هوامش
نجلاء عبد الجوادمليون صوت أوروبي ضد الإفلات من العقاب مبادرة «العدالة لفلسطين» واتفاقية الشراكة في مواجهة السياسات الإسرائيلية
2026.05.02
مليون صوت أوروبي ضد الإفلات من العقاب
مبادرة «العدالة لفلسطين» واتفاقية الشراكة في مواجهة السياسات الإسرائيلية
في مشهد لم تشهده القارة الأوروبية من قبل، يتسم بالسرعة والزخم، تجاوزت عريضة شعبية إلكترونية حاجز المليون توقيع خلال ثلاثة أشهر فقط، مطالِبةً بتعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية المُبرَمة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل منذ عام 2000. لم تكن هذه مجرد حملة عابرة، بل جاءت ثمرة لتراكم سياسي وأخلاقي طويل، وتتويجًا لمسار من الانتهاكات المتواصلة استفزَّت ضمير الشعوب الأوروبية قبل حكوماتها.
تم تسجيل المبادرة في الخامس والعشرين من نوفمبر 2025، غير أنَّها لم تنشأ من فراغ سياسي. فقد صاغها وموَّلها وأطلقها تحالف «اليسار الأوروبي من أجل الشعوب»، وهو حزب سياسي أوروبي تأسَّس رسميًّا في أغسطس 2024، يضم تحت مظلته أحزابًا يسارية من فرنسا وإسبانيا والبرتغال والدنمارك والسويد وفنلندا وبولندا، إلى جانب «حزب اليسار الإيطالي» الذي انضم في ديسمبر 2025، و«الحزب الاشتراكي الهولندي» الذي التحق في يناير 2026. وتولَّت كتلة «اليسار» في البرلمان الأوروبي دور المتحدث الرسمي باسم المبادرة داخل الجلسات العامة، فيما أطلق التحالف حملته العلنية تحت اسم «العدالة لفلسطين»، وأُطلقت الحملة رسميًّا في الثالث عشر من يناير 2026، في إطار آلية «مبادرة المواطنين الأوروبيين»، وهي آلية تابعة للاتحاد الأوروبي تتيح لمواطنيه المشارَكة المباشرة في التأثير على سياساته، وتقتضي جمع مليون توقيع من 7 دول أعضاء على الأقل، مما يُلزم المفوضية بدراسة الطلب رسميًّا.
جاءت النتائج مذهلة في سرعتها؛ تصدَّرت فرنسا قائمة الموقِّعين بما يقارب 379 ألف توقيع، متقدمة على إيطاليا بـ243 ألفاً، وإسبانيا بـ121 ألف توقيع.
ورصد المحللون ظاهرة لافتة في الحالة الإيطالية، إذ حقَّق المُوقِّعون الإيطاليون نسبة 452% فوق الحصة المطلوبة، منهم 54.320%، رغم أنَّ حكومة جورجيا ميلوني تتخذ مواقف أكثر تحفظًا تجاه فلسطين.
وفسر المراقبون ذلك بدور النقابات العمالية التاريخية وحراك الجامعات والأوساط الكاثوليكية التي وجدت في تعليق الاتفاقية وسيلةً ضغط سلميةً لمنع إراقة الدماء، وهكذا كشف التوزيع الجغرافي للتوقيعات عن حقيقة بالغة الدلالة، وهي أنَّ هذا الغضب الشعبي تجاوز الحدود الأيديولوجية التقليدية، وانتقل من يسار القارة إلى قلبها المحافظ.
ولفهم حجم ما تطالب به العريضة، لا بد من استحضار طبيعة الاتفاقية التي باتت في مرمى هذا الضغط الشعبي.
وُقعت اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي رسميًّا في العشرين من نوفمبر 1995، ضمن ما تُعرف بـ«اتفاقيات الانتساب»، وهي اتفاقيات أعمق وأشمل من اتفاقيات التجارة الحرة البسيطة، إذ تنشئ علاقةً هيكليةً متعددة الأبعاد تشمل التجارة والسياسة والقانون والتعاون المؤسسي، وتقضي أحيانًا إلى تقريب تشريعات الدولة المنتسبة من تشريعات الاتحاد، وقد جاءت هذه الاتفاقية كجزء من «عملية برشلونة» أو «الشراكة الأورومتوسطية» التي شكَّلت الإطار السياسي للشراكة الأوروبية المتوسطية، قبل أنْ تدخل حيز التنفيذ في يونيو عام 2000. وهي اتفاقية بالغة الشمولية تغطي التجارة الحرة، خاصة تبادل المنتجات الزراعية والصناعية، إضافة إلى التعاون العلمي والتكنولوجي المتقدم وإرساء قواعد الحوار السياسي المستمر. وقد أفضت على مدى ربع قرن إلى حجم تبادل تجاري هائل، إذ يستوعب الاتحاد الأوروبي اليوم نحو ثلث صادرات إسرائيل بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار سنويًّا، وقد بلغ حجم التجارة في السلع وحدها بين الجانبين 42.6 مليار يورو في عام 2024.
