عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

أسماء عبد العزيز

من وراء ظهور المنتجين.. لا من وراء أستار الغيب

2026.08.15

من وراء ظهور المنتجين

لا من وراء أستار الغيب

 

دائماً ما أحبُّ النظر إلى أحواض الأسماك والاستغراق في عوالمها. وفي إحدى الأمسيات، كنت أجلس في مطعم كلاسيكي، وإلى جواري حوض كبير تتقاطع داخله الأسماك في حركة تبدو عفوية، لكنها لا تخلو من نظام ما. أطلتُ النظرَ إليه حتى شرد بي الخيال، وبدأ الحوض يكتسب في ذهني رمزيةً غريبةً، سرعان ما تراءت لي عبارة ماركس المثيرة للجدل: "من وراء ظهور المنتجين".

ولعل القارئ يتساءل الآن: ما علاقة هذا بذاك؟ كيف يمكن للعقل أن ينتقل من حوض أسماك في أمسية عشاء إلى عبارة تقع في قلب نقد الاقتصاد السياسي؟ وما الذي يجمع بين أسماك تسبح أمامي، ومنتجين يعملون داخل مجتمع تحكمه السلعة والقيمة والتبادل؟!

ربما بدأتْ الصلة من ذلك التناقض البسيط الذي أسرني في المشهد: كانت كل سمكة تتحرَّك بمفردها، تتبع حاجتها ومسارها الخاص، دون أن تعرف شيئاً عن الشكل الكلي الذي تصنعه حركات الجميع، والذي أتأمله أنا في صمت. لم تكن هناك سمكة تقود الحوض، ولا يد خفية ترسم لكل واحدة طريقها، ومع ذلك كان ثمة نمط يتكون أمامي: مسارات تتقاطع، ومساحات تزدحم، وأخرى تخلو، وسرعات تتفاوت، وحركة كلية لم تُخطِّط لها سمكة بعينها، مع أنَّ كل سمكة شاركت في صنعها!

من وراء ظهور المنتجين.. لا من أستار الغيب

عندها بدت لي عبارة ماركس أقرب مما توحي به غرابتها الأولى. فلا تعني "من وراء ظهور المنتجين" أنَّ قوة غيبية تختبئ خلفهم وتدير الاقتصاد، بل تعني أنَّ البشر يصنعون، من خلال أفعالهم المنفصلة والمتبادلة، علاقةً كليةً لا يرونها وهم منشغلون بمقاصدهم المباشرة؛ ثم تعود هذه العلاقة التي صنعوها فتفرض شروطها عليهم كما لو كانت قوةً مستقلةً عنهم. إنَّهم، مثل أسماك هذا الحوض، يصنعون التيار بحركتهم، ثم يواجهون التيار كأنَّه لم يكن من صنعهم.

لكن سرَّ المشهد لا يسكن الأسماك وحدها؛ فما كان لهذه الحركات المتقاطعة أنْ تنتظم، أو حتى أنْ توجد، لولا ذلك الوسط الشفاف الذي يحملها ويصل بعضها ببعض.. الماء. فالأسماك، مهما اختلفت أنواعها وأحجامها وألوانها، لا تتحرَّك في فراغ، وإنما داخل وسط واحد يربط حركة كل واحدة منها بحركة الأخريات. كثافة الماء واتجاه تياراته وحجم الحوض ومواضع الغذاء والأكسجين وعدد الأسماك الموجودة فيه، كلها شروط تحدِّد ما تستطيع السمكة فعله، وإنْ لم تكن ظاهرةً في كل لحظة أمام عينيها.

وعلى المنوال نفسه، لا يعمل المُنتج الفردي في فراغ. إنَّه يتحرَّك داخل وسط اجتماعي يتكوَّن من تقسيم العمل، والملكية الخاصة، والتبادل، والمنافسة، والنقود، ومستوى التقنية والإنتاجية السائد. قد يظن أنَّه يتخذ قراراته بحرية كاملة: يختار ما ينتجه، ويحدد طريقته، ويقدّر تكلفته، ويبحث عن ربحه. لكن قراره الخاص يدخل فوراً في شبكة من القرارات والأعمال التي لا يسيطر عليها، ويتوقف نجاحه على علاقته بهذه الحركة الكلية.

