عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

سارة مُكني

8 مارس: يوم المرأة العالمي.. حين أشعلت العاملات شرارة الثورة

2026.03.07

كلارا زيتكن مقدمة فكرة اليوم العالمي للمرأة

8 مارس: يوم المرأة العالمي.. حين أشعلت العاملات شرارة الثورة

 

نحتفل اليوم باليوم العالمي للنضال من أجل حقوق المرأة، فهو ليس اليوم العالمي للمرأة لمجرد الاحتفال بالجنس الأنثوي ودوره التقليدي كأمٍّ وزوجةٍ وعاملةٍ على هذه الأرض، بل هو يوم عالمي للنضال من أجل حقوق المرأة.
وإذا كان يوم 8 مارس لا يزال يُحتفَل به حتى اليوم، فلأنَّه أُطلِق بمبادرةٍ من النسويات الاشتراكيات في المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات، بقيادة الناشطة الشيوعية، الألمانية كلارا زيتكين، في إطار معارضة جذرية للنظام الرأسمالي الحربي. وقد نشأ هذا اليوم من نضال النساء الاشتراكيات المناهِضات للإمبريالية، اللواتي عارضن بشدة الحرب العالمية الأولى في أوروبا، تلك الحرب التي كانت بمثابة مذبحة للطبقة العاملة في العالم بأسره.
ويرمز هذا اليوم أيضًا إلى اندلاع الثورة الروسية عام 1917 على يد عاملات ضواحي «فيبورغ»، وهو الحدث الذي مهَّد الطريق للأحداث التي أدت لاحقًا إلى الاستيلاء على قصر الشتاء في بتروغراد، حيث كان يقيم القيصر. وبعد ثمانية أشهر من اندلاع هذه الحركة الثورية، أُنشئت الدولة السوفيتية، أي أول دولة عمالية في التاريخ.

سنحاول هنا التوقُّفَ عند تاريخ هذا اليوم المهم:
كيف قرَّرت النسويات الاشتراكيات الألمانيات، بمبادرة من كلارا زيتكين، إقامة يوم دولي للمرأة قبل تأسيس الأمم المتحدة بوقت طويل؟
وكيف كانت المعارضة الراديكالية لحرب الدول الإمبريالية أحد المحركات الأساسية وراء هذا اليوم؟
وكيف يمكننا اليوم، في زمن الحروب، أنْ نستلهمَ من موقف النساء في المنظمة الدولية للنساء الاشتراكيات المناهِضات للحرب، تلك الحرب التي كانت تدفع العمال المضطهدين إلى القتال حتى الموت من أجل المصالح الإمبريالية؟

في مصر، يُحتفَل رسميًّا باليوم الوطني للمرأة في 16 مارس، إحياءً لذكرى مظاهرة النساء المصريات ضد الاحتلال البريطاني خلال ثورة 1919، وكذلك إحياءً لتاريخ إنشاء أول اتحاد نسائي مصري بقيادة هدى شعراوي (16 مارس 1923)، وفتح الجامعات أمام النساء المصريات (16 مارس 1928)، ومنح النساء المصريات حق التصويت والترشُّح في الانتخابات (16 مارس 1956).
أما يوم 8 مارس، فيُحتفَل به على المستوى الدولي. وسنحاول استعراض تاريخ هذا اليوم، وسبب أهمية المبادرة التي قادتها كلارا زيتكين ورفيقتها كيت دانكر لإقرار يوم دولي للنضال من أجل حقوق المرأة.

المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات عام 1910
وفقًا لأنجيلا داتري، النسوية التروتسكية الأرجنتينية، في مقالها «لماذا 8 مارس؟» المنشور في 3 مارس 2016 في موقع «La Izquierda Diario»:
في عام 1907 عُقد المؤتمر الأول للمنظمة الدولية الاشتراكية النسوية، وهي منظمة شقيقة للأممية العمالية التي كان ينظِّمها وينسقها الثوريون الاشتراكيون على المستوى الدولي. وقد تولَّت كلارا زيتكين، الناشطة الشيوعية في «الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني»، مسؤولية الأمانة الدولية للمنظمة، كما كانت المنظمة تصدر صحيفة بعنوان «Die Gleichheit (المساواة)».
عُقد المؤتمر الدولي الثاني للنساء الاشتراكيات يومَي 26 و27 أغسطس 1910 في مدينة كوبنهاغن بالدنمارك.
شارك في المؤتمر نحو 100 مندوبة اشتراكية، وتركَّزت المناقشات الرئيسية على:
•    حق المرأة في التصويت.
•    الحماية الاجتماعية للأمهات.
•    ضرورة إقامة علاقات أكثر تنسيقًا بين الاشتراكيين في مختلف البلدان.

