عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

فنون

سارة عابدين

الإيقاع المرن للفوتوغرافيا

2021.01.01

الإيقاع المرن للفوتوغرافيا

«الكاميرا هي الطريقة المرنة للالتقاء بواقع الآخرين»..

جيري أولسمان Jerry Uelsmann

إذا نظرنا إلى صورة فوتوغرافية سنتعرف من خلالها على ترتيب في الفضاء يشبه تمامًا ذلك الذي ندركه في الواقع. على الرغم من كوننا على يقين أن الصورة مسطحة، إلا أننا نرى فيها قطعة من الزمن والفضاء بثلاثة أبعاد.

تمتلك بعض الصور نشاطًا أكثر من غيرها، وهي الصور التي ننغمس في الرؤية عندما نشاهدها، ليتصور خيالنا جميع أنواع الحركة بداخلها، تلك الحركة التي تعد أحد أهم أسباب إدراكنا لواقعيتها، لأننا عندما ننظر إلى الصورة الثابتة، نستكشف الحركة خلالها، لأن العقل البشري يخلقها، حتى لو كانت غير موضوعية. يحدث ذلك لأن العقل البشري نفسه لا يتوقف عن الحركة، لكن كيف يحدث ذلك في الصورة الفوتوغرافية؟

عندما يتحدث المصورون عن الحركة في صورة ما، غالبًا ما يشيرون إلى التأثير الإيقاعي لبعض العناصر المرئية التي تتكرر، مثل: مجموعة من الأشخاص يقفون في صف، أو صف من الطيور على غصن شجرة، كما يمكن أن يكون للأنماط والزخارف المتكررة شعور إيقاعي مماثل. تخلق العناصر المتكررة إحساسًا بالزخم والاستمرار، تمامًا مثل الموسيقى المتدفقة من مقطوعة موسيقية.

على الرغم من تأكد المشاهد أن الصورة لا تتحرك، لكنه في بعض الأحيان وبفضل براعة المصور أو حتى بفضل المصادفة، يشعر أن التكرار والحركة تتجاوز بالفعل إطار الصورة وتخرج عن حدوده، اعتمادًا على الصفات المرئية والرمزية بداخل الصورة.

بالإضافة إلى تكرار العناصر، تبقى التغيرات التدريجية بداخل الصورة أيضًا محفزًا لشعور الحركة في عين المشاهد. التغيرات التدريجية يمكن أن تكون في الحجم والشكل واللون والملمس، مثل مجموعة من الزجاجات متشابهة الشكل، مع اختلاف أحجامها من واحدة لأخرى، أو كومة من الأحجار تتلاشى تدريجيًّا إلى حجر وحيد في نهاية الصورة.

يعني التدرج الحركة بشكل ضمني، لأنه يحاكي الانتقال ومرور الوقت في تسلسل مرئي للأحداث، كما أن التحولات التي تحدث، على المشهد وعناصره والتي تجعل العين تتبع المشهد من بدايته حتى نهايته، تعزز الشعور بالحركة داخل الصورة.

مع ضبط عدسة الكاميرا على سرعة أبطأ، يبدو الهدف المتحرك ضبابيًّا وغير واضح. كلما زادت الضبابية زادت الحركة المتخيلة داخل الصورة. في الحياة الواقعية، تسجل العين بشكل طبيعي الأجسام سريعة الحركة، على أنها ضبابية. أحيانًا تكون الكاميرا هي المتحركة بدلًا من الهدف، مثلما نهز الكاميرا أو نقوم بتدويرها في أثناء اللقطة أفقيًّا أو رأسيًّا. تقدم هذه الأنواع المختلفة من الضبابية بعض الخيارات المثيرة للاهتمام، مثل أن الهدف ينزلق أو يرتجف، أو يتجاوز الإطار، ويجتاحنا كمشاهدين.

تقدم أيضًا بعض فلاتر الفوتوشوب وبرامج تحرير الصور الأخرى، أنواع مختلفة من أحاسيس الحركة، مع تأثيرات تتراوح بين الحركة السريعة والحركة البطيئة التي لا يلاحظها المشاهد بعينه، لكنه يشعر بها في عقله الباطن عند إمعان النظر إلى الصورة.

