عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هموم

أحمد محسن

نواجه سوقًا غير مستقرة

2021.01.01

نواجه سوقًا غير مستقرة

بدأتُ في حب الترجمة قبل أن أسمع بها للمرة الأولى؛ منذ كنتُ طفلاً في الثانية عشرة أشارك في كل مسابقات القراءة والكتابة والفنون والتحدّث بالفصحى وإلقاء الشعر. كنت دون أن أدري ألبّي نداء كل بابٍ من أبوابِ اللغة ينفتح أمامي. كنتُ أترجِم حينذاك، مستخدمًا لغةً واحدةً، هي اللغة التي كنت أعرفها.

حين كان عليَّ تحديد الكلية التي سأدرسُ فيها، وعلى الرغم من رغبتي في الدراسة في كلية دار العلوم؛ لاستكمال الطريق في النهل من الأدب العربي، إلا أنني استمعتُ لنصح كثير من أصدقائي بدراسة لُغةٍ أجنبية وسلوك سبلٍ موازية للتعمق في دراسة العربية إلى جانب الدراسة الجامعية؛ وبالفعل التحقتُ بقسم اللغة الإسبانية وآدابها بجامعة القاهرة. منذ الفصول الأولى بالجامعة، ولأنني كنتُ كثيرَ الكتابة حينها، كنتُ أتتبع سير وأسماء أعلام مترجمي الإسبانية الكبار. وقبل قليل، في أثناء حديثي مع شاعرة كولومبية أترجم لها كتابًا، تذكرتُ أن من أوائل القصص التي ترجمتُها في الجامعة قصة من كتاب كلاسيكي في الأدب الإسباني هو كتاب «الحب المحمود». وهو ما تعجبتُ له، لأنه من الكتب القديمة ذات اللغة الصعبة، لكن لأن مواد الترجمة التي درستُها خلال سنواتٍ الدراسة كانت ذات تركيزٍ على تعلم اللغة أكثر من اعتنائها بتعليم تقنيات الترجمة وآلياتها.

أذكرُ حين ذهبت إلى إسبانيا للدراسة في جامعة سلمنكا، نصحتني أستاذتي، الدكتورة عبير عبد الحافظ أن أكتب بالإسبانية، وأفكر بالإسبانية، وأسمع بالإسبانية. فأغلقتُ حسابي على فيس بوك، وكنت بالفعل أكتب مذكراتي بالإسبانية، وقتها بدأت علاقتي بالشعر الإسباني للمرة الأولى وجهًا لوجه. كانت شهور الدراسة في إسبانيا، والحياة في البلد، التعامل مع اللغة في كل جوانبها، في لغة الشعراء والكتّاب وأساتذة الجامعة، كما في لغة الطلاب الآتين من نواحي إسبانيا المختلفة، الذهاب إلى السينما والمسارح، والحديث مع سكان القرى، واستخدام التعبيرات الشعبية. هناك بدأت فراغاتٌ كبيرة في علاقتي باللغة بالامتلاء، وبدأت أكتب قصائد الحبِّ بالإسبانية للفتاة التي أعجبتني في حلقات النقاش في مكتبة عامة. حينذاك بدأت مرحلة مهمّة في الإعداد للترجمة فيما بعد، القدرة على التحرك في اللغتين في مساحات مختلفة. القدرة على الأخذ والعطاء في كلتا اللغتين. وتجاوز علاقتي بالإسبانية المحكومة دائمًا بقاموسي الصغير الذي لم يكن يغادرني، إلى لغة تحوطني من اتجاهات الحياة المختلفة.

عدتُ من إسبانيا بديوانٍ شعرٍ أردت ترجمته. وفي الأيام الأولى ذهبتُ للقاء الدكتور علي المنوفي رحمه الله في جامعة الأزهر، تحدثنا عن الشعر والترجمة والمشروع الذي كنت عازمًا عليه، وقرأت عليه ترجمة لي لقصيدة لأنطونيو ماتشادو، فاستحسنها وأخبرني أنني سأكون ذا شأن. بعدها بدأت محاولاتي الأولى في ترجمة الشعر، وكان يستعصي عليَّ، خصوصًا أنني كنت وحدي، أتتبعُ آثار الأساتذة من مترجمي الشعر، لكن أغلبهم كان قد مات قبل شروعي في هذه السبيل، كالأستاذ عبد اللطيف عبد الحليم الشاعر؛ والمترجم البارع الذي تمنيتُ كثيرًا لو لقيتُه. وعلى ذلك فكنتُ دائم المحاولة في استشارة الأساتذة، وأذكر ذهابي لمجالس كان يعقدها الشاعر الكبير الحسَّاني حسن عبد الله، الذي كان زميلاً وصديقًا لأبي همَّام عبد اللطيف عبد الحليم، وحديثي معه عن الشعر الإسباني والترجمة. ثم تعرّفي بإمام المترجمين؛ الجنتل، أحمد حسان، وحديثي معه عن أول كتابٍ اتخذت قرار ترجمته وتركتُ عملي للعكوف عليه. وتواصلي الدائم مع أستاذي ماهر البطوطي. كنت أحاول أن أنفذ نصيحة أستاذي الدكتور سليمان العطار رحمه الله، قبل سنواتٍ من تتلمذي عليه في الأدب الأندلسي، حين كنت لا أزالُ طالبًا في عامي الأول بكلية الآداب، وسألته في احتفالية أقامها المركز الثقافي الإسباني في ذكرى وفاة ميجيل دي ثربانتيس مؤلف دون كيخوته، والدكتور سليمان أحد من ترجموها إلى العربية. سألته ماذا أفعل لأكون مترجمًا جيِّدًا، فأخبرني أن أترك كل كتب نظريات الترجمة جانبًا، وأن أنظر في ترجمات المترجمين المجيدين وأرى ماذا يصنعون. لم آخذ بشطر النصيحة الأول، لكنني كنت دائم التتبع للمترجمين المجيدين، فكنت أجمع ترجمات الأساتذة الراحلين، عبد الرحمن بدوي، وعبد الغفار مكاوي، وعبد اللطيف عبد الحليم، ومحمود علي مكّي، وغيرهم.

