رؤى
نجلاء عبد الجوادكراهية النساء: بنية ثقافية متجذرة.. أم سلوك فردي عابر؟
2026.09.12
كراهية النساء: بنية ثقافية متجذرة.. أم سلوك فردي عابر؟
تتكرَّر عبارة «كراهية النساء» في النقاشات العامة بوصفها وصفًا جاهزًا يُطلَق على كل مَن يصدر عنه موقف سلبي تجاه امرأة بعينها. غير أنَّ المفهوم في جوهره أعمق من ذلك بكثير؛ فهو لا يشير إلى نفور عابر أو خلاف شخصي، بل إلى بنية فكرية راسخة تتعامل مع النساء بوصفهن فئة أدنى تستحق التقليل من شأنها أو التَّحكُّم فيها، أو حتى إخضاعها بالقوة.
وهذه البنية لا تولد فجأة في وعي الفرد، وإنما تتشكَّل عبر تراكم طويل من الموروثات الثقافية والدينية المُفسَّرة تفسيرًا انتقائيًّا، والعادات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال دون تفكير. ومن هنا، فإنَّ أي محاولة لفهم هذه الظاهرة لا بد أنْ تبدأ من نزع القداسة عنها، والتعامل معها بوصفها نتاجًا بشريًّا قابلًا للتفكيك والنقد، وليس قدرًا محتومًا.
جذور تاريخية عابرة للحدود
حين نتتبع جذور هذا الموقف عبر التاريخ، نجد أنَّه لم يكن حكرًا على حضارة أو ديانة أو عرق بعينه. فقد جاءت صور منه في الفلسفة اليونانية القديمة التي وصفت المرأة بأنها «كائن ناقص العقل». وجاءت أيضًا في بعض القراءات المتشددة للنصوص الدينية (اليهودية والمسيحية والإسلامية)، التي جردت المرأة من إنسانيتها الكاملة، وحصرت دورها في الإنجاب والخدمة.
وهذا التوزع الجغرافي والزمني الواسع للظاهرة يكشف عن أنَّها ليست خصيصة ثقافية لمجتمع بعينه، كما يحلو للبعض أنْ يروِّج، بل هي عَرضٌ من أعراض هيمنة ذكورية عابرة للحدود. نشأت هذه الهيمنة من رغبة تاريخية في ضبط الإنتاج والملكية والنسب، عبر التَّحكُّم في أجساد النساء وحرياتهن. وقد استعانت بكل أداة متاحة لها؛ من قانون، وعرف، ودين، وتعليم، كي تعيد إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل.
الاحتقار المبطن.. وعنف التفاصيل
من أبرز ما يميِّز هذه الكراهية أنَّها لا تظهر دائمًا في صورة صراخ أو عنف سافر، بل غالبًا ما تتقنع بلغة الحرص، أو المزاح، أو حتى الإطراء. فحين يُقال إنَّ المرأة «كائن عاطفي لا يصلح لاتخاذ القرارات المصيرية»، أو حين تُختزَل قيمتها في مظهرها الجسدي، أو حين يُبرر إقصاؤها من موقع قيادي بذريعة «رقتها الفطرية»؛ فإنَّ كل هذه العبارات تحمل في طياتها احتقارًا مبطنًا يصعب أحيانًا تسميته لأنه لا يرتدي زي العداء الصريح.
هذا التنكر هو ما يجعل مواجهة الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد سَنِّ قانون يُجرِّم العنف المباشر؛ إذ إنَّ جزءًا كبيرًا من كراهية النساء يعيش في التفاصيل اليومية الصغيرة، التي اعتاد الناس عليها حتى صارت جزءًا من النسيج الطبيعي للحديث والسلوك.
أما حين تتجاوز هذه المشاعر حدود الخطاب إلى الفعل، فإنَّها تتخذ أشكالًا متعددة؛ تبدأ بالتمييز في فرص العمل والتعليم والأجر، وتمتد إلى العنف الأسري، الذي ما زال يُعامل في كثير من المجتمعات باعتباره شأنًا خاصًا لا يجوز للقانون أنْ يتدخل فيه. وتصل في صورها الأشد قسوة إلى جرائم القتل التي تُنفَّذ باسم «الشرف» أو الغيرة أو حتى الحب المريض.
