عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمد عبد الفتاح

أليكس نافالني.. سجين - مريض زلزل عرش بوتين

2021.03.01

أليكس نافالني.. سجين - مريض زلزل عرش بوتين

لم يحدث أن نطق فلاديمير بوتين اسمه ولو مرة واحدة، فكلما سأله أحدهم عن أليكس نافالني، المعارض الأشهر في روسيا، تظهر على وجه سيد الكريملين علامات عبوس تشكل مزيجًا من السخرية والاشمئزاز والغطرسة، ولم يُشر إليه في أي مناسبة إلا بـ"هذا الشخص"، أو"ذلك السيد"، أو "هذا الذي تتحدثون عنه". وكأن عدم ذكر اسمه على نحو مباشر يمكن أن يؤدي إلى إسكات أشرس من انتقد بوتين منذ وصوله سدة الحكم في عام 1999. وبعدما سقط نافالني في غيبوبة في العشرين من أغسطس الماضي، أصبحت الإشارة إليه بنعت "المريض" وفقًا للمتحدث باسم الرئيس الروسي، قبل أن يتحول إلى "السجين"، بموجب حكم مشدد صدر في الثاني من فبراير الجاري، استنادًا إلى أنه لم ينفذ شروط حكم كان قد صدر عليه، عام 2014، بالسجن لثلاث سنوات ونصف السنة مع إيقاف التنفيذ.

بعد خمسة أشهر على واقعه تسميمه في سيبيريا، والتي نُقل منها إلى العاصمة الألمانية برلين للعلاج، عاد نافالني إلى موسكو مرة أخرى.. عاد وهو يعلم جيدًا ما ينتظره، إذ كتب على موقع إنستجرام بتاريخ 21 يناير الماضي"لا أقبل الشفقة من أحد، ولا أريد أن أظهر في صورة من قام بتضحية أو من ساقه القدر إلى شيء ما.. إنه اختيار عقلاني أولاً وأخيرًا، رفضت قبول التعسف وإسكاتي في مواجهة الأكاذيب". وكانت آخر كلماته وصفًا لمحبسه الانفرادي قائلاً "المكان الذي أقيم فيه يشبه نوعًا ما تلك الغرفة التي استيقظت فيها منذ خمسة أشهر عقب الاستفاقة من الغيبوبة في ألمانيا.. غرفة ليست كبيرة وليس لي حق الخروج منها، والسرير ليس به التكنولوجيا التي تمكنني من تغيير وضع الظهر أو القدمين، وجسدي ليس متصلاً بأي نوع من الإبر والكابلات (على الأقل حتى الآن)، ثم إنهم يحدثونني بلغتي الأم وهذه ميزة إضافية". وعقب ذلك سُحب هاتف نافالني ومُنع من أي اتصال مع العالم الخارجي.

عاد نافالني وهو يحمل بين يديه قنبلة أحدث انفجارها دويًّا مزلزلاً في روسيا.. قنبلة باسم "قصر بوتين"؛ وهو عنوان فيلم تسجيلي صنعه الفريق المساعد لنافالني وبثَّ تزامنًا مع الليلة الأولى التي يقضيها في محبسه، ووفقًا لمراقبي المشهد في روسيا فإن الفيلم ضاعف من شعبية نافالني، وحقق رقًما قياسيا على منصة يوتيوب بكسر حاجز الـ53 مليون مشاهدة في ثلاثة أيام فقط على الرغم من طول مدة الفيلم (ساعة و52 دقيقة)، فيما وُصف بأنه الانتقاد الأقوى والأجرأ داخليًّا، لا سيما وأن أي اتهام خارجي لنظام بوتين بالفساد لا تجد السلطات صعوبة في تصويره على أنه محاولة للنيل من سيادة روسيا وعظمتها.

