عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

وائل جمال

عشر سنوات من الكساد

2018.01.01

عشر سنوات من الكساد

في مقدمة تقرير آفاق الاقتصاد العالمي World Economic Outlook في أكتوبر الماضي، اعتبر صندوق النقد الدولي أن هناك انتعاشًا اقتصاديًّا عالميًّا قد بدأ منذ منتصف 2016، ولا يزال يكتسب قوة متزايدة، وأن الصورة مختلفة للغاية عما سبق تلك اللحظة «مع تسارع النمو في أوروبا واليابان والصين والولايات المتحدة».

أكد الصندوق أن هذه التطورات الإيجابية باعثة على مزيد من الثقة، مضيفًا أنه «كما يبدو أن الأسواق المالية تتوقع القليل من الاضطرابات في الفترة القادمة، بينما يواصل الاحتياطي الفيدرالي [أي: البنك المركزي الأمريكي] استعادة الأوضاع النقدية العادية ويسير البنك المركزي الأوروبي بخطوات وئيدة في الاتجاه نفسه».

غير أن الصندوق الذي عاد ورفع توقعات النمو العالمية في يناير الماضي، لم يفته أن يحذر صناع السياسات والأسواق من الركون والتراخي، محذرًا من أن «النظرة المدققة تشير إلى احتمال أن يكون التعافي العالمي غير قابل للاستمرار-فالبلدان ليست جميعًا مشاركة فيه، والتضخم لا يزال في الغالب أدنى من المستوى المستهدف مع ضعف نمو الأجور، والآفاق متوسطة الأجل لا تزال مخيبة للآمال في كثير من أنحاء العالم. ونجد أيضًا أن هناك مخاطر كبيرة تهدد التعافي الجاري. ومن ثم فإن الأسواق المالية التي تتجاهلها تتعرض لعمليات إعادة تسعير مربكة، وتبعث برسائل مضللة لصناع السياسات. وصناع السياسات، بدورهم، عليهم الاحتفاظ برؤية أطول أجلاً، واغتنام الفرصة السانحة لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية والمالية اللازمة بغية تعزيز الصلابة ورفع الإنتاجية والاستثمار. ويعتبر احتمال ألا يسلكوا هذا المسلك -إذ أن الحكومات كثيرًا ما تنتظر حتى تدفعها الأزمات إلى اتخاذ إجراء حاسم- هو نفسه مصدر للمخاطر التي تهدد آفاق الاقتصاد، وعائق أمام تحقيق نمو أكثر احتوائية وقابلية للاستمرار».

ثم جاء فبراير ليخيب ظن الصندوق في توقع استقرار الأسواق المالية حتى في المدى القصير، بعد أن حققت في السادس من فبراير أعلى خسائرها في يوم واحد منذ منتصف 2007، أي منذ بوادر الأزمة العالمية، لتذكّر الجميع أن التعافي المذكور لم يقترب بأي درجة من نشاط ما قبل الأزمة، ولتقول للكل إن العالم لا يزال يعيش عصر الأزمة الاقتصادية العالمية في عامها العاشر أو يزيد.

مسار زلزالي

يعتبر كثيرون التاسع من أغسطس من عام 2007، هو الحد الفاصل بين الأزمة المالية العالمية وما قبلها. حيث جمّد بنك بي إن بي باريبا يومها ثلاثة من صناديقه بسبب عدم قدرته على تقييم استثماراتها في سوق أوراق الرهن العقاري في الولايات المتحدة، في إشارة أولى إلى الزلزال القادم ومركزه. ثم تصاعدت الأحداث: انهار بنك نورثرن روك البريطاني في سبتمبر ليصبح أول بنك بريطاني يفلس في قرن ونصف، وفي يناير 2008، تم الإعلان عن أن العام المنتهي شهد أكبر تراجع في المبيعات في سوق المنازل الأمريكي منذ ربع قرن، ثم أممت الحكومة البريطانية نورثرن روك بعد فشل عملية الاستحواذ عليه من القطاع الخاص. وفي مارس انهار بنك الاستثمار الأمريكي بير ستيرنز واشتراه جي بي مورجان، وفي سبتمبر تدخلت الحكومة الأمريكية لإنقاذ شركتي التأمين العملاقتين فريدي ماك وفاني ماي، ثم في منتصف الشهر أعلن ليمان برازرز إفلاسه بسبب استثماراته في سوق الرهن العقاري، ليعم الذعر الأسواق العالمية، وتمتد الشرارة من سوق الرهن العقاري الأمريكية إلى أيرلندا ثم أيسلندا، وتشهد الأسواق العالمية في أكتوبر 2008 أسوأ أسبوع لها في تاريخها.