وبين هذين الطرفين، يقع نمط ثالث لا يقل خطورة، وهو السيطرة الممنهجة على حياة المرأة. بدءًا من التَّحكُّم في ملابسها وتنقلاتها وعلاقاتها، وانتهاءً بمصادرة حقها في التَّصرُّف بمالها الخاص، أو تحديد مصيرها التعليمي والمهني. وهذا النمط من السيطرة كثيرًا ما يقدِّم نفسه في غلاف الحماية والرعاية، وهو ما يجعله مقبولًا اجتماعيًّا إلى حدٍّ بعيد، رغم أنَّه في جوهره انتهاك صريح لاستقلالية الإنسان.
موازين القوى.. وفخ الأمان الوهمي
لا يمكن فهم استمرار هذه الظاهرة دون النظر إلى العوامل النفسية والاجتماعية التي تغذيها. فبعض الرجال يحملون هذه المشاعر نتيجة تنشئة قاسية تعلموا خلالها أنَّ القوة والسيطرة هما المقياس الوحيد للرجولة. وبعضهم الآخر يعاني من شعور عميق بانعدام الأمان، ليجد في إخضاع المرأة تعويضًا وهميًّا عن فشله في مجالات أخرى من حياته.
وثمة عامل اقتصادي لا يُستهَان به، يتمثَّل في القلق من فقدان الامتيازات التقليدية التي كان يتمتع بها الرجل حصرًا. فمع دخول المرأة سوق العمل، ومنافستها الرجل على المناصب نفسها، تصاعدت لدى فئة منهم مشاعر عداء غير معلن تجاه هذا التغير البنيوي في موازين القوة. ويضاف إلى ذلك الدور الذي تلعبه بعض المنابر الإعلامية والترفيهية التي ما زالت تختزل المرأة في أدوار نمطية هزيلة، فتعمق بذلك الصورة الذهنية التي تربط قيمتها بجسدها، لا بعقلها أو إنجازها.
كراهية رقمية.. وهوية جماعية
ومع اتساع رقعة العالم الرقمي، ظهر وجه جديد لهذه الكراهية أشد فتكًا من سابقه؛ إذ منحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لخطاب عدائي منظم يستهدف النساء بمجرد ظهورهن في الفضاء العام؛ سواء كنَّ صحفيات، أو سياسيات، أو حتى مستخدمات عاديات يعبِّرن عن رأي.
وقد تشكَّلت في هذا الفضاء جماعات افتراضية متماسكة تتبادل خطابًا يحول كراهية النساء من موقف فردي إلى «هوية جماعية» يفتخر أصحابها بالانتماء إليها. وهو ما يجعل هذا النوع الرقمي أخطر من الأشكال التقليدية؛ لأنه يعيد إنتاج نفسه بسرعة هائلة، ويصعب حصره أو محاسبة مرتكبيه في ظلِّ غياب تشريعات واضحة تلاحق هذا النمط من العنف اللفظي المنظم.
الوجهان الطبقي والسياسي للمشكلة
ومن الزوايا التي كثيرًا ما تغيب عن هذا النقاش، أنَّ كراهية النساء لا تظهر بالدرجة نفسها، ولا بالشكل نفسه، في كل الطبقات الاجتماعية. فبينما تتخذ في الأوساط الشعبية الفقيرة صورة سيطرة اقتصادية مباشرة - تتمثل في حرمان الفتاة من التعليم لصالح إخوتها الذكور، أو تزويجها في سِنِّ مبكرة هروبًا من عبء إعالتها - فإنَّها في الأوساط الميسورة والمتعلمة تتخذ أشكالًا أكثر نعومة ودهاء. كأنْ تُمنح المرأة فرصة الدراسة والعمل، لكنها تظل مطالبة ضمنيًّا بإثبات أنَّها لن تتجاوز حدود دورها الأسري، أو أنْ ترقى إلى مناصب متقدِّمة بشرط أنْ تتنازل عن جزء من أنوثتها في تعاملها كي تبدو جديرة بالثقة. وهذا التفاوت الطبقي يؤكد أنَّ الظاهرة ليست مسألة جهل أو تخلف حضاري كما يحلو للبعض تبسيطها، بل هي منظومة قادرة على التَّكيُّف وإعادة إنتاج نفسها بأدوات مختلفة بحسب البيئة التي تعمل فيها.
