عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

زكريا صادق الرفاعي

الحزام الجنوبي العلاقات السرية بين السودان وإسرائيل

2026.04.11

الحزام الجنوبي

العلاقات السرية بين السودان وإسرائيل

 

في منتصف سبتمبر من عام 2020 احتفت وسائل الإعلام العالمية في واشنطن بمراسم التوقيع على الاتفاق الإبراهيمي بين إسرائيل، ودولة الإمارات العربية والبحرين، وسرعان ما انضمَّ المغرب والسودان في 23 أكتوبر للاتفاق الذي كان حصادًا لمحادثات مكثَّفة جرت طوال عام 2019، ومنذ استقلال دولة جنوب السودان في عام 2011 فإنَّ إسرائيل هي المسؤول الأكبر عن الأمن القومي والدعم التكنولوجي لها، وليس سرًّا أنَّ إسرائيل دعمت حركات التمرد في جنوب السودان منذ عام 1960 حتى تمَّ الانفصال عن الخرطوم، كما أنَّها من أوائل الدول التي اعترفت بدولة جنوب السودان الجديدة. وزار سلفا كير إسرائيل على الفور، وأشاد بالعلاقة الخاصة بين البلدين، وفي خضم الأحداث والتحوُّلات الشديدة في العالم العربي برمته فإنَّ من الأهمية بمكان استدعاء بعض الوثائق والَمشاهد التي حدثت في حقبة الخمسينات والستينات من القرن العشرين؛ لأنَّها كاشفة لما يحيط بنا في هذه الآونة.

 

الآباء المؤسِّسون.. والتوجهات الحاكمة  

 عقب قيام الدولة الإسرائيلية مباشرة في مايو من عام 1948 صاغ بن جوريون، ورفاقه التوجُّهات العامة للسياسة الخارجية الإسرائيلية لمواجهة التحديات الكبيرة التي تجابهها وفي مقدِّمتها كسر العزلة الدبلوماسية لدولتهم الوليدة في ظلِّ المقاطعة العربية لها، إضافة إلى إدارة الصراع والتنافس مع العالم العربي خارج نطاق الشرق الأوسط، وطُرح مبكرًا الاعتماد على سياسة بيع السلاح تدريجيًا من جهة وتقديم الدعم المالي لأطراف بعينها من جهة أخرى، ورأى بن جوريون أنَّ إسرائيل المحاطة بمحيط عدائي عربي ليس أمامها سوى التحالف مع دول الأطراف والتخوم البعيدة نسبيًا وغير العربية، مثل إيران وتركيا والدول الأفريقية؛ للخروج من عزلتها الخانقة، ومن ثم تبلور ما عُرف آنذاك بمبدأ أو عقيدة الأطراف Periphery Doctrine.

وزعم بن جوريون أنَّ الدول الأفريقية أقبلت على المساعدات الإسرائيلية ليس «لأننا أغنياء ولكن تقديرًا للقيمة الروحية المقدَّسة المتمثلة في دولة إسرائيل»، بينما أوضح الكاتب والمفكر علي مزروعي أنَّ الأفارقة غالبًا ما نظروا لإسرائيل آنذاك على أنَّها دولة غربية، وأنَّ الصهيونية كفكرةٍ قوميةٍ ليس من المنتظر أن يكون لها أي دور عملي في تحرير أفريقيا.

وحرصت إسرائيل على الحصول مبكرًا على دعم القوى الغربية، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة؛ للسماح لها بلعب دور في أفريقيا لمواجهة المدِّ الشيوعي بالقارة وإبقائها في الوقت ذاته في مجال المنافسة مع العالم العربي، لكن تلك المحاولات كان نجاحها محدودًا، وفي الحقيقة فإنَّ إسرائيل فشلت في الحصول على تأمين الدعم الكامل من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عام 1950 ومن ثم فقد عمدت إلى الاعتماد على نفسها، واتجهت صوب شرق أفريقيا، وانخرطت وزارة الدفاع الإسرائيلية في تكوين وحدات صغيرة من الخبراء العسكريين والمستشارين في التدريب والأمن لتكون في خدمة 17 دولة أفريقية، وبات معروفًا أنَّ العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل تعني ضمنًا توطيد العلاقات العسكرية والأمنية، ولم تشق إسرائيل طريقها في أفريقيا بسهولة، فكثيرًا ما أبدت الولايات المتحدة وبريطانيا الامتعاض من السياسة الإسرائيلية، خاصة في مجال التسليح والتدريب على نحو ما حدث في أوغندا.