في أواخر شهور دراستي انضممت، من خلال صديقتي الشاعرة والمترجمة أسماء جمال عبد الناصر، إلى مجموعة على فيس بوك أنشأتها هي وصديقي المترجم محمد الفولي لتدريب طلاب أقسام اللغة الإسبانية على الترجمة باختلاف أنواعها. وكان مُحمد يختارُ نصوصًا مختلفة، صحفيّةً، ورياضيّةً، وأدبيةً، ومتنوعةً، ويتركُ لنا مهلة أسبوعٍ يضعُ فيها أعضاء المجموعة ترجماتهم ثم يختارُ ترجمةً فائزة وتُمنحُ جائزةً، كانت كتبًا مترجمةً أو بالإسبانية. ظللنا شهورًا نشطين في هذه المجموعة، وكانت أسماء تجري حواراتٍ مع مترجمين وتضع لنا هذا الحوارات لنطلع على تجاربهم. استحالت المجموعة بعدها لمعمل شديد النشاط، وكانت في نظري أهم تجارب تدريس الترجمة التطبيقية وأكثرها إفادةً في كل ما عرض لي في أثناء سنوات الدراسة وما بعدها. وأظن أن ثمار هذه المجموعة ستظهر قريبًا.

أذكرُ أيضًا مثالاً آخر، مترجم جاد وشديد الاجتهاد انضممت لورشته عن البدء في مجال الترجمة، مترجم الإنجليزية محمد سعيد كمال، ومدير أكاديمية في الترجمة والتعريب أنشأها بعدما ترك عمله في واحدة من أكبر شركات الترجمة في الوطن العربي، وكان قبلها ترك عمله معيدًا بكلية الآداب بجامعة حلوان. بالنسبة لي هذه الجهود الفردية في إيجاد بيئات ومساحات لطلبة اللغات المهتمين بمجال الترجمة هي جهود شديدة القيمة، خصوصًا في غياب مقابل ذلك في الأوساط الأكاديمية التي غالبًا ما ينغمس أساتذتها في الأكاديمية ويكونون من غير ممارسي الترجمة فلا تكون مواد الترجمة كما ذكرت سابقًا سوى تمارين لغوية.

بعد التخرج عملتُ مترجمًا شفهيًّا بمصنعٍ للمشروبات الغازية، ثم بمسابقة لملكات الجمال، ثم تدربتُ في مناسبتين مختلفتين بوكالة الأنباء الإسبانية بمكتبها بالقاهرة، وكنتُ في كل ذلك أسرع بالسعي في كل فرصة تلوح في مجال الترجمة لشُحِّ الفرص في مصر، وسوء أسعار مكاتب الترجمة وبعدها عن اهتمامي. لكن النقطة الفاصلة بالنسبة لي كانت لقاءً جمعني بصديقي وجاري المترجم محمد الفولي. في ذلك اللقاء حدثني محمد عن عملية الترجمة وأسماء دور النشر وخطوات الشروع في ترجمة كتاب والبحث عن وكيل الكاتب والتواصل بشأن حقوق الترجمة. وفي الحقيقة أنا مدين لمحمد بسهولة بدئي العمل في المجال، إذ قدَّمني إلى الناشر الذي نشر معه كتبه الأولى، وتولَّت الدار التواصل بشأن حقوق الترجمة ثم شرعتُ أنا في ترجمته، كان كتابًا عن الشعر عرفتُه في أثناء إقامتي في إسبانيا من ترشيح صديقٍ شاعر إسباني، وآمُل أن يصدر العام القادم بعد تعطل حركة النشر بسبب الجائحة العالمية.

