هوامش
مدثر محمد"طوفان الأقصى".. وانتصار القضية الفلسطينية
2026.08.08
"طوفان الأقصى".. وانتصار القضية الفلسطينية
جوهر القضية الفلسطينية لم يكن يومًا ما مرتبطًا بانحيازات مذهبية تجاه فكر معين، بل إنَّ القضية الفلسطينية في جوهرها تشبيه أبلغ للحقِّ المطلق، فهي قضية تختبر معنى العدالة والحرية أمام التاريخ، وتشبه الميزان الذي يكشف الفرق بين مَن يقف مع حقوق الشعوب ومَن يحاول تبرير استمرار الظلم. فالقضية الفلسطينية لم تكن مجرد ملف سياسي عابر أو خلاف على حدود جغرافية، بل أصبحت رمزًا لمعانٍ أكبر تتعلق بالكرامة الإنسانية، وحقِّ الشعوب في تقرير مصيرها.
فبالداخل العربي سنرى جميع التيارات السياسية باختلاف انحيازاتها، اليمينية كانت أو اليسارية، سنجدها جميعًا تتفق على جوهر القضية الفلسطينية، وجميعها ذات توجه فكري واحد تجاه دعم حقوق الشعب الفلسطيني ومقاومة الاحتلال. وهذا لا يعني أنَّ كل التيارات تتفق في كل التفاصيل أو في طرق الحل، ولكن جوهر القضية ظلَّ حاضرًا كقاسم مشترك، وكأنَّ فلسطين أصبحت مساحةً تلتقي فيها الأفكار المختلفة رغم اختلاف طرقها ورؤيتها للعالم.
وهذا يعتبر انتصارًا لمحور القضية في الداخل القومي، أي الداخل العربي، لأنَّ القضية استطاعت أنْ تتجاوز الخلافات السياسية الداخلية وتصبح قضيةً جامعةً، مثل الراية التي يلتف حولها المختلفون عندما يشعرون بأنَّ هناك حقًّا يتعرَّض للتهديد.
ولكن الوضع لا يتوقف فقط عند هذا الجانب القومي أو الديني، بل سنتخطى الحاجز القومي ونتوجه إلى الأممية، فنجد اليوم أنَّ التوجهات الشعورية عند العديد من أبناء الأمم المختلفة في مختلف دول العالم تسير في جوهر القضية الفلسطينية. ففلسطين لم تعد حاضرةً فقط في وجدان المنطقة العربية، بل أصبحت حاضرةً في شوارع ومدن بعيدة جغرافيًّا عنها، وكأنَّ صوت القضية استطاع أنْ يعبر الحدود كما تعبر الأفكار الحرة كل الحواجز.
وهذا ما شاهدناه بأوقات عدوان الكيان الصهيوني على أرض غزة بعد السابع من أكتوبر، حيث ظهر حراك عالمي واسع من شعوب مختلفة تعلن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وتطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. فقد أصبحت القضية الفلسطينية اختبارًا عالميًّا لمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان، ولم تعد قضية يمكن حصرها داخل إطار جغرافي أو سياسي ضيق.
فكان هناك مَن يقف في جانب القضية الفلسطينية وبجانب الشعب الفلسطيني ضد سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وظهر ذلك في الحراك الشعبي العالمي الذي خرج في العديد من عواصم ومدن العالم. فقد أصبح مشهد الجماهير في الشوارع أشبه برسالة إنسانية عابرة للحدود، فاختلاف اللغة واللون والثقافة لم يمنع اجتماع الملايين حول فكرة واحدة، وهي رفض الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.
بل إنَّ القضية الفلسطينية أصبحت كأنَّها مرآة يرى فيها العالم معنى الاحتلال، ومعنى المقاومة، ومعنى حقِّ الشعوب في الحرية، ولذلك فإنَّ حضورها لم يعد مرتبطًا فقط بمنطقة الشرق الأوسط، بل أصبح حاضرًا في النقاشات الفكرية والسياسية والحقوقية في مختلف أنحاء العالم.
بل إنَّ المؤسسات الدولية نفسها أصبحت أمام ضغط متزايد للنظر في الجرائم والانتهاكات التي تحدث في الأراضي الفلسطينية، وهو ما اعتبره مؤيدو القضية الفلسطينية دليلًا على أنَّ المساءلة الدولية أصبحت جزءًا من المشهد السياسي العالمي.
وهذا يبرهن لنا أنَّ القضية الفلسطينية لم تكن يومًا بمنظور مذهبي أو فكري أوحد، فقد تخطت كل الحواجز القومية والدينية والاقتصادية، بل أصبحت جامعًا فكريًّا وإنسانيًّا في العالم، وهي الأممية التي تتجاوز حدود الدول والهويات الضيقة، لتصل إلى فكرة الإنسان في مواجهة الظلم.
فبعد السابع من أكتوبر التفَّ العديد من شعوب العالم حول القضية الفلسطينية، وأصبح هناك حراك أممي عالمي تجاه دعم الشعب الفلسطيني ورفض الحرب على غزة. ففي كل بقاع العالم كانت تسير الجموع معلنةً دعمها للقضية الفلسطينية، ورافضةً استمرار الاحتلال، ومطالبةً بالحرية والعدالة.