وقد افتتحت إسرائيل أول قنصلية لها في غانا في مارس عام 1957، وكانت تلك الخطوة الأولى لكسر عزلتها، وكان ذلك قبل وجود دبلوماسية مصرية في أكرا بعام كامل، وسرعان ما استغلت إسرائيل ذلك وقدَّمت مساعدات لغانا وغيرها من دول القارة في غرب أفريقيا، وأثبتت أنَّها دولة قادرة على مدِّ يدِّ المساعدة والتنمية لدول القارة، ونجحت في خلق فرص اقتصادية وتجارية لها على المستويين العام والخاص.

وفى عام 1958 تحوَّلت العلاقات مع غانا إلى حالة خاصة، وكانت حجر الزاوية في تلك العلاقة شركة «بلاك ستار» لخدمات النقل والشحن، وكانت إسرائيل تساهم بنحو 40% من رأس المال. وفي 20 يوليو قدَّمت إسرائيل قرضًا لغانا بـ20 مليون دولار.

وحذَّر إيهود أفريل، الذي كان سفيرًا لإسرائيل في غانا بين عامَي 1957 و1960 من خطورة تنامي النفوذ المصري في أكرا، وتداعيات ذلك على العلاقات مع إسرائيل.

وأضاف أنَّ العلاقة مع غانا صارت لها صدى إيجابي لدى كثير من الزعماء الأفارقة.

بدورها كانت وزيرة الخارجية جولدا مائير متحمسةً للغاية للعلاقات مع أفريقيا، فقامت بزيارة استكشافية مُوسَّعة في فبراير ومارس من عام 1958 إلى غانا وساحل العاج وليبيريا ونيجيريا والسنغال؛ للبحث عن فرص دبلوماسية في المستقبل.

 

السودان وإسرائيل

كانت إسرائيل واعيةً منذ البداية بأهمية السودان وموقعه في أفريقيا، فهو من دول حوض النيل المهمة، فضلًا عن إطلالته على البحر الأحمر، وكانت لديها رغبة عارمة في أنْ تتمتع بحرية الملاحة في البحر الأحمر، وقبيل استقلال السودان كانت هناك علاقات تجارية مع إسرائيل، فكانت ترسل قطعان الأغنام، والقطن قصير التيلة، والفول السوداني، والصمغ، عن طريق السلطات البريطانية، باعتبار أنَّ السودان لم يكن دولةً مستقلةً بعد، ومن ثم فهو غير ملزم بقرار المقاطعة من قبل الجامعة العربية، بل كان لإسرائيل ممثل تجاري لها في السودان في مارس من عام 1952، ولكن عقب قيام ثورة يوليو انتهت تلك العلاقات، ولكن في منتصف عام 1954 سطر «حزب الأمة» من خلال سكرتيره العام عبد الله خليل، ورئيسه الصديق المهدي، فصلًا جديدًا في العلاقات مع إسرائيل، فقد خشي الحزب من انضمام السودان عند الاستقلال إلى مصر تحت شعار «وحدة وادي النيل»، خاصة بعد فشل الحزب في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر من عام 1953 والتي حقَّق فيها «الحزب الاتحادي»، بزعامة إسماعيل الأزهري، أغلبية كاسحة، وهو من أنصار الوحدة مع مصر، وبالمقابل نظَّم الأنصار مظاهرات في الخرطوم في مارس من عام 1954 ورفعوا فيها شعار «السودان للسودانيين»، وتمَّ ذلك عشية الزيارة المقررة سلفًا للرئيس المصري محمد نجيب للبرلمان السوداني.