وقد قدَّمت المندوبتان الألمانيتان، كلارا زيتكين وكيت دانكر، اقتراحًا نصه:
«بالتنسيق مع المنظمات السياسية والنقابية للبروليتاريا، ستنظِّم النساء الاشتراكيات من جميع الجنسيات في بلدانهن يومًا خاصًّا بالمرأة، يكون هدفه الرئيسي الترويج لحق المرأة في التصويت، ويجب مناقشة هذا الاقتراح في إطار قضية المرأة من منظور اشتراكي، وسيكون لهذا الاحتفال طابع دولي، ويتعيَّن إعداده بعناية فائقة».
وقد أُطلق على هذه الاحتفالات اسم «يوم النساء» بصيغة الجمع، للتأكيد على الطابع الدولي لهذا اليوم.
لم يُحدِّد تاريخٌ معينٌ في البداية لهذه المناسبة، لكن في عام 1914 اتفق الاشتراكيون في ألمانيا والسويد وروسيا على الاحتفال بها في 8 مارس.

المؤتمر الدولي للنساء ضد الحرب العالمية الأولى
في العام نفسه، 1914، اندلعت الحرب في أوروبا، ولم يتمكَّن المؤتمر الدولي للمرأة من الانعقاد.
إلى جانب روزا لوكسمبورغ، عارضت كلارا زيتكين الحرب الإمبريالية. فقد انتمتا معًا إلى الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، ورفضتا الموقف الوطني الذي تبنَّاه الجناح اليميني للحزب.
كان الجناح اليميني، الذي يمثِّل الأغلبيةَ داخل الحزب، قد وافق على اعتمادات الحرب في 4 أغسطس 1914، مؤيِّدًا دخول ألمانيا الحرب في البرلمان، في تناقض صارخ مع الموقف التاريخي للحركة العمالية الاشتراكية.
ومن المهم التذكير بأنَّ تحديد يوم 8 مارس يومًا دوليًّا للمرأة جاء في سياق نضال النساء ضد الحرب والإمبريالية. فهذا اليوم هو ثمرة نضال النساء الثوريات اللواتي أردن التخلص من نظام قاتل، دون الاعتماد على الدولة لتحريرهن أو لمنع الحروب المقبلة.
رغم الصعوبات، فإنَّ كلارا زيتكين والثوريون الروس نظَّموا أول مؤتمر دولي للنساء ضد الحرب في مارس 1915 في مدينة برن السويسرية.
اجتمعت فيه 29 مندوبة من الدول المتحاربة، وكان هذا أول لقاء دولي يجمع ناشطات اشتراكيات ضد الحرب العالمية.
وعند عودتها إلى ألمانيا، اتهم النظام كلارا زيتكين بالخيانة وسجنها.
رغم القمع، كانت النسويات:
•    كلارا زيتكين.
•    روزا لوكسمبورغ.
•    سيلفيا بانكهورست.
•    ألكسندرا كولونتاي.
•    إينيسا أرماند.
من رائدات النسوية الاشتراكية الدولية المناهِضة للحرب.
كانت ألكسندرا كولونتاي ناشطة في «الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي» الروسي. وقد تركت الجناح المنشفي الذي كانت تنتمي إليه لتنضم إلى الجناح البلشفي بقيادة لينين؛ بسبب معارضتها للحرب.
وفي عام 1916 أكدت أنَّ الرأسمالية هي سبب الحرب، وأنَّ على العمال في جميع أنحاء العالم أنْ يتَّحدوا ضد الطبقة الحاكمة بدلًا من قتل بعضهم بعضًا.
وقالت عبارتها الشهيرة:
«عدوي موجود في بلدي».
وأضافت أنَّ هذا ينطبق على جميع العمال في العالم.
وقد تعاونت مع لينين في كتابة المقالات والبيانات التي تدعو الأحزاب الاشتراكية في البلدان الأخرى إلى تبني هذا الموقف المناهِض للحرب.
في روسيا، خرجت العاملات الروسيات في 8 مارس 1917 (23 فبراير وفق التقويم الروسي القديم) في مظاهرات وإضرابات وتمردات من أجل الخبز والسلام وضد النظام القيصري.
تجمَّعتْ عاملات النسيج في ضواحي «فيبورغ» مع الطالبات والموظفات، وتظاهرن أمام الدوما، الهيئة التشريعية للإمبراطورية القيصرية.
كان ذلك في ذروة الحرب العالمية الأولى، وكانت العاملات يعارضن الحرب ويطالبن بالخبز بعد أنْ سئمن الانتظار لساعات أمام المخابز.
وهكذا أطلقن شرارة ثورة فبراير 1917 الروسية.
وبذلك سبق اليوم العالمي للمرأة بثمانية أشهر استيلاء الحزب البلشفي على السلطة.
وعندما تولى حزب لينين السلطة، مع تعيين ألكسندرا كولونتاي مفوضةً للشؤون الاجتماعية، شهد الاتحاد السوفيتي تقدمًا ملحوظًا في مجال حقوق المرأة، متقدمًا على كثير من الدول الأوروبية في ذلك الوقت.
كان الهدف هو تغيير ظروف المعيشة وليس فقط تغيير القوانين؛ لذلك تم إنشاء:
•    مطاعم عامة.
•    حضانات.
•    مؤسسات لرعاية الأطفال.
بهدف تخفيف عبء العمل المنزلي عن الأسر الخاصة، وتمكين النساء من الاندماج في العمل والحياة السياسية والثقافية.
وكان إنشاء المطابخ العامة جزءًا أساسيًّا من برنامج البلاشفة لتحرير المرأة، لأنَّه يحرِّر وقت النساء ويتيح لهن المشارَكة في الحياة السياسية وحضور الاجتماعات والحصول على مزيد من وقت الفراغ.

