مراجعات
بلال علاءعن كتاب الثورة المستحيلة
2017.09.12
تصوير آخرون
عن كتاب الثورة المستحيلة
«الثورة المستحيلة وقعت، هذا أهم أخبار الشرق والعالم منذ سنوات»، بهذه العبارة يفتتح ياسين الحاج صالح كتابه عن الثورة السورية. العبارة محملة بدهشة لم يغيرها لا الزمن ولا مآلات الثورة، ويمكننا اعتبار الكتاب تفسيرًا لهذه الدهشة تجاه «ثورة العامة».
كتاب «الثورة المستحيلة»، تأليف ياسين الحاج صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2017.
مقالات الكتاب مرتبة تاريخيًّا، تواكب تطورات الثورة نفسها. في البداية يقتصر اهتمام الحاج صالح على الاحتفاء بالانتفاضة وطاقتها الخلاقة وتمظهرات السوريين الجديدة، ويركز على النظام ونقده ونقد «شبيحته» وتفكيك منظوماته الفكرية والطائفية والأمنية، ثم يبدأ الإسلاميون بالظهور، ضررًا فرعيًّا لا يُقارن بالنظام، ثم يحتلون مكانة رئيسية ليست بقدر النظام نفسه لكنها ليست هامشية. في المقالات الأخيرة، تظهر دول كاملة منخرطة في الصراع، كما يظهر الأكراد إثر الاعتماد الدولي عليهم في مكافحة داعش.
النظام العدمي
أكثر خصائص النظام السوري وضوحًا في كتاب الحاج صالح هي عدميته، عدمية تعبر عن نفسها باستخدام أصلي مطلق السراح للعنف، أصلي لكونه ليس رد فعل لعنف مقابل، اختيار تام من النظام «العدمي» الذي سيرفع مبكرًا شعارًا يعتبره الحاج صالح الأيديولوجيا السياسية للنظام: «الأسد أو لا أحد» وتوأمه «الأسد أو نحرق البلد». يقول الشعار بجلاء إن الأسد لا ندَّ له، فإن تعرَّض للتحدي على نحو ما هو جارٍ اليوم، فسيحرق البلد ليصير غير قابل للحكم من أيٍّ كان. ولا شيء في ممارسة النظام يتعارض مع هذا البرنامج العدمي.
البرنامج العدمي للنظام هو ابن لفاشية يعرِّفها الحاج صالح بأنها «العدوان العنيف على العامة واسترخاص حياتهم وحريتهم وكرامتهم واستخدام منهج الحملات التأديبية للتعامل مع احتجاجاتهم، على يد طغمة ثرية متمتعة بالحصانة، وبذرائع تحيل إلى «الوطن» و»أمن الوطن». هذا الاسترخاص ليس نتيجة للانتفاضة، وإن كانت ساهمت في وضوحه، لكنه نتيجة لأسس النظام نفسه. أول أسس فاشية النظام، التي هي النظام نفسه، هي الأيديولوجية القومية المطلقة «العروبة المطلقة»، الادعاء بحمل هوية صلبة بلا تنوع ولا تسمح للتعدد أو الاختلاف على عكس أي مجتمع طبيعي. إنها أيديولوجية تنتمي لمجتمع متخيل، ولهذا تستبعد المجتمع الموجود نفسه، وتجد نفسها فقط في حزب البعث، ثم تنحصر في قيادتيه، صدام حسين وحافظ الأسد، ثم ينشب بينهما الصراع لأن أيديولوجية بهذا الادعاء المطلق أضيق من أن تتسع لشخصين، وهي بهذا أداة لطرد الناس من السياسة ومنعهم من الكلام دومًا».
فقد «أسست عقيدة القومية المطلقة للتخوين؛ طرد المعارضين السياسيين من الوطنية، ورفع الحماية القانونية والاجتماعية والسياسية عنهم». والعروبة برأي الحاج صالح ليست برنامجًا فعليًّا، فلا تتوخى تحقيق أي هدف، بل مجرد أداة وظيفية لخلق خطاب يسمح للنظام بتبرير فصل السوريين عن السياسة في بلادهم، ثم فصلهم عن العالم المليء بالمؤامرات والجواسيس، لتنضم بهذا لعشرات الأنظمة التي تستخدم القومية حاجزًا للانفراد بشعوبها العُزَّل، ومنعهم من التواصل مع العالم، لكنها هي نفسها، تظل تتفاعل أمنيًّا ومخابراتيًّا مع العالم المتآمر كما تشاء، بل وتسوق نفسها أمام هذا العالم بأنها أكثر انتماءً له من شعوبها الإرهابية. وهو ما يحيلنا للأساس الثاني لفاشية النظام: البرجوازية الجديدة.