ما كان يُنظر إليه على أنه أزمة أمريكية محدودة في سوق المشتقات derivatives الخاص بقطاع الإسكان، تحول ليصبح أزمة اقتصادية ومالية عالمية. وامتد الزلزال من الأسواق والقطاع المالي إلى الاقتصاد الحقيقي، ثم إلى الديون السيادية، ليهدد بسقوط دول في دائرة الإفلاس، هذه المرة ليس في أمريكا اللاتينية أو آسيا وإنما في أوروبا ذاتها، بما يشمل إسبانيا والبرتغال واليونان.

ومع تجاوز حالة الانهيار الكامل أصبح الحديث أن: الأسوأ مر لكن شبح الأزمة يعاود الظهور فيما يسمى الهبوط المزدوج أو حتى ثلاثي القاع double and triple dip. فها هي بريطانيا تمر بأزمتي ركود وتراجع في ناتجها المحلي مرة أخرى في 2010 - 2011، ثم عاود الركود والانكماش الإطلال في نهاية 2012 وفلت منه الاقتصاد الإنجليزي بأعجوبة. وها هو الاتحاد الأوروبي يعاني هبوطًا مزدوجًا في نهاية 2012، بعد أن انكمش الناتج المحلي فيه للربع الثالث على التوالي في نوفمبر 2012، ويشمل الانكماش دولاً كهولندا إلى جانب دول الجنوب الأوروبي.

ثم يستمر النمو الاقتصادي الضعيف المصحوب بتراجع في التدفقات الاستثمارية وضعف التشغيل وتراجع التجارة العالمية إلى الحد الذي بدأت عنده دوائر اقتصادية هامة منذ 2015 في تبني نظرية «الركود المزمن» secular stagnation، التي أعاد طرحها وزير الخزانة الأمريكي الأسبق لاري سامرز، والقائلة إن ما يمر به الاقتصاد العالمي ليس عرضًا من أعراض الدورات الاقتصادية المتعارف عليها بين انكماش وازدهار، وإنما حالة ممتدة مزمنة من التباطؤ وضعف الاستثمارات الجديدة. وها هو صندوق النقد وها هي الأسواق العالمية تعيد تذكيرنا ونحن نتجاوز العقد الأول على الأزمة بأنها لا تزال معنا.

بل إن أصواتًا عديدة ما زالت تحذر من أزمة حادة جديدة، من بينهم الاقتصادي الأسترالي ستيف كين، الذي يربط بين أزمة 2007 - 2008 وبين تصاعد الدين، وهذه المرة هو يتحدث عن الدين الخاص. ففي كتاب له صدر العام الماضي بعنوان «هل يمكننا تجنب أزمة مالية جديدة؟»، يجيب كين عن السؤال بأن ذلك ممكن بقدر تجنب الكلاب للبراغيث، أي أن المسألة مجرد وقت قبل اندلاع الأزمة مرة أخرى، مستشهدًا بعودة معدلات الدين الخاص للتفاقم الحاد، ومستشهدًا بقصور نماذج الاقتصاد الكلي المعتمدة عن تفسير الواقع والتعامل معه.

