دراسات
عاطف بطرس العطارالترجمة المستحيلة: عبد الوهاب عزام والشاهنامة
2020.01.01
الترجمة المستحيلة: عبد الوهاب عزام والشاهنامة
ننزل من القطار في محطته الأخيرة. على باب المحطة رائحة الخيول وصَف الحناطير. لكل منها حوذي مستقر في مقدمة العربة، في يسراه لجام وفي يمناه سوط. نركب. تقول أمي "بيت عزام في شارع خسرو، يا أُسطى لو سمحت". [...] لا أذكر جدي في هذا البيت، بيته. رأيته فيه ونسيت، ربما. عندما كبرت قليلاً كان سافر إلى الهند ليصبح أول سفير مصري فيها بعد استقلالها. [...] كان أستاذًا للغات الشرقية، يتقن اللغة الأردية فضلاً عن الفارسية وهي تخصصه الأول. توفيَّ جدي وأنا في الحادية عشرة من عمري. [...] رحل جدي وهو في الواحد والستين من عمره [...] في يناير عام 1959. بعد أربع سنوات ونصف من وفاته، التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة. لم يكن حاضرًا في مخيلتي وأنا أدخل الحرم الجامعي ومبنى كلية الآداب وأنتقل بين قاعات وممرات قضى فيها سنوات طويلة من حياته. غاب في الذاكرة...
رضوى عاشور[1]
من داخل كلمات روايتها "أطياف" تفتح رضوى عاشور (1946 - 2014) نافذة على عالم سيرتها الذاتية وطفولتها التي تطل منها هذه الشخصية البارزة في عالم الفكر والثقافة المصرية المعاصرة، شخصية جدها من ناحية الأم: عبد الوهاب عزام (1894 - 1959) أستاذ الآداب الشرقية بالجامعة المصرية، الذي سيصبح في العام 1945 عميدًا لكلية الآداب، ثم سفيرًا لمصر في الهند والسعودية وباكستان. "غاب في الذاكرة"، ذاكرة رضوى، التي ستتخصص أيضًا في الدراسات الأدبية لتصبح أستاذة الأدب الإنجليزي والمقارن وواحدة من أهم كاتبات الرواية العربية. وربما غاب عزام أيضًا في ذاكرتنا الثقافية وغابت معه أعماله وآثاره في الترجمة والتأليف والتحقيق. فمن هو عبد الوهاب عزام؟
بعد حصوله على شهادة العالمية من مدرسة القضاء الشرعي، يلتحق عزام بالجامعة المصرية ليتخرج فيها في 1623 بدرجة الليسانس في الآداب والفلسفة. وكما وقع الاختيار على سَلفِه، وأحد أعلام حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر، الشيخ رفاعة الطهطاوي ليعمل إمامًا للطلاب المصريين المبعوثين في باريس، يُبعَث كذلك الشيخ الشاب إلى لندن ليعمل بالسفارة المصرية إمامًا للمصلين. ومثله في ذلك مثل الشيخ رفاعة، لا يكتفي بالإمامة في عاصمة الإمبراطورية، بل يتزايد شغفه المعرفي وتجذبه كتابات المستشرقين، فيلتحق هناك بمدرسة اللغات الشرقية (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية) حاليًا SOAS ليدرس الفارسية ويتخرج برسالة ماجستير عن التصوف عند فريد الدين العطار.[2] يرجع عزام في 1927 ليعمل مدرسًا بكلية الآداب جامعة القاهرة ويسجل أطروحته للدكتوراه في الأدب الفارسي عن موضوع ترجمة الشاهنامة، والتي سينتهي منها في 1923.[3] وحول نص الشاهنامة وترجمته إلى العربية يتمحور اهتمامه وجهده طوال ما يقرب من 6 أعوام يقضيها بين البحث عن مخطوطات الترجمة العربية التي أنجزها البنداري في القرن السابع الهجري، ومقارنتها ودراستها وتحقيقها والتعليق عليها بالنقد والمقارنة والتقديم لها. وفي العام نفسه الذي ينتهي فيه من الأطروحة يتمكن من نشر النسخة المحققة تحت إشراف «لجنة التأليف والترجمة والنشر» في جزئين يصل عدد صفحاتهما إلى نحو 870 صفحة تتضمن مقدمة ومدخل (دراسة) في نحو 100 صفحة.[4]
تنطلق هذه الدراسة من مشروع عبد الوهاب عزام حول الشاهنامة تحديدًا. كيف يمكن أن نفهم خصوصية هذه اللحظة ونعيد التفكير فيها. وكيف يمكن الربط بين لحظة البنداري ولحظة عزام. ما الإسهام الذي قدمه البنداري وكيف يمكن فهم عمله على نص الفردوسي وما إسهام عزام وعمله على ترجمة البنداري. ولماذا غاب مشروع عزام في الذاكرة كما غابت من قبله مخطوطات البنداري لقرون طويلة. هل ترك عمل عزام أي تأثير أو أصداء خلفه. وكيف. ولماذا توقفت أو تعثرت جهود الترجمة العربية لهذا النص المؤسس لثقافة مجاورة، بينما أنجز المستشرقون الأوروبيون ترجمتها شعرًا ونثرًا مرات، بجانب دراستها وتحقيقها والتعليق عليها من خلال تراكم جهود عملاقة بدأت من نهاية القرن الثامن عشر، وتُوجت بإصدارات نقدية حديثة للأصل الفارسي وترجمات مختلفة في لغات عديدة. كيف يمكن فهم العلاقة بين السياسي والجمالي في لحظات الشاهنامة المختلفة: لحظة تدوين التراث القصصي الشفاهي والكتابي وصياغته في قصيدة واحدة بقلم شاعر واحد، ولحظة لجوء البنداري للسلطان المعظم ونقله للنص، ولحظة اكتشاف الاستشراق الأوروبي للنص والرغبة في الاستحواذ عليه وترجمته وتفسيره، وأخيرًا لحظة عزام، وماذا تعني لنا اليوم كل هذه المسارات والمآلات.
قصيدة الفردوسي من البنداري إلى عزام
مؤلف الشاهنامة، أو كتاب الملوك، هو الشاعر أبو القاسم الفردوسي (329 - 411هـ/ 940 - 1020م).[5] فرغ المؤلف من صياغة أبياته التي تجاوز عددها 50 ألف بيت[6] في العام 400هـ/1009-1010م، بعد ما يقرب من 35 عامًا من العمل على تجميع التراث القصصي الشفاهي والمكتوب، وتفريغه نظمًا في أطول قصيدة معروفة لمؤلف واحد، ليحتل هذا العمل المكانة الأعلى والأهم في الأدب الفارسي القديم منه والحديث، المنظوم والمنثور، ولتصبح هذه القصيدة النص المؤسس للأدب الفارسي القومي والخزان الذي يحفظ أصول اللغة الفارسية وذاكرة إيران القديمة حتى يومنا هذا. يبدأ عزام مقدمة كتابه على هذا النحو:
كنت أسمع عن الشاهنامة كما أسمع عن القصص الكبيرة الأخرى. وكنت أُمني نفسي قراءة الكتاب [...] ثم عرفت بعد أعوام طوال، ولا أدري كيف ومتى، أن الشاهنامة تُرجمت إلى العربية. وكنت أحسب ترجمتها من الآثار التي ندّ بها الزمان، وطوتها ظلمات القرون. وكان هذا ظن من يعرف الشاهنامة ويعرف أنها تُرجمت إلى لغتنا من الأدباء حتى [سليمان] البستاني مترجم الإلياذة. [...] وبينما أقرأ في كتاب الأستاذ براون[7] «تاريخ الآداب الفارسية» وكان هذا منذ 6 أعوام فيما أظن، عرفت أن نسخة من الترجمة العربية في مكتبة كمبردج فسرت في نفسي هزة الفرح والظفر. (عزام، ج1، 3)
حتى هذه اللحظة التي يحاول فيها عزام التنقيب عن مخطوطات الترجمة العربية القديمة وتحقيقها وإعادة إحيائها، كان نص الترجمة قد «غاب في الذاكرة» العربية أو طواه النسيان، وربما لا يعرف بوجوده إلا بعض المُستشرقين المتخصصين والمُشتغلين على المخطوطات العربية القديمة. ويتجلى هذا بالفعل في مقدمة سليمان البستاني لترجمة الإلياذة كما أشار عزام:
ثم أنه لا يُخفى أن الشعر إذا تُرجم نثرًا ذهب رونقه، وبهت رواؤه. والظاهر أن هذا الحُكم انطبق على تعريب الشاهنامة، فأهملها الناس وإلا فما ذهبت ضياعًا، وبقيت أثرًا بعد عين نقرأُ عنها في كتب التاريخ، وليس في الأدباء من روى لنا منها حديثًا مذكورًا.[8]
يقص عزام في مقدمته تفاصيل بحثه الطويل وسعيه للوصول إلى مخطوطات الترجمة العربية المتناثرة بين كمبردج وبرلين وإسطنبول والقاهرة والاطلاع عليها، ليحصل في النهاية على صور لخمسة مخطوطات يتفرغ لتحقيقها في محاولة لإعادة إنتاج الترجمة المفقودة ومقارنتها بالأصل الفارسي مستندًا بشكل أساس إلى مخطوطة برلين الأكثر دقة وكمالاً «وهي حسنة الخط مُتقنة، وسقطها قليل إلا في النصف الثاني حيث يكثر السقط». (عزام، ج1، 5) بعد عرضه لتفاصيل وخصائص المخطوطات يؤكد المُحقق على أهمية نسخة برلين واعتماده عليها «والنسخ يصحح بعضها بعضًا ويكمل بعضها بعضًا [...] جَعلت نسخة برلين أصلاً للكتاب؛ إذ رأيتها أقدم النسخ وأمجدها تاريخًا، ولما يبدو من الإتقان في كتابتها ومقابلتها بالأصل [الفارسي]». (عزام، ج1، 14) ينقل عزام في مقدمته ما دوَّنه الناسخ «في صفحة العنوان بخط يشبه خط الكتاب: كتاب شاه ناما للفردوسي نقله –فتح الأصفهاني من لسان الفارسي إلى العربي– رحمهم الله جميعًا وغفر لكاتب هذه –الأحرف ونوّله مراده– وهو الحسين بن الخالدي»، ويرجِّح عزام أن هذه المخطوطة نُسِخت في 675هـ.[9] وأما نسخة كمبردج التي ترجع على الأرجح للقرن الثامن الهجري، فيأتي فيها ذكر اسم مترجم كتاب الشاهنامة كاملاً «اعتنى بسجع تعريبه الشيخ الإمام الجليل البليغ الفاضل –الفتح بن علي بن محمد بن الفتح البنداري الأصبهاني– رحمة الله تعالى وتجاوز عنه بفضله». كما تظهر في آخر نسخة طوب قبو سراي (إسطنبول) إضافة من الناسخ مفادها أن تدوين الترجمة العربية قد أُنجز في دمشق عام 621هـ، بينما نقلت النسخة في 692هـ. (عزام، ج1، 8-10) اعتمد عزام 621هـ تاريخ ترجمة البنداري استنادًا إلى المخطوطات التي توافرت لديه في هذا الوقت، بينما تشير الدراسات الحديثة إلى الفترة ما بين العام 615/1218 والعام 623/1227. (Feuillebois)
"اجتمع لي إذن ثلاث نسخ كاملة: نسخ برلين، وكوبريلي [إسطنبول]، وطوب قبو سراي (السلطان أحمد)، ونسختان ناقصتان: نسخة كمبردج التي تحتوي نحو نصف الكتاب الأول، ونسخة طوب قبو سراي (قصر روان) وفيها الثلث الأخير من الكتاب". (عزام، ج1، 5).
