فنون
دار المرايامحمد قنديل.. المطرب الذي أحب الكناري!
2022.01.01
محمد قنديل.. المطرب الذي أحب الكناري!
عاش حياته في عزلة، وسط هواياته المفضلة في تربية الطيور، وجمع التحف، وأعمال النجارة. ملك صوتًا من أعذب الأصوات التي ظهرت خلال القرن العشرين. وظل حتى أواخر أيامه مخلصًا للغناء، ولم يفكر يومًا في الاعتزال حتى فارق الحياة في 8 يونيو 2004، إثر أزمة قلبية بعد حجزه بإحدى مستشفيات القاهرة.
بطاقة فنية
وسط أسرة فنية، ولد قنديل محمد حسن (مولود 11/3/1929) بشبرا. اكتشف قنديل جماله صوته بينما كان تلميذًا في مدرسة الدواوين الابتدائية. جدته لوالدته هي المطربة سيدة السويسية، وزوج عمته المطرب محمد عمر كان يقيم ندوة أسبوعية كل ثلاثاء في منزله يحضرها أحد الفنانين الكبار: صالح عبد الحي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، صَفر علي، مصطفى بك رضا، وآخرين. ذات مرة استمع له الحضور في دور سيد درويش (أنا هويت)، فصفقوا له، وطلبوا منه المزيد من الأدوار والموشحات. وجاءت نقطة التحوّل في حياته عندما قدمه الموسيقار علي فراج بأحد برامج الإذاعة عام 1943. اختار له عبد الوهاب يوسف وعلي فراج اسمه الفني محمد قنديل. كانت أغنية (التمر حنة طرح) من أوائل أغنياته (محمد قنديل يقول: عبد الوهاب يعترف بي ويخاف مني: صوتي خلق كمال الطويل، الكواكب، العدد 357، 3/7/1958، ص 24). كان قنديل قد تعلم أصول الغناء وعزف العود بعد التحاقه بمعهد الاتحاد الموسيقي مطلع الأربعينيات. واختاره المخرج أحمد بدرخان ضمن كورس الفتيان والفتيات للغناء بفيلم (عايدة) عام 1942 من بطولة كوكب الشرق أم كلثوم. وظل يغني على الهواء مباشرة بالإذاعة المصرية، وبدأ اسمه يتردد بالوسط الفني منذ عام 1947.
خلافات وتحديات
كان الموسيقار محمد عبد الوهاب يحب صوت قنديل ويقدره. وكان يطلب منه المجيء إلى منزله بالعباسية في الليل؛ كي يغني له ويطربه في سهرات الأصدقاء. أما قنديل فقد تعلّم منه الغناء السليم، ومخارج الألفاظ، وتهذيب الجمل، ومع ذلك فلم يلحن عبد الوهاب له! كانت المشكلة قد بدأت عندما قام مندوب إحدى المجلات الفنية بإجراء مقابلة مع قنديل، وخلال الحديث تطرق إلى رأيه في عبد الوهاب. فحرف المندوب كلامه عن عبد الوهاب، وموقفه من اقتباس الموسيقى الغربية، فغضب عبد الوهاب بشدة، وامتنع عن التلحين له، وبعد صفاء الأجواء بينهما لم يسعَ قنديل لطلب لحن منه، فقد كان عزيز النفس.
حدث أيضًا أن وقع خلاف بينه وبين كمال الطويل؛ فبعد أن نجحت أغنية (يا رايحين الغورية) بصوت قنديل، عرضت شركة (كايروفون) أن تسجلها على أسطوانة مقابل 50 جنيهًا، فرفض قنديل بشدة. ذهب الطويل إلى الشركة، وعرض أن تسجل بصوت عبد الحليم حافظ مقابل المبلغ المذكور. وافقت الشركة، وسُجلت الأغنية بصوت عبد الحليم لكنها لم تحظَ بالرواج المنشود. ذهب قنديل إلى الشركة عقب ذلك، وطلب تسجيلها مجانًا، فواقت الشركة، وراجت الأغنية، وطُبعت الأسطوانة أكثر من مرة. فتوترت العلاقات بين قنديل والطويل، وانتهى بمهاجمة الأخير له بالصحف والمجلات (محمد قنديل، المصدر السابق، ص 24).
صداقات متينة
كانت أم كلثوم من الداعمين لقنديل، وكانت أغنيته (التمر حنة طرح) من بين المفضلات لديها. توطدت الصداقة بينهما، ورشحته للغناء في عيد جلوس ملك المغرب الحسن الثاني على العرش. وأعجب الملك الحسن بجمال صوته، وتمكنّه من الأداء (أحمد السماحي، قنديل الطرب بعد 3 سلامات، عبد الوهاب ظلمني .. وأصدقاء عبد الحليم حاربوني، الأهرام العربي، العدد 363، 6/3/2004). كان قنديل يكّن مكانة خاصة للفنانة شريفة فاضل التي كانت تطلبه للغناء في ملهى (الليل) الذي تملكه؛ فلم يتأخر يومًا عن طبلها، وامتدت الصداقة بينهما حتى أواخر أيامه (هناء فتحي، محمد قنديل: تصيبني حالة عصبية عندما أسمع مطربي هذه الأيام! روزاليوسف، العدد 3884، 22/11/2002، ص 49).
