هوامش
أشرف إبراهيمالرواية النسوية العربية: كتابة الجسد الأنثوي كفعل مقاومة للمجتمع الذكوري
2026.09.26
الرواية النسوية العربية:
كتابة الجسد الأنثوي كفعل مقاومة للمجتمع الذكوري
في إطار الثقافة الذكورية السائدة التي رسّخت عبر التاريخ ثنائيات صارمة بين المركز والهامش، والذات والآخر، وجدت المرأة العربية نفسها محاصرة داخل خطاب يختزلها ويمتلك وحده حق تعريفها. وفي هذا السياق، برزت الكتابة الأدبية، خاصة الرواية، بوصفها ساحة حيوية للمقاومة والوجود؛ إذ لا تكتفي الرواية النسوية العربية بأن تكون انعكاسًا لواقع القمع، بل هي فعل تأسيسي يعيد، عبر اللغة، تشكيل الذات الأنثوية، ويطالب بحقها في الوجود والتعبير خارج الأطر المفروضة عليها.
ويهدف هذا المقال إلى تتبع تطور خطاب الجسد في الرواية النسوية العربية بوصفه أداة مركزية للمقاومة؛ فالجسد الأنثوي، الذي شُيِّد تاريخيًّا في المخيلة والممارسة الاجتماعية بوصفه مكانًا للعفة والشرف والتابو، تحوّل في هذه الكتابات إلى موقع للصراع وكسر الصمت. ومن خلال تحليل نصوص روائية تمثيلية تغطي مراحل زمنية متعاقبة، يسعى المقال إلى الإجابة عن الإشكالية المركزية: كيف حوّلت الرواية النسوية العربية الجسد الأنثوي من موضوع مسكوت عنه أو مُدان إلى فاعل نصي يُوظَّف لمقاومة الهيمنة الذكورية وإعادة كتابة تاريخ الجنسانية والذات؟ وتعتمد المنهجية على التحليل النصي في ضوء المنظور النقدي النسوي، مع تتبع التحولات التاريخية والاجتماعية التي رافقت هذا التطور الأدبي.
استعادة الذات: من التأسيس إلى الجرأة والمواجهة
تقوم المقاربة النسوية على فكرة أساسية مفادها أن «المرأة ليست مولودة بل مُصنَّعة»، كما أعلنت سيمون دي بوفوار؛ أي أنها مُنتَج ثقافي واجتماعي جُعل «كائنًا ثانويًا» (الآخر) مُعرَّفًا دائمًا بالرجل وبعلاقته به. وفي الأدب العربي، كان هذا التجسيد واضحًا عبر تاريخ طويل، إذ ظل الأدب «قائمًا على مركزية الصوت الذكوري»، وكان الرجل هو «المعيار» بينما كانت المرأة هي «الآخر» الذي يُكتَب عنه غالبًا ولا يكتب بنفسه. وفي مواجهة هذه المصادرة، تتحول الكتابة إلى فعل وجودي وسياسي؛ فهي استعادة للغة، ومن خلالها استعادة للذات والمساحة. وكما أشارت فرجينيا وولف، فإن حصول المرأة على «غرفة تخصها وحدها» (ماديًّا ورمزيًّا) شرط أساسي للإبداع. والكتابة هنا خروج من الصمت المفروض، وهي الوسيلة التي تنتقل بها المرأة من حالة المفعول به إلى حالة الفاعل الذي يروي ذاته.
ويتقاطع هذا مع مفهوم الجندر الذي لا يحيل إلى الاختلاف البيولوجي، بل إلى «الأحكام والأدوار التي خلقتها الثقافة». والمقاومة الأدبية، إذن، تفكيكٌ لهذه الأدوار عبر تفكيك التمثيلات النمطية للجسد؛ فالجسد في الخطاب الذكوري التقليدي يُختزل إما إلى «عورة» يجب حجبها، أو إلى مجرد جسد للمتعة والإنجاب مرتبط بشرف الجماعة (الرجل، والأسرة، والقبيلة). وكتابة هذا الجسد بتجربته المعقدة من الألم والرغبة والمرض والمتعة استعادةٌ له من براثن الخطاب الأخلاقي الذكوري الذي يحاول التحكم فيه، وتحرير له ليكون مصدرًا للتجربة والمعرفة الذاتية.