يصرِّح عزام بأنه لم يقارن ترجمة البنداري بالأصل الفارسي إلا في حالة الشك في الترجمة ومواضع عدم الاتساق "وكنت أريد أن أقابل الترجمة كلها بأصلها الفارسي ولكن وجدت هذا متعذرًا أو مستحيلاً، فاكتفيت بمراجعة الأصل حين يضطرب سياق الترجمة، أو يغمض الكلام". (عزام، ج1، 15) وهذا ما يتضح من العنوان الفرعي للكتاب "قارنها بالأصل الفارسي، وأكمل ترجمتها في مواضع [...] الدكتور عبد الوهاب عزام". كما أنه وضع إشارات وملخصات للأجزاء الناقصة التي أسقطها البنداري من ترجمته، كما ترجم هذا السقط في بعض الأحيان نثرًا، أو نَظم بعضه ليكون مثالاً يُحتذى به لنقل شعر الفردوسي إلى الشعر العربي، إذ أن البنداري نقلها نثرًا وحذف ما يقرب من نصفها.[10] ولكننا نجد الكثير من المواضع التي أكمل ترجمتها عزام مثل مقدمة الفردوسي نفسه التي أسقطها الشيخ البنداري لأسباب تستحق البحث والنقاش. كما يشير عزام إلى أنه رجع إلى الفهارس المفصلة في بعض الترجمات الأوروبية وخصوصًا ترجمة مول المهمة، والتي سيأتي ذكرها لاحقًا، ليتحقق من المواضع المحذوفة. وعليه فعمل عزام على الشاهنامة ليس مجرد تحقيق ومراجعة، بل يتضمن أيضًا ترجمة إلى النثر والشعر وتلخيصًا وتعليقًا وشروحًا جاءت في المقدمة وفي حواشي الكتاب على خلفية معرفية واسعة بمجال الدراسات الفارسية الاستشرافية حتى ذلك الوقت. ولكنه في الوقت نفسه ليس عملاً مكتملاً أخذ على عاتقة وضع ترجمة عربية جديدة وكاملة تستند إلى النص الأصلي وتستأنس بترجمة البنداري.
وأما ترجمة البنداري نفسها، وإذا ما اعتمدنا روايته في مقدمة الترجمة وهو ما يؤكده أيضًا عزام، فنحن أمام أول وأقدم ترجمة يشهدها نص الشاهنامة الفارسي إلى أي لغة من اللغات الأخرى، أنجزها الشيخ الفقيه والشاعر المؤرخ قوام الدين الفتح بن علي بن محمد البنداري الأصفهاني في عجالة شديدة في أثناء وجوده في دمشق وبتكليف مفاجئ من "مولانا السلطان الملك المعظم شرف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين ملك الملوك والسلاطين أبي الفتح عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب". (عزام، ج1،2)[11] والملك المعظم (1176-1227م) ذو الأصول الكردية هو ثالث سلاطين الدولة الأيوبية في دمشق (615-624هـ/ 1218-1227م)، بعد عمه صلاح الدين وأبيه الملك العادل، ويُعرف بأنه كان أشعريًّا متشددًا ينتمي للمذهب الحنفي.[12] لم تصلنا أخبار عن حياة البنداري سوى ما دوَّنه بنفسه على مؤلفاته وترجماته، ويُرجح أنه ولد وعاش في أصفهان وتوفيَّ نحو 639 هـ، وربما ترك مدينته إلى دمشق في 620هـ إثر التوترات السياسية والصراع الذي نشب بين أهل المذهب الشافعي والحنفي في ذلك الوقت. وأغلب الظن أنه عاش في دمشق تحت حماية الملك المعظم الذي أهدى إليه البنداري معظم ما كتبه في هذه الفترة حتى وفاة الملك في 624 ليتركها الشيخ عائدًا إلى أصفهان أو ربما هاربًا إلى بغداد، كما نُقل فيما بعد.[13] ويروي البنداري في مقدمته أنه عندما بلغ دمشق لتطأ أقدامه أراضي السلطان المعظم، مثل أمامه وقدم له نسخة من كتاب الشاهنامة كهدية، فأمره السلطان بترجمتها.
فقدمت برسم الخدمة لخزانة آدابه –لا تزال معمورة ببقائه– الكتاب الموسوم بشاه نامه الذي عني بنظمه الأمير الحكيم أبو القسم منصور بن الحسن الفردوسي الطوسي [...] ذاكرًا فيه ملوك الفرس وتواريخ أيامهم، وشارحًا فيه مقاماتهم المأثورة، ووقائعهم المشهورة، مع وصف سيرهم الحميدة، وخلالهم السديدة، في إفاضة العدل والإحسان، وإشاعة الأمن والأمان، وصرف العناية إلى عمارة العالم، وإسباغ ظلال الرأفة والرحمة على كافة الأنام. فوقع من همته الغالية موقع القبول. لكنه رأى الكتاب [...] قد استبدت العجم بفوائده [...] فأمر مملوكه وضيعته الفتح بن علي بن محمد بن الفتح البنداري الأصبهاني أن يترجمه فيحل حكاياته المنظومة وينزع عن معاطفها أطمار اللغات العجمية، ويفيض عليها فضفاض وشائع الألفاظ العربية، ويكسوها رونق اللسان الذي هو أشرف الألسن، المنزل به أفضل الكتب، والمتناطق به خير البشر وخلصان الأمم [...] فتصدى المملوك لما ندب له امتثالاً للأوامر العالية ترتعد فرائض بيانه وبنانه، وترتجف أحشاء يراعه ولسانه. (عزام، ج2، 3)
لم يكن هدف هذه الترجمة إذن النقل الدقيق الشامل للنص الأول، ولا محاولة للحفاظ على جماليات وأدبية الشعر من خلال إعادة نظمه عربيًّا. فبينما يصرح المترجم أنه خَلَّصَ الكتاب مما هو زائد لجعله مفهومًا سهلاً «غير نازل في عبارته إلى حضيض الإسفاف، ولا صاعد إلى ذروة التكلف والاعتساف» (عزام، ج2، 4)، يراها عزام ترجمة فذة يسرها وأوجزها المترجم لقراء العربية فأصبحوا أقدر من الفرس على الإحاطة بمحتوى الشاهنامة، لكنها فقدت جمال الشعر وتفاصيل الأحداث. أما الدراسات المعاصرة فتراها ترجمة غير موفقة أسقطت الكثير من النص الفارسي والكثير من تعبيرات الفردوسي نفسه التي تعطي النص مذاقًا خاصًا وتميزه، وربما كان هذا هو السبب في إخفاقها وعدم تأثيرها في الأدب العربي فضاعت في الذاكرة.[14] والسؤال المهم والذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف ترجم البنداري وكيف حذف ولخص ولماذا؟ وهذا يتطلب دراسة وافية تُقارن الأصل الفارسي بالترجمة العربية. كما أن لهذه الترجمة أهمية أخرى من الناحية البحثية والتأريخية لمخطوطات الشاهنامة، يشير إليها عزام ومعظم الدراسات المتخصصة، وهي أنها أقدم من أي مخطوط فارسي معروف للشاهنامة، وبالتالي يمكن الاستعانة بها في المقارنة النقدية بين المخطوطات الفارسية (عزام، ج1، 101). ويبدو أن ملاحظة عزام الأخيرة ما تزال صحيحة حتى بعد التطورات الكثيرة التي حدثت خلال القرن العشرين، وبعد العثور على مخطوطة فلورنس في عام 1977 والتي ترجع إلى العام 614هـ/1217م، أي تقريبًا إلى الوقت نفسه الذي نقل فيه البنداري عن الفارسية، كما أن مخطوطة فلورنس وهي الأقدم حتى الآن ليست كاملة. وعلى أي حال فقد نُشرت العديد من الطبعات المحققة نقديًّا، آخرها وأهمها وأكملها إصدار جلال خالقي مطلق (1988-2009) في 8 مجلدات، بالإضافة إلى 4 مجلدات للشروح والتعليقات. ولكن حتى خالقي يعتمد في تحقيقه أيضًا على ترجمة البنداري. وعليه فقد لعبت الترجمة تاريخيًّا هذا الدور المهم الذي أشار إليه عزام وغالب الباحثين في المجال، لكنها لم تترك تأثيرًا يذكر في مجال الأدب العربي ولم ينتبه إليها أحد على مر التاريخ، كما يبدو. كما أن هذا الدور التاريخي الذي لعبته الترجمة، ربما قد انتهى أو اضمحل مع تراكم العمل الدؤوب في البحث والتحقيق، والذي بدأ مع المستشرقين الأوروبيين ووصل مع طبعة خالقي مطلق إلى أكمل مراحله حتى الآن.
وكما ضاعت ترجمة البنداري ولم تلق أي اهتمام عبر هذه القرون، لاقت نسخة عزام بما فيها من جهد كبير في التحقيق والتعليق والترجمة مصيرًا مشابهًا. لم يتجاوز عدد النسخ، التي طبعتها دار الكتب المصرية في مجلدين، 1200 نسخة، نفدت كلها بعد سنوات من طباعتها،[15] ولم تطبع مرة أخرى حتى عام 1993، أي بعد أكثر من 6 عقود، لم ينتبه أحد إليها ولم يفكر أحد في طباعتها في مصر أو أي من الدول العربية، كما كاد تأثيرها يكون منعدمًا، فلم تُذكر إلا في بعض مقالات تلاميذه وزملائه من المتخصصين في الأدب واللغة الفارسية، بالإضافة إلى بعض الاستثناءات القليلة مثل أمين الريحاني الذي صوَّر رواية الفردوسي مع الشاهنامة والسلطان محمود في نص مسرحي قصير «وفاء الزمان» ليقدم في الاحتفالية الألفية على مولد الفردوسي في 1934، كما علق على الشاهنامة في محاضرة[16] ألقاها في بيروت عام 1935.[17] صدرت النسخة الجديدة من كتاب عزام عام 1993 في دار سعاد الصباح، دون إضافة أي مقدمات ولا شروح أو إشارات إلى أعمال عزام ودوره، الذي يستحق الكثير من الانتباه كمؤسس للدراسات الفارسية في العالم العربي. ولم يكلف أحد نفسه كتابة مقدمة لائقة أو حتى إعادة نشر مقال قديم حول عزام وإسهاماته أو حول الشاهنامة وتطور الدراسات حولها في العالم. الإضافة الوحيدة التي طبعت مع هذا الإصدار هي كلمة تصدير مقتضبة، كتبها الروائي المصري جمال الغيطاني، ولم تتجاوز الصفحتين، وسيأتي ذكرها فيما بعد. بشكل عام يمكن القول إن هذا الحدث هو الأخير في تاريخ هزيل من التلقي العربي لقصيدة الفردوسي الكبرى. حتى المقالات التي نشرت حول الشاهنامة بعد عزام يبدو أنها لم تتعد كونها إعادة تدوير لما كتبه في مقدمته وفي عدد من مقالاته المنشورة على صفحات مجلة الرسالة ومجلات أخرى، وما سجله حول رحلته إلى إيران ومشاركته في احتفالية ألف عام على مولد الفردوسي، والترجمة العربية لكلمته في طهران خلال هذه الاحتفالية الكبرى.
