ثقافات
دار المرايامنى أباظة.. الشغف بالقاهرة والإنسان
2021.08.01
منى أباظة.. الشغف بالقاهرة والإنسان
لعل أهم ملامح تميز مجال الدراسات المعمارية والعمرانية، تتبلور في قدرته سواء كمجال إبداعي لتغيير البيئة المبنية حولنا، أو كسياق للدراسات البحثية التنظيرية على التكامل مع السردية الإنسانية بمختلف جوانبها. هذا الفهم يقدم تأسيسًا لأهمية الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والأنثروبولوجية والسياسية في تقديم التحليل الشامل لمفاهيم علاقة المكان بالإنسان وعلاقة المدينة بالمجتمع. كما أن تلك الدراسات وخاصة الاجتماعية قادرة على سبر أغوار وجودية الإنسان بين العوالم العاطفية والعقلية والروحانية ومدى انعكاسها أو تولدها أو تشابكها مع البيئة المبنية. من هنا تأتي قيمة الباحثين المتنورين في مجالات الدراسات الاجتماعية وعلوم الاجتماع العمراني أمثال الراحلة البروفيسور منى أباظة. لقد صدمني خبر وفاتها أكبر صدمة كبرى، خاصة وأنه جاء بعد أيام معدودة من حوار معها بدأته بتفاعلها مع تحليلي لواحد من أهم كتبها عن مدينة القاهرة. كانت كلماتها العذبة الرقيقة وشكرها لي على تفهمي منطق وهدف الكتاب وتحليله ما زالت تتردد في أذني وأنا أقرأ السطور التي تنعى الفقيدة الغالية.
والواقع أن الراحلة منى أباظة تطرقت إلى مجالات معرفية متعددة، وأنتجت خلال رحلتها البحثية والمعرفية العديد من النصوص المتميزة اهتمت فيها بتقديم فهما للدراسات الإسلامية من خلال منظور المعرفة المعاصرة وهو الجهد الذي بلورته في كتابها "جدل الإسلام والمعرفة في عالم متغير". كما كانت المرأة المصرية وخاصة الريفية المكافحة المهمشة بل والمسحوقة أحيانًا على قائمة اهتماماتها البحثية، وأنتجت في هذا السياق دراستها المعنونة "الصورة المتغيرة للمرأة الريفية في مصر". كما كان لها السبق في تحليل ثقافة الاستهلاك في مصر وعلاقتها بالتركيبة الطبقية للمجتمع المصري وخاصة في أعقاب انقلاب 23 يوليو عام 1952. وكتابها جدل الإسلام والمعرفة في عالم متغير هو حصيلة جهد بحثي نظري وميداني امتد لسنوات في كل من ألمانيا وسنغافورة وماليزيا ومصر، يجد القارئ فيه دراسة سوسيولوجيا مقارنة بين مجتمعين إسلاميين مختلفين (مصر وماليزيا) من خلال تحليل منهجي لطرائق إنتاج المعرفة في ظل إسلامية العلوم والمعارف وتدين الفضاء العام. وطرحت أقسام الكتاب الثلاث أفكارًا تمهيدية عن إسلامية المعرفة ثم عن أعلام من المشرق والمغرب في قضية إسلامية المعرفة مثل أكبر أحمد، عثمان بكر، راشد رشدي، علي شريعتي وسيد حسين نصر. وأخيرًا تحليلاً للجدل الدائر حول الموضوع، في قضايا محددة كالغزو الثقافي وتهديد الهوية، ولذا ناقشت أفكارًا مهمة مثل ماذا يريد الإسلاميون حقًا من أسلمة المعرفة: هل هو إيجاد تمثيل داخل ما بعد الحداثة، أم إنتاج ثقافة أصيلة؟ هل يستنسخون ببساطة النمط الاستعماري لعلم المعرفة الذي يستخدمه الغرب، ومن ثم هل ينتجون معرفة لإثبات قيمتهم أمام الغرب أم أمام مرجعيتهم الروحانية؟ وما مكان الجانب الميتافيزيقي في أسلمة المعرفة، ودور القيم في توجيه المعرفة الإسلامية؟