بالطبع، كان تفسير الأزمة، وبالتالي معناها وطرق التعامل مع نتائجها، محلاً لنقاش وخلافات وتناقضات عميقة، بين من اكتفوا بإدانة موظفي وقيادات البنوك الكبرى والمستثمرين الماليين، ومن أدانوا البنوك المركزية والحكومات وسياساتها كسبب للأزمة ثم كسبب لأزمات الديون السيادية، ومن رأوا عيوبًا في النظام لا يحلها إلا تدخل الدولة على الطريقة الكينزية بضخ الاستثمارات الحكومية، وحتى من رأوا أن المشكلة هي تدخل الدولة من حيث المبدأ. لكن بمرور الوقت بدأ يتضح أكثر وأكثر، حتى في دوائر التيارات الرئيسية المهيمنة من داخل الرأسمالية ومفكريها، أن هناك عيبًا مركزيًّا في النظام الاقتصادي، وربما في رأسمالية القرن الحادي والعشرين كلها.

لكن في الحقيقة، فإن المسافة بين إعمال التفكير في دوائر مفكري الرأسمالية الكبار وبين السياسة الاقتصادية ظلت كبيرة جدًا. فبعد الفاصل القصير من سياسات التأميم وتدخل الدولة بضخ المليارات في حزم الإنقاذ، استمرت السياسة النيوليبرالية بكامل قوتها وزخمها، متجسدة في إعلاء التقشف وانسحاب الدولة والخصخصة متى كان لذلك سبيل، وكان تدخل مؤسسات الترويكا (صندوق النقد والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي) في اليونان دليلاً على هذا النزوع الذي لا يبالي إلا بإخضاع اليونان لمصالح وأرباح الدائنين.

وقد يبدو ذلك أمرًا غير مفهوم إلا إذا وضعت الأزمة في سياق المحرك الرئيسي للاستثمار في ظل الرأسمالية: الأرباح. يقول الاقتصادي الماركسي مايكل روبرتس في كتابه «الكساد الطويل»، الصادر في عام 2016، إن ربحية رأس المال الأمريكي وصلت إلى ذروتها في عام 1997 بفعل تعميق استغلال العمل والهجمة النيوليبرالية التي وسعت هوامش أرباح الشركات الكبرى، ثم بدأت في التراجع مفجرة أزمة الدوت كوم عام 2000، وإن تعافي الربحية الذي أعقب الأزمة ظل عند أقل من معدلات 1997، واستأثرت به شركات قليلة في قمة الرأسمالية الأمريكية، في القطاع المالي تحديدًا.

وفي تحليل لتوقعات 2018 على مدونته، يقول روبرتس إن معدلات الربحية في الاقتصاد الأمريكي، التي توقفت قليلًا عن التراجع في منتصف 2016، بعد عودة للهبوط الحاد العام السابق، وعادت للارتفاع قليلاً في 2017 بفعل أرباح القطاع المالي، ما تزال أدنى من مستوياتها في 2014، ناهيك عن ذروتها في 1997. ويتوقع روبرتس أن يؤدي ذلك لتراجع في الاستثمار في 2018. ولا تخرج أوروبا عن الاتجاه العام. فالتحسن في معدل النمو لم يعكس نفسه كما في معدلات الربحية في 2017. وتظل اليابان هي الرأسمالية الوحيدة التي تمتلك معدل ربحية يفوق ما كان في 2006، قبل الأزمة. الركود المزمن يظل معنا إذن في 2018.

ماذا فعلت الأزمة في العالم؟

تقول جريدة الفاينانشيال تايمز البريطانية في ملف أعد بمناسبة عشر أعوام على الأزمة، إنها، أي الأزمة، أعادت تشكيل الاقتصادات والأسواق المالية والسياسة، وحتى الثقافة، مستخلصةً أنها شأن لم ينته بعد.

وفي الحقيقة، فإن الأزمة خلّفَت تبعات عميقة فيما يخص الفكر الاقتصادي والأوضاع الاجتماعية، بل والسياسة العالمية ومستقبل الديمقراطية. بل إن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة أصدر مؤخرًا دراسة بشأن استخدام معدلات الخصوبة كمؤشر على احتمالات الركود في الاقتصاد، مشيرًا إلى أن التراجع في حمل النساء بمواليد جدد يدل على احتمالات الركود، ربما أكثر من المؤشرات الاقتصادية التقليدية. ويقول القائمون على الدراسة إن الأسر تتردد في إنجاب أطفال، إذا لم تكن واثقة من استمرار تحسن الأوضاع الاقتصادية.

