هوامش
محمد نبيلمن خامنئي إلى خامنئي: تَحوُّلات النخبة داخل النظام الإيراني الجزء الأول
2026.05.16
من خامنئي إلى خامنئي: تَحوُّلات النخبة داخل النظام الإيراني
الجزء الأول
في عام 2011 أصدرت «مؤسسة راند للأبحاث» - التي تُقدِّم خدماتها للجيش الأمريكي - دراسةً مطوَّلةً تناولت فيها سيناريوهات ما بعد خامنئي،[1] افترضت الدراسة آنذاك أنَّ المرشد الأعلى الإيراني قد لا يعمّر طويلًا؛ بسبب تدهور حالته الصحية، ما قد يخلف صراعًا حول المنصب. لكن وللمفارقة، عاشَ خامنئي بعد صدور الدراسة 15 عامًا أخرى، ولم تكن وفاته نتيجة تدهور صحي كما توقَّعت الدراسة، بل جاءت نتيجة القصف الأمريكي - الإسرائيلي على طهران.
خلُصت الدراسة إلى خمسة سيناريوهات محتملة لمرحلة ما بعد خامنئي. أربعةٌ منها تندرجُ ضمنَ الإطار المؤسسي التقليدي للمنصب؛ إذ تتراوح بين أنْ يُسمّي خامنئي خليفته بصورة مباشرة، أو أنْ تصعد شخصية من داخل الدوائر القريبة من مركز السلطة، بدرجات متفاوتة من التشدُّد أو البراغماتية، أو أنْ تُجرى تعديلات مؤسسية تفضي إلى قدر من «دمقرطة» المنصب، مثل إنشاء مجلس قيادة بدلًا من منصب المرشد الأعلى. أمّا السيناريو الخامس، والأكثر اختلافًا، فيفترض إلغاء منصب المرشد الأعلى نفسه، وتَحوُّل النظام السياسي في إيران إلى نظام جمهوري تقليدي.
وترى الدراسة أنَّ تَحقُّق أي من هذه السيناريوهات يخضع لثلاثة محددات رئيسية؛ هي:
● موقف الفصائل والتيارات المختلفة داخل النظام، لا سيما «الحرس الثوري» و«الباسيج».
● التَحوُّلات المحتملة في نظرية ولاية الفقيه بوصفها تمثّل الأسس الأيديولوجية والسياسية للنظام.
● الدور الذي قد يلعبه مكتب المرشد الأعلى والشبكات المرتبطة به، ومدى قدرتها على التأثير في عملية اختيار المرشد القادم.
ضمن هذا السياق، كان مجتبى خامنئي يمثّل خيارًا مفضّلًا لدى الدائرة الضيقة حول المرشد، وكذلك لدى الجناح الأكثر تشددًا داخل «الحرس الثوري». غير أنَّ فرضه لم يكن بالأمر الهيِّن، لما قد يحمله ذلك من دلالات توريث سياسي داخل نظام يحرص رسميًّا على نفي هذا النمط من انتقال السلطة. كما أنَّ ذلك قد يوفِّر للمعارضة داخل النظام؛ ذريعةً للهجوم على المنصب ذاته، وربما المطالبة بإلغائه. فضلًا عن ذلك، لم يكن خامنئي الأب يحبذُ فكرة خلافة ابنه، للأسباب السابقة، وقد أرسل خطابًا إلى «مجلس الخبراء» يوصي باستبعاد مجتبى من المرشحين لتولي منصب المرشد الأعلى.[2]لكن يبدو أنَّ العدوان الأخير على طهران قد ذلّل كثيرًا من هذه العقبات؛ إذ أمسك الجناح المتشدد بزمام المبادرة، وتمَّ تهميش عدد من المؤسسات التقليدية في عملية صنع القرار، وهو ما مهَّد الطريق أمام صعود مجتبى إلى موقع المرشد الأعلى. تجادل هذه المقالة بأنَّ صعود مجتبى خامنئي لا يمثل مجرد انتقال شخصي للسلطة، بل يعكس تَحوُّلًا أعمق في بنية النخبة الحاكمة داخل الجمهورية الإسلامية، نحو نموذج أكثر تماسكًا وأشد ارتباطًا بالمؤسسة الأمنية والعسكرية.