تشمل طرق خلق الحركة في الصورة أيضًا التأثيرات البصرية الناتجة عن اختلاف عدسات التصوير، مثل الزوايا الواسعة التي تنتج شعور الانتشار والاتساع، بينما العدسات المقربة، تجعلنا أقرب إلى نقطة التركيز. توحي كل تلك الاختلافات بأنواع مختلفة من الحركة، خصوصًا في ظل تغيرات الضوء وكميته واتجاهاته.

ننظر إلى الصور طوال حياتنا، وقد اعتدنا على أنها تلتقط لحظة مجمدة في الوقت الذي يختاره المصور. نفترض بوعي، أو بغير وعي، أن هناك قبل وبعد، وأن هذه اللحظة مفعمة بالحركة على الرغم من ثباتها.

تتيح لنا اللقطات عالية السرعة، التي تجمد الأشخاص أو الحيوانات والسيارات والأنهار والكرات وكل ما هو متحرك، بوضوح معرفة أن الصورة مستخرجة من مشهد متحرك بالأساس، ثم يقوم العقل الإنساني بملء ما قبل الصورة وما بعدها، لنتعرف على ما وراء اللقطة الثابتة.

كل لقطة لشخص ما في صورة تشجعنا على قراءة الحركة الخاصة بهم، جالسين أو مستلقين أو واقفين. حتى الاتجاه الذي ينظر إليه الأشخاص والحيوانات وهو ما يسمى بخط الرؤية، يعني ضمنيًّا أن الحركة في هذا الاتجاه، ولا يمكن تجاهل أهمية حركة العين كم أجل عملية الرؤية، إذ ينبغي أن تتحرك العين باستمرار حول المشهد بالكامل، كما يشجع ترتيب الأعمال المعروضة على الجدار العين للالتفاف حول الصورة، لأن العين تميل إلى التحرك مع الاتجاهات المختلفة للخطوط التي تخلق بدورها مشاعر مختلفة من إيحاءات الحركة.

تغير الخطوط المنحنية اتجاهات الحركة باستمرار، وتقدم تدفقًا رشيقًا، أو تسارعًا، اعتمادًا على درجة الانحناء. تتأرجح الخطوط ذهابًا وإيابًا في الملابس أو العناصر المحيطة. تتباعد تتلاقى، تتحول لدوائر، أو إشعاعات. تتفاعل حركات الخطوط المختلفة معًا، لتعزيز مشاعر الحركة المختلفة، من خلال خلق توتر ديناميكي، مثل الصعود مقابل الهبوط، أو الذهاب إلى اليسار مقابل اليمين.

يمكن لمجموعة متنوعة من استراتيجيات التكوين أن تولد الحركة، عن طريق المنافسة والتباين بين الخطوط، أو الغموض بين مقدمة الصورة والخلفية، أو بين السماء والأرض. تشير العناصر الثقيلة بصريًّا عندما توضع في الجزء الأسفل من الصورة إلى الاستقرار، بينما يثير وضعها في الجزء العلوي إحساس يتحدى الجاذبية، لنشعر بالفارق بين الاستقرار والتأرجح، والثقل مقابل الخفة.

 

توجد أنواع أخرى من الخطوط تنشأ من لغة الجسد الموجودة في الصورة، مثل حركة الأصابع، أو اتجاهات الرأس، أو ظهور صخرة تطفو على الماء، أو طائر في وضع الطيران، أو سائل على وشك السكب. كل هذه الدلالات في الصورة تشير أن الحركة قد حدثت، أو في طريقها للحدوث.

وعلى الرغم من أن الصورة لا تلتقط الأصوات، ولا تنقل ما يقوله الناس، لكن الاتصال غير اللفظي يكشف أكثر من الكلام. طريقة البشر في ارتداء ملابسهم، وكيفية تحركهم، ووضعياتهم، تعكس مشاعرهم التي لا يرغبون في التعبير عنها، أو التي يحبسونها في العقل الباطن. على سبيل المثال أولئك الذين يفكرون في المستقبل يميلون قليلًا إلى الأمام في أثناء التصوير، بينما الذين يفكرون في الماضي يميلون قليلًا إلى الخلف.

