مراجعات
ماهر عبد الرحمنفتاوى الإمام محمد عبده
2018.05.01
"فتاوى الأمام محمد عبده – الجزء الأول"
دراسة: نيفين محمد موسى
الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، 2017
فتاوى الإمام محمد عبده
يأتي محمد عبده على رأس المجددين للفكر الديني ودعاة التحديث. وهو أحد أهم رواد الحركة الإصلاحية في مصر. كانت دعوته الرئيسية بعد عودته من منفى استمر لست سنوات، بسبب اشتراكه في الثورة العرابية، هي الإصلاح؛ إصلاح الأزهر ونظام التدريس فيه؛ وإصلاح المحاكم الشرعية، والإفتاء، والأوقاف الإسلامية، وإنشاء مدرسة للقضاء الشرعي. وكل واحدة من هذه الأمور تحتاج إلى تفصيل. لكن هذا المقال سوف يقتصر على بعض أوجه الإصلاح في فتاوى الشيخ الذي لم يكن يفصل بين قضايا الفقه وقضايا المجتمع، بل إنه اجتهد في الفقه للإجابة عن أسئلة الواقع والحياة من حوله.
تولى محمد عبده منصب مفتي الديار المصرية بموجب مرسوم أصدره الخديوي عباس حلمي الثاني في 3 يونيو 1899م. وكانت مهام الإفتاء ملحقة بمشيخة الأزهر حتى هذا التاريخ، ولذا يعتبر محمد عبده هو أول مفتٍ مستقلٍ في مصر. استمر محمد عبده في منصب المفتي لمدة ست سنوات أصدر خلالها تسعمائة أربعة وأربعون فتوى، وهي مقيدة في وثائق دار الإفتاء المصرية في سجلين، وبدأت دار الكتب والوثائق القومية في إصدارها مؤخرًا في كتاب بعنوان “فتاوى الإمام محمد عبده”– الجزء الأول، ويحتوي على فتاوى السجل الأول. ويحتاج الاجتهاد الذي قدمه الإمام محمد عبده في الفتاوى إلى نظر وتأمل من الباحثين، حتى نقف على ما فيه، لا فقط بالنظر في الفتاوى بذاتها، وإنما لما تمثله في قضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الديني وفي الفقه الإسلامي، وبمنهجه في الاجتهاد بالرأي فيما لم يرد فيه نص أو اجتهاد سابق، وسوف أقدم هنا بعض الإشارات لذلك من خلال استعراض نماذج من فتاواه.
ملامح التجديد في فتاوى محمد عبده
في مذكراته يكتب أحمد أمين عن واقعة طريفة ودالة، يذكر فيها أنه مما كان يُؤخذ على الشيخ محمد عبده وعيب عليه أنه أبطل “ميضأة” الأزهر واستبدلها بالصنابير، وأن “إلف الناس للقديم جعلهم يحزنون لفراق الميضأة”. من هذه الحكاية يمكن أن نعرف كيف كان يفكر محمد عبده، وكيف كان يفكر كثير من هؤلاء المشايخ في أشد أوقات إظلام وتراجع الأزهر. هذا الانفتاح من الشيخ محمد عبده وإدراك الواقع واختلاف الزمان، وتقديم مصالح الناس وحفظ حياتهم وصحتهم ومعاشهم بما يتفق مع المقاصد الكلية وشروط الاجتهاد، والإيمان الراسخ بأن بقاء الدين هو قرين بفهم واستيعاب التطور والتجدد في الحياة والتفاعل معها وبالموازنة بين الواقع وبين مقاصد الشريعة، هي أبرز الملامح العامة لمنهج الشيخ محمد عبده بشخصيته الناضجة وثقافته الواسعة واعتداده بالعقل، سواء في الفتوى أو في غيرها. وقد اشتهر المفتي محمد عبده بروعة وسماحة فتاواه، حتى إن الناس كانوا يسألونه في أمور الحياة كما كانوا يسألونه في أمور الدين. بل كانت تأتيه استفتاءات من المسيحيين واليهود، فقد “سئل في امرأة مسيحية تملك عقارات..”، و“أفتى للأم المسيحية حضانة أولادها من زوجها الذي اعتنق الإسلام”، و“سُئل في امرأة إسرائيلية من رعايا الحكومة المحلية”، و“سأله مخلوف الداودي حاخام سيل وعكا”.
كانت أول فتوى أصدرها الإمام محمد عبده في 11 يونيو سنة 1899، أي بعد توليه المنصب بأسبوع، وفيها يجيب محكمة الاستئناف الأهلية بمصر التي أحالت إليه أوراق متهم بالقتل لأخذ الرأي الشرعي فيه، فأجاب الإمام بما كان ملخصه في هذه القضية أن “كثرة القرائن لا تكفي بالحكم بالإعدام، لأن اليقين لا يبلغ بها إلى الحد الذي يسوغ الحكم بعقوبة لا يمكن تدارك الخطأ فيها لو ظهر بعد ذلك”. وبهذا وضع الإمام تقليدًا جديدًا وغير مسبوق لعمل المفتي والقيام بمسئوليته في بحث القضايا التي تحال إليه من جميع أوجهها وتقديم الرأي فيها، وكان شيخ الأزهر والمفتي السابق، الشيخ حسونة النواوي، يكتب في مثل هذه القضايا دون بحث عبارات ثابتة لا تخرج عن “متى ثبت القتل عمدًا، فلولي الجناية القصاص شرعًا”.
