هوامش
دار المراياالخبز المُدعم.. نصيب الفقراء الهين من العقد الاجتماعي السيئ
2021.08.01
الخبز المُدعم.. نصيب الفقراء الهين من العقد الاجتماعي السيئ
لعقود طويلة ظل الخبز المدعم سمة مميزة لدعم الدولة للفقراء في بلد لم تفلح تجاربه التنموية في انتشال ملايين من تحت خط الفقر، بدأت سياسات الدعم الغذائي في الأربعينيات من القرن الماضي لحماية الفئات الأفقر إثر اختلال سلاسل توريد الغذاء الناتجة عن الحرب العالمية الثانية، ومع النظام الناصري توسع هيكل الدعم الغذائي في مصر وتنوعت سلعة، ولم يكن ذلك مشكلة، فمصر كانت بلدًا ينتج معظم احتياجاته الغذائية الأساسية، لم يكن يستورد سوى جزء من القمح، من ثَم كانت تكلفة الدعم غير مجهدة للموازنة العامة للدولة، فقد كانت أسعار القمح العالمية في 1970 نحو 60 دولارًا للطن ارتفعت إلى 250 دولارًا في 1974 مع أزمة غذائية ضربت العالم في بداية السبعينيات[1]. ومن ثَم ومع نهاية السبعينيات لجأ السادات في محاولة لاحتواء الفاتورة المتزايدة لدعم الغذاء، والتي زادت من 3 ملايين جنيه مصري عام 1970 إلى نحو 1.3 مليار جنيه عام 1980 إلى رفع سعر الخبز، وعدد من السلع الغذائية الأخرى وهو ما لبث أن أدى لانتفاضة الخبز في يناير 1977، واضطر السادات إلى التراجع عن قراراته بسببها.
لم تعد انتفاضات الخبز سمة مصرية؛ ففي تونس لاحقًا في 1983 و1984 سوف تحدث انتفاضة مشابهة ما لبث بورقيبة أن تراجع بسببها، ومن ثَم في أغلب دول ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية ظل دعم الخبز أحد الثوابت التي ترتكز عليها الدولة للحفاظ على استقرار اجتماعي هش في ظل فشل النموذج التنموي التي أنتجته تلك الدول في توليد الوظائف الجيدة، ورفع معدلات الدخول الحقيقية للمواطنين. ظل الخبز حاضرًا بوصفة اللبنة الأخيرة في عقد اجتماعي متهالك بنيت عليه دول ما بعد الاستقلال تكون هذا العقد من سياسات اجتماعية تشمل في جزء منها دعم المنتجات الأساسية للحفاظ على نسبة من السكان دون أن يسقطوا تحت خط الجوع وتوظيف مستمر لأبناء الطبقة الوسطي وما دونها في الوظائف الحكومية، ظل هذا حاضرا حتى اليوم فثورات الربيع العربي كان الخبز شعارًا مهمًا فيها. خصوصًا أنه ومنذ الثمانينيات ومع التحول النيوليبرالي المستمر انهارت مكونات العقد الاجتماعي الأخرى تحت وطأة سياسات التقشف، فلم تعد الدولة المصرية توظف الكثير من أبناء الطبقة الوسطى منذ نهاية الثمانينيات تقريبًا، وقللت مع الوقت حصة الدعم من النفقات العامة فبعد أن كان الدعم يمثل ما يقرب من 12٪ من النفقات العامة في 1977 انخفض لنحو 4٪ فقط في بداية الألفية الثالثة. [2] ليصبح حاليًا أقل من 1٪ من الناتج المحلي المصري في 2020 بفضل التخلص السريع من دعم الطاقة والكهرباء وبقية الخدمات العامة منذ 2014 وحتى اليوم.
الدافع الأهم لتخفيض حصة الدعم من الناتج المحلي هو التحول النيوليبرالي منذ نهاية الثمانينيات، والذي جاء كرد فعل على أزمة اقتصادية هيكلية تتمثل في ضعف إنتاجية الاقتصاد ككل، وأزمة مالية تطفو على السطح بفعل تراجع مستمر لإيرادات الدولة الضريبية فقد انخفضت إيرادات الدولة الضريبية من نحو 26٪ من الناتج المحلي في بداية الثمانينيات لـ14٪ حاليًا من الناتج المحلي، وذلك رغم توسع نشاط القطاع الخاص.