على خلفية هذا العرض الأَّولي لمسارات التلقي والترجمة العربية من الفردوسي إلى البنداري ومنه إلى عزام، علينا أن نعيد التفكير في هاتين اللحظتين، لحظة البنداري في دمشق 1223م ولحظة عزام في القاهرة 1932. ربما كان من المقدر للحظة البنداري أن تلفت النظر إلى هذا الصرح الأدبي بعد 210 عام من تأليفه بالفارسية، لتنقله لأول مرة خارج حدود اللغة والثقافة والجغرافيا إلى ثقافة مجاورة ولغة هي الأقرب والأكثر ارتباطًا بالفارسية والأكثر تثاقفًا وتأثيرًا وتأثرًا بها في هذا الوقت. وإذا صدقت رواية البنداري فهي لحظة مصادفة لم تحمل أي معالم مبادرة أو اهتمام من الجانب العربي المُضيف والمتلقي المُريد والراغب في ازدياد من الآداب الأخرى، إذ حمل شيخنا الأصفهاني هذا الكتاب معه إلى دمشق ليهديه إلى السلطان الحاكم، والذي كان معروفًا عنه اهتمامه بالأدب. ولأن الكتاب بلغة العجم وغير مفهوم للسلطان، يأمر الأخير بترجمته إلى اللسان العربي الذي هو على حد قول البنداري وكما تقدم «أشرف الألسن». تُرجمت الشاهنامة للعربية ولكن العرب لم تترجمها إذن، بل ترجمها علاَّمة إيراني من ذوي اللسانين أو ما سماهم عبد الفتاح كيليطو ذوي اللسان المفلوق. وهم الذين كانوا يكتبون ويتحدثون باللسان الفارسي والعربي بطلاقة، لتمثل أول عبور لنص الشاهنامة للغة أجنبية. وهي لذلك ترجمة ثقافية أيضًا عرف فيها البنداري أين ينقل وأين يُسقط، أين يتحدث وأين يصمت، حتى حذف من النص الأصلي ما يقرب من نصفه، وفقًا لتقدير عزام. كما أنه اعتمد على صياغات تتناسب مع هوى القراء العرب وذائقتهم الأدبية، وبالتالي فكتاب البنداري هو نص أدبي جديد بامتياز. أما اللغة المنقول إليها هنا فهي العربية، لغة القرآن والحديث والفقه، ولغة الفكر والفلسفة في ذلك الوقت، مثلها مثل اللاتينية في أوروبا العصور الوسطى والإنجليزية اليوم، هي لغة دولة الخلافة، الإمبراطورية المترامية الأطراف والتي كانت قد استقرت منذ زمن. وهكذا كان من الطبيعي أن يترجم غير العرب إلى العربية، لغة المركز، ومنهم البنداري.[18] ولكن أثر هذا العبور لنص الفردوسي لم يكن محسوسًا في السياق العربي فيما بعد، ويبدو أنه لم يُنسخ كثيرًا حتى طواه النسيان، كما لم يفكر أحد في إعادة الترجمة كاملة طول ما يزيد عن 7 قرون. ضاع في الذاكرة!
بقي الحال على ما هو عليه حتى جاءت لحظة عزام في النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين في مصر. لحظة جديدة ومغايرة ترتبط بمحاولات تحديد الانتماءات الوطنية والقومية بعد سقوط الدولة العثمانية، وفي سياق استعماري بريطاني ومشروع لبناء دولة حديثة بدأ مع بدايات القرن التاسع عشر، وبعد تأسيس حركة فكرية وثقافية قامت في الأصل على الترجمة والنشر والانفتاح الثقافي على أوروبا، كما ارتبطت بدور المستشرقين الأوروبيين وتأسيس المدارس الحديثة والجامعة المصرية. كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في مصر والشام زمن الترجمة والنشر بامتياز. ولكن هذه الحركة التي أسَسَت لما عُرف بالنهضة العربية كانت غالبًا ما ترتكز على النقل من المصادر الأوروبية، أي النقل من المركز الأوروبي المُستعمِر إلى الهامش العربي المُستَعمَر. وربما كان المثير والمميز في موقف عزام هو شغفه المعرفي باللغة والأدب والثقافة الفارسية. فهل كان يبتعد عن المركز الأوروبي متجهًا إلى هامش آخر من هوامش الحداثة الأوروبية؟ هل كان يبحث عن الشرق أو الإسلام أو التراث أو الهوية والخصوصية الثقافية؟ هل دفعه إلى التخصص في الفارسية ولعه بالتراث العربي الإسلامي وخصوصًا الإرث الصوفي الأدبي؟ ربما يمكن ترجيح هذا من خلال النظر إلى أعماله واهتماماته الفكرية وترجمته وشروحه لأحمد إقبال وجلال الدين الرومي. وكما لم تفتح ترجمة البنداري مسارات جديدة للتلقي العربي، جاءت أيضًا محاولة عزام لإحياء الشاهنامة وحيدة وفريدة من نوعها، فلم تخلق حقلاً معرفيًّا عربيًّا حقيقيًّا يواصل ما بدأه مؤسس الدراسات الفارسية، حتى غاب عزام نفسه في الذاكرة، لتذكره حفيدته في نص روائي كطيف من أطيافها المُتخيلة في رواية «أطياف» بين السيرة الذاتية والخيال، أو يذكره الغيطاني في كلمة مقتضبة في تصدير طبعة 1993 من كتابه.
الترجمة المستحيلة
ليس من المستغرب أن تكون العربية اللغة الأولى التي تتلقى الشاهنامة في القرن السابع الهجري. ولكن الغريب أن يتوقف العمل على هذه الترجمة لزمن يزيد عن 7 قرون حتى يكتشفها عزام ليحاول تحريك هذا المشروع المُعطل، والأغرب أن تبقى أيضًا محاولته معطلة حتى يومنا هذا، وتبقى قصيدة الفردوسي عصية أو مستحيلة على الترجمة؟ لماذا كان من الطبيعي أن تكون العربية أول ما تنتقل إليها أبيات الفردوسي؟ ولماذا تعثَّر هذا الانتقال فيما بعد وتوقفت الترجمة، بينما نقلت إلى لغات عديدة في ترجمات متكررة؟
إن نظرة سريعة على تاريخ ترجمة الشاهنامة إلى مختلف اللغات تٌلخص لنا هذه الغرابة، فمحاولات الترجمة التي تلت البنداري بدأت بنقل بعض أبياتها إلى اللغة التركية الأناتولية القديمة في 768/1367؛ أي بعد نحو قرن ونصف القرن من ترجمة البنداري. تكررت وتراكمت محاولات النقل إلى التركية شعرًا ونثرًا، لتُتوج بترجمة شعرية في 916/1511 في القاهرة برعاية قنصوه الغوري آخر سلاطين المماليك. ويبدو أن تراكم وتكرار هذه الترجمات إلى التركية قد وَلَّد ممارسات أدبية جديدة لكتابة أعمال تستلهم روح الشاهنامة وأسلوبها لتصوير تاريخ وذاكرة الأتراك وبطولاتهم، بتكليف مباشر من سلاطين الدولة العثمانية. هذا يعني أن النص المترجم أصبح له جماعة من القراء community of readers[19] بالتركية وأصبح هناك تقاليد وممارسات في الترجمة والقراءة والتأليف، بالإضافة إلى مؤسسات وسلطة سياسية تتبنى النص وترجمته وإعادة توليده وتوظيفه. لم تعرف عوالم العربية أيًّا من هذه الظواهر والممارسات. وبجانب التركية ولغات شرقية أخرى كالأُردية، بدأت رحلة الشاهنامة إلى أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر لتُسجل تاريخها داخل تقاليد الاستشراق بُغية السيطرة على النصوص الأدبية القديمة والمُؤَسِسَة والاستحواذ عليها والتسابق علـي ترجمتها وتأويلها وإنتاج المعرفة حولها لتأكيد سلطة معرفية مركزية ارتبطت بالمركز الاستعماري الأوروبي. سعت هذه السلطة إذن لامتلاك الجغرافيا والتاريخ معرفيًّا وضم كل ما يمكنها ضمه من الإرث الأدبي القديم تحت راية الأدب العالمي ولكن بشروط هذه السلطة المركزية ومعاييرها.
توالت المحاولات لنقل أجزاء من الشاهنامة إلى الإنجليزية والفرنسية وخصوصًا قصة البطل رُستم وابنه سُهراب، بالإضافة إلى إعادة صياغة قصص الشاهنامة في أعمال أدبية مستقلة. أما القرن التاسع عشر فقد شهد شغفًا معرفيًّا غير مسبوق بهذا النص وجهودًا عملاقة في الترجمة للغات الأوروبية، برزت منها على سبيل المثال ترجمة كاملة للشاعر والمؤرخ الأدبي الألماني أدولف فريدريش فون شاك (1815-1894) Adolf Friedrich von Schack نشرها في 1851، بالإضافة إلى ترجمات الشاعر الألماني وأستاذ اللغات والدراسات الشرقية فريدريش روكرت Friedrich Rückert (1788-1866) الذي ترجم القرآن والكثير من الشعر العربي. وربما تعتبر ترجمة المستشرق الألماني يوليوس مول Julius von Mohl(1800-1876) هي الأكمل والأهم. ومول هو أستاذ اللغات الشرقية في جامعة توبنجن والذي سينتقل إلى باريس ليشغل عدة مناصب. وبتكليف من الحكومة الفرنسية ينكب مول على الشاهنامة طول 4 عقود لينقلها شعرًا إلى الفرنسية. وهي الترجمة التي صدرت في 7 مجلدات مع تحقيق دقيق للنص الفارسي (1836 - 1878) والكثير من الشروح والتعليقات، والتي سيرجع إليها عزام وغيره فيما بعد بشكل رئيسي، وكما أصبح تحقيق مول وترجمته وشروحه نصوصًا محوريةً في التخصص، أصبحت أيضًا دراسات المستشرق الألماني نولدكه Theodor Nöldeke (1836-1930) حول الشاهنامة مرجعًا لا غنى عنه لأي متخصص، وسيعتمد عليه عزام بشكل دائم. هذا بالإضافة إلى سلسلة من الترجمات الأوروبية الأخرى ومن أهمها ترجمة إيتالو بيزيItalo Pizzi (1849-1920)إلى الإيطالية نظمًا والتي صدرت في 1920، وإصدار آرثر جورج Arthur George وإدموند فارنر Edmund Warner إلى الإنجليزية (1905 - 1925) والتي سيرجع إليها أيضًا عزام في كثير من الأحيان. كما يجب الإشارة إلى الترجمة الروسية التي أنجزتها مجموعة من متخصصي الفارسية والشعراء في روسيا (1957 - 1989) بجانب تحقيقهم للنص الفارسي المعروف بنسخة موسكو والذي اعتمد عليه لعقود حتى ظهور نسخة مُطلق النقدية أخيرًا. أما أحدث الترجمات الحالية إلى الإنجليزية فهي ترجمة أستاذ الأدب الفارسي بجامعة ستانفورد وأوهايو ديك دافيس Dick Davis.[20] أمام هذا التراكم المعرفي حول الشاهنامة ومحاولات نقلها للغات كثيرة وتأثيرها في هذه الثقافات والآداب يطرح السؤال نفسه مرة أخرى بشكل أكثر إلحاحًا. لماذا توقفت محاولات الترجمة العربية مع بدايتها وتوقف معها أي إسهام معرفي عربي حول هذا العمل؟ هل يمكن لتلك العلاقة القوية بين العربية والفارسية أن تُفسر توقف الترجمة العربية أو استحالتها، كما فسرت أسبقيتها؟