إنَّ هذه الاتفاقية ليست مجرد وثيقة تجارية فحسب، بل تحمل في صلبها بُعدًا قانونيًّا محوريًّا يُعدُّ اليوم القلب النابض لمطالب المبادرة؛ فالمادة الثانية منها تنصُّ صراحةً على أنَّ العلاقات بين الطرفين تستند إلى احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية باعتبارها عنصرًا جوهريًّا، مما يعطي الاتحاد الأوروبي أساسًا قانونيًّا راسخًا لاتخاذ إجراءات مناسبة عند حدوث انتهاكات، بما في ذلك إمكانية تعليق الاتفاقية برمتها. وهو البند ذاته الذي يستند إليه المحتجون اليوم، مؤكدين أنَّ إسرائيل خرقته خرقًا صريحًا لا يقبل التأويل.
وبالنسبة لإسرائيل، تمثل هذه الاتفاقية شريانًا اقتصاديًّا لا يمكن الاستغناء عنه. فضلًا عن الحجم التجاري الضخم، منحتها نفوذًا في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي وبيئة الأعمال الأوروبية الواسعة. ومن الملاحظ أنَّ جزءًا كبيرًا من المجتمع الإسرائيلي لا يدرك حجم هذا الاعتماد على أوروبا، إذ إنَّ الاتحاد الأوروبي ليس فقط شريكًا تجاريًّا بل إنه عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد الإسرائيلي برمته، وهو ما يعكس فجوةً حادةً بين الإدراك الشعبي والواقع الاقتصادي الفعلي. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فالشراكة لا تقتصر على الأرقام التجارية، بل يستفيد الاتحاد من شراكة استراتيجية في مجالات الأمن والتكنولوجيا الحديثة، وقد ظلَّت إسرائيل لعقود حليف أوروبا في منطقة الشرق الأوسط وجسرًا لتقنيات الأمن الرقمي والإلكتروني. غير أنَّ هذه المعادلة باتت اليوم محل مراجعة حقيقية لم يعد في الإمكان تأجيلها.
إنَّ تعليق الاتفاقية يضع إسرائيل أمام معادلة اقتصادية شديدة القسوة؛ سوف تفرض على سلعها رسومًا جمركية كالمعمول بها مع الدول التي لا ترتبط بالاتحاد باتفاقيات تجارة، وستتأثر صادرات بقيمة نحو 5.8 مليار يورو، ما سيؤدي إلى تحمل ما يقارب 227 مليون يورو سنويًّا من الأعباء الجمركية الإضافية. إلا أنَّ الضرر الأعمق لن يكون رقميًّا بحتًا، إذ سيطال صورة إسرائيل كشريك طبيعي لأوروبا، ويزعزع ثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي الذي يُعدُّ من أكثر القطاعات اعتمادًا على الشراكات الأوروبية. وتمتد التداعيات لتشمل فقدان أسواق رئيسية للصادرات، وتراجعًا في مستويات التشغيل والدخل، وانكماشًا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فإلغاء الاتفاقية أو تعليقها سيعني في نهاية المطاف خسارة إسرائيل إطارًا كاملًا ينظِّم تجارتها واستثماراتها وخدماتها وتعاونها العلمي مع أوروبا، وهو ما يجعل الكلفة المحتملة أعمق بكثير من مجرد تراجع في أرقام الصادرات.