الفيديو لم يستهدف واحدًا من حاشية الرئيس، كما جرت العادة، بل كان موجهًا للرئيس شخصيا، من خلال عرض لقصر منيف يملكه بوتين على سواحل البحر الأسود، مُشيد على أرض تملكها الدولة مساحتها أكبر من إمارة موناكو بـ39 مرة وتحرسه عناصر من قوى الأمن الفيدرالي الروسي FSB. وأظهر فيديو نافالني وثائق وصور وشهادات تثبت أن القصر يملكه بوتين بأسماء مستعارة، بالإضافة إلى شركات توظيف وغسيل أموال تحت غطاء مؤسسات خيرية وتقع في نفس نطاق القصر مترامي الأطراف، كما عرض فيلم نافالني ملعب هوكي تخفيه جبال شاهقة وكذلك نادي قمار وصالة لتدخين النرجيلة وتناول أفخم أنواع الكحوليات، وركز على الأثاث المرصع بالذهب، وعرض فواتير شراء فُرش تنظيف المراحيض من إيطاليا، بقيمة 700 يورو للفرشاة الواحدة.

قوة فيلم نافالني تكمن في أنه كشف جنون عظمة بوتينية وسيطرة مافيوية من حاشية الرئيس على مقدرات الدولة، ورسم لوحة جماعية لكل من أسهم في بناء القصر وهم طبقة الأوليجاركيين التي تكونت في حقبة التسعينيات، وبات أقطابها متحكمين في مفاصل البلاد اقتصاديًّا، وكوَّنوا ثروات هائلة من خلال شغل مناصب مهمة في الماضي بشركات مملوكة للقطاع العام، وهم من موَّلوا قصر بوتين بقرابة مليار و100 مليون يورو، الأمر الذي يصفه نافالني بـ"الرشوة الأكبر في التاريخ". 

فيلم نافالني أعطى زخمًا وجرعات من التحدي لكل من يصطف في معسكر المعارضة، دون الانضواء تحت راية حزب معين، وضاعف من قدراتهم على الحشد وهو ما تجسد في فيض من مقاطع فيديو لشباب عشريني على منصة "تيك توك" يدعو للتظاهر رافعًا شعار نافالني "انزعوا عنكم الخوف"، وهو ما نجح بالفعل في كسر حاجز الرهبة لدى الشارع في معركة غير متكافئة مع السلطة، ورغم درجات الحرارة التي تتأرجح ما بين العاشرة والخامسة عشر تحت الصفر في هذا التوقيت من العام، ورغم الثلوج التي تغطي كل شيء في روسيا، نزل المتظاهرون بعشرات الآلاف، ودون أي تعبئة حزبية، في أنحاء البلاد في مشهد غير مألوف، وحتى وإن كان من غير المؤكد حتى الآن، أن تُحدث هذه التظاهرات تغييرًا ما. 

وعلى المستوى الشخصي، اكتسب نافالني احترامًا شعبيًّا هائلاً مقارنة بزعماء آخرين محسوبين على المعارضة، بينما هم في واقع الأمر يلعبون دورًا تجميليًّا للنظام، والحديث هنا تحديدًا عن فلاديمير جيرينوفسكي الزعيم التاريخي للحزب القومي الروسي، وكذلك جينادي زيوجانوف، زعيم الحزب الشيوعي وكلاهما يكتفي بصراع جانبي على فتات من مقاعد البرلمان، وينتقد أداء الحكومة، فيما اختار نافالني صدامًا عنيفًا مع السلطة وعرابيها، مركزًا على فساد الحاشية والأقربين قبل أن يستهدفه رأس الدولة شخصيًّا.

