مراجعات
أحمد جمال سعد الدينالمرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام
2018.01.01
المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام
عرض كتاب: المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام تأليف: أسماء سيد - ترجمة: أحمد العدوي الناشر: دار مدارات، 2018
تبدأ أسماء سيد الفصل الرابع والأخير من كتابها «المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام» باقتباس لمحمد بن علي الشوكاني، العالم والمُجدد اليمني المتوفى عام 1250 هـ، يقول فيه «لم يُنقل عن أحد من العلماء أنه رد خبر المرأة لكونها امرأة».
بهذا الاقتباس الختامي، تصل إلى الفكرة الأساسية التي قامت عليها الفصول الأربعة. وهي الإجابة عن سؤالين أساسيين، طُرحا بطرق مختلفة: كيف كان وضع المرأة بالضبط فيما يتعلق بالعلوم الدينية في العصور الإسلامية الأولى؟ ولماذا تراجع دورهن بشدة في العصور الحديثة؟
حاولت أسماء سيد الإجابة عن السؤال الأول بطريقة تداخل فيها العديد من الجوانب، سواء التاريخية أو الاجتماعية، في الوقت الذي كان فيه السؤال الثاني في خلفية المشهد دائمًا على مدار الكتاب كله، ربما كهاجس لا كفكرة واضحة.
تسود في كثير من الأدبيات المعنية بالدراسات الإسلامية، نظرة تقول إن المرأة كانت ممنوعة -بالذات في العصور الأولى- من الوصول إلى مصادر المعرفة، وإن مراكمة رأس المال المعرفي كان حِكرًا على الرجال فقط. والتعامل مع هذه النظرة كان دائمًا محل توظيف لأهداف، في الغالب، سياسية، وفي كل الأحوال غير محايدة.
ما يحاول الكتاب أن يفعله هو أن يستخرج من هذه المساحات المتداخلة سردية جديدة يحاول فيها استكشاف ما إذا كان للمرأة إسهام في عملية نقل الحديث على مدار السنوات الأولى في الإسلام، أم أن الأمر كان حكرًا على الرجال. لكن يجب ملاحظة أن هذا ليس كتابًا تاريخيًّا بالمعنى المفهوم، وإن كان موضوعه تاريخيًّا، إلا أن المبحث الأساسي فيه هو محاولة التأصيل التاريخي لازدهار مساهمة المرأة المسلمة في رواية الحديث، تحديدًا في العصور الأولى من الإسلام، ثم اختفاء هذه الظاهرة لفترة من الوقت، في العصور الإسلامية الوسطى، قبل أن تعاود الظهور مرة أخرى. ومحاولة الوقوف على أسباب الازدهار والاختفاء، والتعامل معها لا كظواهر ذاتية، تبدأ وتنتهي بمعزل عن غيرها، بل وضعها في سياقها الاجتماعي والديني في هذه العصور. تنطلق أسماء من هذه الفكرة الأساسية لتستكشف إسهام المرأة في العلوم الدينية، وفترات الانقطاع والاتصال، وذلك عبر دراسة تعامل المرأة مع الحديث المرويّ عن النبي، واعتباره البنية السردية الأساسية.
(2)
ظهر "الحديث" باصطلاحه ولفظه، في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي، حيث مَثّل النبي، بشخصه، المصدر الأهم للمعرفة الدينية في الإسلام. فهو لا ينطق عن الهوى، واتصاله بالله لا ينقطع، وبالتالي اعتبر المسلمون منذ اللحظات الأولى كلام النبي وأوامره وأفعاله، وكذلك ما يقرّه وما ينهى عنه، جزءًا أساسيًّا من أي تشريع، تحديدًا في المقام الثاني بعد القرآن، الذي هو كتاب الله، المحفوظ فيه كلامه.
نتيجة لمحورية الدور الذي لعبه الحديث النبوي في التشريع، كان التعامل معه دائمًا مسألة مليئة بالانحيازات. ففي الوقت الذي تعامل بعض الدارسين الأحدث معه على أنه سجل دقيق لتاريخ الإسلام، وتشكيل نظامه السياسي، فإن البعض الآخر تعامل معه باعتباره تلفيقات لا أكثر.
تنأى المؤلفة بنفسها من البداية عن هذه الإشكالية. فتحيل دراستها إلى ما تسميه بالـ"ذاكرة الجمعية" الإسلامية عن دور النساء كراويات للحديث. فهي هنا، كما تقول، لا تُناقش مسألة الفصل في صحة الأحاديث المنسوبة إلى النبي من عدمها، لكنها تكتفي بالحد الأدنى المقبول من هذه المرويات، وهو استكشاف ما نُسب إلى النساء من روايات، وما جرى تداوله بالفعل عنهن، وبالتالي الخروج بلمحات عن حياتهن والبيئة التي مارسن حياتهن فيها. فالأطروحة الأساسية في الكتاب هي التعامل مع الأحاديث من حيث أهميتها عند جميع الأطراف. فبشكل عام، لم تخرج الأحاديث المروية عن التصورات العامة التي كوّنها اللاحقون من المسلمين عن سابقيهم.
