عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

شريف إمام

حين تصبح كتابة التاريخ تصفية حسابات

2026.09.19

حين تصبح كتابة التاريخ تصفية حسابات

 

يبدو تاريخنا الحديث، كأنه تطبيق دنيوي لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، والاستشهاد هنا مجازي لا يراد به إسقاط الحكم الديني للآية على أشخاص التاريخ، وإنما استحضار صورتها البليغة: جماعة تصل متأخرة، فتتهم سابقتها بأنَّها أضلّتها وأفسدت الطريق، ثم تأتي جماعة أخرى لترد إليها اللعنة مضاعفة. وهكذا يدخل كل عهد إلى المسرح لا يحمل برنامجًا للمستقبل، بقدر ما يحمل محضر اتهام للماضي، وربما يخلو خطابه السياسي من أي مبرِّر لوجوده سوى بوصفه المُخلِّص من رجس سلفه، وأن مصر - على امتداد تاريخها - لم تكن تنتظر إلا هذا العهد بالذات، وأن ما سبقه لم يكن سوى بروفة طويلة، أو - في أفضل الأحوال - تمهيد غير مُتقن لظهور البطل الذي تأخر قليلًا، لكنه حضر في الوقت المناسب تمامًا.

إنَّ «الملاعنة التاريخية» هنا لا تعني مجرد اختلاف الأجيال في تقييم الوقائع، وإنما تعني ممارسة سياسية وفكرية تقوم على أنَّ كل مرحلة تزعم أنها تبدأ التاريخ من جديد، ولذلك تشعر بالحاجة إلى تشويه المرحلة السابقة وإسقاط شرعيتها بالكامل.

بدأت حلقة واضحة من هذا المسلسل مع الثورة العرابية، فعندما انتهت بهزيمة عسكرية واحتلال بريطاني سنة 1882، لم يُنظَر إليها دائمًا بوصفها محاولة لمقاومة التدخل الأجنبي وتقييد الاستبداد، بل حمّلها بعض اللاحقين وزر الاحتلال نفسه. وكأنَّ الجيش البريطاني كان سائحًا مترددًا على شاطئ الإسكندرية، ثم أقنعه عرابي، بسوء تقدير منه، بالإقامة سبعين عامًا. كانت الهزيمة كافية لتحويل المهزوم من مقاوم أخفق إلى متهم أضاع البلاد، وبدلًا من البحث بموضوعية عن أسباب إخفاق العرابيِّين بُصق على وجه زعيمهم، وأمضى عرابي آخر عمر يتوارى من الخلق.

 ومع صعود خطاب «الحزب الوطني»، ظهر ميل إلى تقديم الوطنية الجديدة كأنها تصحيح لانحراف قديم، مع أنَّ حركةمصطفى كامل استأنفت عمليًّا قضية مقاومة الاحتلال، واعتمدت الصحافة والتنظيم السياسي والاتصال بالرأي العام الأوروبي أدوات جديدة للمعركة نفسها. ثم جاءت ثورة 1919 فوسَّعت المجال الوطني، وشارك فيها الطلاب والعمال والموظفون والفلاحون والنساء، وانتقلت قضية الاستقلال من مطالب النخبة إلى احتجاج جماهيري واسع. وأدت الثورة إلى تصريح 28 فبراير 1922 ثم دستور 1923، وإنْ ظلَّ الاستقلال ناقصًا والنفوذ البريطاني قائمًا. لكن كل ثورة ناجحة نسبيًّا تحب أنْ تتصرَّف كأنها أول ثورة في التاريخ. لذلك هُمشت أحيانًا المراحل السابقة أو أُعيد ترتيبها لتصبح مجرد مقدمات خجولة للميلاد الوفدي العظيم.

كانت مصر، وفق هذه الرواية، تتدرب على الوطنية قبل 1919، ثم حصلت أخيرًا على شهادة الصلاحية السياسية مختومة بخاتم «الوفد».

غير أنَّ النظام الحزبي نفسه دخل بعد ذلك قاعة الاتهام، فقد عجزت الملكية والأحزاب عن إنهاء الاحتلال، وظلت الحياة النيابية عُرضةً لتدخل القصر والنفوذ البريطاني، في ظلِّ تفاوت اجتماعي وتركيز واسع للملكية الزراعية. وعندما تحرَّك الضباط الأحرار في يوليو 1952، لم تقدِّم السلطة الجديدة نفسها باعتبارها حلقةً أخرى في تاريخ الحركة الوطنية، بل باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها التاريخ يتصرَّف بجدية. لعنت «يوليو» الأحزاب بوصفها مصانع للفساد، ولعنت الملكية بوصفها عنوانًا للتبعية، وقللت من قيمة الليبرالية الدستورية السابقة.