تطور يوم المرأة بعد حكم ستالين
رغم صدور قوانين تقدمية مثل حقَّي الإجهاض والطلاق وغيرهما من حقوق المرأة، قام ستالين لاحقًا بحظر الإجهاض مجددًا، وألغى الأمانة الدولية للمرأة عندما تولى السلطة.
وأصبح اليوم العالمي للمرأة أقرب إلى يوم للأمهات في الاتحاد السوفيتي.
فقدت المناسبة معناها السياسي، واكتفى الناس بتقديم الهدايا وباقات الزهور للأمهات. كما أصدر ستالين مرسومًا يجعل هذا اليوم عطلةً رسميةً باسم «يوم المرأة العاملة».

يوم لحقوق المرأة في الأمم المتحدة
في 8 مارس 1945، بعد الحرب العالمية الثانية، اقترحت إليانور روزفلت وضع ميثاق لحقوق المرأة ليكون ضمانةً للسلام في إطار الأمم المتحدة.
وفي عام 1975 أعلنت الأمم المتحدة السنة الدولية للمرأة.
وأخيرًا، في ديسمبر 1977، أعلنت الأمم المتحدة 8 مارس يومًا دوليًّا لحقوق المرأة والسلام الدولي، دون الإشارة إلى أحداث الثورة الروسية.
وهكذا، ووفقًا لمنطق الأمم المتحدة، يقتصر نضال بعض التيارات النسوية اليوم على المطالبة ببعض الحقوق داخل إطار النظام النيوليبرالي، والاكتفاء بالحد من بعض التفاوتات داخل مجتمع رأسمالي قائم أصلًا على أكبر أشكال التفاوت، أي تركيز الملكية والثروة في أيدي عدد محدود من العائلات التي بنت ثرواتها عبر استغلال ملايين العمال والعاملات.
في المقابل، ترى تيارات نسوية أخرى مناهِضة للرأسمالية أنَّ تحرير النساء لا يمكن فصله عن النضال ضد النظام الأبوي والنظام الرأسمالي معًا.
لقد فرضت التيارات الستالينية فكرة أنَّ قضية تحرير المرأة ليست أولويةً في النضال الاجتماعي، وأنَّ مكافحة التمييز الجنسي داخل الحركة العمالية يُعدُّ تشتيتًا للمعركة الأساسية للبروليتاريا ضد البرجوازية.
لكن الماركسية الثورية، التي انبثقت عنها النساء المذكورات أعلاه، تعترف بأنَّ ليس العاملات فقط، بل أيضًا قطاعات واسعة من النساء، هنَّ ضحايا لعدم المساواة، وغياب الحقوق، والعنف، والتبعية للنظام الأبوي.
ففي العالم اليوم:
•    تمثل النساء 80% من ضحايا الاتجار بالبشر.
•    يحصلن على أجور أقل بنحو 30% من الرجال.
•    يُشكِّلن 75% من الأميين في العالم.
كما أنَّ الرأسمالية تعيد إنتاج الاضطهاد التاريخي للمرأة، وتستخدم أيضًا نشر كراهية النساء، والعنف القائم على النوع الاجتماعي للحفاظ على انقسام الطبقات المُستغَلة.
وهنا يبرز السؤال الأساسي:
مع مَن وكيف نناضل مِن أجل تحرير المرأة؟
وهو سؤال لا يزال يمثل إحدى أهم نقاط الخلاف داخل حركة النساء.
في 8 مارس، يتعلق الأمر بالدفاع عن حقوق المرأة، وتَذكُّر النساء المناضلات اللواتي أسهمن في فرض هذا اليوم التاريخي للنضال من أجل حقوق المرأة في سياق الحرب.
لقد دعون النساءَ إلى التنظيم والتعبئة والنضال من منظور الثورة الاشتراكية؛ بهدف القضاء على نظام الاستغلال وإرساء الأسس لتحرير المرأة تَحرُّرًا كاملًا.

المصادر


Écrits d’Alexandra Kollontaï 
Comptes-rendus de la Conférence internationale des femmes socialistes
https://wikirouge.net/Internationale_socialiste_des_femmes
https://wikirouge.net/R%C3%A9volution_de_F%C3%A9vrier 
https://www.revolutionpermanente.fr/Rosa-Luxemburg-Clara-Zetkin-et-le-feminisme-revolutionnaire-contre-la-guerre 
Josefina L. Martínez, « Rosa Luxemburg, Clara Zetkin et le féminisme révolutionnaire contre la guerre », IzquierdaDiario.es ; « Lénine, les femmes et la révolution : lutter pour l’avenir », IzquierdaDiario.es. « D’où vient la Journée du 8 mars ? », IzquierdaDiario.