عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

جويل بينين

الاقتصاد الإسرائيلي على المحك: بين صدمة الحرب وتصدعات الداخل.. الجزء الأول

2026.02.21

الاقتصاد الإسرائيلي على المحك: بين صدمة الحرب وتصدعات الداخل.. الجزء الأول

 

في الربع الأخير من عام 2023، كانت إسرائيل تترنح في آنٍ واحد تحت وطأة صدمة هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر على مدن وكيبوتسات غلاف غزة، وتستنفر قواها لشن حملة انتقامية وثأرية. وأُجلي أكثر من 200 ألف إسرائيلي من البلدات المتاخمة لقطاع غزة ولبنان، كما جرى استدعاء نحو 300 ألف جندي من قوات الاحتياط.

وفي الأشهر التي تلت ذلك، تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لاضطراب شديد؛ إذ تراجع الإنفاق الاستهلاكي والواردات والصادرات تراجعاً حاداً. وفي نهاية المطاف، أعلنت نحو 50 ألف شركة إفلاسها.

في غضون ذلك، تدهورت السمعة العالمية لإسرائيل إلى الحضيض. فقد أدت حملة الإبادة الجماعية التي شنتها في غزة إلى تشويه صورتها في الأوساط التقدمية في جميع أنحاء العالم وفي أجزاء واسعة من دول الجنوب العالمي. ورغم ذلك، فإن الاضطراب الاقتصادي الذي شهدته إسرائيل حتى الآن لا يزال ضمن الحدود التي يمكن لقادتها السيطرة عليها.

تخفيض التصنيفات وتدفقات رأس المال

يُعد الناتج المحلي الإجمالي، وهو إجمالي القيمة النقدية للسلع والخدمات، مؤشراً أولياً شائعاً لقياس الصحة الاقتصادية. ووفقاً لهذا المعيار، كان الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من أزمة طاحنة في أواخر عام 2023. ففي الربع الأخير من العام، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19.4 في المئة. وبلغ النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 نحو 1.8 في المئة فقط، هبوطاً من 6.5 في المئة في عام 2022.

للمقارنة، نما الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.9 في المئة في عام 2023 وبنسبة 2.5 في المئة في عام 2022. وتُعتبر هذه الأرقام "جيدة" بالنسبة لاقتصاد رأسمالي متقدم. وقد تجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل نظيره في الولايات المتحدة في كل عام خلال الفترة من 2015 إلى 2023.

أدت التكاليف المرتبطة بالحرب، والتي قدرها بنك إسرائيل بنحو 80 مليار دولار خلال الفترة من 2023 إلى 2025، إلى ارتفاع عجز الموازنة الحكومية الإسرائيلية لعام 2024 إلى ما يقرب من 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي — وهو ما يمثل أكثر من ضِعف المبدأ التوجيهي للاتحاد الأوروبي البالغ 3 في المئة للدول الأعضاء في منطقة اليورو. ومن خلال زيادة الضرائب، تمكنت الحكومة من خفض عجز موازنتها لعام 2025 إلى 4.7 في المئة من الناتج المحلي، وهو رقم لا يزال أعلى بكثير من المعيار الأوروبي. وللمقارنة، يقدر مكتب الميزانية بالكونغرس الأمريكي عجز الموازنة الأمريكية لعام 2025 بنسبة 5.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ثمة مقياس شائع آخر للصحة الاقتصادية يتمثل في دَين الحكومة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2024، قفز دَين إسرائيل إلى 69 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً من 61.3 في المئة في عام 2023، وهو أعلى بكثير من نسبة الـ 60 في المئة المطلوبة للدول الأعضاء في منطقة اليورو. يبلغ الدَّين الحكومي الأمريكي الحالي نحو 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن لا توجد دولة أخرى تتمتع بالامتياز الاستثنائي المتمثل في طباعة الدولارات لسداد ديونها.

