصر التركيز في الحصار وحق العودة، كوجهين لعملة نزع ملكية الفلسطينيين الواحدة. وداخل إسرائيل، تتنقل المقاومة الثقافية بكفاءة بين سياسات حكومة الفصل العنصري وإنكار الفلسطينيين من ناحية، وأجندة الأحزاب الفلسطينية القائمة من ناحية أخرى. وتخضع أنماط أنشطة الشباب الثلاثة كلها بدرجة أقل لتأثير الانتماءات الأيديولوجية الراهنة، وتحاول تجنب استنساخ الشقاق في الحياة السياسية الوطنية، وتلتزم بالمقاومة الشعبية غير العنيفة.

أما خارج فلسطين، فمن الطبيعي أن يكون التركيز أكبر على رؤى المدى البعيد والاستراتيجيات. ويفصح الشباب خارج فلسطين بوضوح عن خطابات جريئة، تصور إسرائيل بوصفها الأيديولوجية العنصرية التي تعوق التسوية. وبسبب هذا الموقف، يواجهون اتهامات معاداة السامية التي لا نهاية لها ولا أساس. ولكنهم يعالجون ذلك بنجاح كامل (وبالتأكيد أفضل كثيرًا من حزب العمل واليسار المعتمد في بريطانيا).

وعلى الرغم من وجود عديد من المواقع المهمة لهذه الحركات في الولايات المتحدة، فإن هناك استياءً واضحًا تجاه أي سلام أمريكي مستقبلًا. وسجل أحد المراقبين مثالاً على ذلك في أثناء قمة للشباب في رام الله، التي اقيمت تحت رعاية المعونة الأمريكية. فقد دللت “حركة الشباب المستقل”، الناشطة في الأراضي المحتلة، على ذلك بقوة في لقاء مع مسئولين أمريكيين، حيث كتب الشباب على إحدى اللافتات “لتذهب معونة أمريكا إلى الجحيم”. حيث هناك اعتقاد بأن أمريكا تعطي التمويل لمصالح أنانية، وستطلب دائمًا استرداد المعروف في نهاية الأمر، ولهذا يجب رفضه.(17)

وفي الماضي، وخاصة في السبعينيات، اتسمت مناهضة التوجه الأمريكي بالنضال ضد الاستعمار والإمبريالية. وفي يومنا هذا، استعيض عن ذلك بالاصطفاف مع صراع الجماعات المضهدة إثنيًا وأهالي البلاد حول العالم. ومع ذلك، ما يزال للحركة صبغة اشتراكية، لأن الليبرالية الجديدة تعرف بأنها قسم حيوي من القوى المتحالفة التي تعترض التحرير الفلسطيني. وتعيد الليبرالية الجديدة تنظيم نفسها باستمرار بوصفها صيغة أخرى للاستعمار الاستيطاني، وحتى الآن يمثل العمال مجموعة أخرى مضطهدة، ضحية لنفس تحالف القوى الذي يعمل حاليًا ضد فلسطين.

وهناك شعور متزايد بأن انتاج المعرفة أداة جوهرية في الصراع. ولهذا تصبح المقرات الجامعية مواقع نشاط لها تلك الأهمية، سواء فيما يتعلق بمنظمات الطلاب في أرض الواقع، أو بالاتجاهات الجديدة في المناهج الدراسية والتوجهات البحثية للكليات. هناك الآن ثمانية مراكز للدراسات الفلسطينية حول العالم، تستضيف أكثر من 100 طالب دراسات عليا سنويًا، وتتخذ فلسطين مادة رئيسة لبحوثها. ويدور كثير منها حول موضوعات تتصل بمستقبل فلسطين: مثل النضال ضد إنكار النكبة، وتحليل المعاداة للصهوينية وهوس الخوف من الإسلام في سياق النضال من أجل العدالة في فلسطين، والصلة بين الليبرالية الجديدة والاستعمار الاستيطاني، والملامح المتنوعة لحل محتمل قائم على دولة واحدة؛ والتطبيق العملي لحق العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.

وبصرف النظر عن الانتاج المعرفي المذهل والأنشطة الحيوية على أرض الواقع، إلا أن تصور المستقبل أكثر وضوحًا من الطريق الذي سيوصل لتحقيقه. وهنا يمكن لليسار أن يلعب دورًا حيويًا في فلسطين وخارجها. ومع ذلك، فهذا يتطلب أن يستعيد اليسار التقليدي حيويته، ويجد طريقًا للتأثير على الاستراتيجية الكلية، التي من دونها قد تضيع هذه الحيوية المكتشفة حديثًا، كما حدث بعد انهيار 2008، وفي أثناء الربيع العربي.