كما تناولت الراحلة إشكالية البزوغ القوي لثقافة الاستهلاك وتأثيرها على المجتمع وبنية المكان والسياقات الحضرية . وفي هذا المجال يبرز كتابها بالغ الأهمية، والذي نشرته الجامعة الأمريكية عام 2006 بعنوان "ثقافات الاستهلاك المتغيرة في مصر الحديثة" وله عنوان فرعي هو "إعادة تشكيل عمران القاهرة ". The Changing Consumer Cultures of Modern Egypt: Cairo's Urban Reshaping يتكون هذا الكتاب من مجموعة من المشاهد التي تحاول سرد التحول في ثقافة المستهلك وكيف يرتبط بإعادة تشكيل مدينة القاهرة في المناطق الحضرية لتلبية متطلبات العولمة. وبتحليل التحول من الاقتصاد الاشتراكي إلى انفتاح الاقتصاد المصري، وكيف أثر ذلك على الحياة اليومية للطبقات المتوسطة. تتطرق أباظة إلى موضوعات مختلفة مثل أنماط الحياة المتغيرة بشكل عام والاستهلاك الواضح، وانتشار الهواتف المحمولة، والمقاهي الحداثية (الكافيهات)، والمجتمعات المغلقة والمنتجعات. وحللت عملية فولكلورية الثقافة من خلال صناعة السياحة المزهرة، وتوسيع الحرف المحلية، والجراحة التجميلية والجسم كموقع للاستهلاك. وحاولت تسليط الضوء على المفارقات المتعلقة بالآثار الديمقراطية لثقافة المستهلك دون إنكار الاستقطاب الطبقي الصارخ المتزايد. وعقدت مقارنة بين الاستهلاك المصري في الستينيات (عصر الاشتراكية والتقشف) بما حدث بدءًا من السبعينيات وهي لحظة الانفتاح الاقتصادي والعودة إلى الرأسمالية مرة أخرى، بالوضع الراهن حيث تعولمت القاهرة، وانفتح السوق بالكامل أمام التدفق السلعي القادم من كل البلاد الغربية في سياق يتراجع فيه الإنتاج المصري بصورة خطيرة ومؤسفة. إن تأثير ثقافة الاستهلاك الذي أدت إليه العولمة على الاتجاهات والقيم والسلوك في مجتمع كالمجتمع المصري، أنتج فجوة طبقية كبرى بين من يملكون ومن لا يملكون. وهو استرجاع للحالة التي سادت المجتمع المصري قبل ثورة يوليو 1952. كان الموقف الطبقي يتمثل في احتكار طبقة بالغة الضيق من كبار الملاك الثروة القومية، في حين انتشر الفقر بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وانسد باب الأمل أمام أعضائها في الترقي الاجتماعي. ثم تحولت مصر إلى الرأسمالية من جديد في عصر الانفتاح الاقتصادي الذي تبناه الرئيس السادات، وبدأت عملية التدهور الطبقي في الاتساع والتعمق حقبة بعد حقبة. والاتساع الضخم في الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبروز آليات اقتصادية تسمح للأغنياء بأن يزدادوا غنى، وتدفع بالفقراء لكي يزدادوا فقرًا. والأخطر أن تسيطر ثقافة الاستهلاك وتجبر المنتسبين للطبقات الفقيرة والمتوسطة لكي ينفقوا ما يفوق طاقتهم في مجالات الاستهلاك الكمالي، مما أحدث خللاً واضحًا في ميزانية الأسر. ووثقت البيانات ان المصريين ينفقون المليارات سنويًّا على مكالمات التليفون المحمول. وهو مثال بارز على السفه الاستهلاكي الذي تغذيه الشركات الكبرى حتى يعتقد الناس أن الحاجات الكمالية أصبحت حاجات ضرورية، وذلك في مجتمع يعجز عن سد الحاجات الضرورية لملايين البشر مثل المسكن الملائم والتعليم الجيد والخدمات الصحية المتاحة للجميع.