علي خامنئي مرشدًا أعلي
في عام 1989 لم يكن على خامنئي المرشح الأوفر حظًا لشغل منصب المرشد الأعلى، خلفًا لآية الله روح الله الخميني، إذ كان الأخير يُعِدُّ تلميذه النجيب آية الله حسين على منتظري، والذي كان يشغل منصب نائب المرشد الأعلى آنذاك؛ ليحلَّ محله. لكن الخميني عَدلَ عن ذلك قبل وفاته بشهرين تقريبًا، بعد أنْ قدَّم منتظري نقدً داخليًّا للنظام، ليُستبدَل علي خامنئي بمنتظري. كان علي خامنئي يحظى بدعم علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وحين تولى خامنئي منصب المرشد، خلفه رفسنجاني في رئاسة الجمهورية. كان الرجلان يتوافقان في العديد من القضايا، وفي مقدِّمتها النقاشات التي دارت في الثمانينات حول أممية الثورة الإسلامية.
ربما يتفاجأ البعض حين يعلم أنَّ خامنئي ورفسنجاني مثّلاَ الجناح المحافظ بعد الثورة في النقاشات التي دارت حولَ أممية الثورة، رأي كلاهما أنَّ الأمر يتعلق بإيران بالمقام الأول، وأنَّ الثورة يمكن تقديمها لتكون «نموذجًا للثورات الإسلامية»، لكن ذلك لا يقتضي بالضرورة عالميتها. في المقابل كان الجناح الآخر بقيادة محمد منتظري - نجل آية الله حسين منتظري - ومهدي هاشمي الذي سيصبح فيما بعد من قادة «الحرس الثوري»؛ يدفع باتجاه أممية الثورة والثورة المستمرة. أسسَّ منتظري وهاشمي وحدةً خاصة بحركات التحرر الإسلامي داخل «الحرس الثوري»، كما شارك منتظري مع علي أكبر محتشمي بور في تكوين حركة مسلحة للقتال ضد إسرائيل في لبنان، قبل أنَّ يساهم بور في تأسيس «حزب الله» فيما بعد. سيلقى منتظري - الابن - وهاشمي حتفهما في ظروفٍ مختلفة خلال الثمانينات، وسيوطد الجناح الآخر رؤيته بعد أنْ يتولى خامنئي رئاسة الجمهورية قبل أنْ يتولى منصب المرشد، ويخلي مقعده لرفسنجاني، وفي أثناء فترته الرئاسية سيفكِّك خامنئي المنظمات التي أُنشئت بهدف تصدير الثورة.
لفهم الطريقة التي صعدَ بها خامنئي للمنصب، علينا أولًا فهم التعقيدات التي تحيط بعملية تعيين المرشد الأعلى وآلية اختياره. إذ يوضِّح دستور الجمهورية الإسلامية الشروط والأحكام اللازمة لعملية اختيار المرشد الأعلى؛ حيث يتم اختيار المرشد من قِبل مجلس خبراء القيادة المكوّن من 88 عضوًا يتم انتخابهم كل 8 سنوات، ويشرف المجلس على أداء المرشد بعد اختياره، كما يمتلك الحقَّ في عزله عن منصبه إذا كان عاجزًا عن تأدية مهامه المنصوص عليها في الدستور. بيد أنَّ عملية انتخاب أعضاء مجلس خبراء القيادة تتم تحت إشراف مجلس صيانة الدستور، المكوُّن من 12 عضوًا، يختار نصفهم المرشد الأعلى، فيما يرشح رئيس السلطة القضائية - الذي يعيّنه المرشد - الأعضاء الستة المتبقين، قبل أنْ ينتخبهم مجلس الشورى الإسلامي.
ويتمتع مجلس صيانة الدستور بصلاحيات دستورية عالية، خاصة فيما يتعلق بالقرارات والقوانين التي يُصدرها مجلس الشورى الإسلامي، حيث يقوم بمراجعتها وتصديقها قبل اعتمادها، كما يختص بتفسير مواد الدستور. وتُحدِّد المواد 99،98،97،96،95،94،93،92،91 من الدستور الإيراني سلطات المجلس بوضوح.[3]
ضمن هذا التعقيد الدستوري يتم اختيار المرشد الأعلى الذي يتمتَّع بنفوذ واضح على عملية الاختيار من خلال قدرته على اختيار بعض المناصب - كما في سلطته لاختيار نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور ورئيس السلطة القضائية - وتوضِّح المادة 110 من الدستور الإيراني الصلاحيات الكبيرة التي يمتلكها المرشد الأعلى ضمن النظام السياسي للجمهورية الإسلامية، إذ يتمتَّع بسلطة تنصيب وعزل معظم المسؤولين في الدرجات العليا مثل القيادات العليا للقوات المسلحة وقادة «الحرس الثوري»، وأعضاء مجلس صيانة الدستور، ورؤساء الهيئات الإعلامية، كما يقوم برسم السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها، فضلًا عن السلطة الرمزية الكبيرة التي يتمتَّع بها، والتي لا تضاهيها سلطة أخرى في إيران.