تطرح المؤلفة في مقدمتها ثلاث أسئلة أساسية، تحاول الإجابة عنها عبر طريقها في الكتاب كله: هل كان التعامل مع الراويات النساء على أساس أنهن عالمات، أم مجرد ناقلات للأحاديث الشفوية التي نقلنها بحكم صحبة النبي والتزامن معه في المرحلة الزمنية نفسها؟ هل هنالك تشابه بين دور الصحابيات في هذه الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي، وبين المُحدّثات من النساء في العصر السلجوقي والمملوكي والأيوبي؟ والسؤال الأهم: كيف استطاعت النساء المسلمات الحصول على الحق في التعليم، بل والرواية والتدريس في بعض الأحيان، وهو ما كان من نتائجه بالبديهة التواصل بالكلام والنظر مع شيوخهن الذين تعلمن على أيديهم، ومع طلابهن الذين تلقوا العلم عنهن؟
(3)
استخدمت المؤلفة أدوات تنتمي بالأساس إلى علم الاجتماع التربوي، وتحديدًا الدراسات التي اهتمت باستخدامات المعرفة الاجتماعية. المعرفة هنا ليست شيئًا منفصلاً عن التفاعل المجتمعي، بل هي جزء أصيل من القدرة على التعليم والمشاركة. كان بيير بورديو هو من أشار إلى ضرورة التفكير في رأس المال، لا على اعتبار أنه مجرد موارد مادية متراكمة، وإنما على أنه أصول يمكن لها أن تظهر في شكل سلع ثقافية، ومن ثم، تؤدي إلى حراك اجتماعي.
تقطع المؤلفة منذ اللحظة الأولى، بوجود تمايز واضح في أدوار المحدثات من النساء في العصور الإسلامية الأولى (الصحابيات) عن المُحدثات اللواتي ظهرن في عصور لاحقة. والفارق بالضرورة مسألة معاينة النبي عن قرب. كانت المُحدثات الأوليات راويات حديث بحكم التزامن. كن شاهدات عيان، رأين النبي وسمعن منه، ثم أخبرن عن ذلك، بل إن بعضهن كان يوضح رأيه في المسائل الفقهية والتعبدية والعقائدية بناء على هذه المعايشة، لكن من الضروري ملاحظة أن رواياتهن كانت تفتقر، مثلها في ذلك مثل روايات الرجال، إلى هيكل تنظيمي واضح، وهو الذي سيُعرف في عصور لاحقة بالسند والمتن.
على النقيض، تمتعت المحدثات في العصور التالية بمكانتهن بناء على كونهن راويات للحديث ومُعلّمات لطالبي العلم.
(4)
يؤكد تحليل أسماء سيد أنه لا يمكن استيعاب النقاط المحورية الأساسية في التاريخ الإسلامي، دون إجراء تحقيق في ديناميات علاقات الجنوسة Gender dynamics، بهدف فهم آليات القوة والتأثير التي تعاملت معها المرأة وتأثرت بها، ولكنها في الوقت نفسه، تؤكد حرصها على التعامل مع القضايا التاريخية بمعزل عن مقاييس الواقع وتحيزاته.
ففي الوقت الذي تُسلّم فيه بأن هنالك تبعات متباينة لدراستها فيما يتعلق بالخطاب النسوي المعاصر، وفيما يتعلق بقضايا متباينة مثل تمكين المرأة والوصاية عليها، فإنها تحذو حذو مؤرخين، مثل جون سكوت وكارولين بينوم، في الهاجس الذي عبر عنه كلّ منهم، عن أن الأفكار التي تحملها المخاوف النسوية معرضة دائمًا لخطر تحليل التاريخ بأثر رجعي. المؤلفة هنا تحاول، مرة أخرى، الخروج من دائرة جدل لا يتعلق بموضوع بحثها الأساسي (كما فعلت بالضبط فيما يتعلق بصحة الأحاديث النبوية)، وهي بالتالي تحذر من قراءة الكتاب قراءة معادية للمرأة، أو مُمكنة لها. فهذا الموضوع لا يشغلها بذاته كمجال للبحث.
