عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

دراسات

عاطف سعيد

صعود وأفول نموذج التحرير

2018.01.01

صعود وأفول نموذج التحرير

أركز في هذه الدراسة على فحص دور ميدان التحرير في الثورة المصرية في يناير-فبراير 2011 وما بعدها. أتناول الميدان ليس بوصفه مكانًا، وإنما بوصفه استراتيجية ثورية أثبتت نجاحها في البدء، ثم تراجعت، ورغم ذلك أصرت قطاعات واسعة من النشطاء على استخدامها. المسألة الجوهرية قيد الفحص هي اعتبار التعبئة الجماهيرية في ميدان كبير أو ساحة رئيسية في العاصمة، والاعتصام فيه، أداة رئيسية في حراك ثوري ناجح يستهدف التغيير السياسي العميق.

اعتمد هنا على الإرث النظري للمنظّر الاجتماعي تشارلز تيلي الذي ابتكر مفهوم «المخزون الاحتجاجي»قبل أكثر من ثلاثين عامًا كمفهوم أوسع كثيرًا من مفهوم «التكتيك» ذو الطابع الإجرائي المحدود. المخزون الاحتجاجي أكثر من كونه أسلوبًا عمليًا للنضال، هو ثقافة ووعي متجذر في مخيلة الثوريين، أحيانًا يصعب تغييره، وأحيانًا أخرى يتحول إلى أيقونة رمزية تتجاوز حدود الجانب العملي.

في الصفحات التالية، اتبع التحرير كاستراتيجية، وأيقونة، ونمط مركزي للاحتجاج، ساهم في صنع تغيير كبير، وإن كان من الخطأ اختزال الثورة فيه، ثم أبحث في عوامل تراجعه، وتمسك النشطاء به، سعيًا إلى إضاءة أحد جوانب الثورة المصرية التي حظيت بنظر واسع من قبل المراقبين والدارسين.

الوصول إلى التحرير

في مساء الخامس والعشرين من يناير 2011، وهو اليوم الذي عدّه الكثيرون البداية الحقيقية للثورة، قرر المتظاهرون الذين دخلوا ميدان التحريرأن يحتلوا الميدان، لكن الشرطة أجبرتهم في النهاية على إخلائه بالقوة. ظل ما حول الميدان موقعًا للمواجهات والاحتجاجات المستمرة حتى بعد ظهيرة الثامن والعشرين من يناير، عندما نجح المتظاهرون في حشد كتلة حرجة منعت الشرطة من فض الاعتصام. وفي الفترة من 28 يناير إلى 2 فبراير، وبالرغم من التضييقات، توافد المزيد من الناس للمبيت، جالبين الأغطية والطعام والخيام. أما الذين لم يستطيعوا المبيت، فقد فعلوا كل ما بوسعهم لدعم الاعتصام.

ثم في يوم الثاني من فبراير قامت مجموعة كبيرة من مؤيدي مبارك بالهجوم على الميدان باستخدام الخيل والجمال لإخلائه بالقوة، فيما عرف بموقعة الجمل. وعلى الرغم من أن العديد من المتظاهرين لقوا مصرعهم خلال عشرين ساعة من المواجهات العنيفة، إلا أنهم في نهاية المطاف نجحوا في الحفاظ على الاعتصام.

قرر المتظاهرون بعد تلك المعركة أن ينشئوا جهاز أمنهم الخاص المكون من مجموعات للحراسة على مداخل الميدان. فيما قبل 2 فبراير كان هناك جهاز أمن بالفعل، أقل رسمية، ولم يكن يغطي كافة مداخل الميدان، ولم تكن له إدارة منظمة. أما بعد ذلك اليوم، فكان على كل مدخل من المداخل نقطة تفتيش تفحص كل زائر قبل الدخول. ومع تزايد الأعداد والمؤن باطراد، تصاعدت قوة الاعتصام، إلى أن أطيح بمبارك في 11 فبراير.

كانت مسألة احتلال ميدان التحرير أمرًا مخططًا في أذهان بعض المتظاهرين، لكنها كانت بالنسبة للبعض الآخر مجرد تطور عفوي. حيث وجدوا أنفسهم، مع آخرين كثر، يحتلون أكبر ميادين القاهرة. وخلال الخمسة عشر يومًا، بين 28 يناير و11 فبراير، حاولت السلطات مرات عدة أن تخلي الميدان بالقوة أو بأي وسيلة أخرى. ولكن كلما نجح المتظاهرون في الثبات، ازداد عزمهم على الحفاظ على موقفهم، وبدأوا  بترديد  الصيحة الشهيرة «مش هنمشي، هو يمشي»،في إشارة إلى أهمية الحفاظ على الاعتصام كاستراتيجية وهدف على حد سواء.

وعلى الرغم من أن ميدان التحرير كان موقعًا واحدًا ومكوّنًا واحدًا من مكوّنات انتفاضة 2011، فقد فُهم إنشاء مخيم الاحتجاج فيه على نطاق واسع على أنه نمط الفعل الثوري المركزي – لدرجة أن العديد من الدارسين والمحللين سموا الثورة بـ «ثورة التحرير». كيف، ولأي سبب، جرى الخلط بين الثورة واعتصام التحرير؟

أزعم أن هناك ثلاثة عوامل متضافرة لتفسير ذلك: 1)الظروف السوسيوتاريخية والثورية المؤسسة لأهمية التحرير، 2) الخصائص الناشئة عن معسكر الاحتجاج ذاته، كما تم تنفيذها والحفاظ عليها، 3) الدور الذي لعبه النظام في تقييد الاحتجاجات، ثم الرد عليها. وسنناقش هذه العوامل تباعًا.