كذلك لا يمكن إغفال البُعد السياسي الذي باتت تكتسبه القضية في العقود الأخيرة. فقد تحوَّل الحديث عن حقوق المرأة أحيانًا إلى ورقة تستخدمها أطراف متصارعة لأغراض بعيدة عن جوهر القضية نفسها. فبعض الحكومات ترفع شعار «تمكين المرأة» في الخطاب الرسمي، بينما تُبقي على تشريعات تمييزية في جوهرها. وبعض الجماعات السياسية تتهم خصومها بكراهية النساء، لا لأنَّها معنية فعلًا بمعاناتهن، بل لتحقيق مكاسب تنافسية في الفضاء العام.
هذا الاستغلال المزدوج يضرُّ بالقضية؛ فهو من ناحية يفرغ المطالبة الحقيقية بالمساواة من مصداقيتها حين تتحوَّل إلى شعار دعائي فارغ، ومن ناحية أخرى يمنح المتشككين في المشكلة حجة للقول إنَّ الأمر برمته لا يعدو كونه «توظيفًا أيديولوجيًا». في حين أنَّ الواقع أكثر تعقيدًا من هذا الاختزال؛ إذ إنَّ الأذى الفعلي الذي تعيشه ملايين النساء يوميًّا لا يتوقف عند صحة أو زيف الخطاب السياسي الدائر حوله.
فخ التعميم.. وقصور التشريعات
في المقابل، يجدر التنبه إلى أنَّ توظيف مصطلح «كراهية النساء» بشكل فضفاض قد يفرغه من مضمونه الحقيقي. فليس كل خلاف مع امرأة، أو نقد لموقف يتخذه فرد أو مؤسسة يندرج تحت هذا الباب، وليس كل تمييز بيولوجي طبيعي بين الجنسين ينبغي أنْ يُفسَّر بوصفه احتقارًا. والخلط بين هذين المستويين يضعف من مصداقية الخطاب النقدي الجاد ويمنح خصومه ذريعةً للتشكيك في كل مطالبة عادلة بالمساواة. ومن هنا، فإنَّ النقد الموضوعي يقتضي تمييزًا دقيقًا بين موقف يقوم على الاحتقار الممنهج للمرأة كجنس، وبين خلاف عابر أو نقاش فكري مشروع لا علاقة له بالجنس على الإطلاق.
أما على الصعيد المؤسسي والقانوني، فإنَّ كثيرًا من الدول ما زالت تفتقر إلى تشريعات رادعة تُجرِّم أشكال التمييز غير المباشر. فالقوانين في أغلبها تعاقب على العنف الجسدي الصريح، بينما تترك مساحةً واسعةً من الانتهاكات النفسية والاقتصادية بلا غطاء قانوني كافٍ. كما أنَّ تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي ما زال هزيلًا مقارنة بحجمها السكاني. وهذا الغياب لا يعكس نقصًا في الكفاءة كما يُروِّج البعض، بل يعكس منظومةً من الحواجز غير المرئية التي تحدُّ من فرصها منذ سنوات التعليم الأولى وحتى مراحل التقدم الوظيفي المتقدمة.
