المحرر

لا يمكن الحديث عن أزمة المسرح دون الحديث مع والاستماع إلى صنّاعه.. صناع المسرح بأقسامه؛ مسرح الدولة والمسرح المستقل. عنوان هذا الباب هو “هموم صنّاع الثقافة” وهدفنا من خلاله الوقوف على هموم ومشكلات الصنّاع بالدرجة الأولى؛ فأياديهم في النار كما يقول المثل الشعبي. بالطبع فإن المسرح أمره مختلف، فالنقاد وأساتذة الدراما والباحثون مكون رئيسي من مكونات الصناعة ذاتها، لكن رؤيتهم للمشكلات قد تختلف زواياها عن تجارب الصنّاع.

هنا ننشر شهادات لعدد من المسرحيين من أجيال ومواقع وتجارب مختلفة ومتنوعة، عن مسرح الدولة والمسرح المستقل ومسرح القطاع الخاص، يتحدثون عن أزمات “الخشبة” وأبنية العرض، وعن اللوائح المالية لمسارح الدولة، وغياب مسرح القطاع الخاص..

عن المسرح المستقل وأزماته، وعن تجارب كبيرة ومؤثرة مثل تجربة فرقة “الورشة” وعن فرق أخرى مستقلة شابة مثل فرقة “اللعبة”..

عن غياب دعم الدولة، وغياب المواسم المسرحية المخططة، وتراجع الحركة النقدية، وصعوبات المشاركة في المهرجانات. عن مسرح الأقاليم وغياب المواقع المسرحية بعد حادثة بني سويف، وغيرها من الهموم.

 

ناصر عبد المنعم – مخرج مسرحي

تعبير الأزمة مرتبط بالمسرح تاريخيًّا، وفي كل فترة زمنية كانت لها أزمتها، حتى في الفترة التي يصفها البعض بأنها فترة النهضة المسرحية في الستينيات، لذك أرى أن الأمر نسبي ومرتبط بالظروف العامة. حاليًا توجد مشكلات بالطبع، ويمكننا أن نرصد عددًا من الملامح المهمة لها، وهي تخص السرح كله بشقيه؛ المسرح الرسمي أو مسرح الدولة، والمسرح الأهلي أو الخاص أو المستقل أو الحر وكل ما ينتج خارج الدولة.
يعاني إنتاج الدولة من لوائح قديمة جدًا، أقصد اللوائح المالية، لوائح لم تتحرك منذ ما يقرب من 40 عامًا، رغم زيادة الأعباء وظهور وسائط أخرى حديثة تحتاج إلى المنافسة معها من أجل مسرح أحدث. هذه اللوائح تكبل الشباب فيجد ممثل المسرح الجاد أن المقابل لا  يكفل له الحياة التي يتطلع إليها فيذهب إلى وسائط أخرى، فيها شهرة أوسع وأموال أكثر.

كذلك فالمسارح كأبنية بالية وقديمة وتعوزها التقنيات الحديثة في الإضاءة والصوت بالقدر اللي يحقق نوعًا من الإبهار، وأعمال التجديد والتطوير فيها لا تطول جوهر العملية المسرحية، ولا تتجاوز الدهان الخارجي. كذلك فإن مسارح الدولة من المفترض أنها مسارح متنوعة ومتعددة، والأصل في إنشائها أن يصبح لكل مسرح هوية، فالقومي غير الطليعة غير الهناجر وهكذا، لكن الآن يوجد نوع من التداخل بين هذه الهويات. المفترض أيضا أن لكل فرقة مسرحية فلسفة في الإنتاج وهوية خاصة، لذلك فهذا التداخل يؤثر سلبًا على حركة الإنتاج المسرحي.

المشكلة الكبرى أيضًا، أننا نفتقد لمواسم مسرحية مخطط لها، فالمسارح الكبرى تعلن عن مواسمها شهرًا بشهر، ليعرف الجمهور عن العروض، لا بد أن يكون هناك مخطط لدى المسرحيين، فالمواسم تعطي تنوعًا ورؤية وقوة ورؤية استراتيجية، وتخلق نوعًا من الثقة والحميمية بين المسرحيين والجمهور، وتكوّن أصدقاء للمسرح ولعروضه.. الخطط الاستراتيجية تعطي للفرق رونقًا كما تمنحها رؤية ورصانة، بدلاً من فلسفة “عرض بعرض” التي تعمل بها المسارح حاليًا.