وفي مواجهة فشل الفكر الاقتصادي ونماذجه الكمية في فهم وتفسير والتنبؤ بتطورات الأسواق، بدأت حركة مراجعة، تسللت رويدًا رويدًا إلى التيارات السائدة، بل وحتى إلى أدبيات الأقسام البحثية بالمؤسسات الرأسمالية المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، نقول بدأت دعوات لإعادة النظر في علم الاقتصاد وطرق تدريسه، وفي كفاءة الأسواق، ولضرورة إعادة هيكلة الأنظمة الضريبية، ومجابهة اللا مساواة التي عمقت الأزمة منها عالميًّا لتكشف بوضوح انحيازات النظام الاقتصادي القائم.

فقد تفاقمت اللا مساواة عالميًّا في الدخل وفي الثروة، كاشفةً عمّن تم تحميله عواقب الأزمة: الأغلبية التي لم تكن مسؤولة بأي حال عن مآلات الأمور. وفجّر صدور كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، في منتصف 2014، النقاش العالمي حول اللا مساواة، التي نُظر إليها من قبل دوائر متنامية في التيارات المهيمنة كخطر صار يهدد استمرار النظام. إلا أن هذا النقاش الذي ظل يتسع يومًا بعد يوم لم يوقف الماكينة الهائلة التي تخلق اللامساواة والتفاوتات الطبقية.

يقول تقرير اللا مساواة في العالم 2018، إن التفاوتات بين الدخول نمت في العقود الأخيرة في كل الدول تقريبًا، بالذات في أمريكا الشمالية والصين والهند وروسيا، وبسرعة أقل في أوروبا. تقول الإحصاءات الأوروبية إن هناك 117 مليون شخص يعيشون في الاتحاد الأوروبي، بالذات في جنوبه، معرضون للسقوط في دوائر الفقر بسبب الأزمة، بينما تصل نسب الفقراء في ألمانيا وفرنسا إلى 20 % من السكان. ويضيف التقرير أنه في عام 2016، كان العشرة في المئة الأعلى دخلاً يحصلون على 37 % من الدخل القومي في أوروبا، و41 % في الصين، و46 % في روسيا، و47 % في الولايات المتحدة وكندا، و55 % في الشرق الأوسط، المنطقة الأعلى لا مساواة في العالم. أما الواحد في المئة الأغنى، فقد حاز ضعف النمو الذي حازه نصف السكان الأفقر من الدخل عالميًّا، والذي ظل نصيبه عند 9 % من الدخل العالمي. حصل الواحد في المئة الأغنى على 12 % من الدخل في أوروبا مقابل 02 % في الولايات المتحدة مقابل 10 % و11 % في عام 1980.

ويرصد أحدث تقارير منظمة أوكسفام تفاقم التفاوت في الثروة عالميًّا للحد الذي صار فيه الواحد في المئة الأغنى يمتلكون وحدهم 82 % من ثروة العالم، بينما لم يشهد نصيب نصف العالم الأفقر زيادة تذكر، بينما تتدفق الثروات في جيوب الأغنياء. بل إن 8 أشخاص يمتلكون ثروة تفوق نصف البشرية. والفجوة في تزايد.

وفقًا لأوكسفام، فإن ثروات المليارديرات زادت من عام 2010 بمعدل سنوي متوسط 13 %، أي ست أضعاف أجور العمال العاديين، بينما زاد عدد أصحاب المليارات بشكل غير مسبوق بين مارس 2016 ومارس 2017 بمعدل ملياردير جديد كل يومين.

