عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

مراجعات

سامح سامي

عن مسرحية قواعد العشق الأربعون

2017.09.12

تصوير آخرون

عن مسرحية قواعد العشق الأربعون

مسرحية «قواعد العشق الأربعون»، دراماتورج وإشراف على الكتابة رشا عبد المنعم، شارك في الكتابة ياسمين إمام وخيري الفخراني، ديكور مصطفى حامد، أزياء مها عبد الرحمن، إضاءة إبراهيم الفرن، موسيقى وألحان محمد حسني، إخراج عادل حسان، تمثيل بهاء ثروت وعزت زين ودينا أحمد وهاني عبد الحي وإيهاب بكير وحسام أبو السعود، تُعرض على مسرح السلام، 2017.

(1)

القاعدة الأولى: إن الطريقة التي نرى بها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدرًا كبيرًا من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا، أما إذا رأينا الله مفعمًا بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك.

لن يتذوق مسرحية «قواعد العشق الأربعون» إلا من قرأ رواية إليف شافاق، التي تحمل الاسم ذاته، أولاً. هي رواية عن حكايتين متوازيتين، إحداها في الزمن المعاصر، والأخرى في القرن الثالث العشر، عندما واجه جلال الدين الرومي مرشده الروحي «شمس التبريزي»، وكيف أنهما جسَّدا معًا رسالة الحب الخالدة.

(2)

القاعدة العاشرة: لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك، فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بإمكانك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.

أما مسرحية «قواعد العشق الأربعون» للمخرج عادل حسان، ودراماتورج رشا عبد المنعم، فهي تجسيد لاجتياز العالم الشاسع من الداخل، مطبقة القاعدة العاشرة في فهم بقية القواعد الأربعين، التي هي بشكل من الأشكال رحلة داخلية للإنسان الباحث عن السلام والحب والله، هربًا من الجدل الديني المجاني، والانغلاق العقائدي الضيق الذي يحرم الناس من التقرب إلى الله وإلى أخيه في الإنسانية.

المسرحية مأخوذة عن حكايات الرواية. لكنها ليست تحويلاً كاملاً لها، وإنما معالجة درامية شرقية لقصة منشورة في الغرب، ترتكز على علاقة الحب والتعلم بين الرومي والتبريزي) الذي قدم شخصيته على خشبة المسرح الفنان بهاء ثروت في دور لافت للنظر).

المسرحية لم تهتم بالقصة المعاصرة التي كتبتها المؤلفة التركية، إلا أن تفاعل الجمهور مع أداء الممثلين في المسرحية كان هو المعادل المعاصر لقصة شافاق، التي تحكي عن «إيلا روبنشتاين»، وهي امرأة أربعينية غير سعيدة في زواجها، ‏تعيش في الزمن الحاضر (2008) في ولاية ماساشوستس، و‏تحصل على عمل كناقدة في وكالة أدبية، فتكتب أول أعمالها ‏النقدية عن كتاب يدعى «الكفر الحلو» لــ»عزيز زاهارا». ‏تقع روبنشتاين في عشق قصة الرومي وعلاقته بالتبريزي، ودوره في ‏تحويل رجل دين ناجح، لكن تعس، إلى عالِم صوفي وشاعر ‏للحب‏.   

(3)

القاعدة العشرون: لقد خُلقنا جميعًا على صورة الله، ومع ذلك فإننا جميعًا مخلوقات مختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك، فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله.

القصائد في المسرحية ليست نتوءًا، ولا «علشان الصورة تطلع حلوة»، إنما وتد في بناء المسرحية ومعالجتها للرواية الأصلية. وعلى رغم أن موسيقى القصائد غربية، إلا أن هناك مساحة من الشرقية عبر المقامات. فأنت إن جاز التعبير أمام حالة سينمائية فريدة، شاركت فيها خشبة مسرح السلام (الذي ‏يبعد خطوات عن كل الجدل السياسي الذي يرتكبه مجلس النواب ‏المصري)، زاد من جمالها أشعار الرومي، والتبريزي، وابن الفارض، ومحيى الدين بن عربي، ‏والإمام سعيد بن أحمد، ‏والسهروردي، وفرقة المولوية ‏الصوفية، فلم يشعر الجمهور بالملل رغم أن الستار لم يسدل طوال ‏ساعتي المسرحية. كان الجمهور متفاعلاً، وتمايل طربًا لغناء سمير عزمي لسبع قصائد، منها: «زدني بفرط الحب»، «قمر سيدنا النبي»، و«نظري إلى وجه الحبيب».

كانت تلك القصائد، ومعها رقصات فرقة المولوية، مكملة للمشهد المسرحي، الذي شهد نقلات خفيفة كالريشة، عبر ديكور واحد يتكون من دورين، لكنه متعدد الوظائف، يقدم للجمهور أحداثًا متلاحقة وحوارات صوفية وجدلية، دون تغيير الديكور أو الاضطرار لإسدال الستار. وقد ساعدت الإضاءة على ذلك الانتقال الخفيف بين مشهد وآخر، فضلاً عن أداء الممثلين المبهر الذي لاحظه كل الحاضرين للمسرحية.

قدم عزت زين شخصية الرومي بشغف، مبينًا الصراعات الداخلية بين ما تعلّمه وبين ما يتلقاه من التبريزي. كما نجحت دينا أحمد في ‏دور فتاة المبغى التي تحولت بعد مقابلتها للتبريزي، فوجدت عنده كل كلام الماء الحي النابع من الداخل. كما قدم هاني عبد الحي دور الحاقد على شمس التبريزي، وإيهاب بكير رجل الشرطة والقانون الفاسد، وهناك أيضا دور رجل الدين المتعصب المتحجر الذي قدمه حسام ‏أبو السعود.

(4)

القاعدة الثلاثون: إن الصوفي الحق هو الذي يتحمل بصبر حتى لو اتهم باطلاً وتعرض للهجوم من جميع الجهات ولا يوجه كلمة نابية إلى أي من منتقديه، فهو لا ينحى باللائمة على أحد. فكيف يمكن أن يوجد خصوم أو منافسون أو حتى آخرون في حين لا توجد نفس في المقام الأول؟ كيف يمكن أن يوجد أحد يلومه في الوقت الذي لا يوجد فيه إلا واحد؟

كان مسرح الدولة قد تحول في وقت ما إلى «عشة خربة». لكن تجربة مسرحية «قواعد العشق الأربعون»، وغيرها من المسرحيات مثل «الملك لير» أو «ألف ليلة وليلة»، تكشف زيف فكرة أن الجمهور لا يقبل على الفن، وأن المسرح كاد أن يموت، وتكشف في الوقت نفسه أن فكرة العرض المسرحي، ومحتواه، لا النجم، هو ما يجذب الجمهور. لذلك يجب التأكيد دوما أن الفكرة هي الأهم، وأن الإبداع يكمن في معالجة الفكرة، وليس في التقنيات التكنولوجية.

(5)

القاعدة الأربعون: لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي.. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو نقي وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء.

«عندما كنت طفلاً، رأيت الله، رأيت الملائكة، رأيت أسرار العالمين العلوي ‏والسفلي، ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته. لكني سرعان ما أدركت ‏أنهم لم يروا»‏، كانت تلك الجملة هي المفتاحية في علاقة الرومي بشيخه الشاب التبريزي، وقد غيَّرت مسار حياته، ومن بعده حياة الناس الذين يقرأون، أو يشاهدون، «قواعد العشق الأربعون»، التي تتطور من عرض لعرض، وكأنها ورشة كتابة مفتوحة ممتدة.