عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

أشرف إبراهيم

ما وراء «انتحار القوة العظمى» .. ترامب ليس انحرافًا عن النظام، بل تعبير عن أزمته

2026.10.03

ترامب ليس انحرافًا عن النظام، بل تعبير عن أزمته

 

تكاد الرواية الرسمية تتفق على أمر واحد: أن أمريكا أخطأت الطريق بسبب رجل واحد، وأن الشفاء يأتي بإزاحته. تتردد هذه الرواية في الصحافة الليبرالية وفي خطاب المعارضة الحزبية، وتحمل ما يريح الجميع: فالنظام سليم والمؤسسات متينة، والمشكلة في «اختلال» طارئ. لكن السجل الفعلي، إذا نظرنا إليه بلا أوهام، يروي قصة أخرى. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو من يستفيد مما يجري، وما الذي جعل هذا الرجل ممكنًا أصلًا؟

 

إمبراطورية تتراجع وتتصرف كما تتصرف الإمبراطوريات المتراجعة

يمكن وصف ما يجري بأنه «انتحار قوة عظمى». لكن الوصف لا يفسّر شيئًا ما لم نربطه بالقاعدة المادية. الهيمنة الأمريكية التي استقرت بعد 1945 قامت على تفوق صناعي ومالي لم يعد قائمًا على النحو نفسه، ومن عادة القوى التي تتآكل هيمنتها الاقتصادية أن تلجأ أكثر إلى القوة الصلبة والحمائية والتحالفات القسرية. وهذا ما نراه: حروب بلا أفق، وابتزاز للحلفاء، وشعار «أمريكا أولًا» الذي يعني عمليًا أن كبار الرأسماليين الأمريكيين أولًا.

وثمن هذا المسار يظهر في الخارج. ففي استطلاع لمركز «بيو» شمل 42,151 بالغًا في 36 دولة بين فبراير ومايو 2026، لم يزد الوسيط العالمي لمن يثقون بقيادة ترامب للشؤون الدولية على 23%. وقد تراجعت النظرة الإيجابية للولايات المتحدة بشكل ملحوظ في 15 من 24 دولة تتوافر عنها بيانات مقارنة، فيما يقول عدد أقل من الناس إنها شريك يمكن الاعتماد عليه. وفي المكسيك، التي تشترك مع أمريكا في أطول حدودها، لا يثق بالرئيس الأمريكي سوى 11%.

لكن من الخطأ أن نقرأ هذا التراجع بوصفه نزوة. فأي إمبراطورية تتراجع تبحث عمّن يدفع الثمن: الحلفاء، والمهاجرون، والعمال في الداخل.

 

المال لا يقف خارج السياسة، هو سياستها

تقول الأسطورة الدستورية إن الإنفاق السياسي حرية تعبير، وإن المواطن والشركة يتساويان أمام الصندوق. والآن ننظر إلى الأرقام. بحسب تحليل منظمة «بابليك سيتيزن» لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، أنفقت الشركات حتى الآن نحو 517 مليون دولار في انتخابات التجديد النصفي 2026، وهو أكثر من إنفاقها في دورة 2024 كلها (461 مليونًا) وقرابة ثلاثة أضعاف إنفاقها في 2022 (184.1 مليونًا). وأنفقت شركات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والتقنية الكبرى والمراهنات وحدها 294 مليون دولار، أي 57% من المجموع. وتتقدم العملات المشفرة بنحو 189 مليونًا. وفي الدورة الحالية وحدها نحو ثلث ما أنفقته الشركات في الانتخابات الفيدرالية منذ حكم «سيتيزنز يونايتد» عام 2010 (1.58 مليار دولار)، مع أن التقديرات تبقى أدنى من الحقيقة لأن جزءًا من الإنفاق يُحجب عبر منظمات «المال المظلم».

يتبين من هذه الأرقام أمر آخر يسقط أسطورة «الحزب الجيد والحزب السيئ». فلجان الـ«سوبر باك» المتخصصة في قطاعات بعينها، مثل «فيرشيك» للعملات المشفرة و«المستقبل القيادي» للذكاء الاصطناعي، لا تهتم بالحزب. فقد أُنشئت لتتدخل في الانتخابات التمهيدية لكلا الحزبين وتؤيد أو تهاجم مرشحين من أي منهما. ولجنة «فيرشيك» تعمل عبر ذراعين، إحداهما للجمهوريين والأخرى للديمقراطيين. وتكشف قوائم المتبرعين أن «كوينبيس» و«فانديول» أعطتا كل منهما 500 ألف دولار لمشروعي مجلسي الشيوخ والنواب الديمقراطيين، إلى جانب تبرعات أكبر لجهات جمهورية.