سينبغي القيام بهذا معظمه مع تنظيم الحركة الاجتماعية وأبنيتها. ويبدو أن هناك استخفافًا بالشؤون التنظيمية سواء بالنسبة الذين شاركوا في الحركات العالمية منذ 2008ضد افتقار السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة للروح الإنسانية، وفي النضال ضد الفساد والقهر في الربيع العربي. يمكن فهم مصدر هذا الاستخفاف. بالنسبة لكثيرين جدًا، عانت المنظمات بوصفها أداة من الفساد، على أساس أنها تقوم على تسلسل هرمي لا يتسم بالجدارة، وأنها تخلق ركودًا بدلًا من التقدم. ومع ذلك، يصعب إيجاد أي بديل لمجموعات الطلاب، ونقابات العمال، والمنظمات الاجتماعية والسياسية الأخرى، إذا ما رغبنا في تحويل الرؤية إلى واقع ثوري. وسيحمل لنا الزمن نبأ هذه الطاقة والحماس، وإذا كان من الممكن دمجها في سرب المغردين الحاليين أو الجدد. على الرغم من هذا فمن الواضح الآن، أن الشباب الفلسطيني حاضر ونشط. وإذا ما وجدوا الطريق لتنظيم وتنسيق عملهم، سيؤثرون بشدة على النضال من أجل الحرية والعدالة في فلسطين.

إيلان بابيه: مدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية في جامعة إكستر، ومؤلف كتاب “التطهير العرقي في فلسطين”، (Oneworld, 2006). وآخر كتبه “عشر خرافات حول إسرائيل”، (Verso, 2017).

الهوامش

1- للاطلاع على المعلومات الديموجرافية حول المناطق المحتلة، انظر: see the Palestinian Statistic Bureau website—www.pcbs.gov.ps/site/lang__en/881/default.aspx#Population.

2- Babatudne, 2009..

3- Seif, 2020..

4- BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugee Rights, 2012a.

5- ورد اقتباس عن المسح في Mustakbalna, 2017.

6- Hilterman, 1991, p2.

7- https://palestinianyouthmovement.com

8- للوصول إلى هذه صفحة على الفيسبوك انظرwww.facebook.com/media.yas

9- Rabinowitz and Abu Baker, 2005.

10- انظر Pappe, 2018 .

11- Wolfe, 2006.

12- Avineri, 2014.

13- انظر https://onestatecampaign.org/en.

14- BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugee Rights, 2012b.

15- https://palestinianyouthmovement.com .

16- انظر Khoury-Machool, 2007.

17- Unsleuber, 2011.

 

المراجع

Avineri, Schlomo, 2014, “The Nakba According to Haaretz”, Haaretz (8 May).

Babatudne, Saka Ganiu, 2009, “The Role of the Palestinian Youth in the Israel-Palestine Conflict” (MA Thesis), Cyprus International University.

BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugee Rights, 2012a, “One People United: A Deterritorialised Palestinian Identity”.

BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugee Rights, 2012b, “Survey of Palestinian Refugees and Internally Displaced Persons, 2010-2012”.

Hilterman, Joost, 1991, Behind the Intifada: Labor and Women’s Movements in the Occupied Territories (Princeton University Press).

Khoury-Machool, Makram, 2007, “Palestinian Youth and Political Activism: The Emerging Internet Culture and New Modes of Resistance”, Policy Futures in Education, volume 5, issue 1.
Mustakbalna, 2017, “Palestinian Youth Challenges and Aspirations: A Study on Youth, Peace and Security Based on UN Resolution 2250”, https://bit.ly/3mYKiV5

Pappé, Ilan, 2018, “Indigeneity as Cultural Resistance: Notes of the Palestinian Struggle within 21st Century Israel”, South Atlantic Quarterly, volume 117, issue 1.

Rabinowitz, Dani, and Khawla Abu Baker, 2005, Coffins on Our Shoulders: The Experience of the Palestinian Citizens of Israel (University of California Press).

Seif, Samir, 2020, “Youth in the Palestinian National Movement: Painful Truths”, Palestine-Israel Journal, volume 6, issue 4.

Unsleber, Steffi, 2011, “Destroying Belief in the Resistance? The USAID Funded Palestinian Youth Summit”, Palestine Monitor (September 14).

Wolfe, Patrick, 2006, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native”, Journal of Genocide Research, volume 8, issue 4.

“no-nonsense” initiative ( [1] في الأصل (المترجمة).