ولأن الاجتهاد وهو بذل للوسع في البحث عن الحكم الشرعي مع ما يُعرض على المجتهد من واقع الناس أو مع ما يستجد من الأحداث والنوازل، والذي يجب أن يراعي دائمًا فيما يقول تغيرات الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ويراعي التيسير على الناس، وهذا مما نجده في إحدى فتاوى الإمام محمد عبده الذي أجاب عن سؤال ورد إليه في موضوع بخصوص”زواج المسلم بمسيحية”، من شخص يريد شهادة من المفتي “مؤداها أن زواجه القانوني بألمانيا يعتبر مقبولاً في مصر”، فيجيبه الشيخ بأنه “يجوز.. ويعتبر زواجًا مقبولاً بمصر متى كان العقد بحضرة شاهدين ولو ذميين”.وفي قضية زواج المسلم من الكتابية (مسيحية أو موسوية) فإن الفقهاء المسلمين قد اختلفوا في ضرورة إسلام الشهود من عدمه، والغالب منهم يرى بعدم صحته، وحجتهم أن الشهادة هي على العقد، وهو يتعلق بطرفيه معًا وهذا لا يجوز لأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم. لكن الشيخ محمد عبده في هذه المسألة يخالف هذا الرأي، وأخذ بعدم اشتراط إسلام الشاهدين، فقال “ولو ذميين”، وأخذ برأي أبي حنيفة وأبي يوسف وهما لا يشترطان إسلام الشهود، بل يصح الزواج عندهما إذا كانت الزوجة غير مسلمة بحضور وشهادة غير المسلمين والمحاكم في مصر تأخذ بهذا الرأي.
مما ذكره رشيد رضا في تفسير “المنار” نقلاً عن الإمام محمد عبده في خصوص رؤيته للقصص القرآني قوله: “بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية ”. وكان تجديده في تفسير القرآن أنه حاول أن يقف على المعاني العامة دون الوقوف أمام الألفاظ في ذاتها وإعطاءها أكثر مما تستحق من النظر. وكان ينزع نزوعًا عقلانيًّا واضحًا في محاولته للتفسير والتأويل للقرآن، ويرفض الكثير من الحكايات والقصص التي كان يتخيلها المفسرون قديمًا. وكثيرة هي الخرافات التي تحتويها كتب التفسير القديمة وتأتي غالبًا من روايات ضعيفة أو ظنية، أو من آراء صدرت من باب الهوى والتعصب للرأي. وفي آخر فتوى وردت بالجزء الأول من كتاب “فتاوى الإمام محمد عبده”، ونختم بها هذه العجالة، ردًا منه على سؤال ورد إليه بخصوص قصة طوفان نوح، يقول “بأن الطوفان لم يكن عامًا لأنحاء الأرض بل هو خاص بالأرض التي كان بها قوم نوح”. وقد أجاب الإمام محمد عبده “أما القرآن الكريم فلم يرد فيه نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث على فرض صحة سنده فهو أحاد ولا يوجب اليقين، والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن، إذا عد اعتقادها من عقائد الدين، أما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية أو عدم الثقة بها، ولا تتخذ دليلاً قطعيًّا على معتقد ديني، أما مسألة عموم الطوفان في نفسها فهي موضع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض... أما أهل الكتاب وعلماء الأمة الإسلامية فيرون أن الطوفان كان عامًا لكل الأرض... ويزعم أهل النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عامًا... غير أنه لا يجوز لشخص مسلم أن ينكر قضية أن الطوفان كان عامًا”. وهذا المنهج في التفسير والذي ينحو منحى عقلانيًّا، يمكن أن نقول أنه كان الأساس الأول لعدد من المحاولات التي جاءت بعده، ومنها محاولة طه حسين لتقديم قراءة للقصص القرآني على أساس منهج تاريخي في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” سنة 1926م، وكذا محاولة محمد أحمد خلف الله لتقديم قراءة للقصص القرآني على أساس منهج فني وأدبي في رسالته للدكتوراه “الفن القصصي في القرآن” سنة 1947، وكلاهما خاض وواجه –كما خاض وواجه محمد عبده من قبل- معارك فكرية قوية بالرفض، ووصلت إلى تكفيرهم من قبل أصحاب الأفكار المحافظة والمتشددة والظلامية. وعلى الرغم من كل ذلك لا تزال أفكار محمد عبده النيرة في التجديد والإصلاح، وأفكار تلاميذه من بعده، ملهمة لحياتنا الفكرية إلى اليوم.
كان المنشور من فتاوى محمد عبده إلى وقت قريب هو قليل من كثير، والمشهور منه هو ما أفتى به في قضايا: إباحة الرسم والنحت، ورفض تحريم التصوير الفوتوغرافي، وإجازة إيداع المال بالبنوك (والبريد) وأخذ فائدة عليها، وإجازة لبس “البرنيطة” للمسلمين، وإجازة التأمين على الحياة وعلى الممتلكات، وفتوى تقييد تعدد الزوجات، وغير ذلك من الفتاوى التي تحمل رؤيته ومنهجه الإصلاحي. واليوم تنشر دار الكتب والوثائق القومية السجل الأول من مجموع الفتاوى التي أصدرها الإمام (وعددها 944 فتوى) للجمهور والباحثين، وهي بذلك تقدم خدمة جليلة وعظيمة، فلا يزال هذا التراث الفقهي الذي تركه لنا الإمام المجدد محمد عبده صالحًا لمواجهة كسالى العقول، ومواجهة خطابات وأفكار الجهل والتقليد والجمود والكراهية، بما يحمله تراثه ذلك من قيم الاجتهاد وإعمال العقل وإدراك الواقع وقضاياه وعدم الانفصال عنه.
ترشيحاتنا