السياق الثوري وصعود ميدان التحرير

أود هنا أن أسلط الضوء على ثلاثة عوامل رئيسية ساهمت في صنع السياق الثوري، ثم سهّلت صعودًا محددًا لاعتصام التحرير كنمط مركزي للفعل. أول هذه الأدوار هو دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن القول إنها لاقت اهتمامًا مبالغًا في العديد من التحليلات. لن يسع المقام هنا أن نناقش هذا الموضوع بالتفصيل، ولكن يكفي أن نقول إن العديد من المحللين قد بالغوا في أهمية منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر. إن التركيز الحصري على دور هذه المنصات يعرّض الديناميات الثورية المعقدة للاختزال في صورة تكنولوجية. فحتى خلال الثمانية عشرة يومًا المعروفة للثورة، مرّ دور وسائل التواصل الاجتماعي بتحولات عبر الوقت، تدنى في بعض اللحظات، وأنتج آثارًا متناقضة في لحظات أخرى. وبالنظر إلى أداء وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة بين 2 فبراير إلى 11 فبراير، وهو يوم الإطاحة بمبارك، يمكننا أن نرى عملية «خلق التحرير الافتراضي»، وهي العملية التي انتشرت من خلالها الصور والرسائل المتعلقة بالاحتجاجات في ميدان التحرير، وحولته إلى الرمز الأكثر فاعلية والعلامة الأكثر تمثيلًا للثورة المصرية.

كان من قبيل المفارقة أن التأثير الضخم لوسائل التواصل الاجتماعي نبع، جزئيًا، من تغييبها قبل ذلك. ففي محاولة للسيطرة على المعلومات التي تخرج من الميدان، قام نظام مبارك بحجب كافة شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة منذ 28 يناير وحتى 2 فبراير 2011. لم يحظ هذا التعتيم سوى باهتمام ضئيل في النقاش حول علاقة الثورة بوسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن أثره كان حاسمًا وإن كان غير مقصود. لقد أدى الوعي العالمي بهذا التعتيم إلى إثارة التعاطف الدولي مع متظاهري التحرير. لذا، انقلب السحر على الساحر بمجرد عودة الإنترنت في صباح 2 فبراير، ومع تمكن المتظاهرون من فضح وحشية نظام مبارك التي حاول أن يخفيها. وبدلًا من أن يضمن النظام أن العالم لن يرى سوى صور مؤيديه، أظهرت الرسائل والصور والمقاطع المبثوثة من الميدان المتظاهرين يتعرضون للضرب والهجوم بالجمال والذخيرة الحية.

وبمجرد شيوع صور الميدان على أنه المسرح الرئيسي للأداء الثوري، تحولت «أيقنة» التحرير إلى عملية قائمة بذاتها. استخدم المدونون والنشطاء والمواطنون العاديون الذين سُيِّسوا خلال المظاهرات هواتفهم لالتقاط الصور وإرسالها ونشر الرسائل الإلكترونية عن التحرير. كذلك استُخدم وسم #Tahrir بموقع تويتر لمشاركة المعلومات وتبادل رسائل الدعم مع النشطاء المتعاطفين حول العالم. واشتهرت عبارة “تغريدات التحرير” بشكل واسع في الأيام السابقة على الإطاحة بمبارك.

لكن مركزية التحرير لا يُمكن أن تُعزى لوسائل التواصل الاجتماعي وحدها. فموقع الميدان نفسه كان أيضًا سببًا هامًا. يقع ميدان التحرير في قلب القاهرة على مساحة 11.5 فدانًا. هذا الموقع المترامي الأطراف هو أيضًا موقع لمقار عشرة وزارات مختلفة وكذلك رئاسة مجلس الوزراء ومقر البرلمان. لذا ففكرة احتلال التحرير كانت تعني باختصار احتلال وإغلاق مقار الحكومة.ولهذا، طالما كان التحرير هدفًا مثاليًا بالنسبة للمتظاهرين في السنوات السابقة على الثورة، على الرغم من عدم نجاح أية محاولة للسيطرة عليه قبل 2011.

لهذا التاريخ من المحاولات الفاشلة أهمية قصوى، لأنه يعني أن ميدان التحرير كان له بالفعل أهمية رمزية كهدف غير محقق قبل ثورة يناير. وفيما يتعلق بالصراعات التي وقعت في 28 يناير 2011 بالتحديد، يرى كثير من النشطاء أن خطة الشرطة الأولية كانت منع المتظاهرين من الوصول إلى الميدان، والخطة البديلة هي الاستيلاء عليه إذا تمكن بعض المتظاهرين من الوصول إليه. ولكن ما حدث هو أنه بسبب العدد الهائل من المتظاهرين، أُرهقت قوة الشرطة في العديد من المعارك حول التحرير. بعبارة أخرى، شارك المتظاهرون في معارك مختلفة مع الشرطة في عدة أماكن، وعلى الأخص في شارع رمسيس، وشارع القصر العيني، وكوبري قصر النيل. كان المتظاهرون هم الذين فاجئوا الشرطة، وفوجئوا هم أنفسهم بما فعلوه، ووصلوا إلى التحرير من مداخل مختلفة قادمين من عدة محاور بعد ظهر يوم 28 يناير.

لقد أثرى هذا النصر غير المتوقع، وكذلك النضال السابق الطويل لمحاولة اقتحام الميدان، تجربة المتظاهرين، مما أعطى لاحتلال التحرير مغزىً معنويًا كبير. باختصار، كان للجغرافيا معنى عظيم في ذلك الوقت.