توجد نقطة مهمة أيضًا، لمستها حينما كنت رئيسًا للمهرجان القومي للمسرح لمدة 3 سنوات من 2014 حتى 2016 فقد لمست غياب المؤلف المصري، النسبة الغالبة للعروض من نصوص أجنبية، فقد تجد فرق الأقاليم المصرية تقدوم عروضًا لكتاب إيطاليين وفرنسيين، وهي ظاهرة مدهشة جدًا وترجع كما قلت إلى غياب الخطط والمواسم، وترك الأمر للاجتهاد الشخصي، يجد المخرج نصًّا فرنسيًّا فيسارع إلى تنفيذه لأنه يعرف أنه لن يعرض طويلاً.

النقطة السادسة تخص مسرح الثقافة الجماهيرية، فبعد 2005 وعقب الحادثة المروعة لحريق مسرح بني سويف، أغلقت مواقع كثيرة لعدم مناسبتها لشروط السلامة، ولذلك فمسارح الأقاليم لا تعمل بكامل طاقتها، وهذا يحتاج إلى تصدٍ حقيقي وشامل لإتاحة المزيد من المواقع والوصول لأقصى الطاقات.

أما على صعيد المسرح الخاص، فالمسرح الخاص في مصر اختفى تقريبًا، ففي فترة التسعينيات كنت ترى أكثر من 20 عرضًا في فترة الصيف على مسارح الإسكندرية وحدها، وهذا يرجع في تقديري إلى المنتجين والفنانين في المسرح الخاص، راهنوا على السائح العربي، لا على جمهور الطبقة الوسطى ومع غياب السياحة الخليجية أو تراجعها غاب المسرح الخاص، الذي بنى توليفته على ما يحتاج إليه هذا السائح. وأرى أن عليه أن يغير هذه التوليفة ليجتذب جمهور الطبقة الوسطى المصرية.

كذلك، ينبغي على الدولة أن تغير من رؤيتها لهذا المسرح الذي تعامله ضريبيًّا كملهى ليلي، فتستقطع من التذكرة نسبة كبيرة صالح ضريبة الملاهي. هذه نظرة ليست في محلها، فالمسرح الخاص رافد مهم من روافد التسلية والكوميديا.

النقطة الأخيرة تتمثل في ضرورة قيام الدولة بدعم المسرح المستقل، لا بد على الدولة بشكل عام أن تدعم كل الروافد لخلق تيار ثقافي وفني، ولا يشترط أن يكون هذا الدعم ماديًّا، فقد تساعد بتقديم الديكورات أو خشبة العرض، أو حتى تخصص مبلغًا لدعم العروض المستقلة من خلال مسابقة تتقدم لها الفرق الحرة بعروضها، وتعتمد في الإنتاج على هذا المبلغ المقدم من الدولة.

 

حسن الجريتلي – مخرج ومؤسس فرقة “الورشة”

أكثر ما يواجه المسرح المستقل في مصر من عقبات، هو غياب التمويل والدعم المحلي للصنّاع المستقلين، على الرغم من الوعود المتكررة من جانب المؤسسات الرسمية بتقديم هذا الدعم الذي لا يأتي!

المسرحيون المستقلون في حالة بحث دائم عن نوع من الاعتراف والشرعية، وبما أن الشرعية في الحقل الفني والثقافي مرتبطة بالمؤسسة الرسمية، فالمبدع الحر يعني من كونه يعمل وحده بلا غطاء أو دعم أو اعتراف. أذكر أن الكاتب الكبير لويس عوض وكان صديقًا قريبًا لأبي، سألني بعد وفاة والدي “ناوي تعمل إيه؟” وقلت له سأعمل مخرجًا مستقلاً، فرد عليَّ: مصر بلد فرعوني مركزي، لا يوجد فيها شيء اسمه مستقل.