كانت الحكومة المصرية أمام خيارات عديدة تتمثل في رفع الضرائب على نشاط القطاع الخاص وإصلاح الهيكل الضريبي المصري ليصبح أكثر تصاعدية إذا كانت تريد الحفاظ على الدعم، لكن الخيار الأسهل بالطبع دائمًا كان تخفيض الدعم. ومع أن الحكومة كان متململة من فاتورة الدعم والأجور التي كانت تراها كبيرة طوال الوقت فإن ذلك لم يمنع من حدوث تشوهات في منظومة الدعم المصرية بشكل كبير، أبرز تلك التشوهات والتي تم علاج جزء منها في السنوات الأخيرة هو دعم الطاقة والذي أسهم منذ التسعينيات في تطوير مراكز احتكارية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة خاصة تلك المرتبطة بنخب رجال أعمال مبارك في قطاعي الإسمنت والحديد والصلب والسيراميك وغيرها، أنفقت الدولة في الثلاث عقود الأخيرة منذ بداية التحول النيوليبرالي في التسعينات وحتى 2015 مليارات علي دعم الطاقة في حين كان دعم المواد الغذائية المخصص للفقراء يتقلص يومًا بعد يوم بفعل التخفيضات المستمرة. لكن وحين انتهت الطفرة النفطية المؤقتة من إنتاج الغاز المصري تحديدا في بداية الألفية الثالثة والتي استمرت حتى عهد قريب، أدركت الدولة أن لا سبيل لها لعلاج اختلالات منظومة الدعم سوي برفع الدعم عن الطاقة، لكن ذلك بالطبع ترافق مع دفع الدعم عن المحروقات المخصصة لنقل السلع والبشر من البنزين والسولار مع زيادة أسعار الكهرباء الموجهة للمنازل قبل المصانع.
يعيد التاريخ نفسه، فبين الأزمة المالية في نهاية الثمانينيات والأزمة المالية الحالية تعيد الدولة اختراع نفس العجلة، والحل دائمًا هو الاستقطاع من الدعم. اليوم تعاني الدولة المصرية من أزمة مالية تتمثل أعراضها كما في الثمانينيات في عجز متزايد للموازنة العام واقتراض شديد الكثافة لتمويل مشروعات كبري تستهلك الكثير من الاستثمارات التي هناك مشكلات في تقييم جدواها الاقتصادية. تقدر مدفوعات الفوائد على الدين العام فقط في الموازنة الأخيرة بنحو 579.5 مليار جنية أي 32٪ من المصروفات العامة في الموارنة الحالية في حين أن دعم السلع التموينية بالكامل لا يستحوذ سوي على نحو 87 مليار جنية أي أقل من 4٪ من المصروفات العامة وأقل من 1٪ من الناتج المحلي[3]، أيضا يمكننا الوقوف على طبيعة أولويات الإنفاق للدولة في الوقت الحالي بالمقارنة بين المخصصات الاستثمارية لمشاريع البنية التحتية الكبرى فمشروع القطار السريع من العلمين الجديدة لمدينة الجلالة يتكلف ما يقرب من 360 مليار جنية أي نحو 4 سنوات من دعم السلع التموينية، و9 سنوات قادمة من دعم رغيف الخبز الذي يتكلف ما يقرب من 44 مليار جنية في الموازنة الحالية.