وبناءً على هذه المؤشرات الكلية جزئياً، خفضت وكالات التصنيف الدولية الكبرى التصنيف الائتماني لإسرائيل، مما أدى إلى زيادة أسعار الفائدة التي يتعين عليها دفعها لاقتراض الأموال لتغطية عجز الموازنة. ومع ذلك، وعلى الرغم من ارتفاع عجز الموازنة والدَّين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مرغوب فيها، تعافى الاقتصاد الإسرائيلي بالقدر الكافي الذي دفع وكالة "ستاندرد آند بورز" (S&P) في أواخر عام 2025 إلى رفع تصنيف إسرائيل إلى الدرجة (A) مع نظرة مستقبلية مستقرة. وتُعد هذه درجة استثمارية تشير إلى الحد الأدنى من مخاطر التخلف عن السداد، وإن كانت لا تزال أضعف من تصنيفات (AA) أو (AAA). أما وكالة "موديز" (Moody’s)، فقد حافظت بنظرة أكثر تشاؤماً على التخفيض الذي أجرته في سبتمبر 2024 لتصنيف إسرائيل عند (Baa1) مع نظرة مستقبلية سلبية، وإن كانت قد رفعت نظرتها مؤخراً إلى "مستقرة".

كان هروب رؤوس الأموال كبيراً في عامي 2023 و2024. فبفعل الاحتجاجات الأسبوعية الحاشدة ضد هجوم حكومة بنيامين نتنياهو على استقلال القضاء، حوّل المستثمرون المؤسسيون أكثر من 8 مليارات دولار إلى خارج إسرائيل بحلول يونيو 2023. وفي العام الذي تلى السابع من أكتوبر 2023، نقلوا 40 مليار دولار إضافية إلى خارج البلاد.

وقد سحب صندوق الثروة السيادي النرويجي استثماراته بالكامل من الاحتلال، كما سحب صندوق التقاعد الدنماركي جميع استثماراته من البنوك الإسرائيلية. وسحب صندوق الاستثمار الاستراتيجي الأيرلندي ما يقرب من 3 ملايين يورو من خمسة بنوك إسرائيلية ومن شركة "رامي ليفي"، التي تدير عدة متاجر سوبر ماركت في الضفة الغربية.

ومع ذلك، تم تعويض هذه المبالغ من خلال تدفقات كبيرة لرؤوس الأموال الوافدة في عامي 2024 و2025. وتشير الاستحواذات القياسية للشركات الأمريكية على الشركات الناشئة الإسرائيلية والأسعار القياسية التي سجلتها بورصة تل أبيب في عام 2025، إلى أنه رغم الشكوك التي قد تساور الرأسماليين الدوليين والمحليين بشأن الاستقرار الاقتصادي في إسرائيل، إلا أنهم لا يزالون بعيدين كل البعد عن التخلي عنها.

محرك النمو

يُعد قطاع التكنولوجيا الفائقة المحرك الاقتصادي لإسرائيل. فهو يوظف نحو 11 في المئة من القوى العاملة التي تدفع قرابة 25 في المئة من إجمالي ضرائب الدخل. وتشكل منتجاته وخدماته نحو 64 في المئة من الصادرات و20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

تندمج صناعات التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية، ومجمع الصناعات العسكرية والاستخباراتية المرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، بشكل كامل في دوائر رأس المال العالمية. توظف شركات التكنولوجيا الفائقة حوالي 409 آلاف شخص محلياً و440 ألفاً آخرين خارج البلاد. وتُتداول أسهم أكثر من مئة شركة إسرائيلية في بورصة "ناسداك" الغنية بشركات التكنولوجيا في نيويورك، وهو الرقم الأكبر لأي دولة أجنبية بعد الصين وكندا. وتتنقل الكوادر الإدارية والتقنية بين إسرائيل ووادي السيليكون والمراكز التكنولوجية الأمريكية الأخرى؛ بل ويبقى بعضهم في الخارج لسنوات متتالية.

وتُظهر نظرة على شركتي "إنتل" (Intel) و"إنفيديا" (Nvidia)، في الوقت نفسه، عناصر من عدم اليقين والمرونة في قطاع التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلي. استثمرت شركة إنتل 27 مليار دولار في إسرائيل، وهو استثمار يفوق أي شركة أجنبية أخرى. وتوظف الشركة نحو 9 آلاف شخص، بانخفاض عن 12 ألف شخص في عام 2021. وفي عام 2017، اشترت إنتل شركة "موبايل آي" (Mobileye)، التي تصنع أجهزة استشعار وكاميرات للسيارات ذاتية القيادة، مقابل 15.3 مليار دولار. وكان هذا، في حينه، أكبر استحواذ أجنبي في تاريخ إسرائيل.

