هوامش
أسماء عبد العزيزهل يرى الجميع العالم نفسه؟
2026.07.25
هل يرى الجميع العالم نفسه؟
لا يوجد في الطبيعة شيء نشير إليه حسيًا فنقول: هذا هو السبب، أو تلك هي النتيجة، أو هذا هو الجوهر، أو العرض، أو الضرورة، أو الإمكان. فهذه ليست أشياء تقع تحت الحواس مباشرة، بل مقولات منطقية يفكر الإنسان من خلالها وينظم بها ما يراه. ومن هنا اختلف سؤال هيجل جذريًا عن أسئلة الفلاسفة السابقين. لم يكتفِ بالسؤال عن ماهية المقولات وتصنيفها في جدول ثابت، كما فعل أرسطو، ولم يتعامل معها بوصفها شروطًا قبلية جاهزة تجعل التجربة ممكنة، كما فعل كانط؛ بل سأل: كيف يتعيّن الفكر؟ وكيف تنتقل مقولة إلى أخرى انتقالًا ضروريًا؟ فالمقولة عنده ليست خانة نضع فيها الواقع، ولا قالبًا ساكنًا يفرضه الذهن على الأشياء، بل لحظة في حركة الفكر وهو يعيد بناء العالم في صورته المفهومية.
لنتأمل مشهدًا معاصرًا: هناك من يشاهد الحرب على الشاشة فلا يرى إلا الدبابات والطائرات والقتلى. وآخر يراها نتيجة لتناقض اقتصادي وصراع على الموارد والأسواق. وثالث يقرأها بوصفها واقعة تكشف تناقضات النظام الدولي. ورابع يفهمها لحظة في صيرورة تاريخية قد تعيد تشكيل العالم. ليس السؤال هنا: من منهم أذكى؟ بل: كيف رأى كل واحد منهم في المشهد ذاته شيئًا مختلفًا؟
الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن اختلاف الناس في فهم الواقع يرجع إلى تفاوت طبيعي أو غامض بين العقول؛ كأن بعضهم وُلد مزودًا بعدسات خاصة يرى بها ما لا يراه الآخرون. لكن العقل لا يرى إلا بقدر ما تعلَّم أن يرى. فمن لم يدرس الاقتصاد قد لا يلتقط في الحرب سوى المدافع والطائرات، بينما يرى الاقتصادي شبكة من علاقات الإنتاج، والطاقة، ورأس المال، والأسواق. ويرى المؤرخ استمرارًا لمسار طويل من النزاعات والتحالفات، ويقرأ عالم الاجتماع أثر الحرب في الطبقات والهجرة وبنية الجماعات، بينما يسأل الفيلسوف عن المفاهيم التي نظَّم بها كل واحد منهم المشهد. ليست القضية، إذن، اختلافًا في قوة البصر، بل اختلافًا في المقولات التي يعيد بها العقل بناء ما يراه.
يرى هيجل أن التفكير النظري لا يكتفي بوصف الموجود، بل يقارن صورة الأشياء الراهنة بإمكاناتها، وينتقل من التحديدات البسيطة والمنعزلة إلى شبكة العلاقات التي تمنحها معناها. ولهذا يقول ماركيوز في عرضه لهيجل: "إن التفكير النظري التأملي يقارن الصورة المبدئية للأشياء بإمكانات هذه الأشياء ذاتها... فالمنظور النظري الكلي يتصور العالم الذهني لا على أنه مجموع من المثالات الثابتة المجردة، بل على أنه صورة، وعلى أن وجوده نتاج وإنتاج"[1]
فالحقيقة ليست في الوقائع المنعزلة، بل في الكل الذي تنتظم داخله. يشبه الأمر لوحة فسيفساء. فإذا نظرت إلى قطعة زرقاء منفردة فلن ترى سوى حجر صغير. وإذا نظرت إلى قطعة خضراء أو سوداء فلن ترى أكثر من لون منفصل. لكن عندما تدخل كل قطعة في علاقتها بسائر القطع، تظهر السماء والأشجار والوجوه. ليست الحقيقة في القطع، بل في الصورة التي تنتج من علاقتها. وكذلك الواقع؛ لا يكفي أن نحصي الوقائع؛ بل ينبغي أن نكشف النسق الذي يمنحها معناها. وهذا ما يعبّر عنه هيجل بـ"إدراك الوحدة الكامنة من وراء الأضداد"[2] لا بإزالة الاختلافات أو ردَّها إلى تشابه فارغ.
غير أن إيلينكوف يلفت النظر إلى سؤال حاسم: من أين جاءت هذه العدسات، أي المقولات، أصلًا؟ فإذا كان منطق هيجل يبيِّن كيف تنتقل المقولات من تعيين إلى آخر، فإنه لا يفسِّر تفسيرًا ماديًا كيف نشأت القدرة الإنسانية على التفكير بالمقولات. هنا تظهر حدود مثالية هيجل. فقد اكتشف أن الفكر النظري لا ينسخ العالم كما تنسخ المرآة صورة الشيء، بل يعيد إنتاجه مفهوميًا، وينتقل من المجرد إلى العياني؛ لكنه وسَّع هذا الاكتشاف حتى جعل حركة الفكر لا تفسر معرفتنا بالعالم فحسب، بل تبدو كأنها تفسر تكوُّن العالم نفسه. وبهذا ظهرت المقولات في نسقه كأنها تعيينات تتطور بقوتها الداخلية، لا كأشكال فكرية تكونت داخل تاريخ طويل من العمل واللغة والممارسة الاجتماعية.