وأخيرًا، فإن العامل الثالث الذي أسهم في أهمية التحرير في السياق الثوري كان مركزه كنقطة نهاية فعلية وذروة عاطفية للعديد من المسيرات. لقد حظيت المعارك داخل ميدان التحرير بأكبر قدر من الاهتمام، وذلك رغم أن المسيرات خارج الميدان كانت لها أهميتها الموضوعية هي الأخرى. ولكن لأن الدراسات حول مخزونات الخبرة الاحتجاجية لدى الثوار نادرًا ما تدرس مدى ارتباط التكتيكات ببعضها البعض، فإن إسهام المسيرات في احتلال التحرير لم يحظ بدرس كاف. فالمسيرات عبارة عن مظاهرات متحركة، وهي عمومًا لها هدف عبارة عن نقطة نهاية هامة لوجستيًا أو سياسيًا، حيث يمكن للمشاركين أن يجتمعوا لإلقاء الخطب أو الهتاف.

خلال الخمسة عشرة يومًا منذ بدء الاعتصام وحتى سقوط مبارك، كانت هناك أربع مسيرات أطلق عليها «مسيرات مليونية» في 1 و4 و8 و11 فبراير. ولأهداف التعبئة، ابتكر ائتلاف شباب الثورة أسماء رمزية لتلك المسيرات. لم يكن لأول تلك المسيرات في 1 فبراير اسمًا لأن النشطاء رأوا أن فكرة «مسيرة مليونية» كافية للفت أنظار العالم وتخويف النظام. لكن المسيرة الثانية في 4 فبراير سُميت بـ«جمعة الخلاص» أملًا في أن يكون هذا اليوم هو يوم مبارك الأخير. ووصفت مسيرة 8 فبراير باسم «يوم الإصرار». أما مسيرة يوم 11 فبراير التي توجت بالإطاحة بمبارك، فقد سُميت بـ«مسيرة الحسم»، في إشارة إلى التخطيط للزحف على القصر الرئاسي إن لم يرحل مبارك. وبعد أسبوع، في 18 فبراير، في أول جمعة بعد ما بدا على أنه «نجاح» للثورة، عاد المتظاهرون إلى التحرير محتفلين فيما أسموه «جمعة النصر».

وقد حدد النشطاء، وخاصة المرتبطين بائتلاف شباب الثورة، أماكن بداية المسيرات، ونشرت هذه المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عبر صفحة «كلنا خالد سعيد» على موقع فيسبوك. انطلقت المسيرات في الأغلب من المساجد أو من ميادين أصغر في القاهرة وفي المدن الأخرى، وعادة ما كانت في يوم الجمعة. واعتبرت هذه الأحداث وسيلة هامة للحصول على الاهتمام الدولي، وزيادة تعبئة المتظاهرين، والضغط على النظام محليًا. الأهم بالنسبة لغرض هذه الدراسة هو أن هذه المسيرات جميعًا استهدفت الوصول إلى ميدان التحرير في النهاية كما أعلن النشطاء.

بعبارة أخرى، بالرغم من أن المسيرات والاعتصام في التحرير يمثلان شكلين مختلفين من أشكال مخزون الخبرات الاحتجاجية، فقد كان هناك ارتباط وثيق بينهما. لقد أدت المسيرات مهمتها، لكن بانتهائها بالتحرير عزز النشطاء فكرة أن التحرير كان تتويجًا، رمزيًا وحرفيًا، للثورة. وفي نهاية كل مسيرة، كان أحد الأهداف الملموسة للنشطاء أن يظهروا صورة جديدة للتحرير مكتظًا بما يناهز المليون شخص للتداول الدولي. لكن من المهم أيضًا أن نلاحظ هنا أنه ليس كل المتظاهرين قد وصلوا عبر المسيرات، فبعضهم وصل للميدان مباشرة. كانت القاعدة أنك إن لم ترد المشاركة في مسيرة، فيمكنك أن تذهب مباشرة إلى التحرير. وبالرغم من استحالة مقارنة أعداد المشاركين في المسيرات بأعداد الذي وصلوا مباشرة للميدان، إلا أنه يمكننا أن نقول إن أعداد المتظاهرين الذين وصلوا عبر المسيرات يتجاوز عدد الذين وصلوا مباشرة إلى الميدان بشكل كبير. ومع ذلك، أصبح التحرير هو الرمز الأكثر رسوخًا للثورة ولم تحصل المسيرات على المكانة نفسها.

مخيم الاحتجاج

من الصعب نقل أجواء اعتصام يناير-فبراير 2011 في التحرير. فعلى الرغم من نشوة المعتصمين بنجاحهم في السيطرة على الميدان، إلا أنه من الصعب وصف الأجواء بالبهجة الصافية. وقد شرح أحد النشطاء الشعور في أول ليلة لاحتلال التحرير في 28 يناير، قائلًا: «عندما بدأ الاعتصام في مساء 28 يناير، لم يكن للمعتصمين خيارًا آخر. لقد بدا في هذا الوقت أن مبارك قد هُزم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان لدى المعتصمين هذا الميدان. فإن غادرنا سنقتل، وسيتعرض المعتصمون لقمع أكبر مما تلقوه. لقد كان ذلك واضحًا في الفترة من 25 يناير إلى 28 يناير. إذ لم يوفر مبارك ونظامه جهدًا في اعتقال بعض النشطاء البارزين وقتل المتظاهرين. في هذا الوقت، لم نتمكن من التفكير في استراتيجية أكبر من تأمين أنفسنا وتأمين الانتفاضة. فإن كنا سنموت خارج الميدان على كل حال، فلم لا نموت هنا في الميدان، فداءً للثورة؟»

ردد الكثيرون هذه المشاعر. فمع الشروع في نصب المخيم والحفاظ عليه، كانت هناك مهمة أخرى أُخذت على محمل الجد، ولكن بشكل ارتجالي. في الليلة الأولى، عُقد اجتماع عفوي بين العديد من النشطاء، وقد بلغ عدد الحاضرين مئات قليلة في ذروة الاجتماع (وصف «اجتماع» ربما كان مضللًا بعض الشيء لغياب أية خطة أو تجهيز أو حضور محدد). كان الهدف الرئيسي من الاجتماع هو تبادل المعلومات، وتحدث المشاركون بشكل عام عما يجب فعله في المرحلة التالية، لكن لم يتم الاتفاق سوى على نقطتين واضحتين، استمرار الاعتصام، وإصدار بيان بمطالب المتظاهرين.