(5)
يستعرض الفصل الأول من الكتاب المعنون بـ«الصحابيات واستحداث الرواية» المراحل التي مرت بها عملية رواية الحديث عن النبي، بالتركيز على الصحابيات في العصور الإسلامية الأولى، وبالتحديد، زوجاته، أمهات المؤمنين، اللواتي كن، بحكم القرابة والصلة والتعامل اليومي، الأكثر اتصالاً وقدرة على الرواية، بالمقارنة بغيرهن، ممن اقتصرت العلاقة بينهن وبين النبي على سؤاله عن أمر من أمور الدين أو الدنيا، ورواية الإجابة بعدها، في سياقات مختلفة. تحظى السيدة عائشة بنت أبي بكر، والسيدة أم سلمة بالنصيب الأكبر من هذه المرويات. وتلمّح المؤلفة إلى أن السيدة عائشة والسيدة أم سلمة اختارتا نوعًا مختلفًا من التفاعل مع الوسط المحيط بهما بعد وفاة النبي. ففي الوقت الذي التزمت فيه أغلب زوجات الرسول بدرجة من الالتزام بالحجاب المفروض عليهن بحكم نص قرآني (وصل الأمر إلى رفض السيدة سَودة بنت زمعة الذهاب لأداء فريضة الحج بالرغم من إذن الخليفة عثمان لها)، كانت كل من عائشة وأم سلمة على درجة من الاشتباك المباشر، لدرجة التدخل بالتوجيه والتعديل في كثير من الأحيان، حيث كان لرأيهما وزنًا شرعيًا معتبرًا.
لكن الفارق الأساسي بين أم سلمة وعائشة، يظهر في هذه النقطة بالتحديد. فعائشة كانت تتخذ زمام المبادرة في كثير من الأحيان، متحدثة عمّا رأته مباشرة من رسول الله، بل ومدلية برأيها في كثير من القضايا. أما أم سلمة، فقد كانت أشبه بباقي زوجات الرسول، من حيث ابتعادها عن الحياة اليومية للمجتمع، وإن كانت دائمًا ترحب باستشارات كبار الصحابة لها. وهو ما يقول إن طريقة تفسير عائشة لآيات الـ «حجاب» كانت تنحو منحى مختلفًا عن باقي زوجات النبي.
يتغيّر الحال تمامًا في الفصلين التاليين، الثالث والرابع، وفيهما يظهر تراجع حاد لوجود المحدّثات على الساحة العامة، تزامن هذا مع ظهور أُسس عامة لعلم الحديث، ممثلة في الإسناد والمتن، ونشأة مجموعة معيّنة من القواعد التي تستلزم حركة اجتماعية من نوع معيّن، لم تكن متوافرة في هذا الوقت للنساء. ترجع المؤلفة تراجع مشاركة النساء في رواية الحديث إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولهم كان ظهور الأسس العامة كما سلف، والثاني كان تصاعد الجدل بين أهل الحديث في استخدامه كمصدر للتشريع والعقيدة، والثالث وهو الأوقع، كان ظهور الـ«الترحال» طلبًا للحديث واستيثاقًا منه، كدعامة أساسية لاعتماد المُحدث.
في الفصلين الثالث والرابع من الكتاب اهتمت المؤلفة بتوضيح أن حركة انتعاش المُحدثات في التاريخ الإسلامي لم تكن حركة تهدف إلى تدمير ما أسمته "القواعد الأبوية" في المجتمع، ولم يكن لها أثر مباشر في "تثوير" نشاط المرأة المجتمعي، بل كان الهدف بالأساس هو محاولة الحفاظ على تراث النبي، الذي بدأ المسلمون باستشعار الخطورة من احتمال اندثاره بمرور السنين التي تفصلهم عن وفاة النبي. باختصار، وكما تقول المؤلفة بشكل واضح، "كان نطاق عمل المرأة المسلمة في الحقبة الكلاسيكية مُقيدًا بمعايير مجتمعاتها، التي وجهت إمكاناتها الفكرية نحو رواية الحديث بدلاً عن الاشتغال بالفقه أو الكلام. ومن خلال تبني هذه القواعد ودعمها، وليس العمل على تخريبها، فإن المرأة المسلمة قد حققت مكانتها، وفي جميع الأحوال إنجازها الشخصي".
(6)
الكتاب في مجمله محاولة رائدة غير مسبوقة، في مساحة عادة ما يختلط فيها السياسي بالتاريخي بالاجتماعي، ويغطي فيها التحيّز على البحث الجاد. وقد حاول خلال رحلته، التي شملت الفترة الطويلة من بداية النقل عن الرسول وحتى نهايات الإمبراطورية العثمانية، استعراض مساحات ظلت لوقت طويل بعيدة عن أي دراسة جادة، وهو الأمر الذي أزعم أنه أساسي لفهم الواقع وتجاوز مشكلاته وأسئلته، التي نكتشف، بسبب كتب كهذه نعاني من ندرتها، أنها ليست إشكاليات جديدة، وأن النقاشات الكُبرى التي نخوضها في يومنا هذا، أو التي تبدو مخيفة بالنسبة لنا من مجرّد تخيّلها، بداية من الأسئلة البديهية حول حركة المرأة في الفضاء العام، وحتى دخولها إلى المسجد كمُعلّمة ومدرسة، وجلوس الرجال أمامها في موقع التلميذ لا الأستاذ، هي نقاشات مكررة في جوهرها، تحتاج ربما إلى التمعّن في القرون الأولى، بالقدر نفسه الذي نتطلع فيه إلى الأمام، وأن الأمور لم تكن ما هي عليه الآن منذ الأزل، بل هي من صنع يدينا.
ترشيحاتنا