لغة المساواة و"العمل المجرد"

ورأيتُ في تعدُّد أنواع الأسماك، واختلاف أحجامها وألوانها وطرائق سباحتها، صورةً لتنوع الأعمال الملموسة؛ فالزراعة والخياطة والنجارة والبرمجة، على تباينها، لكل منها طبيعتها الخاصة ومسارها المميز وما تنتجه من منفعة. فكما أنَّ لكل نوع من الأسماك تكوينه الخاص وطريقته المميزة في السباحة، فإنَّ لكل عمل طبيعته وأدواته وأثره؛ فالخياط لا يعمل كما يعمل الفلاح، والمبرمج لا يعمل كما يعمل النجار. ومن هذا الاختلاف النوعي تحديداً تنشأ القيمة الاستعمالية؛ إذ ينتج كل عمل منفعةً مخصوصةً لا ينتجها العمل الآخر، وبفضل هذا التباين يصبح الناس في حاجة إلى منتجات بعضهم بعضاً. يُبادل القمح بالقماش، والقماش بالنقود، والنقود بالهاتف، على الرغم من أنَّ الزراعة والنسيج وصناعة الإلكترونيات أعمال مختلفة لا يمكن مساواتها من حيث مضمونها الملموس. كيف تصبح هذه الأعمال المختلفة قابلة للمساواة إذن؟

كما يمكن، على الرغم من اختلاف طرق سباحة الأسماك، قياس حركاتها جميعاً بالزمن والسرعة والمسافة، يختزل المجتمع السلعي الأعمال المختلفة إلى مقادير من إنفاق قوة العمل البشرية. هنا يظهر ما سماه ماركس "العمل المجرد". وليس المقصود تجريداً ذهنياً يبتكره الباحث حين يقرِّر تجاهل الفروق بين الخياط والفلاح والمبرمج، بل تجريداً يمارسه الواقع الاجتماعي نفسه عندما يضع منتجات أعمالهم في علاقة مساواة فعلية.

حين يُبادل مقدار من القمح بمقدار من القماش، لا تكون المساواة قد حدثت في رأس الاقتصادي، بل في الممارسة الاجتماعية. فالسوق لا تسأل عن ثراء تجربة الفلاح أو خصوصية مهارة النسَّاج، وإنما تعامل عمليهما، ضمن شروط محددة، بوصفهما مقدارَين من العمل الاجتماعي القابلين للمقارنة. بهذا المعنى، لا يكون العمل المجرد فكرة أسقطها ماركس على الواقع، بل يكون الواقع السلعي قد مارس التجريد أولاً، ثم جاء الفكر النظري ليكشفه ويعيد بناء منطقه.

سلطة السوق والزمن الضروري

ومع ذلك، لا يكفي أنْ يعمل الإنسان فعلاً لكي يعترف المجتمع بكل الوقت الذي أنفقه بوصفه قيمة. فقد تستغرق ورشة ما ثلاث ساعات في إنتاج قميص، بينما تستطيع المصانع التي تستخدم التقنية السائدة إنتاج القميص نفسه في ساعة واحدة. الساعات الثلاث حقيقية فيزيائياً؛ فقد عاشها العامل وأنفق خلالها طاقته وعمره. لكن المجتمع لن يعترف بها كلها بوصفها ثلاث ساعات من العمل الضروري اجتماعياً.

فالزمن الذي يحدِّد مقدار القيمة ليس ما يستغرقه هذا المنتج أو ذاك، بل ما يحتاج إليه المجتمع لإنتاج السلعة في ظلِّ المتوسط السائد من المهارة والتقنية وكثافة العمل. قد ينفق المنتج ساعات أطول، وتكون تلك الساعات حقيقية من عمره وجهده، لكنها لا تصبح جميعها، لمجرد أنها أُنفقت، جزءاً معترفاً به من القيمة. فالمجتمع لا يُلزَم بدفع ثمن البطء الفردي؛ إذ تفرض حركة الكل معيارها على كل جزء، كما يفرض تيار الحوض إيقاعه على كل سمكة تسبح فيه.