الاحتقار الذي يحرص بوتين على إبدائه تجاه نافالني يتناقض تمامًا مع تبديه أجهزة الأمن مع معاملة للمعارض الأول في روسيا، إذ أن المحامي فاره الطول (1,88سم)، لا يخطو خطوة إلا وكان محاطًا بجيش من الصحفيين الموالين لأجهزة أمنية، ومدفوعين دفعًا لاستفزازه وتصيد أي هفوة تصدر عنه، وفي الثالث والعشرين من أغسطس الماضي نشرت صحيفة "موسكوفيسكي كمسوموليتس" تقريرًا على موقعها الإلكتروني، استنادًا إلى معلومات مسربة من جهاز الأمن الداخلي، والذي ظهر من خلاله صرامة المراقبة التي يخضع لها نافالني بشكل سري على مدار الأربع وعشرين ساعة، علماً بأن التقرير نُشر في الأصل من قبل السلطة لتبرأة نفسها من محاولة تسميم نافالني في تومسك. ولكن السحر انقلب على الساحر؛ إذ ظهر نافالني في مقطع فيديو وهو يتحدث مع أحد أصدقائه وكان يخبره بنيته التنقل بسيارته لمسافة 25كم الساعة العاشرة مساء للاستحمام في نهر "توم"، وهو ما يعني بالضرورة أن نافالني كان في حالة ذهنية وبدنية جيدة ويتناقض مع تفسير السلطات الأمنية لواقعة تسميمه بأنه يتناول الكحوليات ومواد مخدرة بشكل مفرط، ومن ثَم من الطبيعي أن يتعرض لـ"وعكة ما".

غير أن حملات التشويه بحق نافالني ليست كل ما يتعرض له، فمنذ عام تقريبًا حُرم هو وزوجته وأبناءه ووالديه من استخدام أي بطاقات بنكية، والأسوأ أن السلطات القضائية تحولت لأداة في يد السلطة التنفيذية، فأصبح نافالني وأقاربه على مدار السنوات الماضية مطلوبين في عشرات القضايا الجنائية والمدنية، ومنذ عام 2011 قضى نافالني 232 يومًا في السجن ثم 242 يومًا رهن الإقامة الجبرية. وبالتوازي مع ذلك فتحت السلطات تحقيقات تخص صندوق مكافحة الفساد الذي أسسه نافالني، بدعوى التمويل الخارجي وغسيل الأموال، وفي كل مرة يتعرض مقر الصندوق لحملات تفتيش أمني يتم مصادرة أجهزة الكمبيوتر. وفي نفس الاتجاه خضع أخان لنافالني لتحقيقات في قضية جنائية بتهمة التشهير بشركة "إيف روشير" الفرنسية، وانتهى الأمر بحكم بالسجن المشدد ثلاث سنوات ونصف السنة على أخيه أوليج في 30 ديسمبر 2014. يضاف إلى ذلك سلاح العنف الجسدي المستخدم ضد نافالني، ففي عام 2017 قذف أحدهم على وجهه مادة كيماوية لحظة خروجه من مكتبه في موسكو، مما جعله يعاني مضاعفات خطيرة في مستوى النظر، وفي يوليو 2019 قال إنه تعرض لمحاولة تسميم بمادة كيماوية في أثناء قضاء عقوبة سحن قصيرة.

نافالني الحاصل على شهادة في القانون من جامعة لومومبا في موسكو، ثم استكمل دراسته في جامعة يائيل الأمريكية بمنحة، كان حتى وقت قريب يٌقدم باعتباره ليس أكثر من "مدون"، ولكن حتى مدونته Rospil، لاقت نجاحًا كبيرًا منذ إنشائها في عام 2010، نظرًا إلى تركيزها على محاربة الفساد وسوء الإدارة ونهب موارد الدولة، وكان من أولى ضرباته الكشف عن اختفاء 2,9 مليار يورو في مشروع توصيل خط أنابيب غاز ما بين سيبريا والمحيط الهادي، وذلك من أصل ميزانية تبلغ 8,7 مليار يورو.

وذاع صيت نافالني حينما قاد احتجاجات ضد ما قال إنه "تزوير واسع النطاق" في الانتخابات التشريعية التي شهدتها روسيا عام 2011، وله مقطع فيديو شهير وهو يصرخ "يقولون عنا إننا مجرد فئران.. نعم أنا فأر وسوف أنال من رقاب هؤلاء الأوغاد"، وإثر ذلك تم وضعه في السجن لمدة أسبوعين، وتأكيدًا لقدراته البلاغية والخطابية فإن لنافالني تعبيرًا شهيرًا يستخدمه كل المعارضين عن حزب روسيا الموحدة الحاكم، وهو أنه "حزب اللصوص والمحتالين".