وأنا لا أرى أنا دعم الدولة للمسرح الحر أو المستقل يمكن أن يؤثر على استقلاليته، فقد خضت تجربة عمل في فرنسا بعد دراستي للمسرح في إنجلترا، إذ عملت في فرقة مسرحية كانت تعرض في الريف وكنا نعمل في إقليم الليموزان، وكانت الفرقة تحصل على دعم من الحكومة مقابل أن تسافر لتعرض للناس في الأقاليم أعمالاً من تأليف كتاب فرنسيين. هناك أشكال مختلفة من الدعم المحلي ليس ماليًا فقط. وأنا أتخيل دائمًا أنه ممكن أن يكون هناك تعاون بين الطرفين؛ المستقلين والمؤسسة الحكومية أو الرسمية، علاقة تعاقدية وليست تبعية، ورأيي أن هذه هي المشكلة العميقة في الأزمة، أنه لا بد أن يكون الفنان تابعًا للدولة أو المؤسسة ليربح ويستفيد، أما أنا فأرى أن الفن لا بد وأن يكون مستقلاً وحرًا ليفيد المجتمع ويغير في المجتمع، والمجتمع الذي لا يتقدم ويتغير سيتعفن.. فكرة التغيير والنمو مرتبطة بوجود إبداع وابتكار حر وتصور للمستقبل.

نأتي للحل؛ عرفت أن الدولة تتعاقد اشترت مسارح للأقاليم، فلماذا لا تتعاقد مع الفرق المستقلة لتعرض ضمن هذه المسارح، ما الذي يمنعها من أن تتعاقد مع “الورشة” خصوصًا أننا عملنا كثيرًا في المحافظات، ولدينا فروع في الصعيد، وأقمنا ليال شهدت إقبالاً كبيرًا، كما أننا عملنا مع مؤسسات مختلفة، فعرضنا في سجن القناطر على سبيل المثال، وقدمنا عروضًا للجنود في رمضان، وكنا أول فرقة مسرحية تسافر إلى إيران بطلب من الدولة عام 2001، إذن فالدولة تعرف عملنا وتفهم من نقدمه، وأنا مؤمن تمامًا بأهمية المؤسسات في توازن المجتمع.. الدولة لها مؤسساتها الثقافية، ونحن كمستقلين لدينا مؤسستنا، فلماذا لا نتعاقد معًا ونعمل لصالح المجتمع وتنميته بالفن؟ ولا أقصد بالتنمية بالفن أن نكون بوقًا أو أن نوظف الفن للإرشاد، بل أعني أن وسائل الفن، وهناك فارق كبير بين الاثنين.

طبعًا، الأزمة تحتاج إلى حلول استراتيجية وشاملة، وما أتحدث عنه هنا، هو حلول قصيرة المدى لتجاوز الأزمة على المدى القصير والمتوسط، وتقديري أن الجمهور المصري الآن ورغم ضيق المساحات فإنه يتقبل التجديد والابتكار، وعلينا أن نعمل وسطه ومعه لنفتح مساحات جديدة.. مساحات سيعود فتحها بالفائدة على الجميع.

طول حياتي آمنت بالخدمة العامة وضرورتها، وأعتبر نفسي من أكثر الذين عملوا في الخدمة العامة، وأقول بكل ثقة إنني لما أرى في حياتي كل هذا العدد من المبادرات العامة مثلما يحدث الآن من جانب الأجيال الجديدة. الجديد سيفرض نفسه حتمًا، هذا هو منطق الأشياء وعلينا أن نستفيد من هذا.

 

طارق دويري – مخرج مسرحي

السؤال عن حال المسرح المصري الآن صعب وشائك، والإجابات كذلك! لكنني قد أجملها في غياب الفلسفة.. غياب فلسفة التعامل مع المسرح وغياب الاستراتيجية من جانب الدولة ومؤسساتها الثقافية.

والموضوع يتلخص في: ماذا يعني المسرح عند المؤسسة الثقافية، وهل تريد مسرحًا حيًّا أم مسرحًا ميتًا؟ هناك أزمة حقيقية في المسرح بالطبع، فما يقدم حاليًا لا ينافس العالم، لأن الإدارة الثقافية لا تبحث عن مبدعين حقيقيين ومختلفين ليقدموا مسرحًا مختلفًا. هناك نشاط مسرحي، لكنه نشاط بمنطق “تسديد الخانات”.. نشاط دون خيارات حقيقية لمبدعين بعيدًا عن مسماهم الوظيفي وارتباطهم المؤسسي.

هناك شباب جامعيون موهوبون ولديهم أفكار طازجة يعملون في مسرح الجامعة، لكن بسبب غياب المسمى والارتباط لا أحد يهتم بهم، وقد يكون الحل لأزمة المسرح من وجهة  نظري في مسرح الجامعة. الفكرة أن نبحث عن الموهوبين وما يقدمونه حتى لو تنقصهم الخبرة، المهم أن يكونوا قادرين على عمل عروض حية ومختلفة.. قادرين على على عمل محاولات جادة.