والمؤسسة الحاكمة لا تكتفي بشراء الولاء، فهي تعاقب أيضًا. أعلنت «المستقبل القيادي» أنها ستنفق مليون دولار لإسقاط عضو الجمعية التشريعية في نيويورك أليكس بوريس في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، لأنه جعل تنظيم الذكاء الاصطناعي محورًا لحملته. والرسالة لكل مرشح: لا تقترب من مصالح القطاع. وتتوقع الجهة نفسها إنفاق ما يصل إلى 125 مليون دولار في هذه الانتخابات.

وحتى الانقسام داخل الصناعة لا يغيّر المعادلة. فشركات الذكاء الاصطناعي المتنافسة تدعم لجانًا متخاصمة، ومنها لجنة «بابليك فيرست» التي تلقت 20 مليون دولار من شركة «أنثروبيك». لكن الخلاف بين أجنحة رأس المال حول شكل التنظيم لا يعني أن المواطن طرف في المعركة. هو يشاهد، ويُستدعى كل أربع سنوات ليصوّت. هذه ما يسميه المنظّرون «ديمقراطية المتفرجين».

 

الجامعة والحلم: من يملك الفائض؟

تُقاس القوة بالمصانع والجيوش، لكنها تُقاس كذلك بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة وتوفير أفق للصعود. وهنا تبرز أرقام تدحض خطاب «الفرصة للجميع». وجدت دراسة شهيرة لراج شيتي وزملائه أن نسبة الأبناء الذين يتفوق دخلهم على دخل آبائهم هبطت من نحو 90% لمواليد 1940 إلى نحو 50% لمواليد الثمانينيات. والأهم ما خلصت إليه الدراسة حول السبب: لو وُزّع النمو الحالي على شرائح الدخل كما وُزّع لجيل 1940، لانعكس أكثر من 70% من هذا التراجع. يعني هذا أن المشكلة ليست أن المجتمع فقير، بل أن الثروة تُنتَج وتذهب إلى القمة. وتقول بيانات الاحتياطي الفيدرالي إن أغنى 1% من الأسر يملكون نحو 31.6% من صافي ثروة الأسر، أي قرابة 55 تريليون دولار في نهاية مارس 2026.

وفي الجامعات، يُخنق البحث العلمي حيث يُموَّل من المال العام وتُقطع عنه الموارد. وتقدّر جمعية «NAFSA» أن الخريف الحالي قد يشهد ما يصل إلى 111 ألف طالب دولي أقل، بخسارة قد تبلغ 3.4 مليار دولار ونحو 40 ألف وظيفة. وتشير بيانات جامعات بحثية كبرى إلى أن الطلبات الدولية إلى برامج الدكتوراه تراجعت 21% والقبول الدولي 17% والقبول الإجمالي في الدكتوراه 15%. وتضرب هذه القرارات أيضًا قوة العمل في المختبرات، إذ يقوم الطلاب الأجانب بجزء كبير من البحث. ولا يصح أن نفصل ذلك عن قرار الحظر الذي صدر في 16 ديسمبر 2025 وشمل رعايا 39 دولة بلا استثناء للطلاب. هذا ما تفعله القومية الاقتصادية: تبحث عن كبش فداء بين الأجانب بدل أن تواجه من يحتكر الثروة.

 

الرجل القوي وظيفة، لا قدَر

يمكن أن نتعلم من تجارب أخرى. في روسيا، بدأ بوتين حياته الرئاسية بعطفٍ ظاهر على كراهية الروس للأوليغارشية، ثم عرض على 21 من أثرى الرجال في يوليو 2000 صفقة: يحتفظون بثرواتهم ويمارسون أعمالهم بحرية شرط أن يبتعدوا عن السياسة. ومن خالف، مثل ميخائيل خودوركوفسكي الذي موّل أحزابًا معارضة قبل انتخابات ديسمبر 2003، سُجن بتهم الاحتيال والتهرب الضريبي. لم يُلغِ بوتين الأوليغارشية، بل أخضعها. فالسؤال ليس هل سيُحكَم المجتمع بالمال، بل من يحتكر تنظيم العلاقة بين المال والسلطة.