بالعودة إلى ظروف تولِّي علي خامنئي منصب المرشد، يمكن القول إنَّ الشقاق الذي دبَّ بين منتظري وأستاذه الخميني كان العامل الحاسم في صعود خامنئي إلى هذا المنصب. فقد مهَّد الخميني الطريق لخليفته - خامنئي - مستندًا إلى مكانته غير المتنازعة، وشمل ذلك إجراء تعديل على الشروط الدستورية للمنصب، التي كانت تشترط أنْ يكون المرشد الأعلى من بين مراجع التقليد، وهو ما لم يكن متوافرًا في خامنئي آنذاك. فضلًا عن ذلك ساعدت مجريات الأحداث خلال العقد الأول من الثورة في تعزيز مكانة خامنئي، خاصةً بعد اغتيال مطهري وبهشتي، وتهميش منتظري فيما بعد.[4]
كانت التغيُّرات تعتمل داخل التيار الإسلامي خلال العقد الأول من الثورة، وعلى الرغم من الاتفاق حول بعض المبادئ الأساسية للثورة، مثل شكل النظام السياسي القائم على نظرية ولاية الفقيه، والمكانة غير المتنازعة لروح الله الخميني، فإنَّ ذلك لم يمنع الاختلاف في قضايا فرعية، انتقلت مع الوقت لتشغل حيزًا كبيرًا في النقاشات والتجاذبات بين أطياف التيار الإسلامي. ومع وفاة الخميني الذي كان يمثِّل العقدة التي ربطت هذه الجدائل، بدأت تتبلور اتجاهات متنافسة داخل النظام.
وتشير فاطمة الصمادي إلى الخطابات المتعارضة التي تشكَّلت خلال العقدين الأولين من الثورة، والتي تطوَّرت لاحقًا إلى اتجاهات وجماعات، يمثّل كلٌّ منها خطًّا سياسيًّا معينًا.
وتستدلّ على ذلك بالخلاف الذي دار بين علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني - بوصفهما ممثلين لما يمكن تسميته «المحافظين التقليديين والمحافظين البراغماتيين» - حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن التوجُّهات الخارجية التي برزت خلال فترة حكم رفسنجاني. أو الصراع بين خطاب الإصلاح الذي مثّله محمد خاتمي، والخطاب الأصولي الذي عبَّر عنه أحمدي نجاد، خلال العقدين الأخيرين.
على أنَّ الاختلافات بين هذه الأطياف ليس حدّيًّا؛ إذ دأبت على استعارة مقولات بعضها، كما أنَّها جميعًا تزعم وفاءها لإرث الإمام الخميني، رغم تباين تأويل هذا الإرث لدى كلٍّ منها.[5]
مثّلت الانتخابات الرئاسية عام 2009 ذروةَ التنافس بين الإصلاحيين والمحافظين، على اختلاف توجهاتهم. وكان البراغماتيون والإصلاحيون قد تعرَّضوا لكثير من النقد خلال مرحلتَي حكم رفسنجاني وخاتمي، كما أبدى المرشد الأعلى تحفظاتٍ عديدة على التوجُّهات السياسية والاقتصادية لكليهما، ما دفعهُ إلى تأييد أحمدي نجاد، الذي مثّل رأس حربة الجناح المتشدد داخل النظام، خلال تلك الانتخابات.
استند خامنئي في دعمه لنجاد، إلى شبكةٍ من الموالين تجمّعت حوله خلال فترة حكم خاتمي، ثم تعزَّزت خلال السنوات اللاحقة. وقد حمَّلت هذه الشبكةُ الإصلاحيين مسؤوليةَ تردّي الأوضاع الاجتماعية، واتهمتهم كذلك بالخروج عن مسار الثورة. وتكوّنت، في الأساس، من قادة في «الحرس الثوري» و«الباسيج»، ومن مستشارين ونخب سياسية التفّت حول المرشد، فضلًا عن قادة في الحوزات الدينية في قم وغيرها، والشريحة المحافظة من تجار البازار. كما برز نجل المرشد، مجتبى خامنئي، بوصفه حلقة وصل بين أفراد هذه الشبكة وجماعاتها. وقد أسهم دعم خامنئي للمتشدِّدين في تعزيز سلطته، لكنه دفع، في المقابل، الجناحَ الآخر إلى المطالبة بإدخال إصلاحات على منصب المرشد، في محاولة للحد من تأثيره في السياسة الداخلية، في مواجهة المؤيدين لنظرية ولاية الفقيه المطلقة. وقد أفضت هذه الاختلافات، مع الوقت، إلى اتساع الشقاق بين التيارين.