الأزمة في البيت الفني للمسرح وما شابهه من مؤسسات، فهو يقدم نشاطًا فعليًا، لكنه نشاط يعتمد على النجم دون تجربة تجربة حقيقية، ومن ثم عندما  نسافر في مهرجانات لدول مثل الأردن والجزائر وتونس والشارقة، وهذا حدث معي في عرض “الزومبي” الذي مثل مصر في مهرجان الشارقة عام 2017 وتشاهد العروض العربية المختلفة، تعرف إلى أين وصلنا وكيف تراجعنا بشدة بعد أن كانت مصر رائدة في المسرح عربيًا.

الأزمة جذرها في أعلى الهرم.. في عقل وزارة الثقافة، وحلها أيضًا يكمن هناك..

 

رشا عبد المنعم – مؤلفة ومخرجة

حين نتحدث عن المسرح فنحن بالضرورة نتحدث عن الحرية والسلطة فى آن واحد، نتحدث عن مساحة حرة للتحليق  ومحددات للمنع.. حيث العرض المسرحي ساحة جدل، وحيث تتأسس عملية إنتاج المعنى فى المسرح عبر إزاحة مستويات من السلطة (سلطة اللغة /الدين /الفضيلة – السلطة الكامنة فى العلاقات البينية بين المؤلف والمخرج والسينوغراف والمؤديين والجمهور) والتي تنتهي بأن بذرة النص الواحد تنتج آلاف النصوص.

ولسنا هنا بالطبع بصدد تعريف السلطة/ الحرية / فلسفيًّا، فما يعنينا هنا حرية الإبداع  التي تتعهد الدولة بحمايتها فى دستورها..

كيف ولماذا تراجعت حرية الإبداع وتفاقمت آليات المنع؟ وكيف استطاع المسرح مراوغتها؟ وكيف تراوح بين الإفلات منها والوقوع في فخها؟

كان لحيوية المسرح المصرى وإصراره (بكل روافده) خاصة المسرح الجامعي والمسرح المستقل على تحدي السائد تأثير كبير دفع الأنظمة لاستحداث إجراءات من شأنها محاصرة  السيل الجارف الذى يتحدى قيمها التقليدية المحافظة التى لا تقبل المساس بها، وكانت الرقابة أحد الأدوات التى لجأت لها لحماية المبدعين من أنفسهم، دون أن ينتبهوا للدور الاجتماعي الداعم الذى يلعبه المسرح فى التحول/ التغيير الاجتماعي الإيجابي وبناء وعي المواطن  الذي تحتاج إليه الأنظمة ذاتها، وقد  قبل  المسرح المصرى ذلك التحدى منذ سنوات  سواء علنًا بمواصلة إنتاج العروض المفارقة جماليًا أو عبر التقنع والتخفي، لمواجهة الآليات التي استحدثتها الرقابة لتطبق  قبضتها على المنتج المسرحى وأحدثها: فرض رسوم إضافية وزيادة المحاذير الرقابية.

كان لتلك الإجراءات أثر بالغ فى إضعاف تيار المسرح المستقل ومسخه وإفقاده أحد أهم مزاياه (بوقوعه تحت طائلة الرقابة) لكن اللعبة تقتضي المناورة من الجانبين؛ فلجأ المسرحيون لبعض آليات التخفى على النحو التالي:

  • أصبحت العروض فى معظمها تحاكي النسق الجمالي الكلاسيكي.
  • أصبح المحتوى الدرامي (فى معظمه) حال كون الكاتب/ مصريًّا ..يعتمد على الرمزية، واستلهام نصوص من أحداث غير واقعية وعوالم خيالية تعتمد على أساطير أو حكايات خيالية أو مستلهمة من التاريخ البعيد (بغرض الاسقاط على الواقع).
  • أصبح اللجوء لنصوص الكتاب الغرب شائعًا، إذ يسمح يتوفير غطاء موضوعي مفاده: إن ما نعرضه الآن يحدث هناك ولا علاقة له بما يحدث هنا.

وهكذا فقدنا المسرح الطازج المفارق جماليًّا القادر على الاحتجاج  والصراخ والسخرية، القادر على إبكائنا وإضحاكنا فى أن واحد.