ولفهم هذه العلاقة المعقدة والملتبسة، لا بد من الرجوع مرة أخرى إلى لحظة الفردوسي بعد ما يقرب من ٤ قرون من ظهور الإسلام وهزيمة إمبراطورية الفرس أمام قوة سياسية متسارعة الصعود أعادت تشكيل المنظومة السياسية بالمنطقة وقلبت كل الموازين. كان معظم إيران قد تحول إلى الإسلام، والفردوسي نفسه يقدم الشاهنامة كشاعر مُسلم وبروح ومنطق إسلامي، لكنه يعيد تصوير الأساطير والمرويات الشعبية والتاريخية لدولة الفرس منذ بداية الخليقة حتى الغزو العربي الإسلامي وسقوط الإمبراطورية. مشروع الفردوسي الشعري هو إعادة صياغة كل ما هو معروف ومنقول سواء شفاهيًّا أو كتابيًّا حول ذاكرة الشعب الإيراني بكل ما نُقِل وورِّث حول التصورات الدينية وقصص الأبطال والحروب والملوك والممالك، عن دولة الفرس حتى نهايتها. فهو بالتالي مشروع لحفظ هذه الذاكرة الشعبية الوطنية في لحظة ما بعد التحولات الكبرى، وبعد دخول الإسلام والتأثير الكبير للغة العربية على الفارسية بدخول عدد كبير من المفردات والتركيبات إليها والتحول للكتابة بالخط العربي. لحظة الفردوسي هي إذن لحظة الإمساك بالخيط الأخير للماضي المشترك والذاكرة الجمعية، ومحاولة صياغتها هذه المرة في قصيدة واحدة لشاعر واحد داخل بناء لغوي يريد، إلى جانب حفظ كل هذا الإرث الهائل، أن يحفظ أيضًا اللغة ومفرداتها وقوالبها وتقاليدها الأدبية. فالهدف هنا هو تجميع ركام الذاكرة المُعرضة للفقدان من أجل بناء هذا القصر المُبهر من الكلمات. هذا البناء الصرح هو الشاهنامة الذي يجمع مفردات متناثرة ومنقولات مشتتة بعضها شفاهي والآخر نصي مكتوب ليسكنها بداخله ويحفظها من الضياع. ولكن البناء هو الذي سيعطي هذه القصص والمفردات والأبطال شخصيتها ومذاقها الخاص داخل عالم جمالي جديد ومستقل بذاته خلقه الفردوسي. والكثير من هذه المرويات التي تضمها صفحات الشاهنامة سجلتها أقلام عربية ذات أصول فارسية كانت تعيش في زمن الفردوسي، وحاولت مثله أن تحفظ هذه الذاكرة ولكن داخل المدونة الأدبية العربية، بل إن بعض هذه الكتابات العربية تُعد من مصادر الفردوسي.[21] فزمن الفردوسي هو نفسه زمن الثعالبي والخوارزمي والبيروني والهمذاني، وهم الذين كتبوا بالعربية وتوجهوا غربًا إلى المراكز الثقافية العربية الإسلامية الجديدة في بغداد ودمشق. والمفارقة هنا، وهذا ما تظهره آخر الدراسات، أن السلطان محمود الغزنوي الذي أهدى إليه الفردوسي قصيدته، كان فيما يبدو قد تحوَّل من الاهتمام بالهوية الإثنية والتاريخ الوطني الإيراني باحثًا عن حُلفاء في الغرب ومؤسسًا على هوية أكثر اتساعًا هي الهوية الإسلامية، مما يفسر عدم اهتمامه بشاهنامة الفردوسي. بل أغلب الظن أنه من الأصل لم يكلف الفردوسي بكتابة الشاهنامة. (Feuilleboi)
فمع بداية عهد السلطان محمود ذي الأصول التركية ورغبته في توسيع المملكة وتوطيد الحكم، قدم محمود نفسه كملك إيراني يسعى لإحياء الدولة الساسانية، ويراهن على الحضارة والخصوصية الفارسية، وعندما تأكدت سيادته واستقرت مملكته بدأ في التخلي عن شخصية البطل الإيراني الشعبي ليستبدلها بالبطل الإسلامي الأوسع أُفقًا وانفتاحًا، فاستبدل الهوية الإثنية اللغوية الشعوبية الضيقة بهوية دينية ثقافية. وبالتالي كانت لحظة السلطان محمود هي لحظة الاندماج في السياق الحضاري الإسلامي الجديد، بينما كانت لحظة الفردوسي هي إعادة تشييد الركام التاريخي الوطني لدولة الفرس (فالتر بنيامين وملاك التاريخ).[22] وهذا يفسر عزوف محمود عن الفردوسي وقصيدته التي تتمثل فيها الكارثة في نهاية مملكة الفرس على يد العرب المسلمين. هذا هو التفسير الذي تذهب إليه الدراسات المعاصرة حول علاقة الشاعر بالسلطان، وهي تلك العلاقة التي نسجت حولها الكثير من المرويات الشعبية التي دونت فيما بعد. وأشهر هذه المرويات هي رواية عدم وفاء محمود بوعده أن يكافئ الفردوسي بدينار من الذهب مقابل كل بيت شعر يكتبه، وإرساله القيمة بالدراهم الفضية بدلاً من الدنانير الذهبية، وشعور الفردوسي بالإهانة ورفضه لهذا الأجر الزهيد والمُهين، ثم تأليفه لقصيدة يهجو فيها السلطان، وهروبه وعودته ليموت فقيرًا وتشيع جنازته في اليوم الذي تدخل فيه قوافل السلطان محمود محملة بالذهب والهدايا، بعد أن ندم السلطان على ظلمه للشاعر. هذه السردية التي نسجها الخيال الشعبي سجلتها كتب الأخبار بعد أكثر من قرن من الزمن. كما يأتي أول ذكر للفردوسي في كتاب «چهار مقال» (4 مقالات) للمؤلف نظامي العروضي نحو 550/1155، وهو يعيد إنتاج هذه الروايات التي ألهمت الشعراء غربًا وشرقًا فيما بعد. ومع أن هذا النسيج القصصي جزء من الموروث الثقافي الأدبي حول الشاهنامة، لكن الدراسات المعاصرة تؤكد عدم حدوثها تاريخيًّا. وكما كتب الشاعر الألماني الرومانسي هاينريش هاينه قصيدة الفردوسي التي تقوم على هذه المروية، كتب الأديب اللبناني أمين الريحاني مسرحية قصيرة بعد أن أطلع على كتاب عزام، بُغية عرضها في إطار الاحتفاليات بألفية الفردوسي.[23] أما عزام نفسه فقد كان حذرًا فيما يتصل بهذه المرويات، لكنه لم يشكك على سبيل المثال فيما نسب إلى الفردوسي حول تأليفه لكتاب يوسف وزليخة، وهو ما لم يعد مجالاً للشك، فلا علاقة للفردوسي بهذا العمل من قريب أو بعيد، بل نسب إليه لتصوير أنه عدل عن مشروعه الإيراني الوطني الشعوبي وتحول إلى التراث الإسلامي ليتبنى هذه القصص من النص القرآني ويصوغه شعرًا. (Feuilleboi)
كل هذه المفارقات والمستجدات في فهم الوضع التاريخي حول الفردوسي وعلاقته بالسلطة والسلطان في ظل ترتيبات وتحولات سياسية كبرى، إلى جانب خصوصية مشروعه الشعري، لا تعني بأي حال من الأحوال أنه كان معاديًا للعرب أو أن الشاهنامة تقع في مجال الشعوبية الضيقة وتتضمن خطابات عنصرية. وربما كانت هذه التصورات أحد الأسباب التي أدت إلى العزوف عن الترجمة العربية، لكنها بكل تأكيد لا تكفي لشرح الظاهرة وللإجابة على الأسئلة المطروحة. يصور الفردوسي في الجزء الأخير من الشاهنامة حالة الغضب والشعور بالهزيمة والفقدان في لحظة انهيار المملكة وضياع سلطان دولة الفرس إبان موقعة القادسية 15 /636 التي انتصرت فيها جيوش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص على جيوش الفرس بقيادة رُستم بن هُرمُزد. يكتب رستم القائد والمُنجم كتابًا إلى أخيه مشحونًا بالأسف والحزن، يذكر فيه:
أني نظرت في أسرار الكواكب، واستشففت أستار العواقب فرأيت بيت ملك الساسانية خاليًا، ورسم سلطانهم عافيًا، واتفقت الشمس والقمر والزهرة في طالع العرب. فلن يروا سوى الخير والعلاء. وأما من جانبنا فقد صار الميزان خاليًا فلسنا نرى غير العناء والشقاء. ولقد أمعنت النظر، وبين أيدينا أمر عظيم وخطب جسيم. (عزام، ج2، 265).
هكذا يلخص البنداري ما أطال في وصفه الفردوسي، ويعلق عزام في حاشية الكتاب "أطال الفردوسي، على لسان رستم، بيان الفوضى والشر والشقاء الذي يصيب الناس بعد الساسانيين". (عزام، ج2، 266). وعلى لسان رستم، البطل المهزوم والذي سيُقتل في موقعة القادسية على يد سعد بن أبي وقاص، تأتي أبيات الشاهنامة في شكل رسالة منه إلى خصمه سعد، ينثرها ويلخصها البنداري في ترجمته على هذا النحو:
أعلمني بما أنت عليه من دينك، ورسمك وآينِك. وأخبرني مَن سلطانك وبمن اعتضادك واعتصامك. فقد جئت في عساكر حفاة عراة بلا ثقل ولا رحل ولا فيل ولا تخت. ثم بلغ بكم الأمر من شربكم ألبان الإبل وأكلكم أضباب القيعان إلى تمني أسرة الملوك العجم أرباب التخوت والتيجان. فأقبل إلى خدمة الملك حتى ترى من إذا تبسَّم وهب أثمان جميع رؤوس العرب، ولا ينقص ذلك كنزه شيئًا. (عزام، ج2، 226)
والشائع أن الفردوسي وصف العرب في الشاهنامة بشاربي لبن الإبل وآكلي الهوام دليلاً على الخطاب العنصري والمعادي لهم، وهذا ما يتضح سطحيته من سياق السرد ما قبل المعركة وتحدي قائد عسكري لخصمه. تحت عنوان "الشاهنامة والعرب" يأتي عزام في مقدمته بهذه الأبيات في أصلها الفارسي مع ترجمته لها بالعربية، ليؤكد أن القارئ سيدرك هنا
سخط القصة على العرب، وتحقيرهم، والمبالغة في وصف فقرهم، وهمجيتهم. ويرى رستم القائد المُنجِم يصف العهد المقبل بآثامه ومصائبه. وفي هذا يتجلى ما ورثته العنعنات الفارسية عن وقائع الفتح الإسلامي من النفور والبغضاء. (عزام، ج1 86)
ومن هنا فإن خصوصية العلاقة بين نص الشاهنامة والسياق العربي الإسلامي تتجلى أيضًا في حالة التوتر والقلق والخوف الذي تصوره نهاية القصيدة نفسها. فهل كان النص نفسه أيضًا لهذه الأسباب عصيًّا على الترجمة؟ هل عزف عنه المترجمون العرب لشعورهم بعدائه نحوهم، أو كان تلخيص البنداري كافيًا لنفورهم منه وترتيبه في مصاف الخطاب الشعوبي؟ هل أصبح نص البنداري لهذا السبب هو الخطوة الأخيرة بدلاً من أن يمثل الخطوة الأولى في الانشغال على النص عربيًّا كما حدث في تقاليد ثقافية وأدبية أخرى؟ بجانب هذا الادعاء بالعنصرية هناك جدل آخر حول عقيدة الفردوسي. ويبدو أن رواية رفض الشيخ أبو القاسم الجرجاني لدفنه في مقابر المسلمين بسبب اتهامه بالزندقة رواية صحيحة، مما تسبب في دفنه في البستان. والشائع أنه كان متشيعًا يميل إلى عقيدة المعتزلة، كما يفترض عزام:
وليس بعيدًا أن يكون الناس اتهموا الفردوسي بالتشيع والاعتزال كما يقول العروضي. وفي الشاهنامة أبيات كثيرة تبين عن كلف الشاعر بحب آل البيت بل في مقدمة الكتاب يسمى عليًّا "الوصي" وفي بعض مدائح محمود يذكر عليًا بعد الرسول، ولا يذكر غيره من الصحابة. والأبيات التي روى العروضي أنه اتُهم من أجلها بالرفض والاعتزال نجدها في مقدمة الشاهنامة. فإيثار علي بالمدح، والمغالاة في الثناء عليه كانا جديرين أن يتخذهما الحساد وسيلة إلى سخط السلطان... (عزام، ج1، 57)
يؤكد هذا أيضًا عبد الحميد العبادي، رفيق عزام في رحلته إلى إيران، في مقال له عن الفردوسي في مجلة الرسالة، أن الشاعر كان قريبًا من "آراء المتكلمين من المعتزلة، فنشأ فارسي الهوى، شيعي المذهب، معتزلي الرأي".[24] وهنا يطرح السؤال نفسه أيضًا حول حذف البنداري فاتحة الفردوسي في ترجمته التي قدمها إلى الملك المعظم، والذي عُرف بتمسكه بالمذهب الحنفي. لا بد أن البنداري كان لديه أسبابه في إخفاء هذا النص القصير والذي ترجمه عزام فيما لا يزيد عن ٨ صفحات. كما أسقط الكثير من مقدمات الفصول ومن مقالات الفردوسي التي يتحدث فيها بصوت الشاعر الفيلسوف. فمن المرجح أن البنداري وجد هذه المقدمة إشكالية ليعرضها أمام السلطان محمود، لما فيها من صوت عقلاني مُعتزلي يعلي من منزلة العقل، كما يفرد في أولها «مقال في مدح العقل». تبدأ فاتحة الفردوسي بهذا البيت:
به نام خداوند جان وخرد. کزین برتر اندیشه برنگذرد
باسم رب الروح والعقل الذي لا مجال للفكر فوق علائه (عزام، ج2، 5)
ليس الهدف هنا حسم هذه القضايا بشكل صارم، بل مجرد طرح الأسئلة ومناقشتها وفتح مسارات مختلفة للتفكير في قضية الشاهنامة في السياق العربي. ومع عدم وضوح الأسباب وتركيبها، فمن المؤكد أن نص البنداري لم يجد الاهتمام طول هذه القرون حتى جاء عزام ليعيد اكتشافه من جديد ويعمل على ترميمه وسد بعض ثغراته بالترجمة المباشرة أو التلخيص.