فلا توجد لجنة تجتمع لتقرر أنَّ الزمن الضروري لإنتاج القميص أصبح ساعة واحدة، ولا يتفق الرأسماليون مسبقاً على مقدار العمل المجرد الذي ستحتويه كل سلعة. تتكون هذه المعايير عبر المنافسة واختلاف الإنتاجية وحركة العرض والطلب وانتقال رؤوس الأموال وتبادل المنتجات. ثم تظهر نتائجها أمام المنتج في صورة محسوسة: سعر لا يغطي تكلفته، أو مخزون لا يجد مشترياً، أو ربح يسمح له بالتَّوسُّع، أو خسارة تدفعه إلى الانكماش والخروج من السوق. وكأنَّ الحوض يقول للسمكة، دون أن يتكلم: حركتك حقيقية، لكنها لم تعد ملائمة لحركة الكل. وتقول السوق للمنتج: ساعاتك موجودة، لكن المجتمع لن يعترف بها كلها عملاً ضرورياً. ليست هناك ذات تنطق بهذا الحكم، لكن العقوبة الاقتصادية تقوم مقام اللغة.

هذه هي النقطة التي تتكشف عندها "موضوعية" قانون القيمة. فهو لا يوجد خارج البشر ولا يعمل بدونهم، لكنه لا يخضع لإرادة أي فرد منهم. تصنعه علاقاتهم الجماعية، ثم يعود فيواجه كل واحد منهم كقوة خارجية. إنَّه موضوعي، لا لأنَّه قانون طبيعي أبدي مثل الجاذبية، بل لأنَّه نتيجة اجتماعية حقيقية لا يستطيع الفرد إلغاءها بمجرد رفض الاعتراف بها.

جدلية البنية: الجزء الذي ينتج الكل

وكما لا يوجد نمط حركة الحوض من دون الأسماك والماء وشكل المكان، لا يوجد قانون القيمة من دون المنتجين وتقسيم العمل والتبادل والملكية الخاصة. لكنه، بعد أن يتكوَّن من تفاعل هذه العناصر، يصبح شرطاً لحركة كل عنصر منها. فالجزء ينتج الكل، والكل يعود فيحدد حدود الجزء. وهذه ليست دائرةً لفظيةً، بل علاقة جدلية: البشر يصنعون البنية بممارساتهم اليومية، والبنية تعيد تشكيل أفعالهم وتحديد إمكاناتهم.

وهنا نفهم الدلالة الدقيقة لعبارة: "من وراء ظهور المنتجين". فليس المقصود أنَّ قانون القيمة يتحرَّك في عالم غيبي منفصل عن أفعال البشر، ولا أنَّ السوق عقل خفي يعرف سلفاً ما ينبغي إنتاجه وكيف ينبغي توزيعه. إنما المقصود أنَّ المنتجين، على الرغم من ترابطهم الفعلي داخل تقسيم اجتماعي واحد للعمل، لا ينظِّمون هذا الترابط مسبقاً وبصورة واعية؛ بل يدخل كل منهم عملية الإنتاج بوصفه مالكاً خاصاً مستقلاً، يتبع غايته المباشرة. ولا ينكشف لهم إلا في السوق ما إذا كان المجتمع يحتاج بالفعل إلى منتجاتهم، وما إذا كان الزمن الذي أنفقوه سيُعترف به بوصفه جزءاً ضرورياً من العمل الاجتماعي، أم سيظل وقتاً فردياً زائداً لا يجد ما يعادله في التبادل.

يرى كل منتج حركته القريبة: يخفض سعره لكي يبيع، ويشتري آلة لكي ينافس، ويزيد ساعات العمل لزيادة ربحه، وينتقل إلى قطاع آخر بحثاً عن الربح. لكنه لا يرى بالضرورة الأثر الكلي الذي يسهم في إنتاجه. لا يقول الرأسمالي: "أنا أشارك الآن في خفض زمن العمل الضروري اجتماعياً وإعادة توزيع العمل بين القطاعات". ومع ذلك، فهذا هو الأثر الموضوعي لأفعاله داخل البنية، مهما اختلف عن دوافعه الواعية.