على الرغم من أن الصورة لا يمكنها تسجيل حركة الجسم على مدى زمني معين، مثلما يفعل الفيديو، إلا أنها تتفوق في تصوير جوهر الشخص واكتشافه من خلال لغة الجسد في لحظة معينة من الزمن، ذلك الجوهر الذي لا يمكن ملاحظته أو اكتشافه في أثناء حركة جسم الشخص.

قد يستفيد المصورون الذين يرغبون في تصوير الأشخاص من التعرف على أنماط لغة الجسد الأساسية التي تصور عواطف أو حالات عقلية معينة، إذ تشكل مجموعة من الإشارات الجسدية نمطًا يعبر بشكل موثوق عن الحالة النفسية والعقلية للشخص. يستخدم المصورون هذه المعرفة لتوجيه الموديل إلى وضعيات معينة حسب الحالة التي يريدون تصديرها للمشاهد. قد تؤدي مجموعة الإشارات الجسدية التي تبدو متضاربة مثل القبضة المضمومة والوجه المبتسم، إلى صور تلتقط الأبعاد المتباينة لشخصية الإنسان.

يلعب الوجه واليدان دورًا حاسمًا في التعبير عن المشاعر والأمزجة المختلفة، ويظهر ذلك بوضوح في لغة الإشارة والتي تحمل معاني مختلفة مثل الإغراء، والمصافحة والتحية. إذ يشد الناس قبضاتهم عند الشعور بالغضب، يظهرون التململ والتوتر بحركات الأصابع، يلوحون بأيديهم تلويحات مختلفة قد تحمل معاني الترحاب أو معاني التجاهل. يستخدم الناس أصابعهم وأيديهم في أثناء الحديث بشكل لا شعوري. تظهر هنا اللحظات المناسبة لالتقاط صور حقيقية تعكس بالفعل شخصيات أصحابها.

ويعكس الوجه تعقيدات وفروق التعبير وتنوع ودقة المشاعر الإنسانية. يبرز الوجه الشخصية حتى عند الرغبة في إخفاءها. يقول عالم النفس بول إيكمان Paul Ekman إن هناك سبع عواطف أساسية، تنقلها سبعة تعبيرات وهي: الحزن، والمفاجأة، والغضب، والازدراء، والاشمئزاز، والخوف، والسعادة. ما يزال هناك جدل كبير بشأن هذه الدراسة، تتعلق بإمكانات الوجه وقدرته على التعبير عن مشاعر أكثر، لكن يوجد بالطبع العديد من الفروق الدقيقة في تعبيرات الوجوه، حسب شدة تعبير كل وجه.

كما لا يمكن تجاهل دور البيئة المحيطة بالموديل داخل الصورة، في تفسيرنا لغة الجسد الخاصة به. إذ لا يمكن المساواة بين رجل مستلقٍ على السرير في المنزل، وبين آخر مستلقٍ على مقعد في محطة مترو، أو على أحد الأرصفة.

في النهاية، لا يمكن تجاهل المصور كجزء من الصورة، حتى لو لم يكن بداخلها، لأن المتفرج عندما ينظر إلى الصورة يفكر بشكل غير واع في المصور الذي يختبر الصورة من خلال عينيه. قد تستهدفنا لغة الجسد في الصورة بمشاعر قوية، أو قد تدعونا بما تشعه من لطف، أو تدفعنا بعيدًا بعدوانيتها، أو تبدو غافلة عن وجودنا عندما يبدو الحدث بداخلها حميميًّا للغاية، مما يضعنا في موقف تلصص.

قد تبدو عينا الموديل ونظراته، وكأنها تعبر عن شعور أو فكرة تجاه المتفرج، على الرغم من أن الأمر الأكثر دقة هو وجود هذا الاتصال مع المصور، وحتى عندما لا ينظر الأشخاص إلى الكاميرا، نشعر أحيانًا بما يدور داخلهم في أثناء التصوير خصوصًا عندما لا يُوجهون جيدًا من قِبل المصور إلى ما يفترض أن يفعلوه في أثناء التقاط الصورة.