ولا تقتصر تبعات الظاهرة على الأفراد المتضررين، بل تمتد لتطال المجتمع بأسره من الناحيتين الاقتصادية والتنموية. فحرمان نصف السكان من فرص متكافئة يعني تعطيل نصف الطاقة الإنتاجية المتاحة. وقد أظهرت دراسات عديدة أنَّ المجتمعات التي تضيق الخناق على مشاركة المرأة تدفع ثمن ذلك تباطؤًا في النمو الاقتصادي، وتراجعًا في مؤشرات الابتكار. إضافة إلى الأثر النفسي العميق الذي يخلفه هذا الاحتقار في أجيال كاملة من الفتيات اللواتي ينشأن وهن يعتقدن أنَّ سقف طموحهن محدود سلفًا بحكم جنسهن، لا بحكم قدراتهن الفعلية.
مواجهة شاملة.. التعليم ومساءلة الموروث
وإذا أردنا الانتقال من مجرد وصف الظاهرة إلى التفكير في سبل مواجهتها، فإنَّ التعليم يبقى الأداة الأكثر فاعلية على المدى البعيد. إذ لا يمكن اقتلاع أفكار ترسَّخت عبر أجيال إلا عبر إعادة تشكيل الوعي منذ الطفولة المبكرة، بحيث ينشأ الأطفال (ذكورًا وإناثًا) على قاعدة من الاحترام المتبادل بعيدًا عن الأدوار النمطية الجاهزة. ولا يقل عن ذلك أهمية دور القانون في سدِّ الثغرات التشريعية، وضمان تطبيق صارم للنصوص القائمة. كما أنَّ المسؤولية الإعلامية تفرض على صناع المحتوى مراجعة الصورة النمطية التي طالما رسختها الدراما والإعلانات.
وأخيرًا، فإنَّ مشاركة الرجال أنفسهم في هذه المعركة تمثل عاملًا حاسمًا. إذ إنَّ التغيير الحقيقي لا يتحقَّق حين تناضل النساء وحدهن من أجل حقوقهن، بل حين ينخرط الرجال في مساءلة موروثهم الثقافي ويعيدون تعريف رجولتهم بمعزل عن فكرة السيطرة.
وثمة ملاحظة أخيرة تستحق التوقف عندها، وهي أنَّ معالجة هذه الظاهرة لا تكتمل بمجرد سَنِّ القوانين وتوعية الأجيال الجديدة، بل تحتاج أيضًا إلى إعادة نظر جادة في طريقة إنتاج المعرفة نفسها. فكثير من العلوم الاجتماعية والنفسية والتاريخية كُتبت لعقود طويلة من منظور ذكوري خالص، بحيث بدت تجربة المرأة استثناءً أو هامشًا يُضاف لاحقًا إلى المتن الأساسي، بدل أنْ تكون جزءًا أصيلًا من فهمنا للإنسان عمومًا. ومن هنا، فإنَّ أي مشروع نقدي جاد لا بد أنْ يشمل مراجعة المناهج الدراسية والبحثية ذاتها التي تُشكِّل وعي الأجيال القادمة، بحيث لا تظل المرأة حاضرةً في الكتب بوصفها ملحقًا أو استثناءً، بل بوصفها فاعلًا كاملًا في صناعة التاريخ والفكر والعلم على قدم المساواة مع الرجل.
خاتمة
في نهاية المطاف، يمكن القول إنَّ كراهية النساء ليست مجرد سلوك فردي معزول يمكن اختزاله في شخص متطرف هنا أو هناك، بل هي منظومة متكاملة تتغذَّى من التاريخ، والدين المُفسَّر خطأ، والاقتصاد، والإعلام، والقانون معًا. وأي معالجة جزئية لها تتجاهل بعض هذه الروافد ستظل قاصرة عن إحداث تغيير جذري.
فلمواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قضية «نسوية» بالمعنى الضيق الذي يحصرها في نصف المجتمع، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًّا لمدى نضج أي مجتمع في تعامله مع مبدأ العدالة الإنسانية الأساسي؛ القائم على تساوي البشر في الكرامة بصرف النظر عن جنسهم. وما لم يدرك المجتمع هذه الحقيقة بعمق، فإنَّ كل الخطابات التي تتغنى بالمساواة ستظل حبرًا على ورق، لا يغيِّر من واقع النساء اليومي شيئًا يذكر.