عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

عدد 18-عن الفقد والافتقاد

عاطف الشحات

يا من أحبت إلى درجة العمى

2020.11.01

يا من أحبت إلى درجة العمى

«صديقي الحبيب الأسمر، حينما أرحل عن هذا العالم أوصيك خيرًا بنفسك وبالبسطاء، اقرأ كثيرًا، وسافر إلى كل بلاد العالم، وعش بين أهلها وتعلم منهم الصبر، واغزل أحلامهم في قصص تكتبها.. لا تبخل على نفسك بالمتعة والسعادة، ولا تؤلمها يومًا.. كن صديقها دومًا ما استطعت، وحاول أن تكسب نفسك، واسع جديًّا ليربح البشر عالمًا أكثر إنسانية»..

الكلمات أعلاه مقطع من نص كتبه الصديق الحبيب أيمن عبد المعطي (فك الله سجنه)، وهو قصة قصيرة كتبها عام 2009، ونُشرت عن دار روافد عام 2011. نُشرت القصة وكأنها مكتوبة بخط اليد، على ما أتذكر، وبرسوم يوسف أيمن، مما جعل لها مكانة خاصة في قلبي. عنوان القصة «الأسمر أبو العيون». أهداها أيمن إلى أولاده؛ يوسف وحورية، وكانت القصة مكتوبة للأطفال وكأنها رسالة إليهم. يقول أيمن فيها إنه سوف يستأنف الكتابة «ومش عارف يقول إيه لكن هيقول فيها عن نفسه». لن أرويها بالتفصيل هنا، لكن باختصار كانت الصداقة العميقة بين شخصين هما «الأسمر» و»أبو العيون» أهم عناصر القصة، وهذه الصداقة العميقة كانت سببًا في أن يوصي «أبو العيون» لصديقه الأسمر بعينيه، لأن «الأسمر» كان فاقدًا للبصر، وفي وصيته لـ«الأسمر» كتب «أبو العيون» الكلمات أعلاه. 

لفت نظري أخيرًا أن عنوان القصة هو «الأسمر أبو العيون»، في إشارة إلى تحول الشخصين إلى شخصٍ واحد في نهايتها. بهذا التحول أمتلك هذا الشخص الواحد كل من القوة البشرية لـ«الأسمر» وقوة البصر لـ«أبو العيون». وكأن النص له بعد فلسفي عن امتزاج الأجساد أو وحدة البشر. ولهذا النص وظروف كتابته قصة، سأحكيها باختصار: في إحدى مكالماتنا أخبرتُ أيمن في التليفون أنني خفت من العمى، أو «حسيت بالعمى فعلاً لما صحيت ولقيت الدنيا ضبابية»، ولما ذهبت إلى طبيب العيون قال لي «لا تقلق.. أنت وصلت للأربعين.. تحتاج في هذا السن لنظارة قراءة.. وربما نظارة أخرى للنظر في هذا السن! ذكر لي أيمن بعد ذلك أنه استلهم حوارنا، وضحكنا معًا على قصة العمى، في كتابة القصة. ولن أستفيض أكثر من هذا، فهذه السطور ليست عني أو عن أيمن، بل عن الصديقة الحبيبة دينا جميل.

في فبراير الماضي، وقبيل استفحال الكوفيد 19، كنت قد انتهيت من النسخة الأولى لنص كتابي الأكاديمي الأول. وكتبت في المقدمة إن ممارسة الثورة (the praxis of revolution) مثل الحب، واستخدمت المثل الشعبي المصري المعروف الذي يقول إن الحب أعمى. وكتبت ما معناه أننا أحببنا الثورة، ولكن الحب أعمى.. أحببناها كثيرًا، ولكننا كنا عميانًا، عميان عن مدى قوتنا وعن وحشية وبربرية الثورة المضادة.. مرة أخرى هذا النص ليس عني أو عن الثورة أو أيمن. بل عن الحبيبة دينا.

ودينا جميل أحبت الحب، بل تمثَّلته فعلاً؛ أحبت عملها وأحبت أصدقاءها. ووزعت الحب بجنون على الجميع.. أحبت نضالها وأخلصت فيه إلى درجة الجنون.. أحبت الفقراء، وأحبت الصحافة الجادة المهمومة بالناس، وأحبت الترجمة، وأحبت الثورة.. أحبت الحب والعدل بإخلاص لدرجة العمى.

هل من العيب أن تحب لدرجة العمى؟! وهل العمى درجة من درجات الحب أم من شروطه؟!

هل ظلمت دينا نفسها وظلمتنا معها (لأنها أعطتنا أكثر مما نستحق، حينما أعطتنا حبًا دون انتظار مقابل، أو لأنها أخلصت لكل من عرفتهم، سواء بالمعرفة أو النصيحة، أو الكرم بلا مقابل)؟ وكيف يمكن لشخص ما التعايش مع فكرة تقديم الحب وتقديس العدل والعمل بإخلاص وتفانٍ دون انتظار أي مقابل، أو دون انتظار تحقيق العدل فعلاً على الأرض! وكأنه من المفترض أن يكون لوجه الله والغلابة دائمًا، ودون انتظار تحقيق بعض العدل الشخصي!

من أين يستمد المحبون المجانين قوتهم؟!

هل الحب الأعمى مريح؟! ربما. ولكن لا أعتقد، لأن الجهل مريح، كما يقولون، والحب عن علم غير مريح. ودينا كانت باحثة جادة و«سكيبتيكال» إلى أقصى الحدود.. لكنها اختارت الحب عن قناعة شخصية. ربما لم تر دينا في الحب أي عمى، بل رأت فيه فطنة، كل الفطنة، وكل البصيرة، بعيدًا عن كل الكليشيهات المعروفة حول اختلاف البصر عن البصيرة!

لا يوجد أي مغزى لهذا النص.. وهو ليس رثاءً للصديقة الحبيبة التي لم ترحل، أو رحلت فعلاً، لكنها تركت حبًّا غير محدود. المغزى الوحيد ربما هو أن دينا تركت لنا أسئلة محيرة كثيرة عن صعوبة الحب الأعمى! لم تترك لنا دينا أي إرث، بل تركت فراغًا كبيرًا.. تركت لنا فضاءً واسعًا من الأرق والفداء والحب.

وماذا لو تركت لنا دينا وصية؟ هل ستختلف كثيرًا عن وصية «أبو العيون» لصديقه «الأسمر»: كن صديق نفسك.. وحاول أن تكسبها.. واسع جديًّا ليربح البشر عالمًا أكثر إنسانية.. لكن دينا لم تترك وصية. تركت فقط هذا الفضاء من الحب. وأنا أتمسك بهذا الفضاء من الحب وأستدعيه، للطبطبة على القلب.

يا من أحببتِ الحب والعدل لدرجة العمى.. أيتها الصديقة الحبيبة القديسة دينا..

صلِّ من أجلنا..