وفي المقابل، ردَّ المهزومون سياسيًّا بوصف «يولو» بأنَّها أصل كل استبداد، متناسين الإصلاح الزراعي وإنهاء الملكية وتأميم القناة. أخذ كل فريق نصف الحقيقة، ثم أعلن العثور على الحقيقة كاملة. ولم تعد كتابة التاريخ بحثًا عمّا حدث، بل صارت بحثًا عمَّن يجب أنْ يدفع الفاتورة. فالسلطة الجديدة تحتاج إلى ماضٍ شديد السواد كي تبدو أكثر إشراقًا، أما السلطة القديمة فتكتشف فضائلها الدستورية كاملة بعد خروجها من الحكم. ويبدو أنَّ الديمقراطية في ثقافتنا السياسية تصبح أجمل كثيرًا عندما نفقدها، مثل قطعة أثاث قديمة لا نعرف قيمتها إلا بعدما يبيعها الورثة.

ثم جاء السادات، ليعلن قطيعته مع رجال المرحلة السابقة وسياساتها. استعمل تعبيرات مثل «ثورة التصحيح»، وغيَّر اتجاه السياسة الاقتصادية عبر الانفتاح، واتجه بمصر نحو علاقة أوثق بالولايات المتحدة، وتسوية سياسية مع إسرائيل. وبذلك أعاد تفسير العهد الناصري، لا بوصفه الأصل الذي خرج منه، بل بوصفه ميراثًا من القيود ومراكز القوى يحتاج إلى التصحيح. والمفارقة أنَّ وريث «يوليو» استخدم آلية يوليو نفسها: لا يكفي تعديل الطريق، بل ينبغي أولًا إثبات أنَّ السائق السابق كان يسير في الاتجاه الخطأ. لقد غيّر النظام اللافتات، لكنه احتفظ بمطبعة الاتهامات.

ولن أكون مجافيًا للحقيقة إذا قلت إنَّ أمر الملاعنة بين الماضي والحاضر ليست ظاهرة مصرية خالصة ولا عيبًا جينيًّا في الثقافة العربية. فقد عرف الرومان ما يسميه المؤرخون «إدانة الذاكرة»، حيث تُمحى أسماء الحكام المهزومين من النقوش، وتُحطَّم تماثيلهم أو يُعاد نحتها بوجوه الحكام الجدد. وفي الثورة الفرنسية بلغ شغف القطيعة حدَّ إنشاء تقويم جمهوري جديد يبدأ من إعلان الجمهورية، كأنَّ إسقاط النظام القديم لا يكتمل إلا بإقالة الأيام والشهور من وظائفها. كما شهد الاتحاد السوفيتي إعادة متكرِّرة لكتابة التاريخ تبعًا لتحولات السلطة والصراع الأيديولوجي. فالسلطات، شرقية أو غربية، لا تكتفي عادة بحكم الأحياء، بل تطمع في إدارة شؤون الموتى أيضًا.

إنَّ الصراع على الذاكرة ليس خصوصية مصرية، بل ظاهرة تعرفها المجتمعات كافة. غير أنَّ الخطورة تبدأ حين تغيب المؤسسات المستقلة التي تحمي الوثيقة من سطوة السلطة، والبحث من سطوة الدعاية، والتاريخ من رغبة المنتصر في احتكاره. فعندما تهيمن الدولة أو الجماعة الغالبة على التعليم والإعلام والأرشيف، يصبح الماضي نصًّا قابلًا للتعديل كلما تغيَّرت هيئة التحرير السياسية. وحين يتحوَّل التاريخ إلى فصل دائم في الخصومة السياسية، تقل الحقيقة، وتُحال الموضوعية إلى التقاعد، وتفقد الأجيال ثقتها في ذاكرتها بعدما رأتها تغير أبطالها وخصومها كلما تبدل الجالس على الكرسي.

وهكذا يصبح لكل عهد ماضيه الخاص، ولكل حاكم طبعة منقحة من الوطن، أما الوقائع فعليها أنْ تنتظر حتى تعرف الدور المطلوب منها.