في عام 2013 سُمح لنافالني لمرة واحدة بالترشح لانتخابات عمدية العاصمة، ويومها أقنع عمدة موسكو سيرجي سوبيانين، الواثق في شعبيته ثقة عمياء، المسؤولين في الكريملين بالسماح لذلك "الشاب الوقح" بالترشح على أمل احتوائه لاحقاً، ولكن نافالني خسر الاقتراع بعدما حقق 27% من إجمالي الأصوات مع شبهات تزوير شابت العملية برمتها. وكانت تلك المرة الأخيرة التي يُسمح خلالها لنافالني بالترشح لانتخابات، وكان الرفض القضائي مصير كل طلب يتقدم به لإنشاء حزب سياسي، ونفس المصير، على نحو ممنهج، لأوراق أي من حلفائه كمرشحين لأي استحقاق انتخابي.

وظل سلاح نافالني، الأكثر قوة وفاعلية، في حربه على نظام بوتين، هو كشف الفساد، وبدءًا من عام 2010 حققت القناة الخاصة بصندوق مكافحة الفساد على يوتيوب، ملايين المشاهدات من خلال سخريته من أتباع النظام وكشف الفجوة بين مستوى معيشتهم من مأكل وملبس وسكن وسيارات فارهة، بما يطالبون به الشعب من تقشف ودعوات لا تنقطع عن تحمل الظروف المعيشية الصعبة جراء الوضع الاقتصادي الذي يصوره الإعلام الرسمي دائما على أنه متأزم. وتمكن بفيديو كشف حياة الترف التي يحياها رئيس الوزراء السابق ديميتري ميدفيديف، في عام 2017، من دفع عشرات الآلاف من الشباب للتظاهر في الشارع، وكان ميدفيديف قد صرخ في وجه أحد المدرسين بالمرحلة الثانوية بالتوقف عن "الشكوى كالنساء والبحث عن عمل إضافي" إثر مطالبته بتحسين أجور المدرسين. ورويدًا رويدًا أُقصي ميدفيديف عن المشهد بعد الحرج الذي تسبب فيه للنظام.

الماضي القومي لنافالني يظهر على وجهه من وقت لآخر، تاركًا خلفه رائحة الكبريت إلى درجة تجعله أحيانًا موضع شك في نظر محاورييه الغربيين، ففي عام 2007 طُرد من الحزب الليبرالي "إيابولكو"، لأنه رفض إدانة وتسمية ما فعله الجيش الروسي ببعض مناطق الشيشان من عمليات "تطهير عرقي"، كما وصف المتمردين الشيشانيين بالـ"الصراصير"، وسبق وأن شارك في "مسيرات روس" وهي فعاليات تنظمها أحزاب أقصى اليمين. وإذا كانت وجهات نظره تلك جزء من الماضي، فإنه حديثًا اتخذ مواقف مغايرة للخطاب السائد في أوساط "الإنتليجيستا" بشأن السياسة العدوانية لموسكو تجاه أوكرانيا، واقترح إجراء استفتاء تقرير مصير في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا بقوة السلاح عام 2014.

غياب أو تغييب نافالني عن المشهد السياسي سيكون له دون شك تبعات صعبة القياس، ويقول أنصاره وحلفاؤه إنهم مستعدون لتولي زمام الأمور وفي نفس الوقت النضال من أجل إطلاق سراحه، بينما لا يزال بوتين مصممًا على الاستمرار في حملة الازدراء، ففي نفس يوم محاكمة نافالني سأله أحد الصحفيين عن أهم ما سيقوم به على جدول أعماله، وكان الصحفي على قدر من الذكاء بحيث إنه لم ينطق اسم السجين المريض، الذي لم تتطرق إليه إجابة بوتين من قريب أو من بعيد.