عدد 18-عن الفقد والافتقاد
مصطفى محييفي بداية كل شيء
2020.11.01
في بداية كل شيء
كان يومًا من أيام ديسمبر 2005، داخل قاعة بمقر نقابة المحامين في وسط القاهرة. كنتُ أحضر مؤتمرًا للطلاب الناشطين سياسيًّا في جامعات القاهرة لتدشين ما عُرف وقتها بالاتحاد الطلابي الحر، ردًّا على انتخابات اتحاد الطلاب الرسمي التي جرى تأميمها كالعادة.
يومها، وسط التفاصيل المُكررة في كل المؤتمرات السياسية، من كلمات مطولة وهتافات حماسية معزولة أغلب الوقت، صحبتني دينا جميل من داخل القاعة إلى خارجها، وطلبت مني أن أكتب تقريرًا صحفيًّا قصيرًا لمجلة «أوراق اشتراكية» عن تجربة الاتحاد الحر في الجامعات.
كان عمري 21 عامًا، إذ كنت طالبًا في السنة الثالثة بكلية الهندسة بجامعة حلوان، انضممت قبل شهور قليلة إلى تنظيم الاشتراكيين الثوريين، لم أكتب في حياتي من قبل تقريرًا صحفيًّا على الرغم من أنني أردت ذلك دائمًا. كانت دينا في الـ 33 من عمرها، صحفية مُتمرّسة بهيئة الإذاعة البريطانية BBC، عضوة بالتنظيم السياسي نفسه، تمتلك سنوات من الخبرة في كل ما لم أكن أعرفه وقتها. وكانت مجلة «أوراق اشتراكية» هي الإصدار العلني لـ«الاشتراكيين الثوريين».
ليس لديَّ الآن ذكرى واضحة لما كنت أشعر به طول يوم المؤتمر؛ بين تحضيرات القاعة، وتعليق اللافتات، وتوزيع النشرات، وجمع التبرعات لمجموعة طلابية وليدة في جامعة حلوان يشعر أفرادها أنهم على وشك تغيير العالم، لكنني أذكر أنني شعرت في اللحظة التي طَلبت دينا كتابة ذلك التقرير بالسعادة أن يُطلب مني أن أكتب، والرهبة من أنني سأكتب في تلك المجلة التي يكتب بها «الكبار» من أعضاء التنظيم السياسي.. هل يبدو الأمر مضحكًا الآن بعد مرور كل تلك السنوات؟ ربما!
كانت دينا هي المسؤولة عن متابعة مجموعة مكوّنة من نحو ستة طلاب في جامعة حلوان، تحاول تأسيس مجموعة طلابية أوسع باسم «طلاب من أجل التغيير» في جامعة قاحلة سياسيًّا إلا من الإخوان المسلمين والسلفيين والأسر الطلابية المدعومة من إدارة الجامعة والأمن. وكانت دينا ونحن الستة، جزءًا من عشرات آخرين يُشكلون «تيار الاشتراكيين الثوريين». وهذا التيار كان جزءًا من مجموعات سياسية متنوعة وصغيرة في معظمها. وكنّا جميعًا مؤمنين بشكل أو بآخر أننا جزء مما يمكنه تغيير العالم. ألا يبدو ذلك مضحكًا نوعًا ما؟ ربما!
لكن سيأتي بعد 5 سنوات وشهر من تلك اللحظة حدث جلل، يشبه محاولة اقتحام السماء، ليضيف طبقات من الارتباك إلى تلك الذكرى، التي ستقفز إلى ذهني بعد دقائق من تلقي خبر رحيل دينا.
تجمع الذاكرة خيوط الذكرى الواحدة من مراكز مختلفة بالمخ، مفضلة تلك التي تحمل تأثيرًا شعوريًّا قويًّا. ربما لهذا السبب كانت تلك هي الذكرى الأولى التي استحضرتها ذاكرتي مساء يوم 13 سبتمبر الماضي. تذكرت لحظتها كم كنت صغيرًا ومنبهرًا وحائرًا، بينما تدفعني دينا بثقة وهدوء هذه الدفعة الهيِّنة الهائلة نحو ما سيغير الكثير في حياتي لاحقًا. ماذا كان سيحدث لو لم تفعلها وقتها؟ بالتأكيد، كانت ستدفعني الدفعة نفسها لاحقًا، كما فعلت مرات عديدة طول سنوات صداقتنا، طَلَبت مني خلالها الكتابة عشرات المرات، وحَضَرت خلالها عشرات الاجتماعات السياسية في بيتها القديم خلف حديقة الميريلاند بمصر الجديدة، وزرتها عشرات أخرى من المرات في البيت نفسه لنجلس متقابلين على الكنبتين المتعامدتين، ونتحدث في كل شيء.
طول تلك السنوات، كانت دينا تعرف ما أريد أن أكونه؛ صحفيًّا. وكانت هي هناك، تسبقني بـ 12 سنة. وكنت لا أزال عالقًا في خيوط حياة لم اخترها بعد، وكانت هي تجذب برفق، مدركة كم تبدو الخطوات الصغيرة مخيفة في ذلك الوقت. دون تعجّل أو تراجع تستمر في دفعاتها الهيّنة.
طول تلك السنوات التي عرفتها فيها، كانت دينا تعيش حياة ممتلئة بساعات طويلة من العمل الصحفي اليومي في هيئة الإذاعة البريطانية، ثم صحفية الشروق، ثم موقع أصوات مصرية، ثم مؤخرًا في مجلة مرايا، وعلى الجانب الآخر ساعات طوال من العمل السياسي التطوعي اليومي في الاشتراكيين الثوريين، ثم تيار التجديد الاشتراكي ثم حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. لتمارس كل هذا بالدرجة نفسها من الإخلاص والاجتهاد. وفي كل تلك الأماكن، كانت مستمرة في الدفعات الهيّنة نفسها مع كل من تقاطعت طرقهم معها، لتفسح الطريق وتفتح الأبواب. أو كما قال صديقي ضمن مجموعة الستة في جامعة حلوان «كانت هي.. هناك في بداية كل شيء».
ترشيحاتنا