 ومن جانبها تحمَّست الخارجية البريطانية للتواصل الإسرائيلي – السوداني، وتم اللقاء في 17 يونيو من عام 1954 في فندق «سافوي» بلندن، وحضر من الجانب الإسرائيلي مردخاي جازيت، السكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية في لندن، ومايكل أرنون الملحق الصحفي، بينما مثَّل حزب الأمة الصديق المهدي رئيس الحزب، ومحمد أحمد عمر المحرر لصحيفة «النيل» اليومية لسان حال الحزب، وتمَّ الاتفاق في هذا الاجتماع على أنْ تدعم إسرائيل ماديًا «حزب الأمة» وأنْ تستغل نفوذها في الترويج له لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا لمواجهة المؤيدين للوحدة مع مصر، وأنَّ الحزب حال وصوله إلى السلطة فسيعزِّز من التعاون السياسي والاقتصادي مع إسرائيل، بل وحتى التعاون العسكري. وأكد الصديق المهدي أنَّه رغم الطبيعة الإسلامية للسودان فليس للدين دورٌ في السياسة الخارجية لـ«حزب الأمة»، مضيفًا أنَّ الحزب يحظى بتأييد الجالية اليهودية في الخرطوم. وفي لقاءت تالية اقترح محمد أحمد عمر السفر إلى القدس؛ لبحث المزيد من القضايا بين الطرفين، ولكن الجانب الإسرائيلي أبدى أنَّه رغم انفتاحه على الفكرة فإنَّ الوقت غير ملائم بعد لمثل هذه الزيارة، وأوصى في الوقت نفسه بالأخذ بمقترحات الجانب السوداني، ومنها الاستمرار في الدعم المالي وتوثيق العلاقة مع إثيوبيا، وتكوين تحالفات داعمة لإسرائيل في شرق أفريقيا، ومن هنا نشأت فكرة أو مبدأ «الحزام الجنوبي»، التي تبنَّتها إسرائيل وحجر الزاوية فيها السودان وإثيوبيا التي توطدت علاقتها مع إسرائيل منذ منتصف عام 1950، بل إنَّ جذور العلاقات بين الصهيونية والإمبراطور هيلاسيلاسي تعود إلى عام 1936 عندما فرَّ إلى فلسطين في أعقاب الغزو الإيطالي للحبشة، ثم توطدت العلاقات بعد أنْ اعتبر الإمبراطور أنَّ سياسات عبد الناصر تُمثِّل خطورةً على حكمه من خلال دعمه لحركات المعارضة ضده في أرتيريا والصومال.

وعقب العدوان الثلاثي على مصر زار وفد إسرائيلي إثيوبيا، وتمَّ الاتفاق على التعاون العسكري والأمني، وتولي إسرائيل مهمة تسليح وتدريب الجيش الإثيوبي، وسمحت إثيوبيا لإسرائيل باستخدام موانيها على البحر الأحمر، وكانت لإسرائيل قنصلية لها في إثيوبيا في نهاية عام 1956.

وقد التقى وفد «حزب الأمة» مع وفد إسرائيلي مجددًا في قبرص في سبتمبر 1955، وأشار الطرف الإسرائيلي إلى تعذر إرسال دعم مالي مباشر للحزب، مقترحًا أنَّ تتولى إسرائيل المساعدة عن طريق شراء بعض السلع مثل القطن واللحوم والأسماك مقابل أنْ تُصدِّر لهم المنتجات القطنية والحرير والإطارات والأحذية، والتقى  محمد أحمد عمر مدير عام بنك إسرائيل في إسطنبول لبحث الترتيبات المالية اللازمة.

وفي أول يناير من عام 1956 أعلن السودان استقلاله وأرسل موسى شاريت وزير الخارجية الإسرائيلي رسالة تهنئة إلى إسماعيل الأزهري، لكنها قوبلت بالتجاهل التام حتى إنَّ أعضاء الكنيست الإسرائيلي وجهوا لومًا لوزير الخارجية على تلك الرسالة.

وفي 19 يناير 1956 انضمَّ السودان إلى جامعة الدول العربية، وكانت هناك ظنون بريطانية إسرائيلية بأنَّ الموضوع لم يُحسَم بعد طالما أنَّه لم تتم موافقة البرلمان، وادعى محمد أحمد عمر في مذكرة سرية منه إلى «جازيت» أنَّه سعى لإلغاء الانضمام أو تأجيله، وطالب بدعم مالي ما بين 40 و50 ألف جنيه إسترليني لهذا الغرض للتأثير على أعضاء البرلمان، واستشهد بمقولة سكرتير عام الحزب عبد الله خليل: «ألا تدرك إسرائيل أنَّ انضمام السودان لجامعة الدول العربية سيكون أكثر كلفة لهم؟»، خاصة في ظلِّ التوتر القائم واحتلالها لغزة آنذاك.

