عدد 18-عن الفقد والافتقاد
صبري خالدمعرض: غياب
2020.11.01
معرض: غياب
فقدُت واحدًا من أعز أصدقائي؛ هو عاطف يحيى، كان فراقه أليمًا بالنسبة لي، الوجع الناتج عن غياب عاطف ليس فقط لأنه رحل، الألم يتمثل في التفاصيل والرحلة، بداية من اصابته مرورًا بتبليغ والدته ورحلة الإهمال الطبي والبحث عن كفيل مادي، وكنت أعتقد انها انتهت برحيله المفاجئ. هنا انتهت رحلة عاطف في دنيانا وبدأت رحلة آخرين رافقوا عاطف مجبرين على التعامل مع غيابه.
نصل أنا وياسمين إلى منزل بسيط وضع على بوابته صورة نعتاد الآن على رؤيتها؛ كُتِب عليها الشهيد سامح أحمد - شهيد الحرية. أم أخرى كاللاتي أعرفهن، ووجع آخر. لمست وجوده على الرغم من غيابه، لمست وجود سامح في إيمان والدته التي طبعت صورته على سجادة الصلاة لتلمس هي الأخرى وجوده قريبًا منها في كل سجدة.
لا يعوض أحد غياب الآخر، ولكن نستطيع المرور معًا إلى ما هو أعمق من غياب الجسد، نعيش على هذه الأرض وتنسينا دنيانا ماهية الحياة وتزعزع يقيننا بالشك، لذلك نريد دومًا ما يثبت اليقين ويعمق الإيمان.
أخذت أفكر في شيء قد يفيد القضية والناس فنحن هنا من أجل بعضنا البعض. قررت أن أبدأ مشروعًا مصورًا عن أهالي الشهداء، عن حكايا تختبئ خلف تلك الأسماء الكثيرة في دفاتر الحكومة تحت مسمى «شهداء». اعتبرتها وسيلة للتعبير عن إحساسي وتوثيق ما أشاركه مع الآخرين. أبدأ رحلتي بين البيوت مفتوحة الأبواب متأخرًا، ولكن بسبب تشجيع المجموعة يحدث أن أبدأ.
من بيت أول مفقود في قرية أبو المطامير في صحراء الإسكندرية، الى منزل ياسمين خزام مرورًا بمنزل صديقي عاطف، حاولت أن أحتفظ بلحظات شاركها أهل البيت معي بقلوب ناصعة. أحاول توثيق ما حدث لأسر تعيش بيننا في وطن يتغير يوميًّا، وأشخاص تأتي وغيرها يذهب، باحثًا عن القصص التي لم يسمعها أحد، والتي تشكل تاريخنا يوما بعد آخر.
ذكريات ثقيلة أحملها معي من بيت إلى آخر، وحكايات وأحاسيس وصمتّ كثير. من بيت إلى بيت أفقد أحيانًا القدرة على السيطرة على كل هذا الكم من الحزن الذي يشاركه أصحابه ويبقى معي لساعات وأيام. ولكن بفضل وجود «المجموعة» وتفاوت خبراتنا في الحياة واختلافنا واتفاقنا ساعدني وجودي بينهم على تخطي معظم هذه العقبات النفسية، ولا أستطيع إنكار الدور المهني لهم؛ بداية من المشاركة في التخطيط للتصوير أو اختيار المعدات المناسبة والتفكير في كيفية الحصول على غير المتوفر لدي منها.
يسألني البعض «لماذا أتيت؟» وتسألني نفسي «لماذا أذهب؟» أعرف أن اجابتي عادة ما تكون غير مرتبة كل مرة، ولكن أحاول رسم طريق بيني وبينهم بلغة غير الكلام. أقول لهم إنني أحلم بتوثيق قصصهم التي أبحث عنها، موثقًا كيف كانوا وكيف وصلت بهم الدنيا إلى هنا.
يذوب الجليد سريعًا لا أعلم لماذا، لحسن حظي، ويتفهم الجميع أني لست معهم بصفتي الإعلامية آتيًا إليهم بحثًا عن حديث صحفي، وحين أخبر بعضهم أن صحيفتي لا تهتم بما أفعله ويعود السؤال ذاته «لماذا أنت هنا؟»..
أنا هنا لأني مثلكم أعرف ما هو غياب عزيز. أنا هنا لأني وأنتم لا نحتاج الكثير من الكلام كي نعبر عما بداخلنا. لحظات الصمت التي يقتحمها صوت الكاميرا المزعج تكفي كي أفهم. أتمنى حفظ ما يراه قلبي على آلتي، تكفي ثوانٍ قليلة تجتمع فيها العوامل الرئيسية من ضوء وإحساس وأعين تقول ما تريدون وأريد نقله. وهنا لا تنتهي الرحلة، هنا تبدأ رحلة أخرى أحاول فيها إيصال ما جئتُ من أجله.
ترشيحاتنا