إلى أين سنذهب بالمسرح بعد ذلك: سنشاهد عروضًا بلاستيكية جميلة .. وستحظى بإعجاب النقاد والجمهور وفقًا لمسطرة المعايير الجمالية التقليدية. شريطة ألا تحوي نقدًا عميقًا يهز أركان الأنظمة المعرفية والاجتماعية الراسخة خاصة فيما يتعلق بالدين _ وضع المرأة_ السياسة، سيتخفي المسرح لكنه سيبقى، وفى اللحظة المناسبة سيعاود حضوره ومفاجأتنا بالمسرح الذى نتمناه.

 

دعاء حمزة – ممثلة ومخرجة

كممثلة شاركت في عروض مستقلة أكثر ،وفي بعض العروض التابعة لمسارح مثل الهناجر ولكن بشكل أقل، حتى أسست فرقتي فرقة اللعبة المسرحية عام 2014، وأنتجنا عرضين، الأول عرض مونودراما بعنوان “صح النوم” مأخوذ عن نص “نوبة صحيان للكاتب الإيطالي داريوفو، والعرض الثاني مسرحية “مفتاح شهرة” وهو من تأليفي وإخراجي ومثلت فيه أيضًا، وقد عرضنا العملين داخل مصر وخارجها في أمانيا وكندا منذ عام 2015.

كممثلة ومخرجة، أرى أن الأزمة الأكبر التي تواجه المستقلين في مصر هي دور العرض، يليها المتابعة النقدية الإعلامية للتجارب المسرحية، والثانية مرتبطة بالأولى، فنحن نضطر إلى تأجير مسارح خاصة لنعرض عليها، ولا نعرض أكثر من يومين سواء على مسارح الدولة أو المسارح الخاصة، فكيف يمكن للجمهور أن يعرف عن عرض قدم ليومين فقط، ناهيك بجهد الفرقة وطاقم العمل الذي تعد ليلة العرض الأولى بالنسبة له تأهيلاً للقاء الجمهور والتعود على المسرح وإمكاناته، ثم يعرض ليلة ثانية و”خلاص”!

أي عرض مسرحي يحتاج إلى 15 يومًا على الأقل، ويتابعه النقاد والصحفيون، ويعرفه الجمهور بالتالي، وأيضًا لكي يتمكن الممثل من العمل براحة واستقرار، وللأسف كما قلت لا نعرض أكثر من يومين في أفضل الظروف. حتى عندما فاز عرضنا “مفتاح شهرة” بالجائزة الثانية في مهرجان المسرح التجريبي 2020، تخيلت أنه سيتم إعادة العرض الفائز على مسارح الدولة ليراه نقاد أكثر ويراه جمهور أوسع، لكن للأسف لم تتم إعادة العرض واكتفوا بالجائزة، بينما  عرض الفائز الأول التابع لأكاديمية الفنون على مسرح الأكاديمية.

نحن نستهدف في الجمهور، الأسرة من الطبقة الوسطى، ولذلك لا أريد أن أبيع تذاكر العرض بسعر مرتفع، وفي نفس الوقت أطمح إلى أن أعرض على مسرح جيد من حيث التقنيات، وهي معادلة صعبة وضاغطة، خصوصًا أن كل هذا يتم من أجل يومي عرض فقط.

كمشاهدة من جيل التسعينيات أرى أنها كانت فترة فيها حركة مسرحية مزدهرة، ومدعومة من الدولة ومن المراكز الثقافية الأجنبية، وعلى الرغم من الشد والجذب كانت الدولة تنتج للمسرحيين المستقلين، وكانت أعمالهم تعرض ضمن مهرجان المسرح التجريبي بسهولة، وكانت هناك حركة نقدية موازية تتابع جيدًا.. كانت هناك أسماء كبيرة تدعم وتساعد وتكتب عن العروض مثل الدكتورة هدى وصفي والدكتورة نهاد صليحة والدكتور رفيق الصبان وغيرهم، الآن نجد صعوبة كبيرة في دخول مهرجان، فضلاً عن كل شيء يتم بالاجتهاد الذاتي.. دعوة النقاد للحضور وإبلاغ الصحفيين والدعاية، كل شيء تقوم به الفرقة، ولذلك عندما نتحدث عن الدعم للمسرح المستقل فإن الأمر يتجاوز الدعم المادي. نحتاج إلى ما هو أكثر من أجل مسرح متنوع وحركة مسرحية مزدهرة.