بعد ذلك سافرتُ إلى كولومبيا بهدف التعرف على أدب أمريكا الجنوبية عن قرب، وتبعًا لرأي تبنّيتُه منذ سنوات، وتأكدت منه حين سافرتُ للدراسة في إسبانيا، أن الإقامة والحياة في الثقافة والبلد التي يُترجم أدبها المترجم هو أمر فاصل في مشروع الترجمة الممتد عبر حياة المترجم. بالطبع هناك الكثير من الأمثلة لمترجمين لم يزوروا أي بلد من بلدان اللغة التي يترجمون عنها، وهم مترجمون بارعون، لكن لكل شيخ طريقة كما يقولون، وأنا طريقتي الحياة. أنا أحب الحياة وما ينبع عنها مباشرةً. أحب أن أعرف -إلى جانب خريطة الأدب التي تُدرس في الجامعات والمدارس- القصائد التي يعرفها عامّة الناس ويحفظون أبياتها. والروايات التي أثرت في وجدان عموم أهل تلك الثقافة. أحب أن أكون في زيارةٍ لقريةٍ نائية في منطقة الكاريبي أحضر مهرجانًا للصناعات اليدوية فأتسلّل إلى غرفةٍ مغلقةٍ مليئة بالكتب، وأجول بين العناوين آنس بما أعرف منها، وأبحث عما لا أعرف، فيشدُّني عنوان كتابٍ، وأبدأ في قراءته ثم لا أستطيعُ إفلاته من بين يديّ، وأستمر في قراءته يومين متتاليين، وأراسل كاتبته مباشرةً بعد انتهائي منه برغبتي في ترجمته. أحب أن أقابل على رفّ مكتبةٍ في قرية سياحيةً ديوانًا لشاعرٍ شابٍّ لم أسمع به من قبل، تجعلني قراءة بعض قصائده أرمي بالكتاب وأخرج مهرولاً من البيت يدقُّ قلبي من قوّة أبيات القصيدة، فأترجم ديوانه بعد ذلك، وأتعرف عن طريقه على ناشرٍ، يعرّفني على كاتبٍ، يهديني ديوانًا له ومجموعة قصص، تظل معي شهورًا، ثم أبدأ في قراءتها في شهور الحجر، وأترجم منها، فتظلُّ تؤنس قراءً في بلدانٍ بعيدة لا أنا ولا هو نعرفهم.

بالنسبة لي هذه شطر مهمة المترجم، التنقيب، والنقد، والاختيار، والبحث. وبالعودة للحديث عن عالم دور النشر، هو بالتأكيد عالم صعب، خصوصًا في عالمنا العربي، لأسبابٍ عديدة.

إضافةً إلى ذلك، كنتُ أجهز ترجماتٍ وأراسل بها مجلات عربية مختلفة، ودور نشر أرى أنها قد تهتم بما أقترحه من أعمال. وأرى أن العمل في الترجمة خصوصًا في البداية يتطلب مثابرةً واستمرارًا، فبعد فترةٍ بدأت أعلم بثناء مترجمين وكتاب لم أعرفهم على ترجماتٍ لي، في حين كنت أظن أنهم لم يسمعوا بها، وذلك مما يسعدني كثيرًا حين يصلني. وما يشجعني أيضًا على الاستمرار رغم الصعوبات العديدة، وأولها أمر الاعتماد المادي على الترجمة، وخصوصًا الترجمة الأدبية؛ لعدم استقرارِ سوقها، فما حدث في الشهور الأخيرة وجهل الكثير من دور النشر تتوقف أثر بشكل كبير على الكثير من المترجمين. وكثير من المترجمين -وأنا منهم- يودون التفرغ للترجمة الأدبية، أو جعلها أحد أنشطتهم العملية الرئيسية، لكن عدم الاستقرار، وتأخر الكثير من الناشرين في دفع مستحقات الترجمة، يجعلهم يحجمون أو يفكرون كثيرًا قبل اتخاذ مثل هذا القرار.

وأخيرًا أطمحُ أن أجعل لترجمة الشعر مساحةً تستحقُّها، وأن أترجم ما أراه جميلاً ومُحتاجًا إليه وإن لم يكن رائجًا كالقصّة والكتب النثرية. كذلك أتمنى أن أشارك في تنشيط حراكِ الترجمة الأدبية بتعزيز الجهود الفردية التي يضطلع بها مترجمون رائعون.

أطمحُ أن أجعل لترجمة الشعر مساحةً تستحقُّها، وأن أترجم ما أراه جميلاً ومُحتاجًا إليه وإن لم يكن رائجًا كالقصّة والكتب النثرية

الجهود الفردية في إيجاد بيئات ومساحات لطلبة اللغات المهتمين بمجال الترجمة هي جهود شديدة القيمة، خصوصًا في غياب مقابل ذلك في الأوساط الأكاديمية