بعد وراثته لسلطان أبيه، سَوَّق بشار الأسد نفسه كرجل التطوير والتحديث داخل سوريا، واستبدل بوجوه حزب البعث البيروقراطية التقليدية وجوهًا حداثوية تعلمت في الغرب وتتحدث لغات أجنبية وتجيد التعامل مع الأدوات الحديثة. هذه البرجوازية لا تدّعي الاهتمام بقيم أخلاقية كالعدالة والحرية والمساواة، بل ترفع شعارات فارغة المضمون، مثل العلمانية والعقلانية والتنوير، وهي بهذا تهمل، حتى على مستوى الخطاب، المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لعموم الناس، الإهمال الذي واكب تملص النظام من اشتراكيته لصالح النيوليبرالية.
يلتف حول هذه البرجوازية جماعات من المثقفين، الذين يعتبرون أن الإشكال الأساسي لدولهم هي الشعوب، المتخلفة والرجعية والمشدودة ناحية الدين، بينما يحاول النظام مشكورًا، وإن كان بلا جدوى، تنويرهم. وهكذا يتم استرخاص الناس، فهم لا يحملون أي قيمة إيجابية يمكن الرهان عليها، ويبدو أن وجودهم مثل عدمه، إن لم يكن عدمهم أفضل.
لكن البرجوازية الجديدة ليست جديدة إلا على مستوى الأدوات كما يقول الحاج صالح. فهي لا تحمل وعودًا لعالم مغاير عما سبقها، كما أن أعضاءها هم أبناء رجال حافظ الأسد، بعد تطوير أنفسهم، وهم يختلفون عن البيروقراطية الميتة بقدر ما يختلف بشار الأسد عن أبيه.
الطائفية؛ الأساس الثالث للفاشية، وهي هنا ذات مستويين، الأول: حصر الناس داخل طوائفهم بدعوى حمايتهم من الأكثرية السنية، والثاني: اعتماد النظام المستمر على طائفته الخاصة للاستمرار في الحكم. فحافظ الأسد الذي أتى للحكم بانقلاب كان حريصًا على أن يكون انقلابه هو الأخير في سوريا، فاعتمد على أقاربه في كل المواقع الحساسة، ثم على طائفته، في بناء نظام لا يمكن الانقلاب عليه، مؤسسًا للارتياب كبنية أصيلة داخل النظام، وهذا الارتياب لا يتم حله إلا بالاعتماد على ذوي القربى والطائفة. ويرى الحاج صالح أن ابتعاد المثقفين عن نقد طائفية النظام دليل على هيمنته الثقافية عليهم، وخضوعهم لمحرماته، حتى لو كانت هذه المحرمات أحد الأسباب الواضحة للعنف العدمي الذي يمارسه النظام على شعبه.
طائفية النظام هي ما ستنتج أبرز أدوات قمعه للانتفاضة: الشبيحة، وهي عصابات يقودها أفراد متصلون بالنظام عن طريق القرابة، ويغلب على تكوينهم أن يكونوا علويي المولد، وبذلك يتصلون معه طائفيًّا بشكل أوسع. واعتمد النظام على الشبيحة لسحق المظاهرات الشعبية وخلق حالة من الرعب والفوضى والعقاب الجماعي في البيئات المنتفضة، باستخدام عنف عشوائي وغير محدد ودون معايير ومنفلت. ولهذا يعتقد الحاج الصالح أن ظاهرة الشبيحة «هي الوجه الآخر، المظلم، للنظام، أو لا شعوره السياسي المتأصل. إنها الشكل الأكثر عُريًّا للنظام، سلطة العنف الخاص والمنفلت والعشوائي، مزيج العنف والقرابة والتعسف. وقد ظهر هذا اللا شعور السياسي بقوة في شهور الانتفاضة مع تراجع أيديولوجية النظام الواعية، القومية والاشتراكية، وبروز غرائزه السياسية على السطح. وظهر أن الشبيحة جيش احتياطي للنظام، يتطوع اليوم بكلفة رخيصة وبحماس كبير للدفاع عنه في وجه تهديد الثورة».
العدمية الجهادية
ستقوم الثورة إذن في مواجهة هذا الاسترخاص المنهجي للناس، وفي مواجهته ستتغير هي نفسها تحت وطأة وحشيته: ستُهزم أحلام التعدد والتنوع مع الوقت لصالح تيارات تستبطن صفات النظام، فالأصل في المحنة السورية أن «الشيء الذي نسميه النظام غير عاقل وبالغ العدوانية، وأنه ربما يدفع خصومه للتصرف كغير عاقلين. لا مكان للسياسة والتدبر في أوضاع خلدونية كهذه، تسودها الحتمية. وغاية ما يستطيعه الفرد العاقل هو كشف الحتميات التي تقودنا، إنه يقصى إلى وضع مراقب، لا تأثير له على الأحداث».