في أوائل عام 2024، وبدعم حكومي إسرائيلي بلغ 3.2 مليار دولار، أعلنت إنتل عن توسعة لعمليات تصنيع الرقائق في مدينة كريات جات بجنوب إسرائيل بقيمة 25 مليار دولار، في منشأة تحمل اسم (Fab 38). وفي يونيو من ذلك العام، وبعد جولات عدة من خفض التكاليف وتسريح الموظفين على مستوى العالم، أعلنت إنتل أنها ستؤجل إطلاق العمليات في (Fab 38) إلى عام 2028 أو ما بعده. وبما أن جزءاً من المنشأة قد شارف على الانتهاء، فقد توقع المتنبئون أن إنتل إما ستضعها قيد التشغيل أو تبيعها لشركة أخرى.

ادعت حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) الفلسطينية مسؤوليتها عن تأجيل (Fab 38) وعزته إلى فقدان إنتل لثقتها في الاقتصاد الإسرائيلي. ومع ذلك، كان الدافع الأقوى لشركة إنتل هو فشلها العالمي في منافسة شركتي "أدفانسد مايكرو ديفايسز" (AMD) و"إنفيديا" في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، وما تلا ذلك من انخفاض في حصتها السوقية وأرباحها وأسعار أسهمها. وما لم تتدهور حظوظ إنتل العالمية تدهوراً حاداً، فإنها لن تتخلى عن إسرائيل —حيث تقترب استثماراتها الرأسمالية من 10 في المئة من بصمتها العالمية— في المستقبل المنظور.

أما شركة إنفيديا فهي أسرع جهات التوظيف نمواً في إسرائيل بوجود 5 آلاف موظف. وفي ديسمبر، أعلنت أن إسرائيل هي "موطنها الثاني" وأعلنت أنها ستستثمر 1.5 مليار دولار في بناء حرم جديد للبحث والتطوير في ضاحية كريات طبعون التابعة لحيفا، ومزرعة خوادم قريبة. وسيعادل حجم وجودها المادي هناك حجم مقرها في وادي السيليكون. وتؤهل هذه المنشأة، المصممة لاستيعاب 10 آلاف موظف، شركة إنفيديا لتجاوز إنتل كأكبر جهة توظيف خاصة في إسرائيل.

إن صعود وهبوط الشركات المتنافسة هو الطريقة التي من المفترض أن تعمل بها الرأسمالية، على الرغم من أن الدعم الحكومي البالغ 3.2 مليار دولار لشركة إنتل والخصم الكبير الذي حصلت عليه إنفيديا، والبالغ قيمته حوالي 21.7 مليون دولار على استئجار الأراضي في كريات طبعون، يسلطان الضوء على حقيقة أنه لا يوجد أبداً "سوق حرة".

وبقيادة قطاعي الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، ظل قطاع التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلي قوياً بشكل عام. في عام 2024، جمعت الشركات الناشئة نحو 11 مليار دولار، بزيادة قدرها 13 في المئة عن عام 2023. وجمع قطاع الأمن السيبراني أكبر قدر من رأس المال بنسبة 39 في المئة من الإجمالي، في حين حقق قطاع الطيران والصناعات العسكرية أكبر نمو على أساس سنوي بزيادة قدرها 143 في المئة في استثمارات رأس المال. وفي عام 2025، جمعت الشركات الناشئة الإسرائيلية 15.6 مليار دولار من رأس المال الخاص، بزيادة 68 في المئة عن عام 2023. وكانت هناك ثمانية عشر عملية طرح عام أولي (IPO) خلال العام.

وتصدرت شركات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المشهد في جعل عام 2025 يسجل رقماً قياسياً بلغ 60 مليار دولار في عمليات الاندماج والاستحواذ. وهيمنت صفقتان هائلتان: اشترت "جوجل" منصة الأمان السحابي "ويز" (Wiz) مقابل 32 مليار دولار، واشترت شركة "بالو ألتو نتوركس" (Palo Alto Networks) شركة "سايبر آرك سوفتوير" (CyberArk Software) مقابل 25 مليار دولار. تعزز هذه الصفقات العلاقة بين وادي السيليكون وجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي. المؤسسون الأربعة لشركة ويز، ومؤسسو سايبر آرك وبالو ألتو نتوركس، والعديد غيرهم من العاملين في مجال التكنولوجيا الفائقة، هم من قدامى المحاربين في الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية.