وبمجرد ما فرض المتظاهرون سيطرتهم الهشة على الميدان، حتى أصبح مخيم الاحتجاج في التحرير «مخزونًا احتجاجيًا» وثورة في آن واحد. هنا تتضح أهمية خصائص ما يعنيه إنشاء المخيم والنجاح في الاعتصام. فالكثير سيوافقون على أن الهدف الأساسي من تظاهرات المرة الواحدة، كنمط من الحراك يجري خلال ساعات محددة وفي مكان وزمان محددين، هو أن يلتقي المشاركون لتقديم رسالة للرأي العام ولنظام أو سلطة محددة. يهتف المتظاهرون أو يحملون اللافتات ويقومون بالتعبير عن مطالبهم ثم يرحلون. لكن المخيمات أو الاعتصامات تسعى لفعل كل ذلك، مع التأكيد على تأمين ظروف استمرارها وتوفير المؤن ووسائل الإعاشة للمعتصمين. وهكذا تصبح حماية الحركة الاحتجاجية (الاعتصام في هذه الحالة) واستمراريتها هدفًا رمزيًا في حد ذاته.

هنا تصبح لخصوصيات ما يعنيه إنشاء مثل هذا المخيم أهمية خاصة. فكما ذكرنا، في أي احتجاج عابر يكون المطلب والتعبير عنه هو جوهر العملية الاحتجاجية. لكن معسكر الاحتجاج أو الاعتصام يسعى إلى القيام بكل هذه الأمور، وأيضًا إلى تهيئة الظروف اللازمة لضمان بقائه وتوفير الظروف المعيشية العملية لأولئك الموجودين فيه.

والأكثر إلحاحًا أن المعارك العنيفة حول ميدان التحرير تطلبت وجود مستشفيات ميدانية، وكان هناك على الأقل ثلاثة منها داخل الميدان، أقيمت جميعًا في يوم 28 يناير. كان المستشفى الميداني الرئيسي في مسجد عمر مكرم، وكان هناك أيضًا مستشفيان ميدانيان صغيران، أحدهما في الجزء الشمالي من الميدان، بالقرب من ميدان عبد المنعم رياض، وآخر خلف الساحة في مسجد عباد الرحمن. وكانت المجموعة الرئيسية المسؤولة عن إدارة هذه المستشفيات الميدانية هي «أطباء من أجل التحرير»، والتي شكلت بشكل تلقائي خلال الانتفاضة.

وعلى مستوى أكثر تأسيسية، كان إنشاء المخيم أيضًا يعني إقامة خيام ومساحات للنوم وتلبية الاحتياجات الأساسية، مثل دورات المياه والغذاء والتخلص من القمامة والتأمين. ومع نمو حجم الاعتصام، تشكلت بشكل غير مخطط مركزيًا مجموعة من اللجان للتعامل مع هذه القضايا، وأنشئت نقاط لجمع الطعام والمواد الطبية والتبرعات الأخرى. كان الميدان بمثابة جمهورية مكتملة؛ كان به وزيرًا للصحة وآخر للتموين وواحدًا للدفاع. ولرفع الحالة المعنوية شكلت مجموعة من النشطاء، بالرغم من سيولة نشاطهم، حلقات للغناء ورفع الروح المعنوية للمتظاهرين، وكذلك لاختلاق إنذارات كاذبة للتأكد من يقظة المعتصمين. وعرضت مجموعات مختلفة صورًا وملصقات ولافتات داخل الميدان، تولى أبرزها «فنانون من أجل الثورة» الذين كلفوا أنفسهم بمهمة تعزيز الروح المعنوية وملء الميدان بالفن الذي صنع خصيصًا للثورة، وعرضت «صحفيون من أجل الثورة» في أكشاك ثابتة عروضًا للصور والأخبار الخاصة بالميدان.

كانت هناك في الميدان منصتان كبيرتان يعلوهما متحدثين معروفين. المنصة الأولى كانت قد أقيمت في 3 فبراير من قبل ائتلاف شباب الثورة، أما الثانية فقد أقيمت في اليوم التالي ونصبتها جماعة الإخوان المسلمين. وبحلول 11 فبراير كانت هناك على الأقل أربع منصات مزودة بمكبرات للصوت. كانت هذه المنصات ضرورية لتوصيل الرسائل وإلقاء الخطابات، وتوجهت منها نداءات حول الأطفال التائهين والأشياء المفقودة، وأيضًا ألقي عبرها الشعر ووصلت منها خطابات هامة إلى الحشود. وشاعت فكرة أن ميدان التحرير هو الثورة، وانعكس ذلك في لافتات عرضت بالميدان، تقول إحداها، وكان يحملها واحد من المتظاهرين: «هذه دولة التحرير، تقوم على العدل والكرامة والحرية واحترام الأخرين. خارج التحرير دولة مبارك، تقوم على الظلم والفساد والاستبداد». ولم يساو المتظاهرون وحدهم بين الثورة والميدان، فقد ساهمت السلطة في إيصال الرسالة نفسها كما سأوضح حالًا.