مارس النظام عنفًا لا يمكن الانفلات منه، أو مقاومته سلميًّا، أو استكمال الثورة بوجوده. لكنه أيضًا عنف عدمي ضد مجتمعات لا تحتمل فكرة أن يتمكن هذا النظام من حكمها مرة أخرى. لهذا تعسكرت تلك المجتمعات تدريجيًّا؛ في البداية رفع المسلحون شعارات وطنية تحاول أن تستمر الثورة داخلها، ثم بازدياد العنف تجاه البيئات المحتضنة للثورة، زادت هيمنة الإسلاميين عليها، حتى أكلوها تمامًا.
كان من الحتمي في رأي الحاج صالح «تديين الاحتجاجات» مع تصاعد درجة العنف. فالعالم الذي لا يفعل شيئًا لوقف القتل، لا يمكن الهروب منه إلا إلى الله، وهو الشعار الذي رفعه المحتجون بالفعل في 2011: «ما إلنا غيرك يا الله». لقد سحب السوريون ثقتهم في العالم الذي وقف ليتفرج عليهم وهم يقتلون، وتلك هي الثغرة التي سينفذ منها الإسلاميون للسيطرة على الانتفاضة.
ففي مواجهة العنف العدمي للنظام «يوفر مفهوم الكفر الإسلامي، وهو سهل الاستنفار في الفكر الإسلامي عمومًا، وخصوصًا عند التيارات السلفية، أرضية دينية لسحب الثقة والقيم من العالم، وإيجاد سند إسلامي وكوني عريق للعدمية ونفي العالم». فالجهاديون في رأي الحاج صالح هم «العدميون المقاتلون» في مواجهة العنف العدمي، وتزداد سيطرتهم بقدر ما تُسحق الثورة تحت وطأة «الإرهاب الفاشي للنظام». ويأتي «صعود العدمية المقاتلة» نتيجة لرغبة الناس في وقف إبادتهم هنا والآن، وليس لبناء أي مجتمع جديد. لقد انزوت الثورة بآمالها الإيجابية وأحلامها البعيدة، لصالح آمال سلبية تتلخص فقط في سقوط النظام. فالعدمية الجهادية هي إذن «الوجه الميت للثورة، وجه الهدم والتقويض، إلى درجة هدم الوجه الحي للثورة نفسها».
العدمية الإمبريالية
نجاح «العدمية المقاتلة» في بسط سيطرتها على المعارضة، وعلى الجيش الحر نفسه، ستكون ذروة مرحلة الأسلمة في رأي الحاج صالح، وهي المرحلة التي تلت مرحلة الثورة التي استمرت حتى مطلع 2013. وستنتهي مرحلة الأسلمة بدورها في ذروتها في منتصف 2014، بإعلان داعش الخلافة ودخولها الموصل وتسويقها لوحشيتها، التي سترتد عليها بإعلان التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي ستقوده أمريكا، لتبدأ المرحلة الامبريالية للحرب السورية، وهي المرحلة التي ستكون فيها القوى المتصارعة داخل سوريا، بما فيهم النظام نفسه، خاضعة لتحكمات قوى دولية مختلفة، وسيتعزز ذلك بدخول روسيا للحرب في أواخر 2015.
كانت بدايات العدمية الجهادية أن سحب السوريون الثقة من العالم كما يظهر شعار رُفع في 2011 يعلن: «يسقط النظام والمعارضة، تسقط الأمة العربية والإسلامية، يسقط مجلس الأمن، يسقط العالم، يسقط كل شيء». هذا العالم الذي لا يبالي بالمأساة السورية، سيدخل في مواجهة العدمية الجهادية، بعدمية مقاتلة لها، دون هدف بنائي، ليصبح هناك ثلاثة أطراف تحارب من أجل الهدم، دون أن تمتلك شعارات تأسيسية حتى ولو كانت غير جدية.