 وفي منتصف أغسطس من عام 1956 زار محمد أحمد عمر إسرائيل سرًا، والتقى جولدا مائير، التي خلفت موسى شاريت في وزارة الخارجية، كما قابل أيضًا بن جوريون رئيس الوزراء، ووافقت جولدا مائير على تقديم قرض بخمسين ألف جنيه إسترليني لـ«حزب الأمة»، وعقب تدهور العلاقات الفرنسية - المصرية بعد تأميم قناة السويس سعت إسرائيل لتقوية العلاقة بين حزب الأمة وفرنسا، وطرح عبد الرحمن المهدي على الفرنسيين تكوين تحالف البحر الأحمر، ويضم السودان وإثيوبيا وإسرائيل.

وفي يونيو من عام 1957 كتب عبد الله خليل رسالة شكر لبن جوريون لإرساله وفدًا للسودان لبحث سبل التعاون بين البلدين في المستقبل، وفي أغسطس من عام 1957 التقى عبد الله خليل مع جولدا مائير ومعها مجموعة من رجال «الموساد» في فندق «بلازا» في أثينا، وعقب إجراء الانتخابات في فبراير ومارس من عام 1958 صار عبد الله خليل رئيسًا للوزراء، وأرسل له بن جوريون رسالة تهنئة حارة وأنَّ بوسعه التعاون الكامل مع إسرائيل في جميع المجالات سياسيًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيًّا.

وفي 4 نوفمبر من عام 1958 عُقد لقاء ثلاثي بانضمام الإمبراطور هيلاسيلاسي لتدشين تحالف دول «الحزام الجنوبي»، وبحث التهديدات المصرية للدول الثلاث، وسبل التعاون بينها.

وشدَّدت السياسة الإسرائيلية على تبني سياسة «الحزام الجنوبي»، لاسيما بعد ثورة العراق في يوليو 1958 والخشية من توالي تساقط الأنظمة السياسية الموالية للغرب. وأرسل بن جوريون رسالةً إلى الرئيس الأمريكي آيزنهاور لدعم توجهات إسرائيل، محذرًا من ازدياد نفوذ عبد الناصر في الشرق الأوسط، ومذكرًا بأنَّه رغم صغر دولة إسرائيل فإنَّها ستكون فاعلةً للاستراتيجية الأمريكية وللمصالح الغربية بصفة عامة، كما أرسل بن جوريون رسالةً سريةً إلى هيلاسيلاسي إمبراطور إثيوبيا في نوفمبر 1958 محرضًا فيها ضد مصر، ونوه بمساعدات الاتحاد السوفيتي لبناء السد العالي وأنَّ نهر النيل قبل كل شيء نهر إثيوبي – سوداني، ودعا للتعاون للوقوف في وجه «الناصرية» و«الشيوعية الدولية».

وجاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر من عام 1958، فتم إيقاف العمل بالدستور وإلغاء الأحزاب السياسية وتوقف التعاون مع إسرائيل، وسادت نبرة من التفاؤل في العلاقات المصرية السودانية، وتمَّ التوقيع على اتفاقية توزيع مياه النيل بين الدولتين في 8 نوفمبر من عام 1959، ولكن سرعان ما وقع الخلاف بين مصر وحكومة عبود في بداية عام 1960 حينما رفض السودان تمرير الأسلحة وغيرها من المعدات العسكرية المُقدَّمة من مصر إلى المعارضة في شرق الكونغو عبر الأراضي السودانية.

والحقيقة أنَّ التصاق عبد الناصر بزعماء القارة مثل كوامي نكروما، والدعوة إلى تحرير القارة، ونشاط مصر المتزايد في الدعوة إلى الجامعة الأفريقية، واتباع سياسة عدم الانحياز، كان عقبة أمام السياسة الإسرائيلية في القارة، ففي يناير من عام 1961 وقَّعت غانا وغينيا ومالي وهي من الدول المستفيدة من برنامج التنمية الإسرائيلي على «بيان كازابلانكا»، الذي وصف إسرائيل بأنَّها ذيل الاستعمار في أفريقيا.