رد فعل النظام على التحرير

لعل أكثر الأمور إثارة للسخرية، وهو مايفسر جزئيًا كيف ولماذا أصبح احتلال التحرير نمط الفعل المركزي في الثورة، هي استراتيجيات نظام مبارك نفسه. فخلال الخمسة عشر يومًا من الاعتصام، استخدم نظام مبارك استراتيجيات متعددة، كلها لا تستهدف سوى التحرير. توزعت هذه الاستراتيجيات بين استخدام القوة ومحاولة عزل المتظاهرين وشيطنتهم لدفعهم للتفاوض.  لقد تم توثيق أحداث العنف واستخدام القوة جيدًا، وبلغ الأمر ذروته مع موقعة الجمل في 2 فبراير التي أسفرت عن مقتل إحدى عشر شخص وجرح ستمائة آخرين. وكان لاستخدام العنف من قبل مبارك ومؤيديه أثرًا غير مقصود دفع البعض إلى وصف تلك الواقعة –موقعة الجمل– بأنها لحظة التحول التام للرأي العام ضد مبارك ولصالح المتظاهرين.

أما الاستراتيجية الثانية فكانت استخدام وسائل الإعلام الرسمية وبروباجاندا الدولة لعزل المتظاهرين ووصفهم بأنهم أعداء للدولة ولا يعبرون عن مشاعر بقية الشعب. فبالرغم من انتشار الاحتجاجات في كافة أرجاء البلاد، حاول النظام باستمرار تصوير الانتفاضة على أنها تجري فقط في ميدان التحرير للحد من الاضطرابات وتبرير مستوى القمع. وفي اليوم الذي جرت فيه موقعة الجمل أمر رئيس الوزراء الذي عينه مبارك الحكومة أن تعود لممارسة أعمالها بشكل طبيعي بعد عدة أيام من الانقطاع.

وفي الوقت نفسه، استهدف الإعلام الرسمي التحرير ووصف المتظاهرين بأنهم قلة مندسة أو مثيري شغب، ونُشرت صور تظهرهم على أنهم مجموعات من المحرضين على العنف والمراهقين غير المسؤولين. وأجريت لقاءات تليفزيونية عدة لمجموعة كبيرة من مشاهير السياسيين والمثقفين التابعين للنظام للثناء على إصلاحات مبارك أو شيطنة ميدان التحرير. ووُصف المتظاهرون مرارًا بطريقة استهزائية واختزالية على أنهم «العيال اللي في التحرير». وترتبت على تلك الدعاية المفرطة ضد التحرير في سياق الأزمة الثورية مفارقة ساخرة تمثلت في الاعتراف بميدان التحرير على أنه ند للدولة.

كان الاستقطاب السياسي على أوجه في ذلك الوقت، وانقسم المجتمع إلى ثلاثة معسكرات رئيسية، مؤيدي مبارك، ومؤيدي الثورة، بينما سُمي المعسكر الثالث باسم «حزب الكنبة»، في إشارة إلى ذلك القطاع الكبير من المواطنين المترددين حيال المشاركة في الثورة بسبب ماغمرهم من قلق وخوف على استقرار البلاد. لكن هواجس الإعلام أتت بآثار ساخرة ومتناقضة. فإن كان نظام مبارك قويًا ومستقرًا كما يقال، فلم القلق إذًا من مجموعة من المراهقين؟ لقد بنى الإعلام خطابه عن التحرير على أساس تصويره على أنه ثورة معزولة شاذة، مما ساهم دون قصد في تأسيس رمزية الميدان: «الجبهة» التي يجب على الدولة أن تحتويها أو تحطمها.

وقد عززت مواقف الدولة هذه من النظر للتحرير بوصفه مركز الثورة ومضمونها الوحيد. فمثلًا عندما أراد مبارك أن يلقي آخر خطاباته للأمة كرئيس بدأ بالقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الإخوة المواطنون، أتوجه اليوم بخطابي إلى شباب مصر في ميدان التحرير وعبر البلاد».

تراجع نموذج التحرير

لم يتوقف الحراك والاحتجاج في البلاد بعد 11 فبراير 2011، بل على النقيض. إذ تبع تنحي مبارك عددًا كبيرًا من الاحتجاجات، بما في ذلك تلك التي عارضت السلطة في المرحلة الانتقالية، وتلك التي ركزت على ما يعتبره كثير من الدارسين إقصائية وطائفية تبعت وصول محمد مرسي للسلطة. وعلاوة على ذلك، تواصل الحراك في ميدان التحرير على وجه التحديد كاستراتيجية شعبية خلال الفترة الانتقالية. وكان العديد من المعلقين والمتظاهرين يسارعون إلى الادعاء بعودة الثورة بمجرد أن يعود المتظاهرون إلى الميدان.

لقد مال كثير من الدارسين إلى التركيز على الاعتصام في التحرير كمثال ناجح على «المخزون الاحتجاجي» دون استكشاف أسباب تراجع وفشل هذا النموذج فيما بعد. لكن باتريك كوكبرن، وهو صحفي في جريدة الإندبندنت البريطانية ومتخصص في دراسة الشرق الأوسط، قدم نقدًا لمتظاهري المنطقة العربية لما رآه اعتماد زائد عن الحد على «معادلة التحرير» كنمط للفعل بدأ في فقدان جدواه بصورة كبيرة: «في هذا الوقت، اعتقد ثوريو العالم العربي أنهم قد وصلوا للمعادلة الرابحة في مواجهة الدولة القمعية؛ يسيطر المتظاهرون السلميون على ميدان أو مساحة عامة في العاصمة، مثل ميدان التحرير في القاهرة أو دوار اللؤلؤة في البحرين... وحيث يمكن أن تحدث المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين أمام الكاميرات، فيمكن على هذا الأساس رسم سردية بسيطة لشعب سلمي يقاوم نظام استبدادي وحشي».ما يرمي إليه كوكبرن هو أن المشكلة هي أن هذا التكتيك لم يستمرطوال الوقت بنفس القدر من النجاح، ويعود ذلك في جزء منه إلى أنه لم يعد يعني نفس ما عناه في مطلع 2011. ففي الوقت الذي بدأ من طالبوا بسقوط حسني مبارك ينهزمون فيه، تحولت فكرة الاعتصام في التحرير إلى ممارسة روتينية لأي مجموعة غير راضية عن نتائج أي انتخابات.