في المرحلة الإمبريالية، سيصبح ما تبقى من الإسلاميين خاضعًا لسيطرة الدول الداعمة له، وسيستعيد النظام بعضًا من الاعتراف الدولي، الذي سقط مسبقًا لكن دون أن ينتج عن سقوطه أي تبعات. «كانت الأسلمة تطورًا مناسبًا للنظام الأسدي، سعى إليه بكل قواه، ومنحه هذا قضية بعد أن كان طوال ما يقترب من عامين بلا قضية». وبما أنه أصبح صاحب قضية سيصبح طرفًا معترفًا به من قبل روسيا، ومتجاهلاً من قبل أمريكا، في محاربة الإرهاب، وبهذه السلاسة لم يعد النظام السوري مشكلة، بل الجهاديين. وهذه المرة لن تدَّعي أمريكا أنها ستحاربهم لبناء ديموقراطية ما، بل لسحقهم فقط، ولو كان ذلك سيصب في مصلحة النظام، التي كانت تدعو لسقوطه وتتهمه بالتسبب في مذابح وانتهاكات لا تنتهي.
الثورة المستحيلة
يمكن لمقالات الكتاب، المرتبة تاريخيًّا، أن تعطي معنى مركبًا لـ«الثورة المستحيلة». فهي ليست مستحيلة فقط لأن النظام عمل على منع حدوثها بكل قوة، لكن لأنها ستتحول بسرعة إلى شيء آخر لم يكن يشبهها. ويفترض الإلمام بالوضع السوري متابعة مكثفة لا تنقطع، لأن غياب هذه المتابعة، يجعل الحرب مستحيلة الفهم والتتبع.
وربما تُفسر الأسس الثلاث للفاشية (العروبة المطلقة/البرجوازية الجديدة/الطائفية) التنوع الواضح في مؤيدي النظام السوري، من علمانيين حداثويين إلى ممانعين يساريين إلى عروبيين قوميين إلى طائفيين، أطياف يفترض نظريًّا أن تعادي بعضها بعضًا، والنظام يبيع لكل منهم ما يريده. فالخطابات مجانية وسهلة ما دامت كل خطاباته معطلة؛ العلمانية معطلة بسبب الشعب الذي لا يقبلها، والممانعة معطلة بسبب الموازين الدولية، والعروبة معطلة بسبب الصراع العربي الداخلي، والطائفية معطلة بسبب التوازنات الداخلية، وما دام كل شيء معطل، فالشيء الجامع بين مؤيدي النظام أنهم يؤيدونه في ذاته، ولا يربكهم أن يتخذ النظام الموقف وعكسه، وفي الأغلب فإن ما يجمعهم بالنظام أكثر من أي شيء، هو تأييدهم لصفة العطل نفسها. فالمشاريع الخطابية كلها ممكنة التحقق، لكن بإدخال الشعب كدافع ومشارك فيها، لكن وبما أن المجتمع هو الشر الأول في رأي النظام ومؤيديه، فإفساد هذا الشعب يظل المشروع الوحيد محل الإجماع وقيد التنفيذ. ويمكن فهم عبارة الحاج صالح «النظام المتمرد على المجتمع» في هذا الإطار.
يمكن اعتبار العدمية الجهادية في سوريا، رغم عنفوانها ووحشيتها، مثالاً لأدوار الجهاديين تاريخيًّا في الدول العربية. فهي تتمثل في قوى تجيد الصراع وتستطيع الاستمرار فيه، لكنها تهزم فيه دائمًا، وغالبًا ما تكون أقوى من خصومها المسلمين، السُّنة خصوصًا، وتستطيع كبت وتحجيم وقمع الطموحات التحررية في الشعوب باستخدام العنف، لكنها على الدوام أضعف من الأنظمة، وأكثر انعزالاً وتطرفًا من أن تنجح في حشد الشعوب معها. فالشعوب ظواهر مركبة تاريخيًّا واجتماعيًّا وليست بسطحية وأحادية الظاهرة الجهادية، وبذلك تنتهي العدمية الجهادية كل مرة إلى جعل أعدائها أكثر قوة والشعوب أكثر ضعفًا. وبذلك تكون العدمية الجهادية إكسير الشباب للديكتاتورية في المنطقة، الإكسير الذي ما إن تتناوله الأنظمة حتى تعاني لبعض الوقت من تأثيراته، ثم تعود أكثر صحة وقوة محليًّا ودوليًّا.
لم يخدع النظام السوري العالم إلا بقدر ما كان العالم مستعدًا للانخداع. لم تبدأ العدمية الدولية مع الحرب السورية بالتأكيد، لكنها فضحتها أكثر. ربما انزعجت الأنظمة العالمية من وحشية قمع الانتفاضة في البداية، لكنها كانت مجرد رد فعل، عندما أصبحت شعوبها معرضة لخطر «العدميين الجهاديين». والنظام يدرك الخطوط الحمراء ويلتزم بها، رغم كل حديثه عن المؤامرات والحرب الدولية ضده. فالقتل مسموح ما دام لشعبه فقط، والممانعة ممكنة ما دامت لن تحدث أبدًا.
ترشيحاتنا