أمام قبر الفردوسي
في بداية القرن الثالث عشر، يسافر علامة إيراني من أصفهان إلى دمشق حاملاً معه قصيدة الفردوسي ليهديها إلى الملك الأيوبي المعظم الذي سيأمره بترجمتها، كما تقول الرواية. هذه هي لحظة الترجمة الأولى والتي لم تترك أثرًا معروفًا لنا في تاريخ الفكر والأدب العربي. لم يبحث مفكر أو شاعر عربي إذن عن القصيدة لينقلها إلى العربية، بل سافر بها الشيخ الإيراني من أصفهان إلى دمشق ليخلصها من «أطمار اللغات الأعجمية» وينقلها إلى اللسان العربي «الذي هو أشرف الألسن». أما لحظة عزام والتي يمكن اعتبارها أيضًا لحظة تستكمل وتستدرك مسيرة ترجمة النص إلى العربية، فهي تختلف تمامًا عن لحظة البنداري. فنحن هنا أمام باحث ومثقف عربي يجيد الفارسية ويعرف النص الأصلي ويسعى إلى الوصول إلى ما أنجزه الشيخ الأصفهاني قبل ما يزيد عن 7 قرون، فيجول بين كمبردج وبرلين وإسطنبول ليحصل على صور المخطوطات، يعمل عليها لسنوات بالمقارنة النقدية والتحقيق والتعليق والترجمة والتلخيص، ليخرج بنسخة عربية نثرية غير مكتملة ولكنها الترجمة الوحيدة المتاحة لقراء العربية حتى يومنا هذا، والتي تتخذ مكانة ما بين قصيدة الفردوسي ونثر البنداري. وبالتالي فيمكننا القول إن عزام هو المثقف العربي الوحيد حتى الآن الذي اهتم بالشاهنامة وحاول نقلها للمجال الثقافي العربي. لم يُترجم عزام الشاهنامة، كما يتردد أحيانًا،[25] بل أكمل فقط ترجمة بعض ما أسقطه البنداري ولخص الباقي، بل إنه، وكما سبق القول، لم يقارن النص كله بالأصل الفارسي. ومع هذا يبقى إسهامه فريدًا لم يسبقه إليه مترجم عربي ولم يكمله حتى اليوم متخصص آخر في الأدب الفارسي. وعزام هو ابن الجامعة المصرية أوروبية التوجه، درس على أيدي أساتذتها الأوروبيين، وتعلم الفارسية وآدابها في معهد الدراسات الشرقية بلندن، فهو ابن هذه التقاليد المعرفية والبحثية الاستشراقية الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه ابن التقاليد الإسلامية العربية وخريج القضاء الشرعي المهتم بالتراث العربي الإسلامي. ولم يكن عزام وحده هو الذي تعلم الفارسية في أوروبا ونقل منها إلى العربية، بل سبقه أيضًا الشاعر أحمد رامي (1892-1981) الذي درس في مدرسة اللغات الشرقية بباريس وعاد ليترجم رباعيات الخيام من الفارسية في عام 1924.
يتحرك عزام إذن بين عدة عوالم، يترجم فريد الدين العطار ومحمد إقبال ويحقق كليلة ودمنة لابن المقفع وديوان المتنبي. وكما يتجه إلى أوروبا غربًا، يتجه أيضًا فيما بعد إلى الشام والعراق وتركيا والحجاز وإيران شرقًا، «بين القاهرة وطوس» كما يسمي رحلته التي دَوَّنها ونشرها فيما بعد في كتاب «رحلات».[26] وطوس هي مسقط رأس الفردوسي في إقليم خراسان (اليوم جزء من مدينة مشهد)، حيث شيدت فيها حكومة الشاه رضا نصب تذكاري ضخم مكان قبر الفردوسي في انتظار الوفود القادمة للاحتفال بألف عام على مولد شاعر الشاهنامة في خريف 1934. كانت هذه الاحتفالية الكبرى جزء من التحولات السياسية والثقافية في الدولة البهلوية الجديدة (بعد 1925) وفي إطار ترسيخ هوية قومية علمانية حداثية تستدعي التاريخ الإيراني قبل الإسلام. وبالتالي جاء الاهتمام بالفردوسي وشاهنامته نوعًا من التوظيف السياسي في هذه المرحلة بعينها.[27]
كانت هذه زيارة عزام الأولى لإيران قاصدًا قبر الفردوسي في طوس بعد عامين من نشر الشاهنامة في القاهرة. والسبب الرسمي لهذه الزيارة هو تمثيل مصر وإلقاء كلمة في مؤتمر الفردوسي المنعقد في إطار الاحتفالية التي حضرها ممثلون من جميع أنحاء العالم، حيث شارك في المؤتمر نحو ٤٠ من الأساتذة والمتخصصين في الآداب الفارسية معظمهم من المستشرقين الغربيين. وكانت مصر والعراق الدولتين العربيتين الوحيدتين المشاركتين. أوفدت مصر عزام وعبد الحميد العبادي (1892-1956) أستاذ التاريخ بالجامعة المصرية والذي سيتولى منصب عميد كلية الآداب بجامعة الإسكندرية فيما بعد. كما مثَّل العراق الأديب أحمد حامد الصراف والشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي وكلاهما يتقن الفارسية. سافر عزام بالقطارات والسيارات من دمشق إلى بغداد إلى همذان ومنها إلى طهران متوجهًا إلى طوس مع مجموعة من الوفد المشارك في المؤتمر. واستغرق البرنامج الرسمي للرحلة ما يقرب من أسبوعين بين طهران وطوس بدأت في الثالث من أكتوبر 1934 في طهران، وسيستكمل عزام بعدها رحلته داخل إيران التي ستنتهي بزيارة أصفهان موطن البنداري. ومن الأخطاء الشائعة والمتكررة أن عزام قد ألقى محاضرته أمام قبر الفردوسي في طوس، وهو ما نشره محرر مجلة الرسالة وما سيكرره من بعده الكثيرون وآخرهم جمال الغيطاني في تصديره للطبعة الجديدة. ألقيت جميع المحاضرات في «مدرسة دار المعلمين» بطهران، كما نقل لنا عزام في كتاب (رحلات، 113 ي)، وفيه يختتم عزام رحلة إيران على هذا النحو:
وبعد فقد سرنا من القاهرة إلى طوس فما أحسسنا أنا اغتربنا، بل رأينا أنفسنا بين وجوه معروفة أو سنن مألوفة، وتاريخ معلوم، وفي مشاهد حدثتنا عنها كتبنا، وعهدها تاريخنا ونشأ فيها علماؤنا؛ فالعالم الإسلامي على اختلاف الأمم أمة واحدة ألّفتها مئات السنين على معنى واحد، وأورثها التاريخ حضارة واحدة، وآدابًا متقاربة، وهذا ذخرُ، لعمر الحق، جدير أن يصان على الرغم من الزمان، وائتلاف ينبغي أن يٌجنّب الاختلاف، وتقارب هو أسعد ما تخطي به الأمم في هذه العصور القلقة المضطربة. فقل للذين يريدون أن يقطعوا الأوصال بما يثيرون من الجدال، وقل للذين يحرقون ماضينا ويزدرون تاريخنا، ويحاولون أن يهدموا كل قديم ليشيدوا كل حديث ساء صنعكم وفأل رأيكم. وقل للذين يلتفتون عن المشرق ليولوا وجوههم شطر المغرب: إنما تعرضون عن أنفسكم وتاريخكم. نسأل الله الهداية والتوفيق. (رحلات، 187)
تتضح هنا أهمية وخصوصية هذه الرحلة بالنسبة لعزام والتي حرص فيها على زيارة الأماكن والمدن التاريخية المرتبطة بعالمه الأدبي، فنجده يتوقف عند قبر فريد الدين العطار والخيام ويتلو مع رفاقه أشعار سعدي وحافظ ويتفاعل مع زملائه الإيرانيين. يقترب عدد صفحات رحلة إيران من 100 صفحة من مجمل صفحات الكتاب التي تصل إلى نحو 390 صفحة. اهتم عزام فيها بتسجيل رحلاته إلى الشرق، بينما صرح في مقدمته بعدم اهتمامه بتسجيل أسفاره إلى أوروبا «وأما أسفاري في أوربة فلم أهتم كثيرًا بتسجيل مشاهدها، إلا 4 مقالات يجدها القارئ آخر الكتاب». وجاءت هذه المقالات الأربعة تحت عنوان «من ذكريات أوروبا» (رحلات 346-386). يتجلى هنا إذن موقف عزام المعرفي وانتماءاته الثقافية والأدبية ورؤيته للعالم. وهي رؤية واعية ترفض المركزية الأوروبية، وتبحث عن وجودها في هذا الجزء من العالم الذي يمكن وصفه بالشرق الإسلامي. فمع احترامه الشديد لأساتذته المستشرقين وامتنانه لهم والذي يعبر عنه بشكل متكرر، لكننا نجده على سبيل المثال في رحلة إيران بين قبر العطار وقبر الخيام يداعب رفيق له منشدًا بيت لحافظ الشيرازي قائلاً «جاء مرشدنا البارحة من المسجد إلى الحانة». وعندما يتساءل أحد الحاضرين «كيف تركتم الخيام إلى العطار؟»، يجيبه عزام «لكل رجل وجهته، وإن لم يكن من القياس بد فصاحبنا أعظم من صاحبكم، وأكرم حياة، وأجل أثرًا». فيقول الأول «ليس أحد من المتأدبين في الشرق والغرب يجهل الخيام، وهذا أحد الوافدين من الأوروبيين يسأل: من العطار؟» فيجيبه عزام بحسم «دعني فإني لا أقيس عظماءنا بمعرفة الأوربيين وجهلهم، ومدحهم وذمهم». (رحلات 132-133) يتحرك عزام إذن من خلال هذا الوعي المعرفي الثقافي تجاه الشرق الإسلامي، على خلاف مواقف فكرية أخرى عُرفت بها هذه المرحلة، مثل الهوية القومية المصرية أو الفرعونية أو الإسلامية التراثية بالمعنى الديني المحافظ أو التجديدي، أو تلك المواقف الداعية للاندماج والذوبان في الثقافة الأوروبية.