لقد رسخت إسرائيل نفسها على حدود الابتكار المعروف باسم "التكنولوجيا العميقة" (Deep Tech)، من خلال تقنيات خارقة تعتمد على اكتشافات علمية جديدة وهندسة متقدمة. ولكن كما يشير حجم الاستحواذ على شركتي ويز وسايبر آرك، فإن القطاع قد يكون بصدد الدخول في فترة من الدمج حيث تهيمن عليه الشركات العملاقة في الصناعة، وليس الشركات الناشئة.

صناعة الأسلحة

وكما كان متوقعاً، ظل مجمع الصناعات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلي قوياً. وتُعد إسرائيل رائدة عالمياً في "النزعة العسكرية الحضرية الجديدة" — السيطرة على الحشود، ومراقبة الحدود، ومكافحة الإرهاب — التي ازدهرت منذ 11 سبتمبر. يضم قطاع الأمن الداخلي الإسرائيلي ستمئة شركة، تُصدِّر ثلاثمئة منها التدريب والخدمات والسلع، وفي مقدمتها تقنيات المراقبة، بقيمة سنوية تتجاوز 3 مليارات دولار. وفي عام 2024، حطمت صادرات الأسلحة الإسرائيلية رقماً قياسياً للعام الرابع على التوالي لتصل إلى 14.8 مليار دولار، ارتفاعاً من 13 مليار دولار في عام 2023، ومقارنة بما يتراوح بين 7.5 و8.5 مليار دولار من المبيعات السنوية في الفترة من 2018 إلى 2020.

وتُجسد شركة "لوكهيد مارتن" (LMT) اندماج إسرائيل في صناعة الأسلحة العالمية. وتُعد لوكهيد مارتن أكبر مُصنِّع للأسلحة في العالم من حيث حجم المبيعات. تأسست شركة لوكهيد مارتن إسرائيل في عام 2014، وتدير مكاتب في تل أبيب وبئر السبع، التي تتطور لتصبح مركزاً للتكنولوجيا الفائقة ذات التوجه العسكري.

تقوم لوكهيد مارتن بتسليح إسرائيل منذ عام 1971، وتُعد طائراتها المقاتلة من طراز (F-16) الدعامة الأساسية لقواتها الجوية منذ عام 1980. وتمثل الشركة المتعاقد الرئيسي، إلى جانب "نورثروب جرومان" وشركة (BAE) البريطانية كشركاء ثانويين، في مشروع طائرات (F-35) الشبحية المقاتلة المعروف بتجاوزه الكبير للميزانية وضعف أدائه. وقد ساهمت إسرائيل بشكل بارز في المشروع وستحصل في النهاية على ما لا يقل عن خمسة وسبعين طائرة من طراز (F-35I Adir)، بإلكترونيات طيران مخصصة لإسرائيل.

تبلغ القيمة المتوقعة لاتفاقيات الإنتاج المشترك بين لوكهيد مارتن والشركات الإسرائيلية لمكونات (F-35) أكثر من 4 مليارات دولار، وربما ترتفع لتصل إلى 6 مليارات دولار. وفي عام 2014، افتتحت شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، التي كانت مملوكة للدولة ولكنها في طور الخصخصة، خط إنتاج جديد لتصنيع أكثر من ثمانمئة زوج من أغطية أجنحة (F-35) بقيمة 2.5 مليار دولار. وتنتج شركة "سايكلون" (Cyclone)، وهي شركة تابعة لـ "إلبيط" (Elbit)، أكبر شركة تصنيع عسكري مملوكة للقطاع الخاص في إسرائيل، الهياكل الجوية لطائرات (F-35)، في حين توفر شركة "إليسر" (Elisra) حزمة الحرب الإلكترونية الخاصة بها، وتُصنّع شركة "رافائيل" (Rafael) المملوكة للدولة الأسلحة وأجهزة الاستشعار المتقدمة للطائرة.