ومن هنا يتضح الفرق بين قصد الفاعل الفردي ووظيفة فعله داخل الكل الاجتماعي. قد يريد الفرد شيئاً محدوداً، لكن تفاعل فعله مع أفعال الآخرين ينتج نتيجة لم يقصدها أحد. وهذه النتيجة ليست وهماً لأنَّها غير مقصودة، بل قد تصبح أكثر صلابة من إرادات جميع الأفراد المنعزلين.

لننظر إلى الازدحام المروري مثلاً. لا يخرج سائق من منزله قاصداً صنع ازدحام، لكن تفاعل قرارات آلاف السائقين داخل شبكة طرق محددة ينتج ازدحاماً حقيقياً يواجه كل واحد منهم كقوة خارجية. لم تصنعه "روح المرور"، ولم تأمر به يد غيبية، لكنه ليس وهماً أيضاً. إنَّه نتيجة موضوعية ناشئة من بنية الأفعال المتبادلة. وكذلك قانون القيمة؛ ليس كائناً يقف خلف المنتجين ويحركهم، بل هو نمط الضرورة الناتج من شكل علاقتهم. إنهم يعتمدون بعضهم على بعض، لكن اعتمادهم لا يُنظَّم بصورة مباشرة وواعية؛ ولذلك لا بد أن يثبت كل عمل خاص طابعه الاجتماعي في السوق. ومن هذا التناقض بين اجتماعية العمل وخصوصية تنفيذه تنشأ ضرورة القيمة والتبادل والنقود.

بين ماركس و"اليد الخفية" لآدم سميث

ومع ذلك، كثيراً ما تُنتزع عبارة ماركس من سياقها، فيُقال إنَّه أدخل إلى السوق قوةً ميتافيزيقيةً تعمل "من وراء ظهور المنتجين". والمفارقة أنَّ بعض مَن يوجِّهون إليه هذا الاتهام يمرون مطمئنين أمام استعارة آدم سميث عن "اليد الخفية"، من غير أن يروا فيها الغموض نفسه.

ففي تلقيها الشائع، تبدو اليد الخفية استعارةً مقبولةً لتفسير كيف يمكن لسعي الأفراد إلى مصالحهم الخاصة أن يفضي إلى نتيجة اجتماعية أوسع لم يقصدها أحد منهم. أما عبارة ماركس فتُقرأ أحياناً كما لو كانت تستحضر روحاً تسكن الاقتصاد وتصدر أوامرها من عالم الغيب. غير أنَّ التدقيق يكشف أنَّ تحليل ماركس أبعد ما يكون عن ذلك؛ فهو لا يفترض يداً مستترة، ولا عقلاً أعلى يدبِّر الحركة، ولا غاية خيِّرة تضمن أن تنتهي الفوضى دائماً إلى الانسجام والمنفعة العامة.

وإذا كانت اليد الخفية، في تأويلها المتداول، توحي بأنَّ المصالح الخاصة قد تتآلف تلقائياً في خدمة الكل، فإنَّ ماركس يبدأ من السؤال الذي تحجبه هذه الطمأنينة: داخل أي بنية تتحرَّك تلك المصالح؟ من يملك وسائل الإنتاج، ومن لا يملك سوى قوة عمله؟ ومن يقرِّر اتجاه الاستثمار، ومن يتحمل نتائج القرار؟ وكيف يمكن لسعي كل طرف إلى نجاته أو ربحه الخاص أن ينتهي، لا إلى الانسجام، بل إلى أزمة وبطالة وإفلاس واحتكار، بل إلى فقر يتسع في قلب وفرة هائلة من المنتجات؟

ثمن الأزمة وصناعة الخاسرين

ولذلك، فالقانون لا يظهر بوصفه حكمةً خفيةً تنظِّم المجتمع بلطف، وإنما بوصفه علاقةً عفويةً يعيد المجتمع من خلالها توزيع عمله وموارده، وغالباً ما يفعل ذلك بثمن إنساني فادح. ليس قانون القيمة ضماناً لعدم اصطدام أسماك الحوض، بل قد يفرض نفسه من خلال الاصطدام. فإذا اندفعت الأسماك جميعاً إلى بقعة واحدة ظناً منها أنَّ الغذاء يوجد هناك، وقع التزاحم، وضاق المجال، ونقص الأكسجين، واضطرت الحركة إلى إعادة توزيع نفسها. لم تختر سمكة بعينها هذه النتيجة، لكنها خرجت من تفاعل حركات الجميع مع شروط الحوض.