مع بداية مراسم المؤتمر في طهران وترحيب رئيس الوزراء فروغي خان بالوفود وكلمة وزير المعارف علي أصغر حكمت بالفرنسية، انتُخِبَت لجنة المؤتمر من خمسة أعضاء كان عزام من بينهم، وتكلم العبادي بالعربية في اليوم الأول عن «فضل الفرس على الأدب العربي،» كما ألقى محاضرة عن الأخلاق في الشاهنامة، وألقى الزهاوي قصيدة بالفارسية. أما محاضرة عزام «مكانة الشاهنامة في آداب الأمم» فألقاها في اليوم الثالث من المؤتمر باللغة الفارسية. وبعد نهاية كلمته قدم نسخة من شاهنامته الصادرة حديثًا إلى وزير المعارف وأخرى إلى رئيس الوزراء وثالثة لترفع إلى الحضرة الشاهنشاهية. ربما يتجلى ترحال النصوص وعبورها للحدود من خلال هذا المشهد شديد الرمزية. فنحن الآن وللمرة الأولى أمام علامة آخر من ذوي اللسانين يأتي من القاهرة مرورًا بدمشق وبغداد حاملاً نسخته العربية من كتاب ملوك الفرس ليصل إلى قلب إيران ويهديها إلى الشاه المُعظم وحاشيته. فبعد سبعة قرون من رحلة الفقيه الأصفهاني من إيران إلى دمشق، والتي ستنتهي بترحال النص عبر حدود الجغرافيا والثقافة واللغة من الفارسية إلى العربية لتصل إلى يد السلطان المعظم، هكذا أيضًا يعود عزام بنص البنداري مرة أخرى بعد أن لملمه ورممه ليأتي به إلى حضرة الملوك. وسيجمع عزام وباقي الوفد في نهاية برنامج المؤتمر مشهد احتفالي ختامي في حضرة الشاه رضا نفسه أمام قبر الفردوسي في طوس. بعد كلمة عزام صعد الوزير علي حكمت إلى المنصة ليثني عليه ويشكره على تحمله «مشقة في ترجمة الشاهنامة وتصحيحها والتعليق عليها» وأيضًا لأنه «تكلم بلغة الشاهنامة. يستشهد الوزير ببيت لحافظ الشيرازي يقول فيه «إن الترك المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. وأنا أقول إن العرب المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة». ويختم شكره ببيتين لسعدي «قلت لقلبي: إن الناس يجلبون السُكّر من مصر فيهدونه إلى الأحباء، فإن تكن يدي خالية من هذا السكر فعندي كلام أحلى من السكر». (رحلات 113 س - ع)
ولكن الأهم من هذه المشهدية وتلك الكلمات البليغة والحميمة في لقاء غير مألوف، هي محاضرة عزام نفسها في طهران وهي في صميم الجدل حول الشاهنامة ومفهوم الأدب العالمي وعلاقته المعقدة بالجنس الأدبي المعروف بـ "الملحمة".[28] والرسالة التي وجهها عزام للإيرانيين في هذا الموقف الفريد هي مكانة الشاهنامة بين الأمم وهو ما يمكن ترجمته بتعبيرات اليوم بتلقي الشاهنامة عالميًّا، وما يجب أن تكون عليه في الشرق. هكذا يفتتح محاضرته:
لست أريد أن أفصّل الكلام في الشاهنامة أو بعض مباحثها الكثيرة. فأدباء إيران الكرام أعرف بذلك وأقدر عليه، ولكني أريد أن أتقدم إليكم بكلمة موجزة تبين عن مكانة الشاهنامة في آداب الأمم ولا سيما الأمم الشرقية. (محاضرة عزام 1775)
ومع أن محور اهتمام عزام هنا، وفقًا لهذا التقديم، هو الشاهنامة في سياق شرقي غير أوروبي، فإنه ينطلق من مقولة «الشاهنامة إلياذة الشرق» محاولاً تفنيدها ويرى أنها «جديرة أن يكون لها بين أمم الشرق مكانة أرفع من مكانة الإلياذة بين أمم الغرب». (محاضرة عزام 1775) وهذا ما سيفعله الغيطاني أيضًا بعد 6 عقود في كلمته المقتضبة لتصدير طبعة عزام. وهذه البداية في رأيي كاشفة لإشكالية معرفية وقع فيها معظم من تناولوا قضية الشاهنامة وموقعها من إشكالية الأدب العالمي ومركزية الملحمة الكلاسيكية. ففي اللحظة نفسها التي يعلن فيها عزام عن رغبته في تحديد موقع قصيدة الفردوسي من العالم وعلى التحديد من العالم غير الأوروبي، أي بعيدًا عن المركزية الأوروبية، وهو ما يتوافق مع توجهه وتكوينه المعرفي كما سبق واتضح من مذكرات أسفاره وغيرها. في اللحظة نفسها يشرع في تبرير أهميتها ومكانتها بالمقارنة مع إلياذة هوميروس اليونانية، وهذا أيضًا ما فعله معظم المستشرقين وما أشار إليه سليمان البستاني في مقدمته لترجمة الإلياذة. بل إنه يمكن القول إن هذه المقاربة هي التقليد الذي سيستمر حتى آخر الدراسات المعاصرة.[29] على أية حال يشير عزام إلى الفترة الزمنية المحدودة والموقع الجغرافي الضيق الذي تغطيه إلياذة هوميروس، بينما تغطي الشاهنامة في المقابل آلاف السنين وتمتد أحداثها عبر ممالك واسعة، كما أنها قصيدة واحدة لشاعر لا يخُتلف على وجوده التاريخي، على عكس هوميروس، وعلى عكس «المهابهاراتا والرمايانا وهما من نظمهما شعراء عديدين بعضهم مجهول». (محاضرة عزام 1776) ويرى عزام تميزها أيضًا في كونها تصوير شعري لأحداث تاريخية ممتدة عبر العصور عبرت عنها الذاكرة القصصية وكتب الأخبار الأخرى ككتاب الثعالبي «غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم». لم يخترعها الفردوسي بل صورها، فهي إذن مرآة لتاريخ الأمة. «فهذه المنظومة العجيبة التي تتناول حوادث قرون وأمم كثيرة لا ينبغي أن تُشَّبه بالإلياذة الضيقة الحدود؛ وينبغي أن تكون عناية الشرقيين بها أعظم من عناية الغربيين بالإلياذة»، حتى لو كانت «قصصًا منثورة خالية من روعة الشعر». فما بالك وقد أفرغها الفردوسي في هذا البناء الشعري البديع الذي صور فيه الوقائع والأحداث ببراعة تجعل القارئ «يسمع صليل السيوف ووقع الأسنة، وصياح الأبطال وصهيل الخيل»، كما يشعر بمشاعر الحب ويستخلص مواعظ الزمان. (محاضرة عزام 1776-1777)
لم يكتف عزام بالمقارنة مع الإلياذة بل استشهد بالمستشرق الألماني سابق الذكر نولدكه «أستاذًا من كبار المستشرقين درس الشاهنامة درسًا بليغًا»، مترجمًا كلماته للفارسية ثم للعربية كما يلي:
إن الفردوسي شاعر مطبوع، يستولى على فكر القارئ، ويحيي القصة التافهة بإنطاق الممثلين أمامنا، بل كثيرًا ما تضيع الحركات في جلال الأقوال. وهو يفصل الحادثات فيبين أحسن إبانة عن حادثة لم يكتب عنها في الأصل الذي نظم عنه أكثر من أنها وقعت، ويبيح لنفسه أن يخلق حادثات صغيرة ليتم الوصف. وهو يعرف كيف يحيي أبطاله، بل يخرج أحيانًا البطل في صورة جديدة غير التي عرفته بها الروايات، وما أقدره على تبيان ما وراء أعمال الأبطال من أسباب وأفكار. والوصف النفساني رائع جدًا، ونغمة البطولة تسمع في الكتاب كله، وعظمة الزمان القديم وأبهته، وفرحه وترحه وجلاده، مصورة في أسلوب معجب، حتى ليسمع الانسان صليل السيوف وجلبة المآدب. وهو لا يبلغ في التفصيل مبلغ هومير، ولا يستطيع مثله أن يجمل حادثة في كلمات قليلة، ولكنه مع هذا يمضي قدمًا إلى غايته حين يصف الوقائع، وإن يكن في الخطب والرسائل مكثارًا. [...] وعاطفة الأمومة والأبوة والقرابة واضحة في الكتاب كذلك، ولكن يصحبها التعطش للدماء ثأرًا للأقارب، فقصة الانتقام لسيا وخسن مثلاً تملأ صفحات من الكتاب كثيرة جدًا، وهذا الولع بالثأر يتمكن حتى نجد الرجل العاقل [...] يشرب دم أطيب الأعداء [...] ويتجلى في الكتاب كذلك ندب حظوظ الإنسان في هذا العالم الحائل... (محاضرة عزام 1777).
يترك عزام استشهاده الطويل بنولدكه، والذي لا يخلو هو الآخر من المقارنة مع الإلياذة، وينتقل إلى نقاط أُخرى دون أن يعلق على رأي أستاذه الذي اتخذ الشعر اليوناني الهوميري مقياسًا ونموذجًا يتضمن كل معايير الجمال لكل عصر وكل مكان فيقيس عليه جودة شعر الفردوسي، كما يذهب إلى تحليل أخلاقي قيمي مقارن يرفع مكانة الشعر الهوميري مقابل الشعر الفردوسي. يبقى عزام إذن في هذه المساحة من التوتر فيما بين زاوية النظر من داخل تقاليد الاستشراق والمركزية الأوروبية، وبين الرغبة في التحرر وفهم موقع هذا النص داخل عوالم أخرى هي الأقرب إليه، ولتكن ما سماه بالأمم الشرقية. ربما كان من المنطقي أن يبقي عزام هنا مع عالم الفردوسي نفسه وعالم البنداري وترجمته العربية ودوافعها وسياقها وأسباب توقفها. يعرض في عجالة تاريخ ترجمة النص ويشير إلى أن العربية كانت اللغة الأولى التي حظيت «بترجمة الشاهنامة، لما بين الأدبين العربي والفارسي من التقارب». ويؤكد أن البنداري ترجمها فقط في 18 شهرًا، «وهي همة عالية ومقدرة عظيمة من هذا الأديب الكبير. ونحن نعترف لإخواننا الإيرانيين بفضل إنشاء الشاهنامة وفضل ترجمتها إلى اللغة العربية». وعلى عكس ما خلص إليه في مقدمته يذهب عزام في محاضرته أن الترجمة العربية تعادل نصف حجم النص الفارسي وليس ثُلثيه. كما حاول أن يحدد ما حذفه المترجم في عملية النقل مثل المقدمات والرسائل والخطب والمواعظ والوصف الطويل والمدح.