وقد ضمت الراحلة إلى أدواتها البحثية والاستطلاعية المتعددة، التصوير الفوتوغرافي وأبدعت في استخدامه لتوثيق سردية قرية عائلتها أو للأعمال الجرافيتية على حوائط المباني المحيطة بميدان التحرير في أعقاب ثورة 25 يناير. وفي عام 2014 أقامت أباظة معرض "في البدء كان القطن" الذي جاءت فكرته من منطلق خلق مشهدية جديدة لكتابها The Cotton Plantation Remembered, AUC Press 2013 ، والذي تضمن سردية توثق لتاريخ عائلتها القاطنة بقرى وسط الدلتا في بداية القرن التاسع عشر، حيث بنت هذه العائلة ثراءها من محصول القطن وبانتهاء زراعته اختفت العائلة. تضمن الكتاب نصوصًا سردية وبصرية تدور في إطار من الحنين إلى الماضي. وانطلق الكتاب والمعرض من حرصها وخاصة بعد وفاة والدتها وعدد كبير من أفراد عائلتها، وتغيير بعض معالم المكان على مدار العقود، على توثيق تاريخ مهم يوشك على الاندثار. وقصة تحكيها عن العائلة والفلاحين الذين عاشوا فترة طويلة في ظل الإقطاع، موثقة صورًا للبيوت بنظامها القديم، وتراث الدوائر ودفاتر الحسابات التي كان يدون فيها كل ما يخص القرية منذ الثمانينيات، وكذلك الشخصيات البطولية مثل الباشكاتب والغفر. ويبدو لقارئ الكتاب أو مشاهد المعرض بوضوح، العين الفاحصة للراحلة منى أباظة التي تجولت بكاميرتها منذ الثمانينيات بالقرية تلتقط الصور وتجمع الوثائق لتقدم بالنهاية كتابًا ومعرضًا تشكيليًّا. والى جانب توثيقها وتحليلها للعائلة والقطن ومنطق الاقطاع والعلاقة الاجتماعية بين العائلة والمجتمع المؤثر حولها من ملاحظين وفلاحين، نرى سرديتها لعمارة منزل العائلة والذي بني عام 1927، والعناصر المكونة للمنزل والقرية وهو السياق المكاني المرتبط بتاريخ العائلة.
ولا يمكن أن نغفل كتابات منى أباظة التحليلية في سياق الربيع العربي، وخاصة في تعاملها مع ميدان التحرير من خلال عدة أوراق بحثية تناولت فيها موضوعات جوهرية، مثل بنية ميدان التحرير وتمزيق شوارع وسط المدينة ثم حصارها ومعني أعمال الجرافيتي ودلالاتها. شاركت أباظة بتحليل متميز عن الأسوار التي أقيمت في وسط القاهرة، إذ فسرت أن هذا التقسيم يهدف إلى عزل وحصار الثورة في منطقة محدودة. "السلطة تعلمت من درس الأيام الأولى للثورة، فاكتشفت أن المناطق المفتوحة تؤدي إلى هزيمتهم. فلجاؤا لجعل المعارك في الشوارع الجانبية كيتيستطيع محاصرة الثوار، فما حدث في محمد محمود ثم مجلس الوزارء حرب شوارع حقيقية، خاصة وأن المجلس أعلنها بالفعل كما لو كانت منطقة حرب بإغلاقه لشوارع وسط القاهرة بهذا الشكل، وكانت فكرة الأسوار من أجل مزيد من الحصار، وأيضًا من أجل تهييج سكان المنطقة والمتعاملين مع وسط البلد ضد المتظاهرين، ورفع درجة كرههم للثورة. وهذا التقسيم أيضًا يخلق مدينتين، مدينة في حالة حصار وحرب، وأخرى تمارس حياتها العادية. لاحظ أن الأيام الأولى لن تتكرر، وأداء السلطة فيها كان على درجة عالية من الغباء، بحيث كان قطع الاتصالات والإنترنت دافعًا لأعداد ضخمة للنزول على سبيل المثال، فكان شلل المدينة الذي صنعه رجال مبارك أحد أسباب نجاح الأيام الأولى. كما تناولت أعمال الجرافيتي، وأوضحت فكرة الرسم على الجدران هي فكرة قديمة، وموجودة طوال الوقت في مختلف الثقافات بطرق متعددة، واستعمال الحوائط في توجيه رسائل معارضة ليس حديثًا؛ ففي الستينيات كانت هناك رسومات وكتابات أشهرها "أنا من يسبح ضد التيار"، ولكن طرأ علينا وعلى العالم كله تغيرات وعوامل كثيرة تجعل من هذه الصيغة "العالمية" لغة جديدة لا يمكن نسبتها إلى مصدر واحد هو الغرب أو الشرق. إذا نظرت إلى جدرايات محمد محمود، ستجد تجارب مختلفة، ومن ثَم دلالات مختلفة فلا نستطيع التعميم بالقول إن الجرافيتي له معاني فنية فقط أو هدفه توجيه رسالة سياسية فقط. أجمل شيء في الجرافيتي أنه يسمح للجميع بقول ما يريدونه، ليس من الضروري أن تكون الرسالة السياسية مباشرة، بل تكون أجمل عندما تكون متوارية.