وهنا يمكن فهم معنى الانتصار الذي يراه أنصار «طوفان الأقصى»؛ فهو ليس فقط مرتبطًا بالجانب العسكري، بل مرتبط أيضًا بعودة القضية الفلسطينية إلى مركز الوعي العالمي. فالقضايا لا تنتصر فقط عندما تتغيَّر موازين القوة في الميدان، بل تنتصر أيضًا عندما تصبح حاضرةً في ضمير الشعوب، لأن الوعي الجماعي قد يكون قوةً لا تقل أهمية عن أي قوة أخرى.
فالهتاف الذي ساد في العديد من دول العالم: «From the river to the sea, Palestine will be free» أصبح بالنسبة للكثيرين رمزًا للمطالبة بالحرية وإنهاء الاحتلال. وقد ارتبط هذا التعبير تاريخيًّا بسياقات مختلفة، واستخدمته أطراف متعددة، لكنه في الحراك المُؤيِّد للفلسطينيين أصبح شعارًا يعبِّر عن تطلعهم إلى مستقبل تكون فيه للشعب الفلسطيني حقوقه وحريته.
وقد ارتبط مفهوم «من النهر إلى البحر» أيضًا بخطابات سياسية إسرائيلية مختلفة عبر التاريخ، حيث استخدمه بعض تيارات اليمين الإسرائيلي للتعبير عن تصوراتهم الخاصة حول حدود الدولة والسيادة. وهو ما يراه منتقدو المشروع الصهيوني دليلًا على وجود صراع ليس فقط على الأرض، بل أيضًا على الرواية والمعنى والحق التاريخي.
وهنا تظهر أهمية الصراع على الوعي؛ فالأرض ليست فقط مساحةً جغرافيةً، بل تحمل ذاكرةً وتاريخًا وهويةً. ولذلك فإنَّ القضية الفلسطينية لم تكن مجرد صراع بين قوتين، وإنما أصبحت أيضًا صراعًا حول الرواية: مَن يملك الحقَّ في سرد التاريخ؟ ومَن يستطيع أنْ يوصل صوته إلى العالم؟
فقد حاولت بعض القوى السياسية عبر سنوات طويلة تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا أمنيًّا فقط، أو اختزالها في أحداث محددة دون النظر إلى جذورها التاريخية المرتبطة بالاحتلال والتهجير وفقدان الشعب الفلسطيني لأرضه وحقوقه. لكن استمرار حضور القضية في الوعي العالمي أثبت أنَّ القضايا المرتبطة بالعدالة لا تختفي بسهولة.
وهنا تحوَّلت القضية الفلسطينية من كونها حكرًا على مجتمع أو عرق أو فكر أو دين معين إلى قضية إنسانية ذات امتداد أممي. فأصبح التضامن معها لا يأتي فقط من أبناء المنطقة العربية، بل من أشخاص في مختلف القارات يرون فيها نموذجًا لصراع الإنسان مع القهر والاستعمار والاحتلال.
وهذا ما يعتبره كثيرون أحد أهم انتصارات «طوفان الأقصى»؛ أنه أعاد تقديم القضية الفلسطينية للعالم بصورة جديدة، وأعاد فتح النقاش حول طبيعة الاحتلال، ومعنى المقاومة، وحقوق الشعوب.
فالقضايا لا تنتصر فقط في ميادين القتال، بل تنتصر أيضًا في ميادين الوعي. وكما أنَّ قطرة الماء عندما تسقط تصنع دوائر متسعة في البحر، فإنَّ حدثًا واحدًا قد يصنع أثرًا واسعًا في ذاكرة الشعوب ويغيِّر طريقة رؤيتها لقضية كاملة.
وهذا هو الرد على المتصهينين في العالم، الذين يبرزون اهتمامهم بالقضية الفلسطينية، ثم يبررون جرائم الاحتلال بحجة أنَّ الخطأ هو المقاومة فقط؛ فوفق رؤية مؤيدي القضية الفلسطينية، فإنَّ هؤلاء يركزون على فعل الضحية ويتجاهلون تاريخ المعاناة الطويل الذي صنع الظروف التي أدت إلى الانفجار.
فالقضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في لحظة زمنية واحدة، بل هي قضية شعب عاش عقودًا من الاحتلال والتهجير والصراع على الأرض والهوية. ولذلك فإنَّ فهمها يحتاج إلى رؤية شاملة ترى الإنسان الفلسطيني باعتباره صاحب قضية وحقوق، وليس مجرد رقم في نشرات الأخبار.
وفي النهاية، فإنَّ «طوفان الأقصى» أعاد التأكيد على أنَّ القضية الفلسطينية ما زالت حاضرةً بقوةً، وأنَّ فلسطين لم تعد مجرد قضية إقليمية، بل أصبحت قضيةً عالميةً ذات حضور أممي واسع.
فقد أصبحت فلسطين بالنسبة للكثيرين رمزًا لمعنى أكبر: معنى الإنسان الذي يطالب بحقه، والشعب الذي يتمسَّك بوجوده، والقضية التي استطاعت أنْ تتجاوز الحدود لتصل إلى قلوب الملايين حول العالم.