لم ينقل المُترجم إلى العربية جمال شعر الفردوسي، ولكن نقل حوادث الشاهنامة مختصرة فيسَّر لقارئ العربية الإحاطة بموضوع الكتاب في وقت قصير. ولا بد أن يكمل نقص هذه الترجمة بترجمة منظومة للكتاب كله أو لفصول منه. [...] فهذا اهتمام الأوروبيين بالشاهنامة وهم لا تربطهم بها وبقومها ما يربط الأمم الشرقية. وإنا لنرجو أن يزيد اهتمام الشرقيين بهذه المنظومة العظيمة كي لا تخلو لغة من اللغات الشرقية من ترجمة كاملة منثورة ومنظومة. ولعل هذا الاحتفال العظيم بذكرى شاعرنا النابغة الخالد، يكون فاتحة نهضة في الشرق توفي الشاهنامة حقها من العناية. (محاضرة عزام 1778-1779)
تمحورت إذن رسالة عزام الأولى في محاضرته حول أهمية الشاهنامة الأدبية ومكانتها المركزية لشعوب الشرق التي يجب أن تكون عليها لترتقي فوق مكانة الإلياذة بالنسبة للغرب. أما القضية الثانية فتتعلق بهذه المكانة داخل سياق الثقافة والأدب العربي إذ تغيب الترجمة حتى لحظة عزام وحتى يومنا هذا. وقد ترجم عزام كلمته للعربية ونشرها في مجلة الرسالة واسعة الانتشار في ذلك الحين، ولكن دون أن تلقى أي صدى أو استجابة تتجاوز الإشادة وترديد ما سجله. خلص عزام إلى أن الشاهنامة أهم شأنًا في محيطها العربي والشرقي من إلياذة هوميروس في محيطها الغربي الأوروبي. والمثير هنا هو أن الإلياذة التي لم تترجم إلى العربية حتى القرن التاسع عشر لفتت انتباه سليمان البستاني الذي طور معرفته باليونانية القديمة خصيصًا لينقلها إلى العربية نظمًا وينشرها في عام 1903 في نسخة ضخمة ضمت أكثر من الألف صفحة بعد أن عمل عليها ما يقرب من 15 عامّا. وتساءل البستاني في مقدمته الطويلة حول أسباب عزوف العرب عن ترجمتها، فذهب إلى أن العرب ترجموا الشاهنامة نثرًا ولم يترجموا الإلياذة بسبب «الارتباط بين الفرس والعرب»، وأيضًا بسبب الدين، فشتان «بين ناظم الإلياذة وناظم الشاهنامة، فذلك من عبدة الأصنام، وهذا من أدباء الإسلام». ويضيف إلى أسباب غياب الترجمة «إغلاق فهم اليونانية على العرب، وعجز النقَلة عن نظم الشعر العربي».[30] ولكن البستاني لا يهتم كثيرًا في مقدمته بالشاهنامة إلا من أجل فهم ما يتعلق بمصير الإلياذة عربيًّا، وهو يقدمها مستشهدًا بالكثير من أقوال مفكرين أوروبيين كالعمل الملحمي الأهم والأقدم والمؤثر في آداب الشعوب، بل يميل إلى الاعتقاد أن الفردوسي نفسه تأثر بها:
وقد روى إليانوس المؤرخ أن الهنود نقلوها إلى لغتهم، وأن ملوك الفرس كانوا يتغنون بها بالفارسية. ولعل الفردوسي استمد منها كثيرًا من معاني الشاهنامة، واتخذ الإلياذة مثالاً لمنظومته الغراء.[31]
نشرت ترجمة البستاني شعرًا كما تقدم في 1903 وأعيد طبعها مرات فيما بعد، وما تزال حية وحاضرة ومنتشرة في أسواق الكتب. هذا علاوة على صدور ترجمة عربية جديدة عن النص اليوناني مباشرة بعد 100 عام من صدور ترجمة البستاني. نقلها هذه المرة من الشعر إلى النثر مجموعة من الأكاديميين المتخصصين في اليونانية القديمة، وعلى رأسهم أحمد عتمان أستاذ اللغة اليونانية. صدرت الترجمة وسط احتفاء كبير من قبل الدولة ومؤسساتها الثقافية في 2004، بعد 6 سنوات من العمل المكثف، ولقيت الكثير من الإشادة بجودة الترجمة وأُعيدت طباعتها عدة مرات. وعلى هذه الخلفية لترجمة وتلقي الإلياذة عربيًّا بين مشروع البستاني ومشروع عتمان، يمكننا إعادة صياغة سؤال الشاهنامة مرة أخرى على هذا النحو: لماذا ترجمت الإلياذة لمرتين نثرًا ونظمًا ولقيت هذا الانتشار، بينما بقيت شاهنامة الفردوسي عصية على النقل للعربية بعد محاولة البنداري التي حاول عزام ترميمها واستعادتها إلى الذاكرة الثقافية مع الدعوة المُلحة لتجديد المحاولة؟ فالنتيجة هي النقيض التام لما افترضه البستاني حول عزوف العرب عن ترجمة الإلياذة لغرابتها وصعوبة اليونانية مقابل الإقبال على ترجمة الشاهنامة. والحقيقة أن هذه العلاقة أو التوجهات الملتبسة تجاه عملين من الأعمال الأدبية الكبرى والمُؤسسة تُحيلنا إلى تخصص الأدب المقارن ومجال الدراسات المُعاصرة حول مفهوم «الأدب العالمي» الذي ارتبط منذ بدايته بمركزية الملحمة ونموذجية الأدب اليوناني الكلاسيكي بالتحديد. فهل لنا أن نفكر ولو مرة واحدة في الشاهنامة دون المرور على إلياذة هوميروس؟ لا يبدو هذا سهلاً، حتى عبد الحميد العبادي أستاذ اللغة والأدب العربي المرموق لم يسلم في محاضرته في مؤتمر الفردوسي من غواية المقارنة مع شعر هوميروس الملحمي، مع أن موضوعها هو الأخلاق في الشاهنامة. يقول العبادي:
والشاهنامة تعد بحق من ملاحم الطبقة الأولى، وهي والإلياذة من حيث القوة والروعة الفنية والابداع سواء، غير أن الشاهنامة عندي تربى كثيرًا على الإلياذة من الناحية الفلسفية الأخلاقية، فالفردوسي ... [32]
وفي السياق نفسه تكتب صفاء خلوصي (جامعة بغداد) في مجلة العربي الكويتية عن «الفردوسي بالقران مع هوميروس وشكسبير»، وتجد بينهما شبهًا «من حيث تغلغلهما في أعماق النفس البشرية»، إلا إنها تجد «الفردوسي دون شكسبير من حيث موهبته في حصر الحوادث الطويلة بأقل عدد ممكن من الألفاظ، ودون هوميروس من حيث قدرته في التفصيل بدقة». وهذا يذكرنا بملاحظة نولدكه التي أعادها عزام على مسامع الحضور في مؤتمر طهران. وهكذا تتابع الكاتبة مقارنتها بين «رُستم الفارسي» و»هرقل الإغريقي».[33] أما الغيطاني فيعلن في تصديره لطبعة سعاد الصباح عن موقفه المناهض للمركزية الأوروبية في تعريف ما هو أدب عالمي، كما يدعو إلى فهم الشاهنامة خارج هذا الإطار ودون المرور على مركزية أوروبا المعرفية:
من لم يطلع على الشاهنامة فإن احاطته بالأدب الإنساني تظل ناقصة نقصًا كبيرًا، وفي القرن الأخير نشطت حركة الترجمة من اللغات العالمية إلى العربية، ولكن ظل مدلول العالمية في اتجاه واحد تقريبًا هو الغرب، وعلى الرغم من جهود علمية عديدة لنقل الآثار الأدبية إلى الأمم الأخرى، إلا أن الغرب يظل المركز المهيمن. حتى أن معرفة بعض الآداب المهمة في عصرنا الحديث لم تتم مباشرة. إنما من خلال المراكز الثقافية الغربية. [...] ومنذ أن بدأت أتعرف على الأدب الفارسي المترجم إلى اللغة العربية أدركت أن في متناول أيدينا كنزًا إنسانيًّا لا نعرف عنه شيئًا تقريبًا، على الرغم من الجوار والدين الواحد، وكثير من العناصر المشتركة بين الأمتين العربية والفارسية.[34]
ولكنه بدلاً من أن يكمل برنامجه المعلن حول حتمية فهم الشاهنامة عربيًّا، يكرر ما ذكره عزام في محاضرته معترضًا على تسمية الشاهنامة بـ«إلياذة الشرق» ويخوض في الأسباب التي ذكرها عزام حول تفوق الشاهنامة على الإلياذة بسبب الامتداد التاريخي والجغرافي. وينتهي باقتباس طويل من محاضرة عزام يختمه بكون الشاهنامة
عبرت عن مضمون الفكر الشرقي، ورؤيته للعالم، ولقضايا تمس الإنسان وحقيقة وجوده، هذا ما نجده في تعبير الفردوسي عن الزمن، هذا التعبير القوي الذي يذكرنا برؤية عمالقة الشعراء العرب، وحيرتهم إزاء تلك القوة التي لا تقهر ولا يمكن ردها، أو التأثير فيها، فقط يمكن محاولة فهم كنهها.[35]
خاتمة
هذه مجرد محاولة لاسترجاع عبد الوهاب عزام وإسهامه المتميز، بعد أن ضاع في الذاكرة. كما أنها محاولة مبدأيه لفك التعقيد الذي تولده مسارات هذا النص المؤسس لأدب الفارسية وعلاقته المُلغزة بالسياق الثقافي العربي. عمدت ألا أستخدم مصطلح "ملحمة" الشاهنامة وأشرت إلى إشكالية مفهوم الأدب العالمي Weltliteratur منذ أن نحته الأديب الألماني جوته في العقد الثالث من القرن التاسع عشر. فقد ارتبط هذا المفهوم الغامض منذ نشأته بنظرة أوروبية مركزية تعتمد الأدب اليوناني والروماني الكلاسيكي بشكل نموذجي مثالي يؤسس لفهم الأدب العالمي. وحتى جوته نفسه الذي دعا للانفتاح على آداب العالم وترجمتها وانبهر بالشعر الفارسي والعربي وبالنص القرآني، بقي أسيرًا لليونان القديمة، فهذه هي القدوة والمثال والنموذج. والشعر الهوميري أو ملحمة الإلياذة تتربع على هذا العرش. وعلى هذه الأرضية وقعت كل النصوص القديمة التي كانت موضوع المستشرقين، ولا سيما في القرن التاسع عشر، ضحية المقارنة مع الملحمة اليونانية، حتى ملحمة جلجامش لم تسلم من هذه المقارنة، بعد فك رموز اللغة الأكادية والسومرية في نهاية القرن التاسع عشر. وكانت الشاهنامة كذلك، منذ ترجمتها للغات الأوروبية وانشغال المستشرقين بها، فريسة هذه النظرة المركزية المعيارية التي كانت ضريبة دخولها إلى حديقة ما يسمى بـ "الأدب العالمي" بالمفهوم التقليدي. وما يزال حقل الدراسات النقدية حول الشاهنامة يعاني حتى اليوم هذه الإشكالية.
دعا أستاذ الأدب المقارن حميد دباشي في كتابه الأخير عن الشاهنامة إلى تحريك تيار نقدي جديد، ليس فقط للتفكير في هذا العمل بشكل مستقل عن الفكر الأوروبي بل من أجل إعادة التفكير في ترتيب جديد لمفهوم الأدب العالمي من خلال دراسة الشاهنامة وعوالمها المختلفة بعيدًا عن المركزية الأوروبية، بل إعادة إنتاج منظومة جديدة للأدب العالمي لا تحدد بمعايير أوروبية. ربما كان من المنطقي أن تتحكم المركزية الأوروبية في رؤية المستشرقين أبناء التقاليد الأدبية الكلاسيكية والتي يعتليها الأدب اليوناني واللاتيني وعلى قمتها ملحمة هوميروس. فكان من الطبيعي أن يعقدوا هذه المقارنات عندما اكتشفوا نص الشاهنامة في نهاية القرن الثامن عشر، فالنظرة المركزية الأوروبية والتي تحولت إلى "كانون" canon معياري لا تستطيع التحرر من مثلها الأعلى، بينما يحاول النقد المقارن الجديد الخروج من هذه المركزيات. ولكن الغريب أن يبقى التفكير في الشاهنامة مرتبطًا بالإلياذة هذا الارتباط عند معظم المشتغلين على هذا النص الفارسي، حتى في حالة عزام عندما يحاول أن يفعل النقيض.
حاولت فتح آفاق مختلفة للإجابة على السؤال المحوري لهذا النص، وهو السؤال بشأن أسباب العزوف العربي عن الأدب الفارسي القديم والحديث بما فيه الشاهنامة، على الرغم من كل هذه العلاقات الثقافية والأدبية الضاربة في الجذور التاريخية للثقافة العربية الإسلامية، وعلاقة هذه المسارات بالممارسات الأدبية والفكرية الفردية منها والمؤسساتية عبر التاريخ، بما تتضمنه من أبعاد سياسية أو مُسيسة تتعلق بالسلطة والحكم والهوية والإمبراطوريات العظمى وحدودها، وما تشمله أيضًا من أبعاد خاصة بالوعي الجمالي والممارسات الأدبية. وآمل من هذه المحاولات أن يُعاد النظر في هذه العلاقات المعقدة، من أجل السعي إلى فهمها وترميمها من خلال الترجمة والقراءة والكتابة النقدية والأدبية، تمامًا كما سعى عزام إلى ترميم ترجمة البنداري القديمة وإحياء مخطوطاتها التي أهلكها وأعياها التاريخ، عندما شرع في إعادة تركيب قصيدة الفردوسي. بل إن هذا المشروع الذي بدأ به عزام هو مشروع لترميم الوعي الثقافي والفكري لينفتح على آفاق جديدة ويحرر ذاته من المرجعية الأوروبية النموذجية دون أن ينفصل عنها معرفيًّا. فالعمل على الأدب والثقافة والترجمة لا ينتهي، مثله في ذلك مثل العمل الدائم على النصوص القديمة التي انحدرت من الشفاهية إلى المخطوطات لتنقل لنا هذا التراث الإنساني المدهش عبر قرون طويلة.