ويأتي كتاب الراحلة منى أباظة الأخير عن القاهرة، الذي يشرفني مشاركة القاريء جوهره القيم، كآخر محطة لها في رحلة معرفية فارقة. وهو بعنوان "كولاج القاهرة". ويعتمد فن الكولاج، الذي استمد منه اسم الكتاب، على الاستقطاعات الصورية والتجاور بين العناصر المُستبعدة وغير المرجحة، ومن ثَم يوفر شكلاً صداميًّا جماليًّا وغير متوقع. والكولاج ليس فقط نتاج للتمزيق والتفكيك والعنف بل أيضًا تركيب وتقريب ومعالجة. وهذا ما تمكنت أباظة من تحقيقه وهي تتأمل شكل التحضر المعاصر في مدينة القاهرة. وهي القضية التي شغلتها من وقت ثورة 25 يناير حين طرحت أننا في مصر الدولة الوحيدة التى شيدت في الثلاثين سنة الماضية نحو 22 مدينة جديدة دون بنية تحتية تخدمها: أحياء للأثرياء في أطراف القاهرة دون أن نعبِّد لها طرقًا ونوفر لها خطوط مواصلات، اعتقادًا منهم أن المواصلات مطلب للطبقات الدنيا وليست لهم، لكن لم يسألوا أنفسهم كيف سيصل (الخدم) إليهم، ولم يسألوا أنفسهم أن إهمال الطرق له ضحايا بالآلاف، وهذا يعنى أن «العبط الطبقى» أعماهم عن مصالحهم.
تشكل أباظة لوحة متكاملة متشظية من المقالات القصيرة التي تعكس يوميات المبنى أو المنزل التي تتغير ايقاعاتها ونبضاتها مع التغيرات السياسية بالغة الأهمية التي تحدث في القاهرة ومصر منذ عام 2011. تتبوأ "قاهرة ما بعد ثورة 25 يناير" المشهد في سردية الكتاب حيث تكثف فيه أباظة التركيبة التهكمية الناقدة الحزينة الفوضوية للمدينة المتضخمة، وتقدم طرحًا يشتبك فيه الشخصي مع التنظيري. يستكشف الكتاب مجموعة واسعة من الموضوعات والممارسات الحضرية من عسكرة المدن، إلى التنقل، وصولاً إلى معضلة إصلاح مصعد العمارة. لقد تمكنت المؤلفة من خلق مقارنات ومفارقات تبادلية بين الممارسات الحضرية الاعتيادية وبين مسارات التنمية الحضرية الأوسع مما يوضح التداخل والتراكب و الترابط بين الحياة في القاهرة. من ثورة 2011 حتى عام 2013، ومثل الملايين من الآخرين، استهلكت الأكاديمية أباظة في حياة يومية مستنزفة ومرهقة لمدينة وقعت في أعقاب الثورة، وهي الحياة اليومية التي حولت عددًا لا يحصى من الناس إلى مواضيع غير سياسية، حيث النضال من أجل الحياة وتلبية متطلباتها. يقدم كتاب كولاج القاهرة سرديات متوازية عن التحولات الحضرية في القاهرة في القرن الحادي والعشرين، وتبحث في الحياة اليومية ومحاولة الحياة والنضال المعيشي بعد عام 2013. تثير أباظة أسئلة اجتماعية أساسية بشأن التوجهات العالمية المتعلقة بحالة التحضر العسكرية المتسارعة. مع تأملات في الساعات الطويلة من التنقل إلى المجتمعات المسورة في الصحراء شرق القاهرة والحياة المادية اليومية والتفاعلات الاجتماعية للسكان في مباني الطبقة المتوسطة المتحللة، ينسج الكتاب مشهدية مركبة للتحولات الجارية في مختلف مناطق الجغرافية القاهرية. وهنا ننتبه إلى سياسات الإسكان غامضة الاستهداف، وغير الفعالة وغير العادلة في مصر والتي استبعدت المحتاجين من السكن اللائق بينما أنتجت ملايين الشقق الشاغرة في المناطق الريفية والحضرية.