ولم تُفضِ الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان إلى تغيير المواقف الأوروبية الرسمية وحسب، بل أشعلت جمرة ظلت خامدة في الوجدان الشعبي الأوروبي لسنوات. فقد عكست موجة التوقيعات تزايد الاستياء داخل الرأي العام الأوروبي إزاء سياسات وُصفت على نطاق واسع بأنَّها تتجاوز حدود القانون الدولي وتنتهك أبسط قواعد الإنسانية. وعلى المستوى الرسمي، قادت إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا مبادرة داخل الاتحاد لتعليق اتفاقية الشراكة، وحين فشلت في تحقيق الإجماع المطلوب، لم يُقرأ ذلك الفشل باعتباره نهاية الأمر، بل بوصفه مؤشرًا لا يُستهان به على تحوُّل حقيقي في التفكير الأوروبي، وانتقالًا تدريجي من بيانات النقد الدبلوماسي الهادئ إلى تفعيل أدوات الضغط الاقتصادي. وكشفت هذه المرحلة بدورها عن انقسام أوروبي داخلي واضح، إذ تتبنى دول كألمانيا وإيطاليا والمجر مواقف أقل حدة، بينما تقود إسبانيا وإيرلندا جهود الضغط، في صورة تعكس تنافسًا حقيقيًّا داخل قلب الاتحاد على تحديد ملامح السياسة الأوروبية في المرحلة المقبلة.
ثم جاءت الضربة التي أفاضت الكأس. في الثلاثين من مارس 2026، أقرَّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا يفرض عقوبة الإعدام شنقًا على الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين إذا اعتُبر الفعل عملًا إرهابيًّا من قبل المحكمة العسكرية أو كان دافعه ما وصفه القانون بـ«إنكار وجود دولة إسرائيل»، وأقرَّه الكنيست بأغلبية 62 نائبًا مقابل 48 معارضًا.
ردود الفعل الأوروبية جاءت قاطعةً ومتوافقةً في غير العادة؛ إذ وجَّهت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا بيانًا مشتركًا وصفت فيه عقوبة الإعدام بأنَّها شكلٌ لا إنساني ومهين من أشكال العقاب لا يحقِّق أي أثر رادع، داعية إسرائيل إلى التخلي عن هذا المسار. وانتقدت المفوضية الأوروبية القانون بشدة، ووصفته بأنه «خطوة إلى الوراء تنطوي على طابع تمييزي صريح، لأنَّه بطبيعته يسري على الفلسطينيين دون الإسرائيليين الذين قد يرتكبون الأفعال ذاتها». وعلى الفور، دعت «كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين» في البرلمان الأوروبي إلى تعليق فوري للاتفاقية، فيما طالبت نحو 31 منظمة حقوقية، منها منظمة «العفو الدولية» و«كاريتاس» بالخطوة ذاتها، وامتد الأثر أبعد من ذلك حين صرحت النائبة البلجيكية بيترا بير رئيسة مجلس أوروبا - وهى منظمة مستقلة عن الاتحاد الأوروبي- بأن صفة المراقب الممنوحة لإسرائيل في الجمعية البرلمانية للمجلس قد تُعلق بسبب هذا القانون، وعلى المستوى البرلماني أقر البرلمان الهولندي مقترحاً يدعو حكومته إلى التحرك داخل الاتحاد للمطالبة بتعليق الجزء التجاري من الاتفاقية.
ولفهم حجم الأثر الشعبي لهذا القانون بصورة أكمل، يكفي الإشارة إلى تقاطعات التوقيت التي رصدها المحللون؛ ففي أحد الشعانين، التاسع والعشرين من مارس 2026، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس وحارس الأراضي المقدسة من دخول «كنيسة القيامة»، مما أثار تنديدًا واسعًا وحفَّز الفئات المسيحية الأوروبية تحديدًا للتوقيع دفاعًا عن حرية العبادة. وهكذا التقت في هذه المبادرة قوى متباينة المشارب في غير ما اعتاد عليه المشهد السياسي الأوروبي، من اليسار العلماني إلى الكاثوليك المحافظ، مما منحها ثقلًا شعبيًّا استثنائيًّا تجاوز كل الخطوط الأيديولوجية التقليدية.
على صعيد المسار القانوني، فإنَّ بلوغ مليون توقيع ليس نهاية الطريق، بل مدخل لمرحلة إجرائية دقيقة ذات مهل محددة، حيث يمتلك المنظمون مهلة 9 أشهر لإيداع التواقيع المعتمدة رسميًّا لدى الدول الأعضاء، ثم مهلة 3 أشهر لإيداعها أمام السلطات الوطنية للحصول على شهادة الصلاحية، وبعدها 6 أشهر على المفوضية الأوروبية للرد رسميًّا.