[1] معهد أبحاث راند للدفاع الوطني، المرشد الأعلى المقبل: الخلافة في جمهورية إيران الإسلامية، (مؤسسة راند، 2011)
[2] ولي نصر، «الرسالة المتحدّية التي يبعث بها قادة إيران الجدد إلى الولايات المتحدة»، (The Defiant Message Iran's New Leaders Are Sending the US)، تاريخ النشر 19 مارس 2026، تاريخ الاطلاع 22 مارس 2026. https://open.substack.com/pub/zeteo/p/iran-mojtaba-khamenei-supreme-leader-war-regime?utm_source=share&utm_medium=android&r=1urjui
[3] دستور الجمهورية الإيرانية، تاريخ الاطلاع 20 مارس 2026. https://www.constituteproject.org/constitution/Iran_1989?lang=ar
[4] آية الله مرتضى مطهري (1919- 1979م): من تلاميذ الخميني لعب دورًا كبير بجانب آية الله حسين منتظري في نشر دعوى الخميني المناهضة للشاه، قُبض عليه مرات عديدة، وتمَّ اغتياله عام 1979 على يد «جماعة الفرقان» المعادية لسيطرة رجال الدين على الحكم. قال عنه روح الله الخميني بعد وفاته: «كان مطهري ولدي العزيز، ودعامة متينة للحوزات الدينية والعلمية، وخادمًا مفيدًا للشعب وللبلد».
آية الله محمد حسين بهشتي (1928 - 1981): من تلامذة الخميني، لعب دورًا كبيرًا في إرساء دعائم الجمهورية الإسلامية بعد الثورة، حيث كان عضوًا في مجلس شورى الثورة ونائبًا لرئيس مجلس خبراء تدوين الدستور، كما كان أول أمين عام للحزب الجمهوري الإسلامي. وعينه الخميني أول رئيس للسلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية. كان بهشتي يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة بجانب معارفه الدينية، فضلًا عن إجادته الإنجليزية والألمانية. توفي بهشتي في تفجير مكتب «الحزب الجمهوري» في طهران عام 1981، والذي تبناه تنظيم «مجاهدي خلق».
آية الله حسين علي منتظري (1922 - 2009): من تلاميذ الخميني المقربين وشغل منصب نائب المرشد الأعلى، لعب دورًا محوريًا في نشر أفكار الثورة الإسلامية، كما ساهم مع مطهري في إقناع مراجع التقليد في قم بتقليد الخميني مرجعًا أعلى عام 1963 لحمايته من بطش الشاه، تعرَّض هو شخصيًّا للسجن والنفي عديد المرات، وكان ممثلاً للخميني داخل إيران خلال سنوات نفيه، عيّن رئيسًا لمجلس خبراء تدوين الدستور بعد الثورة. تعرَّض منتظري لتهميش متعمد بعد عزله عن منصب نائب المرشد على أثر الانتقادات الداخلية التي وجهها للنظام، والتي تعلقت بالممارسات القمعية التي تتخذ ضد المعارضين والانتهاكات التي تحدث في السجون، كما عارض استمرار الحرب مع العراق بعد استعادة مدينة خرمشهر. طالت تعقيبات ومراجعات منتظري نظرية ولاية الفقيه ذاتها، إذ دعا الى انتخاب المرشد الأعلى، مع السماح لغير المعمم بأن يكون واليًا فقيهاً. تعرّض منتظري لحملات تشويه متعمدة بعد وفاة الخميني التي جاءت بعد قرار عزله بشهرين تقريبًا، حيث فُرضت عليه الاقامة الجبرية وتعرَّض أفراد عائلته وتلامذته للملاحقة وصُودرت أملاكه وأُغلق مكتبه. وقد أيَّد منتظري «الحركة الخضراء» عام 2009 وهاجم طريقة تعامل الحكومة مع المحتجين. توفي آية الله حسين علي منتظري في العشرين من ديسمبر عام 2009. نشر ابنه كتابًا عام 2012 يحمل إجابات عن 14 مسألة طرحها على والده تتعلق بالمجالين السياسي والديني في إيران، والتي يعرض فيه لعدد من القضايا المهمة بعد الثورة. وقد ترجمت الدكتورة فاطمة الصمادي هذا الكتاب إلى العربية بعنوان «نقد الذات: آية الله حسين علي منتظري في حوار نقد ومكاشفة للتجربة الإيرانية». مثّل منتظري بالنسبة للكثيرين الخط الإصلاحي بعد الثورة.
[5] فاطمة الصمادي، التيارات السياسية في إيران، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة 2012)، 48-65.