وبالمثل، إذا اندفعت رؤوس أموال كثيرة إلى قطاع يبدو أكثر ربحاً، فقد يتجاوز الإنتاج حدود الحاجة الاجتماعية المدعومة بالقدرة على الشراء. تتراكم السلع، وتنخفض الأسعار، وتتراجع الأرباح، وتفلس بعض المنشآت، ويُفصل العمال، ثم ينتقل جزء من رأس المال إلى قطاعات أخرى. لم يخطِّط أحد للأزمة بوصفها هدفاً، لكن قرارات الجميع المتنافسة أسهمت في صنعها. لا تعني الأزمة هنا أنَّ قانون القيمة توقف عن العمل؛ بل قد تكون أكثر لحظاته وضوحاً وقسوة. فمن خلالها يفرض الكل شروطه على الأجزاء، ويعيد توزيع العمل الاجتماعي بالقوة بعدما عجز المنتجون المنفصلون عن تنظيمه مسبقاً بوعي. إنَّ النظام يستعيد توازنه، إن استعاده، لا بمنع الخسارة، بل بصناعة الخاسرين.

وهذا يفسر لماذا لا تكون السوق مصدر القيمة، وإن كان المجال الذي تظهر فيه وتتحقَّق اجتماعياً. فالعمل المبذول في الإنتاج هو مادة القيمة، لكن ليس كل عمل فردي عملاً ضرورياً اجتماعياً. يأتي "التبادل" ليختبر الطابع الاجتماعي للعمل الخاص: هل يحتاج المجتمع إلى هذه السلعة؟ هل أُنتجت في زمن يتوافق مع الشروط الاجتماعية السائدة؟ وهل يمكن تحويلها إلى نقود ومواصلة دورة الإنتاج؟

لذلك لا تخلق السوق القيمة من العدم، كما لا يخلق الحوض حركة الأسماك؛ إنَّه الوسط الذي تتقاطع فيه الأعمال الخاصة، فتنكشف من خلاله علاقاتها الاجتماعية ويُختبر مقدار ما يعترف به المجتمع منها بوصفه عملاً ضرورياً. ومن هنا لا تنفصل لحظة الإنتاج عن لحظة التبادل، وإن كان لا يجوز اختزال إحداهما في الأخرى.

المرآة النقدية والأشياء التي تحكم البشر

وتخيَّلتُ خارج الحوض عدَّاداً دقيق الحسِّ، يلتقط حركة كل سمكة، ثم يمحو اختلاف ألوانها وأحجامها وطرائق سباحتها، ليعرضها جميعاً في أرقام موحدة من الزمن والسرعة والمسافة. هكذا تفعل النقود خارج عالم الإنتاج: تمنح العلاقات الاجتماعية أكثر صورها تجريداً، فتضع القمح والقماش والهاتف والكتاب والصورة في هيئة واحدة قابلة للقياس والتبادل. وما أن تظهر الأشياء في المرآة النقدية حتى تتوارى خلف الرقم خصائصها النوعية، ويصبح ما أنتجه الفلاح والخياط والمبرمج مقادير متجانسة تتكلم لغة مشتركة.

لا يخبرنا الرقم عن نوع السمكة، ولا عن مقاومة الماء التي واجهتها، ولا عن المسار الذي قطعته أو ما استنزفته الحركة من جسدها. وعلى المنوال نفسه يحجب السعر نوع العمل وشروطه، من عمل ومن امتلك، وكم من الوقت أُنفِق، وكم منه اعترف به المجتمع عملاً ضرورياً، وكم من حياة العامل ذاب في السلعة قبل أن تستقر على بطاقة صغيرة تحمل رقماً يبدو بسيطاً ومحايداً. فالنقود لا تكشف العلاقات الاجتماعية بقدر ما تضغطها في رمز واحد؛ تمنحها قابلية الظهور، لكنها تخفي تاريخ تكوُّنها.