وقد شهدت الرواية النسوية العربية تحولًا ملحوظًا في تعاملها مع موضوع الجسد، متأثرة بالتحولات الاجتماعية والسياسية وبتنامي الوعي النسوي. ففي المرحلة التأسيسية وصراع التحرر الوطني (منتصف القرن العشرين)، انصبت هموم الكتابة النسائية غالبًا على المطالبة بالحقوق الأساسية (التعليم، والعمل، والمشاركة السياسية) في إطار النضال التحرري العام. وظل تناول الجسد مقترنًا بالدعوة إلى تحرير المرأة من القيود الاجتماعية، ولكن بحذر وضمن حدود «اللياقة» السائدة. ويمكن اعتبار بعض كتابات لطيفة الزيات، مثل «الباب المفتوح»، مثالًا على هذه المرحلة، إذ يكون الجسد حاضرًا لكن ليس بوصفه محورًا للمقاومة الذاتية، بقدر ما هو جزء من معركة التحرر الأوسع.
أما في مرحلة التمرد والمواجهة (السبعينيات والثمانينيات)، ومع تصاعد الموجة النسوية العالمية وترجمة أعمال مفكرات مثل سيمون دي بوفوار، ظهرت أصوات روائية أكثر جرأة ومواجهة، وأصبح الجسد ساحة صراع مباشرة مع التابوهات. وتبرز هنا نوال السعداوي رمزًا لهذه المرحلة، إذ جعلت من الجسد الأنثوي المُعنَّف والمُستَغَل محور خطابها النضالي في روايات مثل «امرأة عند نقطة الصفر» وكتاب «المرأة والجنس»، مقدمةً نقدًا جذريًّا لممارسات مثل الختان، وكاشفة عن علاقات القوة الجنسية. وكانت الكتابة هنا أداة لكسر الصمت عن العنف الجسدي المُمارَس على المرأة في أقسى صوره.
وصولًا إلى المرحلة المعاصرة، مرحلة التعقيد والتشظي والتساؤل (أواخر القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين)، التي اتسمت بالانزياح عن الخطاب الأيديولوجي المباشر نحو استكشاف تعقيدات الذات والهوية. فلم يعد الجسد مجرد أداة احتجاج، بل أصبح مجالًا للتجربة الوجودية والفلسفية، وامتزجت قضايا الجنسانية بالذاكرة الشخصية والجماعية، وبالهجرة، وبآثار الحرب. فروائيات مثل هدى بركات في «حارث المياه»، وأحلام مستغانمي في «ذاكرة الجسد»، وسلوى النعيمي في «بروق»، يعالجن الجسد بوصفه حاملًا للتاريخ والذاكرة والرغبة، بأشكال سردية أكثر تركيبًا. كما برزت أجيال جديدة تستكشف بجرأة كبيرة موضوعات المتعة الأنثوية والهويات الجندرية غير التقليدية، متحدية التابوهات من منظور شخصي وجودي.
ثيمات الجسد المقاوم وأسئلة الهوية
ومن خلال تتبع التطور أعلاه، يمكن رصد مجموعة من المحاور الرئيسية التي تشكلت حولها كتابة الجسد المقاوم في الرواية العربية:
● جسد المعاناة والعنف (توثيق الجرح وكسر الصمت): وظّفت الروايات الجسد سجلًا للعنف المادي والرمزي؛ من الختان الذي عالجته السعداوي، إلى عنف الحرب والاغتصاب الذي ظهر في روايات من لبنان والعراق والجزائر، إلى العنف المنزلي. والكتابة هنا عملية توثيق وتحويل «الجسد - الضحية» الصامت إلى «جسد - شاهد» ناطق، يحوّل المعاناة الشخصية إلى خطاب علني يفضح الآليات القمعية؛ إنه انتزاع لتجربة الألم من حيز الخصوصية المسكوت عنها إلى حيز النقاش العام.
● جسد الرغبة والمتعة (تحدي تابو اللذة الأنثوية): يمثل هذا المحور أحد أكثر الموضوعات إثارة للجدل، إذ تتحدى الكتابة المفهوم الذكوري الذي يربط شرعية الجنس بالزواج ويحتكر تعريف المتعة. وتقدم روايات عديدة، مثل أعمال ليلى العثمان وعلوية صبح وغيرهما، شخصيات نسائية تبحث عن لذتها خارج الأطر التقليدية، مستعيدة حقها في التملك الجنسي لذاتها. فهذه الكتابة تقوّض فكرة «العذرية» معيارًا للقيمة، وتعيد تعريف «الشرف» بعيدًا عن اختزاله في غشاء البكارة.
● الجسد جغرافيا وذاكرة (تشابك الشخصي والجماعي): في العديد من الروايات، يصبح الجسد الفردي مرآة لجسد الوطن والأرض؛ فانتهاك الجسد الأنثوي في زمن الحرب يصبح رمزًا لانتهاك السيادة الوطنية، كما أن حصار الجسد الأنثوي في الفضاء المنزلي يقابله حصار المجتمع. ففي رواية «طوق الحمام» لرجاء عالم، مثلًا، يرتبط البحث عن الهوية الجنسية والتحرر الفردي بتشظي المكان والذاكرة الجماعية، ويصبح تحرير الجسد استعارة عن تحرير الفضاء العام والمخيلة الجماعية.