الخبز شديد الحساسية
تصل مخصصات دعم الخبز حاليًا لـ44 مليار، وإذا صحت التكهنات أن الدولة لا تريد أن ترفع الدعم كاملا عن رغيف الخبز وأنها سوف تخفضه فقط بنسبة 20٪ أي أن الحكومة تريد توفير ما يقرب من 8-10 مليارات جنيه من تكلفة دعم الرغيف، وهو رقم شديد الضآلة إذا ما قورن بأرقام إنفاق أخرى للدولة سبق أن ذكرناها، بالتالي فنحن أمام تخفيض ضئيل جدا ولكن مع ذلك فإن هذا التخفيض من شأنه أن يؤدي لهبوط ملايين الأسر المصرية تحت خط الفقر. يمكننا أن نفهم حساسية دعم الخبز، ذو التكلفة الرخيصة للفقر من خلال دراسات سابقة أجرتها مؤسسات مختلفة، ففي دراسة للبنك الدولي في 2010 أي بعد سنتين فقط من أزمة الغذاء العالمية في 2008، والتي تسببت في رفع أسعار القمح واضطرابات محلية في توريد الدقيق للمخابز وموت ما يقرب من 15 مواطن أسمتهم الصحافة وقتها بشهداء الخبز [4]، استنتج البنك الدولي أن دعم الغذاء ورغم كل مشكلاته والتي تتمثل في سوء وكفاءة التوزيع والتسرب المستمر لأموال الدعم نحو فئات غير مستحقة فإنه ورغم كل تلك العيوب ساهم في عدم هبوط 9 % من المصريين تحت خط الفقر بعد أزمة الغذاء العالمية، وكان للخبز البلدي المدعم تحديدًا تأثير مباشر في ذلك[5]. أيضا في أرقام بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نجد أن دعم السلع التموينية بما فيها دعم الخبز قد حافظ على أكثر من 4.6 من المصريين فوق خط الفقر الوطني. [6] تلك التقديرات من الجيد أن تؤخذ في سياقات معدلات الفقر وقتها، والتي كانت أقل من مستويات ما بعد التعويم والتي تصل حاليًا لما يقرب من 29٪ من المصريين بينما في 2010 كانت نسبة الفقر ما يقرب من 25 ٪. أيضا أجريت دراسة البنك الدولي قبل إصلاحات مهمة في منظومة الدعم من حيث الرقمنة والتي منعت تسرب الكثير من الخبز أو الدقيق خارج منظومة الدعم.
يمثل الخبز طعام الفقراء، من هم تحت خط الفقر والشرائح شديدة الكثافة التي تعلو خط الفقر الحالي مباشرة والمقدر ب857 جنيه بحسب بحث الدخل والإنفاق الأخير، هؤلاء الملتصقون بخط الفقر أي فوقه بنسبة قليلة يصل متوسط دخل الفرد في الأسرة ل1000 جنية شهريا أي أن أسرة مكونة من 4 أفراد لها عائل واحد بدخل شهري 4000 ألاف جنيه، سوف يتأثرون بشكل كبير برفع الدعم عن الخبز سواء كليًّا أو جزئيًّا، فهؤلاء في الغالب ما ينفقون أكثر من نصف دخلهم على الطعام شهريًّا، ومن ثَم فإن زيادة سعر رغيف الخبز لسعر السوق الحالي الذي هو أكثر من عشرة أمثال سعره في البطاقات التموينية سيدفع هؤلاء لزيادة بند الإنفاق على الخبز من نحو 30 جنيه شهريًّا بمتوسط الـ5 أرغفة في اليوم للفرد إلى ما يقرب من 300 جنيه، أي عشرة أضعاف الإنفاق الحالي على الخبز، ليرتفع الإنفاق على الخبز وحده لـ7.5 ٪ من الدخل الشهري لأسرة دخلها 4 آلاف جنيه.
بالطبع يمثل الاعتماد الكبير على الخبز في سلة غذاء المصريين شيء شديد السلبية لأن الاعتماد على استهلاك النشويات والكربوهيدرات والزيوت الرخيصة يسهم في زيادة معدلات سوء التغذية، وخاصة بين الأطفال في السنوات الأولى، بحسب آخر التقديرات فإن المصريين يحصلون على 60 ٪ من سعراتهم الحرارية من النشويات مثل الحبوب باختلاف أنواعها والبطاطس، لا عجب أن الكثير من فقراء المدن في مصر يعتمدون على تلك السلة البسيطة من الغذاء اليومي والتي تتكون من خبز مع بطاطس مقلية أو فول مشبعة كلها بدهون مهدرجة سيئة، ومن ثَم تتزايد حدة سوء التغذية في الفقراء في مصر، وخاصة فقراء المدن الذي لا يمكنهم مثل نظرائهم في الريف الحصول على خضراوات بأسعار رخيصة نسبيًّا[7].