تستخدم طائرة (F-35) والعديد من الطائرات العسكرية الأمريكية الأخرى نظام (Joint Helmet Mounted Cueing System)، وهو نظام توجيه رقمي مثبت على الخوذة طورته شركتا إلبيط و"روكويل كولينز". وقد أعلن نائب رئيس شركة لوكهيد مارتن لمتطلبات العملاء، الجنرال المتقاعد في القوات الجوية الأمريكية جاري نورث، قائلاً: "هناك جزء من إسرائيل في كل طائرة F-35 صُنعت على الإطلاق". وفي ديسمبر 2017، أصبحت إسرائيل أول دولة خارج الولايات المتحدة تنشر طائرات (F-35) للعمليات. وتقوم حالياً بتشغيل أكثر من أربعين منها.

أما دبابة المعركة الرئيسية لإسرائيل، "الميركافا" (العربة)، فقد صُممت وبُني معظمها داخل البلاد نفسها. ولكنها مندمجة أيضاً في سلاسل توريد الإنتاج العسكري العالمية. وتقوم شركة (MTU)، وهي شركة ألمانية تابعة لـ "رولز رويس"، بتصنيع محرك (MT-883) للميركافا وناقلة الجنود المدرعة الإسرائيلية "النمر" (Namer). ورغم أن معظم مكونات المحرك تُصنع في ألمانيا، إلا أنها تُجمّع في مدينة موسكيجون بولاية ميشيغان بواسطة فرع "رولز رويس سليوشنز أمريكا". وهذا يتيح استخدام المساعدات العسكرية الأمريكية لتمويل شراء إسرائيل لهذه المحركات، ويربط مئات الوظائف الأمريكية بسلسلة التوريد هذه، مما يجعل قطعها أمراً صعباً على الصعيد السياسي.

صُمم نظام نقل الحركة في دبابة الميركافا بواسطة الشركة الألمانية "رينك" (Renk) ويتم تصنيعه بموجب ترخيص في إسرائيل. وعندما أوقفت ألمانيا مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل لفترة وجيزة في عام 2025، وصف الرئيس التنفيذي لشركة رينك، ألكسندر ساجل، الرد المحتمل لشركته إزاء أي تجميد أطول أمداً: "إذا لم نتمكن من إنتاج [أنظمة نقل الحركة] في ألمانيا، فسننقل هذه الكميات إلى مصنع مختلف، إلى الولايات المتحدة على سبيل المثال... قد يستغرق هذا ربما من 8 إلى 10 أشهر، ولكن إذا لم يكن هناك تقدم، فسنفعل ذلك لأن لدينا هذا العمل". أي أن شركة رينك تحتاج إلى أعمال إسرائيل بقدر ما تحتاج إسرائيل إلى أنظمة نقل الحركة الخاصة بالدبابات من رينك.

أسواق التصدير

لقد ظهرت بعض العلامات المنذرة بالسوء لمستقبل قطاع الصادرات العسكرية الإسرائيلي، على الرغم من أن كبار مشتري الأسلحة الأوروبيين، باستثناء إسبانيا، اقتصروا حتى الآن على الإجراءات الرمزية. منعت فرنسا الشركات العسكرية الإسرائيلية من المشاركة في معرض "يوروساتوري" (Eurosatory) في يونيو 2024، وهو معرض عالمي رئيسي للأسلحة. وفي عام 2025، ألغت إسبانيا عقداً وُقّع قبل السابع من أكتوبر 2023 بقليل لشراء 168 قاذفة و1,680 صاروخاً مضاداً للدبابات بقيمة 325 مليون دولار من شركة تابعة لشركة رافائيل. وجاء ذلك بعد إلغاء طلبية رصاص بقيمة 7.53 مليون دولار.

وفي يوليو 2025، أصبحت سلوفينيا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تفرض حظراً للأسلحة على إسرائيل، معلنة أنها أوقفت مشتريات الأسلحة من إسرائيل بعد فترة وجيزة من السابع من أكتوبر. غير أنه في الشهر التالي، أفادت صحيفة "هآرتس" بأن سلوفينيا استخدمت ثغرات في الأنظمة الأوروبية لمواصلة شراء معدات عسكرية بقيمة تقارب 970 ألف دولار من إسرائيل في عام 2024، وهذا لا يشمل الصواريخ المضادة للدبابات وصيانة العتاد المُشترى سابقاً.