وعلى العكس من الفكرة السائدة بأن الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة تتراجع، فإن تقديرات أخرى تقول إنه باستبعاد الاستثناء الصيني فإن النظام المالي والتجاري وتقسيم الإنتاج العالمي لا يزال ينزح الثروات من الدول الفقيرة، متسببًا في اتساع الفجوة

وبينما تتفاقم التفاوتات باستمرار ما تفعله النظم السياسية الرأسمالية على الأرض، في تناقض مباشر مع  المراجعات في أروقة الأكاديميين وأقسام البحوث في المؤسسات الدولية، تفاقمت أزمة الحكم عالميًّا بعد أن فاجأ الناخبون المحبطون العالم عدة مرات، كان على رأسها التصويت للانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكزيت)، وانتخاب دونالد ترامب رئيسًا في الولايات المتحدة، في إشارة لتيار متصاعد من اليمين الشعبوي، الذي انتهز الفرصة لتطبيق سياسات أعمق على المقياس النيوليبرالي، من تخفيض للضرائب على الأغنياء وتقليص للإنفاق على البرامج الاجتماعية إلى آخره. ولم تكن هذه الظاهرة حكرًا على أوروبا وأمريكا، بل شهدنا تجسدات لها في آسيا وأمريكا اللاتينية، بل وفي مصر. وفي المقابل بدأت شواهد مقاومة جنينية تحاول تمثيل المصالح الأوسع من داخل النظام الانتخابي، كبيرني ساندرز في الولايات المتحدة وجيريمي كوربن في حزب العمال البريطاني، وتجربة سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا. لكن هذه التجارب، وإن عكست تبلور مناخ راديكالي يتوسع في أوساط بعض الشرائح الاجتماعية، إلا أنها فشلت حتى الآن في تحدي المصالح المهيمنة. وكانت تجربة صعود وهبوط سيريزا في اليونان وتنازلها عن المباديء الأساسية التي جاءت بها للسلطة، مثالاً على طبيعة المواجهة التي يجلبها مثل هذا التحدي.

ويمكن اعتبار صعود اليمين من ناحية وتصاعد مناخ مقاوم من ناحية أخرى تجسيدًا لسيناريوهين في التعامل مع الأزمة. الأول هو تعميق الهجمة الشرسة على مستويات معيشة الأغلبية وتحميل القطاعات الأضعف أكبر عبء بما فيها المهاجرون، من أجل إنعاش الأرباح. والثاني، محاولة عقلنة الرأسمالية العالمية برد هجمتها الأشرس واستعادة التوازن الاجتماعي بتوسيع تمثيل المصالح في العملية السياسية.

لطالما سخر الاقتصاديون الماركسيون من أنفسهم، بسبب أنهم في العادة يعتبرون كل أزمة هي الأزمة الأخيرة للرأسمالية. لكن الأزمة الأخيرة في الحقيقة تتسم بأنها تمثل تداخلًا للهبوط في دورات اقتصادية مختلفة: الدورة الأولى، هي الدورة الدورية (كل 8-6 سنوات) بين صعود وازدهار وهبوط، مع الوضع في الاعتبار أن هذه الدورة لم تشهد تعميمًا عالميًّا منذ ازدهار ما بعد الحرب العالمية، حيث ظلت فورة الازدهار دومًا حكرًا على مراكز محددة. أما الدورة الثانية، فهي دورة الربحية (16 - 18 عامًا)، أما الثالثة فهي قصيرة الأجل، والتي اصطلح على تسميتها بدورة كتشن (4 - 6سنوات) والدورة الرابعة وهي الأطول أمدًا (54 - 72 عامًا)، والمعروفة باسم دورة كوندراتييف، والتي تربط الصعود بالقدرة على الابتكار الذي ينعش هوامش الأرباح. الأزمة الأخيرة هي قاع كل هذه الدورات معًا. لذلك فالخروج منها صعب دون تحدي الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الرأسمالي في جوهره.

وفي الحقيقة فإن الحديث عمّا بعد الرأسمالية، لم يعد قاصرًا بأي حال على الماركسيين أو الأناركيين، فقد امتدت الفكرة لقطاعات واسعة من الاقتصاديين من داخل النظام، أجبرتهم الأزمة، ومعها تطورات أزمة المناخ العالمية، على محاولة البحث عن حلول أو بدائل تتخطى الرأسمالية ذاتها، مع فشلها إلى الآن في استعادة الحيوية لمحركها الأساسي: معدلات الربحية.