إن المقارنة التي يعقدها كوكبرن تثير سؤالًا هامًا حول دور التوقيت في فهمنا للمخزون الاحتجاجي: إن نجح شيء ما في وقت ما وفشل في وقت آخر، هل يعد ذلك دليلًا على سوء الفهم أو علـى سوء استخدام الاستراتيجية؟ هل علينا مساءلة الاستراتيجية نفسها أم علينا البحث في سوء التوقيت وعدم الملاءمة؟ هل يمكن أن يفرط المرء في استخدام استراتيجية أو يسيء استخدامها لدرجة تصل بشرعيتها أو فاعليتها للضمور؟

كما ذكرت آنفًا، فإن عدم التفرقة بين الثورة المصرية وبين أحداث ميدان التحرير يشوبه الكثير من الاختزال. في الواقع، وكما قدمت، فإن السيرورة التي تحول فيها الاعتصام إلى نمط مركزي للفعل الثوري كانت عملية معقدة ومدفوعة بعوامل عدة. ومع ذلك، شاع هذا الرأي الاختزالي بين المراقبين، وبين المتظاهرين أنفسهم، ليس فقط خلال أيام الثورة، بل خلال ما سُمي بالمرحلة الانتقالية أيضًا. فإن كان احتلال ميدان التحرير هو أداة الشعب الثورية، فبالتأكيد من الممكن تطبيقه مرات أخرى. وبالفعل كانت هناك عدة محاولات لاستعادة مخيم الاحتجاج في التحرير مدفوعة بالرغبة في إعادة إنتاج مآلات الثورة، لكن تلك المحاولات فشلت.

الاعتصامات في الفترة الانتقالية

أركز في هذا القسم على الفترة بين 12 فبراير 2011، اليوم التالي لتنحي مبارك، و5 ديسمبر 2012، اليوم الذي فُض فيه آخر اعتصام في التحرير، وأناقش أيضًا الحالة العامة للحراك في مصر أو  بالقرب من التحرير في الشهور الستة الأولى من 2013.

يمكننا القول إنه كان ثمة هوس بفكرة احتلال التحرير كنمط مركزي للفعل في الفترة التالية على الإطاحة بمبارك. بالنظر إلى قوة ميدان التحرير الرمزية، التي سبقت الثورة وأتت الثورة لتكثفها، كان من الطبيعي أن تستمر مجموعات كثيرة في المسير إلى هناك والتجمع في الفترة الانتقالية. ومع ذلك، سرعان ما ظهر التنازع على من له الأحقية بالمطالبة بالميدان، لأن الوجود في الميدان أصبح يعني أن المجموعة المحتلة له تمثل روح التحرير وروح الثورة.

بدأت الاحتجاجات بعد 11 فبراير بمجرد أن شعر الناس أن السلطات الانتقالية لم تكن مهتمة حقًا بالإصلاح، لذا واصلت المجموعات العلمانية واليسارية ومجموعات من الشباب الاعتصامات بالميدان. وفي الوقت نفسه، أقامت جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية علاقة أوثق مع المجلس العسكري. وفي سياق هذا الانقسام انتهت كثير من الاحتجاجات بين 12 فبراير و5 ديسمبر بمستويات من العنف، في ظل دعم مؤيدي جماعة الإخوان ومؤيدي المجلس العسكري لإخلاء الميدان. وفي المقابل لم يقم مؤيدو الإخوان بأية محاولة للاعتصام، إلا مرة واحدة عندما احتلوا الميدان ليوم واحد احتجاجًا على التأخر في إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية بانتصار مرشحهم محمد مرسي.

تغير في طبيعة المخزون الاحتجاجي

بعد 11 فبراير، تغيرت طبيعة «اعتصام التحرير» كمخزون احتجاجي، وذلك من حيث الأعداد والتكوين وبعض الآليات اللوجيستية. تفاوتت نسب المشاركة في الاعتصامات بعد الثورة، لكن الأكيد أن الأعداد انحسرت في معظم الحالات إلى حدود المائتي شخص. كنت تجد خيامًا مبعثرة، لا يزيد عددها عادة عن عشرين. ففي مارس وأبريل ويوليو 2011، وفي نوفمبر وديسمبر 2012، وقعت اعتصامات كبيرة. لكن حتى في تلك الحالات، تراجعت الأعداد تراجعًا كبيرًا مقارنة بمائتي ألف شخص كانوا يبيتون ليلًا في ذروة أيام الثورة الثمانية عشرة.

لم يقل عدد المتظاهرين فقط، بل زاد تجانسهم. إذ كانوا في الأغلب من شباب اليساريين. وهناك صلة بين التجانس وقلة العدد. فاعتصام التحرير الذي أدى إلى إسقاط مبارك كان مدينًا بحجمه للائتلاف الواسع الذي تضمن مشاركين من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن كل طبقات المجتمع. لكن بعد ذلك، لم يبق إلا القليل من الشباب الراديكاليين مهتمين بمحاولة إعادة الاعتصام في الميدان، بينما تساءل الآخرون عما إذا كان الاعتصام هو الوسيلة المثلى للنضال، لا سيما في ظل العداء الشديد من النظام وردود الفعل السلبية من وسائل الإعلام والجمهور الذي لا يريد سوى العودة إلى حياته الطبيعية.

كذلك، فإن من ضمن المشاكل الكبرى التي واجهتها اعتصامات ما بعد 11 فبراير تشويه «اعتصام التحرير» كمخزون احتجاجي مركزي. إذ تعرضت الاعتصامات للاختراق مع زيادة قدرة النظام على التسلل إلى المخيمات، وهو ما بات أمرًا معروفًا على نطاق واسع.