لكن تلك السلة الغذائية المشوهة للمصريين وإن كانت نتيجة مباشرة لسياسات الدعم إلا أنها نتيجة مرتبطة أكثر بالفقر وإعادة إنتاج الفقر ومن ثَم سوء التغذية والتي حاولت الدولة بشكل واضح التقليل من الجوع على حساب سوء التغذية. تبدو إذن المفاضلة واضحة هل يجوع ملايين الفقراء أم نعطيهم الحد الأدنى السيئ من غذاء سيئ ونتحمل عبء سوء التغذية، الدولة اختارت في الماضي الخيار الأول، سوف ندعم الخبز وسلة رخيصة من السلع التموينية الرخيصة كثيفة السعرات الحرارية (سكر- زيوت - مكرونة) على حساب سقوط عدد أكبر من المصريين تحت خط الجوع. وكأن لسان حال الدولة يقول يمكننا أن نتحمل سقوط أجساد هؤلاء الفقراء الهزيلة تحت خط الفقر ويمكننا أن نتعايش مع مستويات سوء التغذية المرتفعة لكن لا يمكننا أن نتعايش مع ملايين الجوعى. واليوم وبعد عقود من تدهور صحة أجساد المصريين أدركت الدولة فجأة الأثر السلبي للخبز، والوضع الحالي لصحة ملايين المصريين الفقراء الذين تراهم الدولة بدناء أكثر من اللازم وتريد أن تروج لأن الخبز ذو تأثير سيئ على صحة المصريين حتى يمكن لها رفع الدعم عنه، تلك الحالة لا يمكن أن تصب في مصلحة الفقراء فلكي تتحسن صحة المصريين يجب بالأساس أن ترتفع دخولهم ولكي يحدث ذلك لا بد من إصلاح اقتصادي واسع يركز على تحقيق معدلات نمو اقتصادي توليد وظائف جيدة تضمن لملايين الداخلين الجدد في سوق العمل معدلات أجور جيدة تمكنهم من تنويع سلة الاستهلاك الغذائية، ويجب أن يشمل ذلك بالطبع إصلاحات أوسع في الاقتصاد تتضمن تعديلات جذرية على النظام الضريبي في بلد يدفع فقراؤه وطبقته الوسطى من الضرائب أكثر مما يدفع كبار رجال الأعمال وشركاتهم المسجلة في ملاذات ضريبية.
الفقراء يأكلون الكثير من الخبز لأن ليس هناك بديل، وإذا رفعت الدولة دعم الخبز سوف يسقط المزيد تحت خط الفقر وسوف يسقط المزيد ممن هم تحت خط الفقر نحو خط الجوع ومن ثم يعاد إنتاج الفقر والفقر متعدد الأبعاد لملايين من المصريين، وبتلك الطريقة لا يمكننا سوى إعادة إنتاج الماضي في صورة أكثر افتراسًا، المزيد من النمو والمزيد من اللامساواة والمزيد من الفقر وهي معادلة شديدة الخطورة في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات يبحث عن مخرج منها.
هوامش
[1] عاصم أبو حطب، هل ينجح السيسي في إعادة هيكلة دعم الغذاء في مصر، مقال منشور في موقع سي إن إن عربي، 10 يونيو 2015
[2] سامر سليمان، النظام القوي والدولة الضعيفة: إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك، الطبعة الأولى، دار ميريت، القاهرة 2006 ص 77 -ص80
[3] البيان المالي للموازنة العامة للدولة 2021-2022، موقع وزارة المالية المصرية، القاهرة،2021.
[4] طوابير الخبز ظهرت عام 1982.. ومصر شهدت 3 أزمات خلال 27 عامًا، تقرير، صحيفة المصري اليوم، العدد 428، أبريل 2008.
[5] -EGYPT’SFOOD SUBSIDIES: BENEFIT INCIDENCE AND LEAKAGES, Report, World Bank group, September 2010
[6] -الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نتائج بحث الدخل والإنفاق 2015.
[7] سلمي حسين، أسوأ مما يبدو: الجوع في مصر وعلاجاته الغائبة، مقال منشور في موقع حلول للسياسات البديلة،3 نوفمبر 2019.
ترشيحاتنا