ماذا يعني كل ذلك بالنسبة للرأسمالية المصرية؟

بينما أعلنت الحكومة المصرية في نهاية فبراير الماضي تراجع عدد المواليد في مصر خلال العام الماضي، يرصد تقرير اللا مساواة في العالم أن الـ10 % الأغنى من المصريين استحوذوا على 48.5 % من الدخل بينما فاق ما حصل عليه أغنى 1 % ما حصل عليه نصف المصريين الأفقر، فحصل أغنى أغنياء مصر على 19.1 % من الدخل مقارنة بخمسين مليون مصري تقريبًا حصلوا على 18.2 % من الدخل فقط في 2015.

أما في الثروة، فمصر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في اللا مساواة في الثروة وفق معهد أبحاث كريديه سويس، وهي من بين أعلى تسع دول تنمو فيها اللا مساواة في الثروة بمعدل سريع للغاية. ولقد ارتفعت حصة الفئة العشرية السكانية الأعلى من إجمالي الثروة من 61 %‏ في سنة 2000، إلى 73.3 %‏ من إجمالي الثروة في 2014. وتقول آخر أرقام كريديه سويس إن عدة آلاف من المصريين امتلكوا في 2017 ما يصل إلى 158 مليار دولار،  أي 2.8 تريليون جنيه مصري.

هذا التزايد المستمر في التفاوتات بين الأغنياء والفقراء كان يحدث حتى قبل سياسات التعويم وخفض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة. وهو بالتالي مرشح للزيادة السريعة، مما يضع مصرفي مقدمة الدول التي عانى سكانها الأفقر ويعانون من وطأة الأزمة وسياسات معالجتها، خصوصًا في ظل انتماء هذه السياسات للسيناريو الأول، الذي يحاول بكل ما في وسعه إنعاش معدلات ربحية القطاعات الرأسمالية المهيمنة بغض النظر عن الثمن المدفوع.

لكن إعادة إنتاج النيوليبرالية المصرية، التي نجحت لوهلة بين 2005 و2007 في إنعاش معدلات الربحية وفي دفع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى حدود الـ7 %، تصطدم بالحدود التي يفرضها الركود العالمي المزمن. ولم يكن من قبيل المصادفة أبدًا أن تراجع معدلات النمو الاقتصادي في مصر ونشاط بورصتها وتباطؤ معدلات التراكم الرأسمالي فيها لم يبدأ مع ثورة يناير في 2011، كما يحلو القول للبعض، وإنما في الحقيقة منذ 2008، عندما بدأت الأزمة المالية العالمية في الكشف عن نفسها كأزمة اقتصادية عالمية معممة.

ربما نجحت الرأسمالية المصرية في اجتذاب استثمارات قصيرة الأجل في الدين، لأسباب كثيرة بعضها سياسي أحيانًا، لكن إنعاش التراكم عبر دفع الصادرات وجذب استثمار أجنبي يبقى في عداد المستحيل في ظل الأوضاع العالمية، التي تتراجع فيها الشهية للاستثمار عمومًا، وفي مراكز التراكم الرأسمالي العالمي المستقرة.

ولقد كانت توسعات قناة السويس دليلاً مباشرًا على تلك القيود. حيث قضى تراجع التجارة الدولية على أي أثر إيجابي محتمل في زيادة عوائد رسوم العبور في القناة. وفي السياق ذاته، فإن الأزمة الطاحنة التي تمر بها رأسماليات الخليج، المندمجة أكثر فأكثر في ماكينة التراكم العالمية، تضع ضغطًا إضافيًّا على الرأسمالية المصرية، التي صارت تسير مسير اليمين العالمي المتطرف غير المبالي بتفجر الموقف برمته، وتعمل يومًا بعد يوم على تصعيد معدلات استغلال المصريين لمستوياته القصوى. يتوقف الأمر على ما إذا كان المصريون سيسمحون بذلك أم لا.