في أغسطس 2025، أعلنت ألمانيا، ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، أنها ستعلق بيع بعض الأسلحة التي يمكن استخدامها في قطاع غزة. ولكن في نوفمبر، وبعد الإعلان عن "وقف إطلاق النار" الزائف الذي روج له دونالد ترامب، استأنفت ألمانيا صادراتها من الأسلحة إلى إسرائيل.

وفي ديسمبر 2025، وبعد أسابيع من تسلم ألمانيا لأولى أنظمة الدفاع الجوي "آرو 3" (Arrow 3) من إسرائيل، أعلنت عن اتفاقية موسعة بقيمة 6.5 مليار دولار لنظام "آرو"، لتجعل بذلك أكبر صفقة تصدير عسكرية إسرائيلية على الإطلاق. وقد طورت شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية نظام "آرو" بالاشتراك مع شركة "بوينغ" ووكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية. وقدمت الحكومة الأمريكية لإسرائيل نحو مليار دولار كأموال بحث وتطوير لنظام "آرو" في الفترة من 1988 إلى 2002.

على الرغم من تحفظات إسبانيا وسلوفينيا (وأيرلندا، التي لا تشتري أسلحة من إسرائيل)، كانت أوروبا أكبر مشترٍ للصادرات العسكرية الإسرائيلية في عام 2024، بنسبة 54 في المئة من الإجمالي، ارتفاعاً من 35 في المئة في عام 2023، تلتها منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 23 في المئة. وشكلت الدول الموقعة على "اتفاقيات أبراهام" — الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب — 12 في المئة من صادرات الأسلحة الإسرائيلية، ارتفاعاً من 3 في المئة في عام 2023. ولا يشمل هذا الرقم عمليات الشراء السرية (من تحت الطاولة) لمعدات المراقبة وغيرها من قِبل المملكة العربية السعودية ودول عربية خليجية أخرى. لم تردع الإبادة الجماعية الأنظمة الاستبدادية العربية عن القيام بأعمال تجارية متعلقة بالأمن مع إسرائيل.

وقد ازدهرت قطاعات أخرى من الاقتصاد الإسرائيلي على الرغم من (أو في بعض الحالات بسبب) تدميرها للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة. ففي ديسمبر 2025، أبرمت إسرائيل صفقة بقيمة 35 مليار دولار لتزويد مصر بالغاز الطبيعي من حقل "ليفياثان" في البحر الأبيض المتوسط والذي تمتلك فيه شركة "شيفرون ميديتيرينيان ليميتد" (Chevron Mediterranean Limited) حصة تبلغ 40 في المئة.

وأعلنت مصر بصوت عالٍ أن هذا ترتيب تجاري لا يحمل أي تداعيات سياسية. غير أنه من الصعب تصديق أن اعتماد مصر على إسرائيل للحصول على الغاز الطبيعي لن يوجه سياستها تجاه غزة في مرحلة ما بعد الإبادة الجماعية. وسيتدفق حوالي نصف الدخل من هذه الصفقة إلى خزائن الدولة الإسرائيلية، وهو ما يمثل مساهمة كبيرة في خفض عجز الموازنة في السنوات القادمة.

كما حققت الحرب أرباحاً مفاجئة وطائلة في بعض القطاعات. في عام 2024، عندما كانت شركة "إل عال" (El Al) للطيران تحتكر الرحلات الجوية من إسرائيل إلى أمريكا الشمالية، كانت أرباحها أكبر من أرباحها السنوية التراكمية في الخمسة عشر عاماً السابقة. وذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام المرموق أن إلبيط، وصناعات الفضاء الإسرائيلية، ورافائيل، وهي أكبر الصناعات العسكرية في إسرائيل، سجلت إيرادات مجمعة بلغت 16.2 مليار دولار في عام 2025.

واستفادت البنوك من التعويضات الحكومية للشركات والأفراد الذين تم إجلاؤهم من مناطق الحرب ومن برنامج تعويض الراتب البالغ 8,000 دولار شهرياً لجنود الاحتياط، والذي بلغ إجماليه حوالي 18 مليار دولار اعتباراً من منتصف عام 2025. وبسبب الهيكل الاقتصادي المحلي القائم على الاستهلاك في إسرائيل، فقد غَذّت هذه التحويلات النشاط الاقتصادي دون التسبب في زيادة الديون غير المسددة في الميزانيات العمومية للبنوك، أو حدوث تضخم، أو التسبب في أزمة بميزان المدفوعات.