هوامش
نجلاء عبد الجوادكنيسة إنجلترا تكسر جدار الصمت: دلالات التصويت التاريخي للتضامن مع فلسطين
2026.07.25
كنيسة إنجلترا تكسر جدار الصم
: دلالات التصويت التاريخي للتضامن مع فلسطين
في مشهد نادر يجمع بين الحسم اللاهوتي والانحياز الأخلاقي الصريح، خرج المُجمَّع العام لكنيسة إنجلترا من اجتماعه في مدينة يورك بقرار لن يمر مرور الكرام؛ لا في أروقة الكنيسة نفسها، ولا على المشهد السياسي البريطاني الأوسع، ولا حتى على الخريطة الدولية المتوترة أساسًا حول الملف الفلسطيني. فبعد جدل امتدَّ لأربع سنوات كاملة كانت خلالها القيادة الكنسية تؤجل مواجهة استحقاق أخلاقي لا يحتمل مزيدًا من التسويف، صوَّت المُجمَّع بأغلبية كاسحة بلغت 253 صوتًا مقابل 47 فقط لصالح قرار يُلزم إحدى أعرق المؤسسات الدينية في العالم بالتضامن العلني مع الشعب الفلسطيني ودعم مقاومته السلمية للاحتلال الإسرائيلي. هذا الرقم لا يمكن قراءته إلا بوصفه إجماعًا شبه كامل يتجاوز حدود الخلاف الطائفي الداخلي، ليعكس تحوُّلًا عميقًا في وعي القاعدة الكنسية بحقيقة ما يجري في غزة والضفة الغربية.
كسر الصمت المؤسسي
لم يكن هذا التصويت وليد لحظة عابرة، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من الضغط الذي مارسه الإكليروس الفلسطيني والمسيحيون العرب في الأراضي المقدسة على مؤسسة ظلت لعقود تتحرَّك بحذر شديد كلما اقترب النقاش من الملف الإسرائيلي-الفلسطيني، خشية إغضاب حلفاء تاريخِّيين لها في المجتمع اليهودي البريطاني. غير أنَّ سنوات الحرب المتتالية على غزة، وما حملته من مشاهد دمار غير مسبوقة، كسرت أخيرًا جدار الصمت المؤسسي، وفرضت على أسقفية كانتربري والمُجمَّع بكامل هيئاته أنْ يواجها سؤالًا لم يعد ممكنًا الهروب منه: هل تقف الكنيسة إلى جانب ضحايا الاحتلال، أم تكتفي بلغة الحياد الباردة التي طالما مرَّرت بها إفلاتًا من المسؤولية؟
كايروس فلسطين: الإيمان في زمن الإبادة
لا يمكن فهم دلالة هذا التصويت بمعزل عن الجذور التاريخية لوثائق «كايروس فلسطين»، التي انطلقت للمرة الأولى عام 2009 على يد نخبة من رجال الدين واللاهوتيِّين الفلسطينيِّين. أراد هؤلاء حينها صياغة صوت مسيحي فلسطيني مستقل عن الرواية الغربية السائدة، التي طالما قاربت الصراع من زاوية دينية توراتية مجردة من سياقها الاستعماري الحديث.
لقد أكدت الوثيقة الأولى أنَّ الاحتلال في جوهره خطيئة ضد الله والإنسان معًا، وأنَّ الصمت عنه ليس حيادًا بل مشاركة فيه. وتبعتها على مدى السنوات وثائق أخرى، مثل: «صرخة الأمل» عام 2020، و«دعوة إلى التوبة» عام 2023، وصولًا إلى الوثيقة الأحدث المعروفة باسم «كايروس فلسطين الثانية» الصادرة في نوفمبر 2025 تحت عنوان: «لحظة حقيقة الإيمان في زمن الإبادة».
هذه الوثيقة الأخيرة لا تُجامل في وصف ما يجري في غزة؛ إذ تصفه صراحة بأنَّه جريمة إبادة جماعية، وحملة ممنهجة لطمس الوجود الفلسطيني من أرضه التاريخية. كُتبت الوثيقة في خضم الحرب، وحملت لغة حاسمة لأنَّ كاتبيها أنفسهم عاشوا تفاصيل الحصار والتجويع والنزوح المتكرِّر يومًا بيوم. وتذهب الوثيقة إلى أبعد من وصف الحرب، لتتحدَّث عن نظام استعماري استيطاني قائم على الفصل العنصري وتفوق يهودي متجذر في السياسات الإسرائيلية، وهي مفردات لم تعتد الكنائس الغربية الكبرى على تبنيها علنًا مهما بلغت قسوة الوقائع على الأرض.