أيضًا اختلفت العلاقة بين المخزونات الاحتجاجية في الفترة الانتقالية. فكما ذكرت آنفًا، كانت العلاقة بين المسيرات والاعتصامات علاقة حيوية خلال الثمانية عشر يومًا. غذت المسيرات الاعتصام، حرفيًا ورمزيًا، وأمدته بالمتظاهرين والطعام والدعم. أما في الفترة الانتقالية فحدث العكس. كانت المسيرات متشظية زمنيًا، وتحدث أحيانًا مرة واحدة في الشهر، وكانت تظهر عداءً في بعض الأحيان لفكرة الاعتصام في التحرير.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الانقسام حالة مسيرتين تم تنظيم أولاهما في 22 يوليو 2011، وجاءت الثانية بعدها بأسبوع في 29 يوليو 2011. قادت الأولى مجموعات علمانية وليبرالية ويسارية، وطالبت بكتابة دستور جديد قبل كل شيء. أما الثانية فقام بها الإسلاميون الأكثر تنظيمًا وجماهيرية، وكانت تطالب بانتخابات برلمانية فورية. وعلى الرغم من أنني لن أناقش التفاصيل هنا، فإن وجهة نظري هي أن كلا التجمعين نُظموا بشكل منفصل عن المخيم الذي تم إنشاؤه بالفعل في التحرير من قبل شباب راديكاليين في 8 يوليو بعد مسيرة مختلفة. وبحلول وقت مسيرة الإسلاميين في 29 يوليو أعرب المعتصمون في المخيم عن قلقهم من أن الإسلاميين ربما يحاولون أخذ مكانهم في الميدان. وفي الوقت نفسه، سخر الشباب الراديكالي من الإسلاميين لسياستهم الانتهازية ولأنهم لم يكونوا مستعدين حقًا للدفاع عن الاعتصام لمدة أطول أو للضغط على السلطات. واخترع بعض المتظاهرين العلمانيين شعارًا ساخرًا، «ثورة حتى العصر»، في إشارة إلى أن الثورة بالنسبة للإسلاميين لا تدوم سوى ساعات قليلة.

التغييرات في السياق

كان على مخيمات الاحتجاج في الفترة الانتقالية مواجهة مزيج أكثر إشكالية من العنف والضعف. وكما ذُكر أعلاه، فإن جميع هذه الاعتصامات تقريبًا انتهت بإخلاء قسري من جانب قوات الأمن. إذ كانت الخيام تُهدم، ويتم إلقاء القبض على عدد من الأشخاص، مع استخدام الذخيرة الحية في بعض الأحيان. لم يكن العنف بأي حال من الأحوال أمرًا جديدًا. كان هناك عنف أثناء الثورة، بطبيعة الحال، لا سيما خلال الأيام الأولى للاعتصام. لكن النظام أدرك أن المخيمات التي جاءت بعد الثورة كانت أكثر ضعفًا بسبب انخفاض أعداد المشاركين فيها ونقص دعمها الشعبي. لذا ازدادت التدابير القمعية، وبدا كما لو أنها مصممة لاختبار تضامن الجمهور الأوسع مع المعتصمين.

فبعد اعتصام مارس، على سبيل المثال، تعرض بعض النشطاء للتعذيب في المتحف المصري، وأجرت السلطات اختبارات كشف عذرية قسرية على المتظاهرات. أما اعتصام يوليو الذي انتهى في 1 أغسطس 2011، فقد شهد عمليات اعتقال جماعية واستخدام مفرط للعنف ضد الناشطين. ففي 3 أغسطس أفادت صحيفة اليوم السابع أنه قد تم الإفراج عن أكثر من مائة متظاهر كانوا محتجزين منذ اليوم الأول في شهر يوليو.

تعرضت مخيمات الاعتصامات خلال الفترة الانتقالية لهجوم مستمر، وخاصة في الليل - وليس فقط من قبل القوات الرسمية. ففي اليوم السابق على فض اعتصام مارس، على سبيل المثال، هاجم خمسمائة شخص، وصفتهم صحيفة «المصري اليوم» بـ«البلطجية»، المخيم مسلحين بالحجارة والعصي. ووفقًا للروايات، لم يكن هؤلاء مجرد بلطجية، بل كانوا من «المواطنين الشرفاء»، وهو وصف ذاع في الفترة الانتقالية وأقرته وسائل الإعلام واستنكره المتظاهرون، يُشير إلى مؤيدي السلطة، وبعضهم من رجالها. وقد ميزت هذه المجموعة نفسها عن الثورة في 13 فبراير 2011 (بعد يومين من إطاحة مبارك) من خلال اختراع شعار «الشعب يريد إخلاء الميدان»، كنقيض لشعار «الشعب يريد إسقاط هذا النظام» المميز للثورة. وقد استفادت ظاهرة «المواطنين الشرفاء» من العداء الشعبي المتزايد لمخيمات الاحتجاج. وفي الوقت نفسه، أصبحت التغطية الإعلامية سلبية جدًا. فالجمهور يستجدي الاستقرار، والطبقة الوسطى، التي كانت محورية في دعمها للثورة، بدأت تقاوم أي تغييرات جذرية.

من المهم هنا التأكيد على أهمية المناخ السياسي خلال تلك الفترة، وبشكل أكثر تحديدًا مسألة انهيار الائتلاف الثوري. يذكّرنا جاك جولدستون بأن الوحدة الثورية كثيرًا ما تكون قصيرة الأجل، وغالبًا ما تتعرض للتفكك بعد«نشوة قصيرة تعقب سقوط النظام القديم». ويشير جولدستون أيضًا إلى أنه عندما تتفكك التحالفات الثورية بعد الثورة، يمكن لهذا التفكك أن يتخذ أشكالًا مختلفة، بما في ذلك «المعارضة البناءة، العجز، أو الاستقطاب».