وفي الدور الرابع لانعقاد المنظمة الآسيوية - الأفريقية في عام 1965 أُعلن أنَّ إسرائيل هي قاعدة الإمبريالية القديمة والجديدة، وأنَّها تهدِّد التقدُّم والأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط والسلام العالمي.

وفي أبريل من عام 1960 وقف الأعضاء العرب بقوة في المؤتمر الآسيوي - الأفريقي في كوناكري ضد مشاركة إسرائيل، وبعدها بشهرين عُقد مؤتمر آخر للدول الأفريقية المستقلة في أديس أبابا، وطالب بقوة بالوفاء بالتزاماتها تجاه فلسطين.

وفي عام 1963 ضحَّت مصر بعلاقتها الدبلوماسية مع البرتغال في سبيل تأييدها ودعمها لحركات التحرُّر الوطني في أفريقيا.

وعلى صعيد آخر فقد نجحت السياسة الإسرائيلية في استغلال ورقة السياسة القطنية التي كانت إحدى القضايا الخلافية بين مصر والسودان، وتنافس الطرفان حول أسواق القطن طويل التيلة، وكان الحكم المصري البريطاني في السودان شاهدًا على التطور المتزايد لزراعة القطن في إقليم الجزيرة، وقُدِّرت الأراضي المستغَلة بنحو 126 ألف هتكار. وأشار البعض إلى أنَّ انهيار السعر العالمي للقطن في عامي 1957 و1958 كان وراء رحيل حكومة عبد الله خليل، وقد ساعدت إسرائيل السودان من خلال نشاط القسم الاقتصادي بوزارة الخارجية بقيادة دفيد شلاتيل، وبالتعاون مع الموساد في السفارة الإسرائيلية في لندن، فأتاحوا لهم المعلومات الخاصة بمفاوضات مصر القطنية آنذاك، وكانت إسرائيل مدركةً لأهمية القطن للاقتصاد المصري، وأوعزت إلى اليهود العاملين بتجارة القطن في المهجر بعدم شراء القطن المصري، وفي الوقت نفسه فتحت أمام السودان أسواق أوروبا الشرقية، كما طالبت عملاءها بشراء القطن طويل التيلة من السودانيين مباشرة، ولم تستطع مصر المضي قدمًا في تقديم المساعدات لأفريقيا في أعقاب عام 1967، وبالمقابل فإنَّ إسرائيل رغم قدرتها المادية المحدودة فإنَّها قدَّمت خلال الفترة من عام 1958 إلى عام 1966 لأفريقيا مساعدات بنحو 199 مليون دولار، ونجحت لأن يكون لها تواجد قوي وفعَّال داخل القارة الأفريقية.

وأعلنت جولدا مائير دون مواربة وجوب إضعاف العراق والسودان بإثارة النعرات العرقية والدينية في البلدين، ومن غير المعروف على وجه الدقة ما آلت إليه العلاقات الإسرائيلية - السودانية بعد انتهاء حقبة إبراهيم عبود في عام 1964 وبطبيعة الحال ألقت حرب عام 1967 بظلالها على الأحداث خاصة مؤتمر الخرطوم، ولكن من المؤكد أنَّ الرهان الإسرائيلي استمرَّ على وتيرته في جنوب السودان، وفي عهد جعفر نميري (1971 - 1985) عاد التواصل في العلاقات خاصة في نقل يهود «الفلاشا» إلى إسرائيل، ولعل في جعبة الوثائق الإسرائيلية المزيد والمزيد.

 

مراجع مختارة:

-Gabriel ,R.Warburg,The Sudan Israel: An Episode in Bilateral Relations, Middle Eastern Studies,Apr.1992.

- محمود محارب، إسرائيل والقرن الأفريقي، سياسات عربية، يوليو 2013.

-Elie Podeh,Andrew Felsenthal,Israel and Sudan : The Origins of Clandestine Relations (1954-1964). Israel studies, 2023.