وقد شهد النقاش داخل المُجمَّع تعديلًا لافتًا حين استبدل الأعضاء عبارة «استقبال هذه الوثائق» بعبارة «الاستماع إليها»، في محاولة لتفادي الإيحاء بتبني كل كلمة واردة فيها حرفيًّا. غير أنَّ هذا التعديل اللغوي لم يُفرغ القرار من مضمونه، بل أبقى على جوهره المتمثل في اعتراف مؤسسي رسمي بأنَّ ما ورد في الوثائق هو تعبير صادق عن معاناة حقيقية يعيشها المسيحيون الفلسطينيون. وهو اعتراف يحمل إقرارًا ضمنيًّا بصحة الوصف الذي يُساق للجرائم الإسرائيلية، مهما حاول بعض المتحفظين تخفيف وقعه بذرائع الحرص على التوازن الطائفي داخل بريطانيا.
وفي هذا السياق، عبَّرت رئيسة أساقفة كانتربري، سارة مولالي، عن هذا التَّحوُّل بوضوح حين قالت إنَّ الاستماع إلى الصوت الفلسطيني لا يعني بالضرورة الموافقة على كل كلمة، لكنه يعني بالضرورة أنَّ الكنيسة تُصغي بتعاطف حقيقي وتقف متضامنة مع مَن يواجهون هذا الكم الهائل من الظلم. وأضافت في كلمة مؤثرة أمام المُجمَّع أنَّ فلسطين، التي اعترفت بها الحكومة البريطانية نفسها، آخذة في الاندثار؛ وهي عبارة تُدين بطء الفعل الدولي أمام تسارع محو الوجود الفلسطيني، وتُذكِّر بأنَّ الاعتراف السياسي وحده عاجز عن وقف عمليات التهجير والقتل والتجويع المستمرة.
سلاح الاستثمارات كأداة ضغط
لعل البُعد الأكثر عملية في القرار هو ما يتصل بالسياسات الاستثمارية؛ إذ يفرض النص الجديد على مؤسسات الكنيسة اعتماد سياسات استثمار مسؤولة تقضي بسحب الأموال والتبرعات من كل ما يُغذي منظومة الاحتلال. يستند هذا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2004، والذي أكد بوضوح عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
هنا، يتجاوز القرار حدود البيان الرمزي إلى مربع أكثر إيلامًا لتل أبيب: مربع المال والاستثمار الذي طالما شَكَّل أحد أعمدة الدعم الغربي غير المعلن لاقتصاد الاحتلال. فكنيسة بحجم كنيسة إنجلترا تمتلك محافظ استثمارية ضخمة، وقرار سحبها يندرج ضمن سياق أوسع من تحركات مؤسسات غربية عديدة - كنسية وأكاديمية ونقابية - لمراجعة علاقاتها المالية بمنظومة الاحتلال. يأتي ذلك بعد أنْ باتت وقائع الحرب وتقارير المنظمات الحقوقية والأممية تصف بوضوح متزايد ما يجري بأنه «إبادة جماعية موثقة». هذا السحب للاستثمارات من كيانات مرتبطة بالاستيطان يحمل رمزيةً ماليةً وأخلاقيةً تفتح الباب أمام مؤسسات دينية ومدنية أخرى لتحذو حذوها.
رسائل سياسية لـ«وستمنستر».. وتعرية لـ«التواطؤ»
لم يتوقف القرار عند حدود الكنيسة، بل وجَّه رسالةً سياسيةً مباشرةً إلى الحكومة البريطانية حين طالبتها أصوات عديدة داخل المُجمَّع بوقف ما وصفته بـ«التواطؤ» مع الاحتلال. وهي مفردة ثقيلة الوزن حين تصدر عن مؤسسة يحمل الملك البريطاني لقب «حاميها الأعلى».
فحين تتحدَّث الكنيسة الرسمية للدولة عن تواطؤ حكومتها، فإنَّها تضع لندن أمام مرآة لا تُجامل، وتعيد فتح النقاش حول موقع المملكة المتحدة من قضية فلسطين في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والبرلمانية لمراجعة العلاقات العسكرية والتجارية مع إسرائيل، خاصة أنَّ اعتراف لندن الرسمي بدولة فلسطين العام الماضي لا يزال أقرب إلى الموقف السياسي منه إلى الفعل الملموس.