وما إن تستقل هذه الصورة النقدية عن الحكاية التي أنتجتها حتى تبدأ الأشياء في اكتساب حياة عجيبة. تبدو السلعة كأنَّ القيمة كامنة في جسدها، وتظهر النقود كأنَّها قادرة بطبيعتها على أن تلد مزيداً من النقود. عندئذٍ تتجافى القيمة عن كل مضجع؛ لا تستقر في سلعة ولا تأوي إلى صورة، بل تظلُّ تنتقل من موضع إلى آخر؛ خوفاً من الخسارة وطمعاً في الربح، فيما تتوارى خلف حركتها المحمومة أجساد المنتجين وساعات أعمارهم.

لحظة الكشف: الحاضرة الغائبة

حينها خُيِّل إليَّ أنني إنسان صوفيٌّ في لحظة كشف؛ رأيت ذلك الحضور الشفاف يسري في العالم كله، لا في حوض الأسماك وحده. غير أنَّ ما انكشف لي لم يكن سراً آتياً من وراء الغيب، بل علاقة بشرية شديدة القرب، طال احتجابها لأنَّها كانت حاضرةً في كل شيء؛ فهي الحاضرة الغائبة، الظاهرة والباطنة، القريبة حدُّ الابتذال والبعيدة حدُّ الغموض. نلمس آثارها في كل لحظة، ولا نكاد نراها في ذاتها. هي التي لها كل الأسماء والصفات، والتي تحدِّد ما يظهر وما يختفي، وما يُرى وما يُهمش، وما يُتداول وما يُنسى. لا جسد لها، لكنها تمسُّ كل الأجساد؛ لا صوت لها، لكنها تحدِّد ما يُسمع؛ لا وجه لها، لكنها تصنع وجوه العالم المرئي.

هي الحاضرة في رغيف الخبز وثوب القماش وشاشة الهاتف، كما في زرِّ الإعجاب، والمشاهدة، والتقييم، والبيانات. تسكن السعر، ولا تختزل فيه؛ تظهر في السلعة، ولا تنحصر في مادتها؛ تلمع في النقود، ولا تكون النقود إلا قناعاً من أقنعتها. وحين ظننا أنَّها تخص المصنع وحده، وجدناها وقد انتقلت إلى المنصة؛ وحين اعتقدنا أنَّها كامنة فيما هو صلب، وجدناها تتشكَّل في الصورة، والصوت، والوقت، والانتباه. تتخفَّى في الأشياء ثم تحكمها؛ تمنح بعضها الظهور وتدفع بعضها إلى النسيان.

مثل الزئبق تتحرَّك؛ فيصير ما كان جزئياً وعابراً شكلاً كلياً يحكم الحياة، وما كان كلياً ومستقراً يستحيل جزئياً في نقرة زر، أو صورة، أو مشاهدة، أو أثر رقمي صغير. إنها منطق يحوِّل الهامش إلى مركز، والمركز إلى تفصيل، ويجعل العلاقات بين البشر تبدو كأنَّها خصائص للأشياء، والأشياء كأنَّها صاحبة السلطة على مصائر البشر.

فجأة، جاءني صوتٌ من طرف المائدة يناديني باسمي، فردَّني إلى المطعم بعد أن كنت قد ابتعدت عنه كثيراً. رفعت عيني عن الحوض، فإذا الأسماك لا تزال تسبح في صمت، تعبر المسارات نفسها، وتصنع بحركاتها المنفردة ذلك المشهد الذي لا تراه أيٌّ منها كاملاً. لم يتغير شيء في الحوض؛ الذي تغيَّر هو نظرتي إليه.

عدت إلى مقعدي، لكن عبارة ماركس عادت معي وقد تخلصت من غموضها؛ ليس خلف المنتجين شبحٌ يدير حركتهم، ولا يدٌ تمتد إليهم من وراء أستار الغيب؛ إنما تقف خلف كل واحد منهم حركة الجميع، والعلاقة الكلية التي يصنعونها معاً دون أن يروها في كليتها.. إنَّهم، مثل أسماك الحوض، يحرِّكون الماء ثم يواجهون التيار كأنَّه آتٍ من مكان آخر؛ يصنعون القانون في وضح النهار، فيعود ليحكمهم من وراء ظهورهم.