وفي المجر، حيث كان أوربان يُقدَّم نموذجًا لليمين الشعبوي الأوروبي وحظي بدعم مباشر من ترامب وبزيارة نائبه فانس، هُزم في 12 أبريل 2026: حصل حزب «تيسا» على 54% مقابل 37% لحزبه، وعلى نحو 70% من مقاعد البرلمان، وبإقبال قارب 80%. وهذا انتصار يستحق الاحتفاء، غير أن «تيسا» حزب يمين وسط مؤيد لأوروبا، وليس حركة عمالية. ويحذّر تحليل لمعهد «تشاتام هاوس» من أن أوربان سيظل فاعلًا من المعارضة وأن ما جرى ليس قطيعة نظيفة مع عهده.

الدرس واضح: تغيير الوجوه ممكن بالانتخابات، لكن تغيير بنية المصالح لا يتحقق بالانتخابات وحدها.

 

الحزب الثاني لرأس المال

هنا مأزق المعارضة الليبرالية. فهي ترى في ترامب استثناءً، وتَعِد بالعودة إلى «الوضع الطبيعي». لكن هذا «الوضع الطبيعي» هو الذي أنتج أسواقًا بلا ضوابط، وأنتج الغضب الذي ركبه ترامب. ومن يعد الناس بالرجوع إلى الأمس يعدهم عمليًا بتكرار ما صنع الأزمة. والحزب الديمقراطي، بمسؤوليه الذين يعتمدون على كبار المانحين كما رأينا، ليس مرشحًا طبيعيًا لقيادة معركة ضد هذا المال.

 

التاريخ يُصنع من تحت

يدلنا التاريخ الأمريكي على ما ينجح. لم تأتِ إصلاحات «العصر التقدمي» من كرم النخبة. فبعد أن كشفت تحقيقات عن تمويل شركات التأمين حملات انتخابية في 1896 و1900 و1904، وقّع ثيودور روزفلت في 26 يناير 1907 قانون تيلمان الذي منع الشركات والبنوك القومية من التبرع المباشر للمرشحين الفيدراليين. كان ضعيفًا بلا حدود للإنفاق ولا التزام بالإفصاح، لكنه جزء من موجة إصلاحات بين 1890 و1920 شملت الانتخاب المباشر لمجلس الشيوخ (1913) والاقتراع السري وحق المرأة في التصويت. وجاءت هذه الإصلاحات تحت ضغط حركة شعبية وصحافة تحقيقية ونقابات وحركات احتجاج، ولم تتحقق بالتمني.

وفي الثلاثينيات كانت الصورة نفسها: إضرابات 1934 في مينيابوليس وتوليدو وسان فرانسيسكو سبقت قانون واغنر لعام 1935 الذي أقرّ حق التنظيم النقابي. لم يمنح روزفلت العمال حقوقهم بدافع الرحمة، بل حين تعذّر حكم بدونهم.

وهذا ما يغيب عن خطاب المعارضة الحزبية اليوم. فالضغط من فوق، بقوانين تُسَنّ ثم يُستخدم ضدها الفيتو، لا يكفي. المطلوب تنظيم من تحت: نقابات تمتلك قدرة الإضراب في قطاعات حاسمة، وحركات مدنية تربط بين الغضب على الأسعار والغضب على الفساد، وجبهة تتجاوز الحدود القومية لأن رأس المال نفسه عابر للحدود ويستغل الانقسام بين عمال الدول المختلفة.

 

أن ننتقل من اسم الرجل إلى اسم الطبقة

ترامب نتيجة لا سبب. هو ثمرة عقود من تركّز الثروة وتآكل الثقة بمؤسسات تخدم قلة. وعلاجه لا يكمن في صندوق اقتراع وحده، ولا في نخبة «أكثر تهذيبًا». يكمن في أن تعيد الأغلبية العاملة تنظيم نفسها بوصفها قوة مستقلة عن الحزبين. وما لم يحدث ذلك، فإن الرجل القوي الذي يسقط اليوم سيخلفه غدًا آخر، أكثر ذكاءً وأقل صخبًا.