وما يمنح القرار وزنه الحقيقي هو توقيته؛ إذ يأتي بعد قرابة عامين من حرب إبادة أفرغت غزة من الحياة وحوَّلت بنيتها التحتية إلى ركام، في ظلِّ صمت دولي ومراوغة سياسية غربية. وعندما تصدر مؤسسة بهذا الرصيد التاريخي قرارًا يصف صراحة ما يجري بأنَّه «إبادة جماعية»، فإنَّ الأثر يمتد إلى الخطاب العام البريطاني، واضعًا ضغطًا أخلاقيًّا إضافيًّا على الطبقة السياسية التي تحاشت استخدام هذا الوصف القانوني خشية التبعات الدبلوماسية.
وقد وصفت جمعية «سابيل كايروس» (Sabeel Kairos) — وهي شبكة مسيحية دولية تدعم الكنائس وتعمل من أجل السلام والعدالة — هذا التصويت بأنه «لحظة تحول حقيقية» بعد سنوات من التردد، معتبرة أنَّ الكنيسة سمعت أخيرًا صرخة فلسطين وقرَّرت سلوك طريق التضامن الحقيقي مهما كانت كلفته.
مواجهة الترهيب بـ«معاداة السامية»
إنَّ استغراق الكنيسة أربع سنوات للوصول إلى هذه اللحظة يشهد على حجم المقاومة الداخلية التي واجهت محاولات طرح الملف الفلسطيني بجدية. وقد ظهر هذا في حجم المعارضة من أوساط يهودية بريطانية بارزة، مما كشف عن عمق الانقسام داخل المجتمع البريطاني حول كيفية التعامل مع الرواية الفلسطينية.
فبينما يرى منتقدو القرار أنَّ لغة الوثائق تُشبه «التشكيك في حقِّ كيان إسرائيل بالوجود»، يرى مؤيدو القرار أنَّ هذا الاتهام يُستخدَم بشكل ممنهج منذ عقود لإسكات أي صوت ينتقد الاحتلال. ويؤكدون أنَّ الخلط المتعمد بين نقد سياسات دولة الاحتلال وبين «معاداة السامية» يُفرغ الأخيرة من مضمونها الحقيقي، ويجعل من الصعب مواجهة العنصرية الفعلية ضد اليهود متى اختلط النقاش بحسابات سياسية لا علاقة لها بجوهر القضية.
شعبيًّا، يتقاطع هذا القرار مع موجة تضامن متصاعدة تجلَّت في مسيرات حاشدة بشوارع لندن وحملات مقاطعة واسعة. هذا التَّصدُّع المتنامي بين الموقف الرسمي لبعض الحكومات الغربية وبين الوعي الشعبي والمؤسسي يجعل من موقف كنيسة إنجلترا حلقةً إضافيةً في سلسلة تحوُّلات مجتمعية ترفض الاستمرار في غضِّ الطرف عن الانتهاكات الموثقة يوميًّا.
الاختبار الحقيقي: من اللاهوت إلى الفعل الملموس
يبقى السؤال الأهم: ما مدى قدرة هذا القرار على الانتقال من صياغة لاهوتية رصينة إلى فعل ملموس على الأرض؟ فالتاريخ يُعلمنا أنَّ كثيرًا من قرارات المجامع الكنسية تبقى حبيسة الأدراج.
إلا أنَّ هذا القرار يُعدُّ تصدُّعًا تدريجيًّا في جدار الصمت الغربي. وحين تخرج الكنيسة عن نصِّ الحياد، وتصف الإبادة الجماعية، وتربط استثماراتها بالمعايير الدولية، فإنَّها تُعيد تشكيل حدود «الممكن سياسيًّا» داخل بريطانيا، وتمنح شرعيةً لكل مَن يُطالب بمراجعة السياسات بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية.
الاختبار الحقيقي الآن ليس في نص التصويت، بل في المراجعة الفعلية لمحافظ الاستثمار، والضغط المتواصل على وستمنستر (Westminster)، واستمرار هذا الزخم بدلًا من ذوبانه في زحمة البيانات. لأنَّ فلسطين لا تحتاج اليوم إلى مزيد من عبارات التعاطف، بقدر ما تحتاج إلى مواقف تُترجم إلى أفعال تعيد لأهلها كرامتهم وأرضهم وحقهم في الحياة، بعيدًا عن القصف والحصار والتجويع الذي طال حتى الأطفال والمستشفيات ودور العبادة.