فالمقولات لم تسبق التاريخ، بل كان التاريخ هو الذي أنشأها. لهذا فإن من يظن أن المعرفة تأتي دفعة واحدة، أو أن الفهم العميق "هبة إلهية" [3] تميز أشخاصًا بعينهم، يغفل عن أن العقل نفسه تاريخ. وكل فكرة عميقة هي تاريخ طويل من العمل والخطأ والتصحيح. وحتى أكثر المفاهيم تجريدًا تحمل في داخلها آثار يد الإنسان وهو يُغير العالم. فالمقولات ليست كلمات في كتب المنطق، بل تاريخ الإنسانية وقد تحول إلى أدوات للتفكير.
وعلى الرغم من اكتشافه العظيم للانتقال من المجرد إلى العياني، يكتب إيلينكوف أن هيجل جعل في النهاية شروط التفكير تبدو وكأنها من إنتاج الفكر نفسه، لا من إنتاج التاريخ، "فالفكر النظري يأتي لاحقًا لوجود العالم الموضوعي، بل ولاحقًا كذلك لشكل آخر من أشكال الوعي يتكوَّن مباشرة في مجرى النشاط العملي الحسي" [4]. فلا يتعلم الطفل مفهوم الكرسي أولًا ثم يجلس عليه، بل يجلس ويتحرك ويلمس ويستخدم، ثم تتكون لديه بالتدريج صورة عامة عن الكرسي. ولم يضع الناس قواعد اللغة أولًا ثم شرعوا في الكلام؛ بل تكلموا وتواصلوا قرونًا قبل أن يظهر النحوي الذي يستخرج القواعد نظريًا. الفكر النظري، بهذا المعنى، لا يبدأ من فراغ، بل يأتي بعد عالم موضوعي قائم، وبعد ممارسة حسية واجتماعية سبقت تأمله المنظم.
فعندما يجعل هيجل حركة المفهوم تفسر نفسها بنفسها، فإن ذلك يحول القدرة المنطقية إلى ما يشبه "الكشف الصوفي" على الخبرة الإنسانية. بينما لم يصل الإنسان لهذه المقولات من معرفة غيبية أو من فيض إلهي، بل كوَّنها عبر العمل، واللغة، والإنتاج، والعلاقات الاجتماعية.
ومع ذلك، لا يبدأ هيجل في علم المنطق بالإنسان أو بالطبيعة أو بالله؛ لأن البدء بأي موضوع مكتمل يعني، في رأيه، افتراض ما ينبغي البرهنة عليه. فهو يبدأ بـ"الوجود الخالص"، بوصفه أكثر التعيينات فقرًا ولا تحديدًا، ثم يتابع ما يستلزمه التفكير فيه من انتقالات: من الوجود إلى العدم، ومنهما إلى الصيرورة، ثم إلى التعين والماهية والمفهوم.
ويشرح ستيفن هولجيت هذا بقوله إن منطق هيجل"لا ينتقل فجأة من كونه بحثًا فيما هو موجود إلى كونه بحثًا في نشاطنا الذهني الخاص، بل يظل طوال الوقت بحثًا في المقولات الأساسية للفكر وفي الأشكال الأساسية للوجود معًا. فهو، من بدايته إلى نهايته، منطقٌ أنطولوجي يجعل صريحًا ما هو مضمر في التفكير اللامعيَّن بالوجود وفي الوجود نفسه. بل إن المنطق يفترض منذ البداية أن بنية الفكر -أي يقيننا بالوجود- مطابقة لبنية الوجود ذاته"[5].
هنا تكمن عظمة هيجل وحدوده في آن واحد؛ فقد رفض المقولات الجاهزة، وكشف حركتها الداخلية، وأظهر أن التفكير الحقيقي لا يكتفي بجمع الوقائع، بل يعيد بناء الكل المفهومي الذي يمنحها معناها. لكنه، بسبب مثاليته، جعل هذه الحركة تبدو كأنها تنبع من طبيعة الفكر ذاته، بدل أن يفسر القدرة المنطقية بوصفها ثمرة تاريخ الإنسان العملي والاجتماعي.
بالتالي لا تُستمد رؤية العالم من الوقائع في ذاتها، ولا من الحواس وحدها، بل من المقولات التي يعيد العقل بها تنظيم تلك الوقائع داخل كلٍّ مفهومي مترابط. وهذا يفسر لماذا لا يرى الجميع الحرب نفسها، على الرغم من أنهم يشاهدون الصور ذاتها. لا يتعلق الأمر بأن السماء اختارت عقلًا دون آخر، ولا بأن أحدهم امتلك كشفًا خاصًا، بل بأن كل عقل ينظر من خلال تاريخ مختلف من المعرفة والممارسة والعلاقات بالعالم. فكلما اتسعت علاقة الإنسان بالواقع، اغتنت المقولات التي يفكر من خلالها، وانكشف له من الحدث ما يظل خفيًا على من يقف عند سطحه.
وعليه، لا يكون السؤال الحقيقي إذن: هل يمتلك الإنسان عقلًا؟ بل: كيف صنع التاريخ هذا العقل؟
فالعقول لا تختلف فقط بما وُهبت من استعدادات، بل بما راكمته من عمل، وما خاضته من خبرة، وما تعلمته من اللغة والثقافة، وما أعادت إنتاجه من العالم داخلها. ومن "المنطقي" ألَّا يرى الجميع العالم نفسه؛ لأن أحدًا لا يحمل التاريخ نفسه.
[1] هربرت ماركيوز، العقل والثورة "هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية"، ت: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970، ص67.
[2] المرجع نفسه، ص66.
[3]Ilyenkov, Evald V. "Dialectics of the Abstract and the Concrete in Marx's Capital" Moscow: Izdatels' stvo akademii nauk CCCP (1960), p:104.
[4] Ibid., p: 105.
[5]Houlgate, Stephen. The opening of Hegel's logic: from being to infinity. Purdue University Press, 2006, p:116.