غير أنَّ ثمة عقبات بنيوية لا يمكن تجاهلها، إذ يُستبعد تأييد التعليق الكامل في دول كألمانيا وإيطاليا والمجر، وهذه عقبة حيث إنَّ الاتحاد الأوروبي كيان يعتمد آليات الإجماع أو الأغلبية المؤهلة في قرارات بهذا الثقل، مما يجعل الطريق نحو التعليق الكامل طويل ومعقد حتى وإن كان اتجاهه العام بات واضح للمراقبين.
ويتجاوز أثر هذه المبادرة حدود القارة الأوروبية ليصل إلى عمق الديناميات الإقليمية في الشرق الأوسط. فتعليق اتفاقية الشراكة أو إلغاؤها سيرسل رسالةً سياسيةً مزلزلةً للدول العربية التي تربطها بإسرائيل شراكة اقتصادية مثل مصر والأردن، أو الدول التي أقدمت على التطبيع في إطار اتفاقيات أبراهام، إذ سيتضح أنَّ المصالح الاقتصادية الموعودة في مسار التطبيع تصطدم بسد أوروبي صلب يعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي برمته، فالدول العربية التي انخرطت في مسارات التطبيع تجد نفسها اليوم أمام بيئة إقليمية متغيرة، وأي تراجع في العلاقة بين أوروبا وإسرائيل قد يعيد رسم خريطة الاستثمارات والتعاون في المنطقة، ويؤثر على مشاريع الطاقة والنقل، خصوصاً في شرق المتوسط، في المقابل قد يمنح هذا التحول الأوروبي دفعةً للدبلوماسية الفلسطينية، ويعيد للقضية الفلسطينية ثقلها في موازين القوى الدولية بعد سنوات من التهميش التدريجي الممنهج.
تبقى هذه المبادرة، في مجملها، علامةً فارقةً في تاريخ الديمقراطية التشاركية الأوروبية وفي تاريخ القضية الفلسطينية في آنٍ واحد. فقد باتت فرنسا أكثر انفتاحًا على مراجعة جوانب من الاتفاقية، وتتزايد داخل ألمانيا ذاتها أصوات المجتمع المدني المطالبة بإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، فضلًا عن قرار إيطاليا تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي الثنائي كمؤشر إضافي على تحول أوروبي تدريجي لا يمكن تجاهله أو إعادة عقارب الساعة إلى ما قبله. ما بدأته الشوارع الأوروبية بملايين التوقيعات لن تنتهي أفعاله بانقضاء المهل القانونية؛ فقد غيَّرت هذه المبادرة المعادلة الأوروبية من حالة التوافق الصامت مع السياسات الإسرائيلية إلى حالة المساءلة العلنية المدعومة بصوت شعبي ملزم. وبصرف النظر عن مآلات القرار النهائي، فإنَّ مليون أوروبي وأكثر قد أعلنوا بوضوح لا لبس فيه أنَّ عصر الإفلات من العقاب الاقتصادي قد يكون في طريقه الحتمي إلى الأفول.
وإذا كان مليون أوروبي قد أثبتوا أنَّ الإرادة الشعبية المُنظَّمة قادرة على تحريك مؤسسات أعتى التكتلات الاقتصادية في العالم، فإنَّ هذا النموذج يستحق التأمل الجاد من الشعوب العربية، ومصر في مقدمتها، فالمقاطعة الاقتصادية الواعية والضغط المدني المتواصل على الحكومات لمراجعة اتفاقيات الشراكة والتطبيع وتوحيد الصوت في المحافل الدولية عبر منظمات المجتمع المدني، كلها أدوات سلمية أثبت التاريخ فاعليتها حين تُمارَس بصبر واتساق.
إنَّ التجربة الأوروبية ليس فقط أنَّ التوقيع على عريضة يمكن أنْ يُلزم مفوضية بالرد، بل إنَّ الفعل الجماعي المدني حين يكون مدروسًا ومستدامًا يصنع ضغطًا حقيقيًّا يصعب تجاهله. والقضية الفلسطينية لم تفقد حضورها في الوجدان العربي يومًا، غير أنَّ تحويل هذا الوجدان إلى فعل منظم ومتراكم هو ما يمنحه أثرًا في موازين السياسة الدولية، وهو المسار الذي أثبتت الشعوب عبر التاريخ أنَّه، وإن كان أبطأ، يبقى الأكثر ديمومة والأعمق أثرًا.