[1]- رضوى عاشور، أطياف، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1999، 101-117.
[2]- نشرت دراسة عزام عن العطار بالعربية فيما بعد تحت عنوان «التصوف وفريد الدين العطار»، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1945.
[3]- كفافي، محمد عبد السلام، الدراسات الفارسية في مصر وجهود عبد الوهاب عزام، مجلة الكتاب العربي، عدد 44، يناير 1969، القاهرة، 21 - 34، هنا 24.
[4]- الفردوسي، أبو القاسم، الشاهنامة، ترجمها نثرًا: الفتح بن علي البنداري، قارنها بالأصل الفارسيّ، وأكمل ترجمتها في مواضع، وصححها وعلّق عليها، وقدم لها الدكتور عبد الوهاب عزام المدرس بالجامعة المصرية، دار الكتب المصرية، القاهرة 1923. صدر هذا الكتاب في جزئين عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، وأعيد طبعه في دار سعاد الصباح بالقاهرة عام 1993م ثم مرة أخرى في الدار نفسها عام 2014. سيشار إلى هذا المصدر الرئيسي وفقًا لنسخة عزام 1932، فيما يلي فقط بـ (عزام، [جزء]، [صفحة]).
[5]- هناك خلاف طويل حول تاريخ مولد الفردوسي، فبينما اعتمدت الدراسات المبكرة على منتصف ثلاثينيات القرن العاشر الميلادي، واحتفلت إيران بألف عام على مولد الفردوسي في 1934، نجد أن معظم الدراسات الحديثة= =تعتمد العام 940م. والجدير بالذكر أن عزام قد خلص أيضًا في مقدمته إلى هذا التاريخ الذي أصبح معتمدًا في دراسات الشاهنامة والفردوسي، (عزام 49)، قارن مقال الأستاذة إيف فويبوا Feuillebois, Ève المتخصصة في التصوف والأدب الفارسي بجامعة السوربون، في موسوعة الإسلام، والصادر في 2017، وسيشار إليه فيما يأتي فقط باسم الكاتبة:
Feuillebois, Ève, “Firdawsī, Abū l-Qāsim, and the Shāhnāma”, in: Encyclopaedia of Islam, THREE, Edited by: Kate Fleet, Gudrun Krämer, Denis Matringe, John Nawas, Everett Rowson. Consulted online on 22 November 2019 <http://dx.doi.org.eres.qnl.qa/10.1163/1573-3912_ei3_COM_27139> First published online: 2017.
[6]- يحيلنا عزام في مقدمته إلى المستشرق الألماني تيودور نلدكه Theodor Nöldeke (1836-1930) الذي يرصد 40 نسخة مخطوطة من الكتاب يتخطى أطولها 61 ألف بيت، بينما يشتمل معظمها بين 48 ألفًا و52 ألفًا. (عزام، ج1، 71).
[7]- المستشرق البريطاني إدوارد جرانفيل براون (1962-1926) Edward Granville Browne مؤسس مدرسة اللغات الشرقية بجامعة كمبردج المتخصص في الفارسية وآدابها وصاحب كتاب «تاريخ الأدب الفارسي» (1902-1924).
[8]- هوميروس، الإلياذة، تعريب سليمان البستاني، 1903، 60-61. ويذكر البستاني هنا في الهامش رقم 56 مصدره حول تعريب الشاهنامة «نقل شاهنامة الفردوسي إلى العربية الفتح بن علي البغدادي الأصبهاني نثرًا للملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر الأيوبي، وأتم ترجمتها سنة 679. (كشف الظنون)». وكما سيتضح فهناك اتفاق على أن تاريخ ترجمة البنداري يرجع إلى 615 - 623هـ وليس 679هـ كما يشير هذا المصدر. وأغلب الظن أن المصدر قد خلط بين تاريخ الترجمة وتاريخ نسخها فيما بعد.
[9]- ويخلص عزام هنا إلى أن الناسخ شخص آخر يظهر اسمه في الخاتمة؛ وهو يوسف بن سعيد الهروي سنة 675هـ (عزام 6).
[10]- يذهب عزام هنا في مقدمته إلى أن نسخة البنداري العربية تمثل نحو نصف النص الفارسي، بينما سيستبدل هذا التقدير في محاضرته التي سيلقيها في إيران عام 1934 -والتي سيأتي ذكرها فيما بعد- بأن البنداري قد لخص القصيدة إلى النصف.
[11]- سيبقى عزام على قناعة أن البنداري أنجز الترجمة فيما يقرب من 18 شهر فقط وسيكرر هذا في محاضرته في طهران 1934 كما سيأتي. بينما تشير فيليبوا إلى الفترة بين عامي 615 و623هـ، أي ما يقرب من 8 أعوام. (Ève Feuillebois)
[12]- The Encyclopaedia of Islam, New Edition, Volume I: A–B. Leiden: E. J. Brill. p. 780.
[13]- Durand-Guédy, David, “al-Bundārī, al-Fatḥ b. “Alī”, in: Encyclopaedia of Islam, THREE, Edited by: Kate Fleet, Gudrun Krämer, Denis Matringe, John Nawas, Everett Rowson. Consulted online on 21 November 2019 <http://dx.doi.org.eres.qnl.qa/10.1163/1573-3912_ei3_COM_25422>
[14]- المرجع السابق مع إشارة إلى مقال بالفارسية عن البنداري في دائرة المعارف الإسلامية الكبيرة، طهران 2004/2005، مجلد 12، 577-581.
[15]- كفافي، 26.
[16]- محاضرة ألقيت في دار الأيتام الإسلامية في بيروت عام 1935. انظر: أمين الريحاني، مع الفردوسي في الشاهنامة، الأعمال العربية الكاملة، مجلد 9، الكتابات الشعرية والنقدية والأدبية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1986، 315-326.
[17]- ألف الشاعر السوري خالد البرادعي مسرحية شعرية عن الفردوسي تحت عنوان «الأيام السبعة الطوال في حياة أبي القاسم الفردوسي». انظر: حوار مع الشاعر حول مسرحيته في مجلة شيراز، العدد 2 (خريف 2004)، مركز الفكر والفن الإسلامي، طهران، 12-18.
[18]- راجع فصل الترجمان لكيليطو حول العربية والترجمة في هذا الوقت. في: عبد الفتاح كيليطو، لن تتكلم لغتي، دار الطليعة، بيروت 2002، 27-46.
[19]-LawrenceVenuti,FromTranslation, Community,Utopia,in:D.Damrosch, N. Melas and M. Buthelezi (ed.), The Princeton Sourcebook in Comparative Literature, Princeton 2009, 358-379.
[20]- للمزيد من التفاصيل حول ترجمة الشاهنامة، راجع:
Feuillebois,Ève;Hourich Yektatalab and Amin Karimnia, Translations of Shahnameh of Firdausi in the West, in: Khazar Journal of Humanities and Social Sciences, January 2013.
[21]- في مقال له في مجلة الرسالة يعتقد عزام أن بعض ما ترجمه الفرس إلى العربية من أخبار الملوك وكتب التاريخ بدافع العصبية ولحفظها من الضياع. عبد الوهاب عزام، الأدب العربي والأدب الفارسي، الرسالة، عدد 4، القاهرة 1 مارس 1933، 26.
[22]-WalterBenjamin,ÜberdenBegriffder Geschichte,SuhrkampVerlag Band 19, München 2010.
[23]- أمين الريحاني، وفاء الزمان (رواية تمثيلية)، الأعمال الكاملة، بيروت 1989، 235 - 299.
[24]- عبد الحميد العبادي، صور من التاريخ الإسلامي، 1 الفردوسي، مجلة الرسالة، عدد 83 (4 فبراير 1935)، 167 - 170، هنا 167. صدر الجزء الثاني من مقال العبادي في العدد التالي رقم 84 (11 فبراير 1935)، 221-234.
[25]- هذا ما يأتي على لسان شخصية «رضوى» في رواية رضوى عاشور سابقة الذكر «أطياف»: «كان عبد الوهاب عزام في السابعة والأربعين، أستاذًا في الأدب العربي والآداب الشرقية في جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقًا)، نشر ترجمته عن الفارسية «للشاهنامة»، وحقق «كليلة ودمنة». عاشور، أطياف، 110. تحدثنا أيضًا الكاتبة حنان حماد في مقالها حول تاريخ الدراسات الفارسية في مصر عن ترجمة عزام للشاهنامة:
“Abd al-Wahab ‘Azzam, founder of the program, achieved the first complete Arabic translation of Ferdawsi’sShahnameh in his doctoral dissertation and then published it as abook in 1932.” Hammad, Hanan, From Orientalism to Khomeinism: A centry of Persian Studies in Egypt, in: Alif: Journal of Comparative Poetics, No. 35 (2015), pp. 32-51, here 35.
[26]- عبد الوهاب عزام، رحلات، مطبعة الرسالة، القاهرة 1939، 101-187.
[27]- في السياق نفسه يمكن النظر إلى الاهتمام الأوربي بالفن والأدب الفارسي في إطار تقارب دولة الشاه مع أوروبا والغرب، ويتصل هذا أيضًا بتنظيم مؤتمر الفن الفارسي في لندن 1931. راجع مقال حنان حماد، مرجع سابق؛ ومقال (Feuilleboi).
[28]- لم يضع عزام ترجمة محاضرته في كتاب الرحلات واكتفى هناك بترجمة بعض الفقرات من الصحف الإيرانية في تعليقها على محاضرته. أما نص المحاضرة فنشر في العدد من مجلة الرسالة بتاريخ 29 أكتوبر 1934 تحت عنوان «في العيد الألفي لمولد الفردوسي، الشاهنامة للدكتور عبد الوهاب عزام، ترجمة الكلمة التي ألقاها الأستاذ عزام بالفارسية على قبر الشاعر في طوس»، 1775-1779. وسيشار لها فيما بعد بـ «محاضرة عزام».
[29]- انظر مثلًا مقدمة أمين بناني في دائرة المعارف الإيرانية.= =في هذا التقديم يدور معظم خطاب بناني حول إثبات أفضلية الشاهنامة الفنية والأخلاقية على الإلياذة:
Amin Banani, ŠĀH-NĀMA — EXCURSUS, in: Encyclopaedia Iranica, January 1, 2000, last updated: July 11, 2011. Last Access November 2019.
http://www.iranicaonline.org/articles/sahnama-excursus
[30]- البستاني، الإلياذة، 59 - 60.
[31]- المصدر نفسه 57.
[32]- عبد الحميد العبادي، في أدب الشاهنامة، كلمة السيد عبد الحميد العبادي في الاحتفال بذكرى الفردوسي بمدينة طهران، مجلة أبولو، العدد 14(1 ديسمبر 1934)، 700 - 707،= =هنا 701. نلاحظ هنا الإشارة إلى المكان الصحيح لمؤتمر الفردوسي الذي ألقى فيه عزام أيضًا كلمته في اليوم الثالث، بينما كانت كلمة العبادي في اليوم الأول بحسب الترتيب الأبجدي، على خلاف الخطأ الشائع أن عزام ألقى كلمته أمام قبر الفردوسي في طوس.
[33]- صفاء خلوصي، الشاهنامة، مجلة العربي، عدد 30 (1 مايو 1961)، الكويت، 44 - 51، هنا 45. تتطرق خلوصي أيضًا إلى ترجمة البنداري وتضع بعض الملاحظات، لكنها لا تذكر أي مصدر من المصادر.
[34]- تصدير جمال الغيطاني لطبة الشاهنامة الجديدة. الفردوسي، الشاهنامة، دار سعاد الصباح، القاهرة 1993، 1.
[35]- المصدر نفسه، 2.
ترشيحاتنا