علامات مضيئة
خلال حياته الفنية المزهرة، قدم قنديل كوكبة من أجمل الأغنيات، نذكر منها: (3 سلامات) تلحين محمود الشريف، (مالي بيه) تلحين علي فراج، (سماح) و(ع الدوار) تلحين أحمد صدقي، (بين شطين وميه) و(يا رايحين الغورية) تلحين كمال الطويل، (يا حلو صبّح) تلحين محمد الموجي، (جميل وأسمر) تلحين أحمد عبد القادر، (سحب رمشه) و(وحدة ما يغلبها غلاب) تلحين عبد العظيم عبد الحق، و(أبو سمرة السُكّرة) تلحين محمد قنديل إلى غيرها من الأعمال الرائعة. واصل قنديل الغناء حتى عام 1999، الذي قدّم خلاله: قصيدة (النيل مهرجان) من أشعار محمد عبد العزيز شنب وألحان عبد العظيم محمد إلى جانب آخر حفلاته في ليلة عيد المولد النبوي الشريف. حظيت أغنيته (والله بعودة يا رمضان) تلحين د. جمال سلامة بشهرة واسعة عبر الأجيال المختلفة.
لم تكن السينما من بين اهتمامات قنديل، لكنه شارك بالظهور والغناء في بعض الأفلام المعروفة منها: (بابا عريس) بطولة نعيمة عاكف وإخراج حسين فوزي (1950)، (الأستاذة فاطمة) بطولة فاتن حمامة وإخراج فطين عبد الوهاب (1952)، (شاطئ الأسرار) بطولة ماجدة وإخراج عاطف سالم (1958) إلى غيرها من الأعمال السينمائية.
المرأة في حياته
ذهب قنديل لإمضاء عقد عمل مع رجاء توفيق صاحبة ملهى (الكيت كات) بحي إمبابة. فأحبته من النظرة الأولى، كان وقتها لا يزال في بداية طريقه، وأجرته في الإذاعة 12 جنيهًا. قدمت له صاحبة المكان عرضًا سخيًّا يتضمن العمل مقابل 90 جنيهًا شهريًّا. وفي خلال ثلاثة أشهر، تطورت قصة الحب بينهما، وغنى لها موالاً على خشبة المسرح:
أحبكم تكرهوني/إيش جرى مني/لا ذنب سويت/ولا عيبة جرت مني
وكان كلما اشتعل خصام بينهما، يصالحها بهذا الموال. وكي يتم الزواج طلب منها إغلاق الكازينو، فوافقت. وبالفعل تزوجا في عام 1950، وعاشا تحت سقف واحد (محمد قنديل، الكواكب، 1958، ص 25). انفصل قنديل عن زوجته رجاء عام 1960، وتزوج سيدة من خارج الوسط الفني، وقد توفيت قبله ببضعة أعوام (د ب أ، بين شطين وميه أسلم محمد قنديل الروح، السفير، 10/6/2004).
الحاسة الفنية
امتلك قنديل أذنًا موسيقية حساسة إلى جانب صوته الشجي. فالعديد من الملحنين الذين تعاون معهم، كانوا يثقون في ثقافته الموسيقية، وإدراكه لجماليات اللحن. كان أحمد صدقي يسمعه اللحن قبل الانتهاء منه، وعندما يعترض قنديل على جملة بعينها، يطلب منه صدقي تغييرها. كان قنديل يذكر في حواراته أن عبد الوهاب كان يعمل على لحن (علشان الشوك اللي في الورد) عام 1955 بنقابة الموسيقيين لكن قفلته لم تكن تريحه. طلب من قنديل وكمال الطويل تغييرها، فأعجبته قفلة قنديل، وظل يصيح: «هي دي اللي أنا عايزها!». مع بليغ حمدي كان الأمر مختلفًا فقد اقتصر التعاون بينهما على 4 أغنيات فقط. كان بليغ قد عرض على قنديل أغنية (قولوا لعين الشمس)، لكن الأخير لم يكن مفضلاً لقفلة الأغنية، وطلب من بليغ أن يغيرها. لم يرحب بليغ بالاقتراح، فغضب، وقام بتسجيل الأغنية مع الفنانة الكبيرة شادية، وانقطع التواصل بين بليغ وقنديل (أحمد السماحي، المصدر السابق).
رحلة فنية ممتدة قطعها قنديل، سجل عشرات الأغنيات، والبرامج الإذاعية، والصور الغنائية. كان قاسمًا مشتركًا في أغلبها إلى جوار أصوات: حورية حسن، وفايدة كامل، وعصمت عبد العليم، وفاطمة علي إلى غيرها من الأصوات المصرية الجميلة قبل أن يفارق الحياة، ويترك رصيدًا كبيرًا من الأعمال الغنائية التي تُردد إلى يومنا هذا.
ترشيحاتنا