من استنتاجات أباظة التي صرحت بها مسبقًا أن المصريين طبقيون جدًا، فهناك تقسيم هرمي للناس، وكل شخص يحاول تصنيف نفسه بالقياس إلى الآخرين: هل هو أعلى أم أدنى منهم. وهناك طريقة مختلفة لمعاملة الأعلى والأدنى، لاحظ أن «الضباط الأحرار» حرصوا بعد نجاح ثورة 1952 على الزواج من بنات الطبقة البرجوازية، فأحد أبناء عبد الناصر مثلاً تزوج من فتاة بدراوية (نسبة إلى أسرة بدراوي الأرستقراطية)، وناسب السادات عائلة «مرعى»، وهذا يعني إعجابًا من الطبقة الحاكمة الجديدة بالبرجوازية القديمة، ويعنى أيضًا أن البرجوازية كانت انتهازية تسعى لتأمين مصالحها في ظل ظروف متغيرة. ولذا لم تظهر في مصر تيارات وجماعات تحتج على ثقافة الاستهلاك المفرط كما حدث في الغرب، لأننا وتبعًا لتعبير وتفسير أباظة نحب «الفشخرة» وتطلعاتنا هرمية، فالريفي يقلد سكان المدن، والطبقة المتوسطة تقلد الطبقة البرجوازية.
وتملك أباظة القدرة على احتواء القارئ داخل سرديتها عن المدينة بحيث يصبح معنيًا ومشاركًا في منطق الحياة بها ومع محيطها الفوضوي. فتبرز التفاصيل التي يراها المنفعل مع المكان والمتعايش داخله فقط بما يضم من تقاطعات الحياة وتناقضات المدينة المدوية، والتطلعات، والقيود العنيدة. تقدم هذا كله مفسرة قوة الحياة التي جعلت القاهرة تستحق العيش. وتستخدم أباظة شقتها وعمارتها سكنية كمنصة لقراءة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجمالية في البلاد ككل في أعقاب عام 2011، مما يجعل الكتاب مزيجًا من السرد الروائي المحفز وبين الطرح الأكاديمي الرصين. كما يعطيه خصوصية ومصداقية مع توازن أباظة باقتدار بين البصيرة الدقيقة والسخرية المؤلمة من المدينة التي يغلف اسمها ذاته تناقضاتها في آن واحد؛ القاهرة المنتصرة وهي أيضًا التي تقهر وتغلب وتسحق. تقدم أباظة صورة مروعة للقاهرة منذ ثورة يناير حيث يختفي الناس في أنفسهم أو في الخارج أو تحاصرهم الدولة خاصة مع انحسار المد الثوري واستعادة الأجهزة الرسمية زمام الفعل بالكامل. تستشف أباظة النظام وراء الفوضى، وتختبر أعماق الأخلاق السياسية الجديدة حيث تتكون أمامنا سردية كاشفة لحركة لا نهائية للمدينة في المكان والزمان، ودراما الحياة اليومية وإبداعاتها.
ما طرحته الراحلة منى أباظة في كتابها يمثل نسيجًا كاشفًا من سرديات تبدو منفصلة، ولكنها عميقة الاتصال. كما أن القراءات تبلور من جديد، واحد من أكثر أسرار القاهرة غموضًا، وهو قدرتها على القهر الإيجابي عندما تكون منتصرة محتضنة لأبنائها. ولكن أمامنا أيضًا قدرتها على القهر السلبي عندما تهزم أبناءها وتجعلهم يسكنون فضاءات معسكرة، أو ينتهكون حسيًّا أو ما زالوا عاجزين عن الحصول على مسكن يطمئنهم ويبعدهم عن مخالب اتهامات العمران اللا رسمي ومطالبات الغرامات وتهديدات البلدوزارات. ولكن السؤال المهم بعد كل تلك القراءات هو هل فعلاً القاهرة هي مدينة الإرهاق الجماعي، وهل هذا هو قدر سكانها وسر الافتنان بها من قبل زوارها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) Credit:Courtesy of MAS Urban Design 2014-2015
ترشيحاتنا