● جسد الأمومة (إعادة تعريف الدور البيولوجي): بدلًا من تقديم الأمومة غايةً بيولوجية واجتماعية مفروضة، تعيد العديد من الروايات النظر فيها بوصفها تجربة إنسانية معقدة، قد تكون مصدر قوة، وقد تكون في الوقت ذاته قيدًا أو عبئًا. فالكتابة تكشف عن تناقضات هذه التجربة وتحررها من الأسطورة المثالية، معبّرة عن رغبات المرأة التي تتجاوز دور الإنجاب.
وقد واجهت الرواية النسوية العربية، ولا تزال تواجه، تحديات وانتقادات متعددة تتعلق بحدود المقاومة وأسئلة الهوية، تعكس عمق التحدي الذي تمثله:
● النقد المحافظ والاتهام بالتغريب: تُتَّهم هذه الرواية من قِبل خطابات محافظة ودينية بالتبعية للغرب و«الدعوة إلى الانحلال» وتهديد «النظام الاجتماعي والديني»؛ إذ يُنظر إلى جرأتها في تناول الجسد على أنها خروج عن الأخلاق والتقاليد.
● النقد النسوي الداخلي وإشكالية التصنيف: يطرح نقاد وكاتبات تساؤلات جوهرية: هل التركيز المفرط على الجسد والخصوصية الأنثوية لا يُعيد إنتاج النظرة الذكورية التي تختزل المرأة في جسدها؟ وهل يُسهم التصنيف تحت اسم «أدب نسوي» في عزله وعدم معاملته بمعايير فنية بحتة؟ كما يشير بعض النقاد إلى أن الخطاب النسوي قد «يُعيد أحيانًا إنتاج أساليب الخطاب الذكوري بصيغة المؤنث». وهناك دعوة متزايدة للتخلص من هذه التصنيفات، والوصول إلى «أدب إنساني» تكون الجندرية فيه مجرد «ظل خلف النص».
● تحدي اللغة والأسلوب: تواجه الكاتبة تحدي اللغة والتراكيب الموروثة من التراث الذكوري المهيمن، وتسعى العديد من الكاتبات إلى تطوير لغة وأسلوب سردي «أنثوي» أو مختلف، قادر على التعبير عن التجربة الجسدية والذاتية بطرق لا توفرها الأشكال التقليدية، مستفيدةً من تقنيات تيار الوعي وتشظي الزمن.
لقد قطعت الرواية النسوية العربية شوطًا مهمًا في تحويل الجسد الأنثوي من موضوع مسكوت عنه أو مُدان إلى فاعل نصي مركزي في معركة التحرر والتعبير عن الذات. وتطوّر خطاب الجسد من الهمّ التحرري العام في المراحل الأولى، إلى المواجهة الجريئة مع التابوهات، وصولًا إلى الاستكشاف الوجودي المعقد للذات والهوية في المرحلة المعاصرة. ولقد نجحت هذه الكتابة، عبر توظيف الجسد ساحةً للمقاومة، في كسر جدران الصمت، وتفكيك التمثيلات النمطية، وخلق لغة خاصة للتعبير عن التجربة الأنثوية بكل أبعادها.
لكن الطريق لا يزال طويلًا؛ فالمجتمع الذكوري، بآلياته القديمة والمتجددة (كالخطاب الإلكتروني المعادي للنسوية، كما في حركات «ريد بيل»)، يواصل مقاومته. ويكمن مستقبل هذا الخطاب الأدبي في قدرته على تجاوز الثنائيات البسيطة (الذكر/الأنثى، المقموع/القامع)، والانفتاح على تعقيدات جديدة تطرحها العولمة والفضاء الرقمي وقضايا الهوية في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة. ويبقى الهدف الأسمى هو الوصول إلى فضاء إبداعي، كما عبّرت عنه إحدى الشاعرات: «حين لا يُسأل الكاتب عمّا بين فخذيه، بل عمّا بين سطوره»، حيث تصبح الكتابة تعبيرًا عن الإنسان في كليته وتعقيده.
مراجع مختارة
- سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر.
- فرجينيا وولف، غرفة تخص المرء وحده.
- نوال السعداوي، المرأة والجنس (مثال على المواجهة المباشرة مع التابو).
- عبد الله الغذامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية (للإطار النظري حول الثقافة والسلطة).
- حوار مع أدباء ونقاد حول «الأدب الذكوري»، موقع «النهار» العربي.
- لوركا سبيتي (مقتبسات من حوار حول مركزية الذكورة في الأدب).