ما حدث في مصر يمكن أن نقول إنه كان مزيجًا من العجز والاستقطاب، بدرجات متفاوتة وفي لحظات مختلفة. أثر العجز والاستقطاب في عامي 2011 و2012 على الحراك، مفككًا إياه إلى مجموعات تتنافس على من يمكنه المطالبة بالميدان، وكيف يمكن استخدام الميدان كفضاء ورمز ثوري.

العلاقة بين المخزون الاحتجاجي والنظام في الفترة الانتقالية

أخيرًا، أنتقل إلى تغير علاقة نظام الحكم بالمخزون الاحتجاجي من وقت الثورة إلى سياق ما بعد الثورة. ففي حين كان النظام خلال الأيام الثمانية عشرة في أزمة وغير قادر على السيطرة على الوضع، ركزت الدولة في فترة ما بعد الاعتصام الكبير على لم شتاتها وتقوية نفسها. وفقًا لتشارلز تيلي، يعتبر عجز الدولة عن استخدام جهازها القسري سمة حاسمة في المواقف الثورية. فبحلول نهاية يناير 2011، فقد نظام مبارك السيطرة على التحرير، ولم يكن أمامه خيار سوى التسامح مع مخيم الاحتجاج، إلى درجة التعامل معه ككيان يتعين على الدولة أن تتفاوض معه. كانت الدولة في حالة دفاعية، إذا جاز التعبير.

لكن بعد الإطاحة بمبارك، أعادت الدولة تنظيم جهازها الأمني. وفي هذا السياق ألقي القبض على عدد متزايد من المدنيين وقدموا لمحاكمات عسكرية. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة «مراقبة حقوق الإنسان»، في عام 2011، واجه حوالي 12،000 مدني، بعضهم من المراهقين والأطفال، محاكمات عسكرية أخفقت في توفير الحقوق الأساسية للمحاكمة المدنية. وقد تجاوز هذا العدد عدد المحاكمات العسكرية للمدنيين خلال ثلاثين عامًا من حكم مبارك مجتمعة.

إذًا، فقد أصبحت الدولة في موقع الهجوم، وسعت بشكل أساسي إلى تجريم احتلال التحرير. مرة أخرى، كان هذا التحول اختلافًا أساسيًا عن فترة الثورة. خلال الثورة، كانت قوات الأمن موجودة في الساحة، ولكن معظمها على الهامش، وخاصة بعد موقعة الجمل سيئة السمعة. أما في الفترة الانتقالية، كانت قوات الأمن أكثر فعالية في التسلل إلى محاولات الاعتصام، وكان هناك المزيد والمزيد من البلطجية و«المواطنين الشرفاء» الذين ينافسون المتظاهرين في السيطرة على الميدان. وبصورة إجمالية، أصبحت محاولات التخييم في التحرير خلال هذه الفترة تجربة مرهقة للمشاركين في المخيمات، والمشاركة غالبًا ما تكون باهظة التكلفة. وفي إطار قمع الدولة الممتزج بالعنف والعدائية من قبل الجمهور العادي، بالإضافة إلى تفكك مجموعات الشباب الثوري الذين كانوا متحدين ثم تحولوا إلى شظايا يملؤها الشك، تحول الميدان الذي كان يومًا ما مساحة مثالية إلى ديستوبيا.

يمكن تكرار المخزون الاحتجاجي، لكن لا يمكن إحياء معانيه

في البداية، كان احتلال التحرير رمزًا للمُثل الثورية والاتحاد والتسامح بين الثقافات والتوجهات. لكنه في نهاية الفترة الانتقاليةأصبح يمثل التشظي، والبلطجة، والتوق إلى ثورة مفقودة. فالشباب الثوري الراديكالي الذين دفعهم في البدء التزام حقيقي بالمبادئ أصبح يجمعهم الآن شعور بالإلزام. العديد من الشباب الثوري الذين تحدثوا في البدايات عن التحرير بشكل مغمور بالنشوة، أضحوا في صيف عام 2015 متشككين في جدوى الاعتصامات كنمط للفعل.

وكما أن سلطة مخيم التحرير كمركز للفعل الثوري لا يمكن تفسيرها فقط من خلال قوة صورة التحرير أو تعريف المتظاهرين للمخيم على أنه الثورة نفسها، وإنما كذلك بتقصّي السياق الثوري الأكبر، ورد فعل النظام، وأفعال المتظاهرين، فإن تراجع أهمية وفاعلية المخيم، بالمثل، لا يمكن تفسيرها ببساطة من خلال محاولات المتظاهرين الفاشلة لإعادة انتاج الاعتصام وإحياء الثورة. إذ يعد التحليل الزمني للمخزونات الاحتجاجية عنصرًا حاسمًا في توفير فهم أكمل لصعود المخيم وأفوله.

فلقد استندت المحاولات المتكررة للاعتصام في التحرير خلال الفترة الانتقالية إلى النجاحات السابقة خلال أيام يناير-فبراير 2011 المجيدة. ولكن تكريم الثورة بالعودة إلى مواقعها شيء، وأن نتوقع أن تنجح المخزونات الاحتجاجية، بعد تبخر العوامل الأصلية التي ساهمت في نجاحها، شيء آخر. إن مجرد التكرار لا يضفي النجاح على المخزون الاحتجاجي. باختصار، إذا اتفقنا على أن كل ممارسة في مخزون معين تتضمن علاقة محددة بين المطالب والعلاقات والسياق والمعنى، فإن تكرار المخزون الاحتجاجي بدون هذه الشروط لن يؤدي إلى إحياء ارتباطه بالسياق وبالمعنى بأي حال.