عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف حسين

إعادة تدوير القهر والفساد في «يوم وليلة».. قراءة سيكولوجية في تشريح التَّخلُّف

2026.07.25

إعادة تدوير القهر والفساد في «يوم وليلة

قراءة سيكولوجية في تشريح التَّخلُّف

 

في سفره الفكري الأبرز «التَّخلُّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»، يضع أستاذ علم النفس اللبناني الراحل، الدكتور مصطفى حجازي، أيدينا على الجرح الغائر في بنية مجتمعاتنا؛ حيث يؤكد أنَّ التَّخلُّف لا يقتصر يومًا على مؤشرات الانحدار الاقتصادي أو الخلل السياسي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليُشكِّل «نمط وجود» شاملًا يبتلع الإنسان. وفي هذا السياق، يبرز «الإنسان المقهور» كنتاج طبيعي لبيئة متسلطة تصادره، لكن المأساة تكتمل حين يساهم هذا المقهور نفسه في تكريس عجلة التَّخلُّف والدفاع عنها بوعي أو دون وعي.

ويتعمَّق الدكتور حجازي في تشريح هذه الحالة، موضحًا أنَّ المقهور يعيش في دوامة من التَّخوُّف الدائم جراء غياب الأمان، وهو ما يُولِّد لديه شعورًا مزمنًا بالعجز وفقدان السيطرة المطلقة على مصيره. تترافق هذه المشاعر مع إحساس دائم بالدونية والقصور، ليُصاب بما أسماها حجازي بـ«عقدة العار» المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوضعه الطبقي وحالة الفشل أو الفقر التي تلاحقه، مما يدفعه للبحث المحموم عن أي تعويض وهمي يُخفِّف من وطأة هذه العقدة.

ولأنَّ المواجهة تبدو مستحيلةً، يلجأ هذا الإنسان إلى «الاستسلام للقدر» كآلية دفاعية ونفسية تبرِّر عجزه، مع محاولة دائمة للهروب من قسوة الواقع المرير عبر الاحتماء بأسوار الخرافات والتفكير الغيبي السحري. لكن الأخطر من ذلك هو انعكاس هذا القهر على محيطه؛ إذ يتحوَّل المقهور ذاته إلى آلة لممارسة القهر والاستبداد على الفئات التي تصغره قوة ومكانة، في محاولة بائسة لتفريغ شحنات الغضب المكبوتة في أعماقه. وتُمثِّل حالة «التماهي مع المعتدي» حيلةً لا شعورية يتقمص فيها المقهور شخصية الجلاد، متبنيًا أساليبه في البطش بمَن هم أضعف منه. وأخيرًا، يتولَّد لديه عنفٌ كامنٌ ومكبوتٌ؛ نتيجة لكرامته المهدورة يوميًّا، وهو عنفٌ ينتظر لحظةً مواتيةً لينفجر بصورة تدميرية غير محسوبة العواقب.

 

التطبيق السينمائي لنظرية الإنسان المقهور

كل ما سبق من تعقيدات سيكولوجية تحكم علاقة الإنسان المقهور بالمجتمع المحيط به، نجح صناع فيلم «يوم وليلة» (إنتاج عام 2020) في تصويره بذكاء شديد وبصيرة درامية نافذة. ليمثل هذا العمل السينمائي المتفرد التطبيق العملي والمبهر للكثير مما نظّر له الراحل العظيم مصطفى حجازي في كتابه. فالشخصيات شديدة الإنسانية التي زخر بها هذا الفيلم لم تكن سوى نماذج حية لشخصية المقهور، الذي يحاول بكل طاقته «إعادة تدوير القهر» على مَن يستطيع النيل منهم؛ سواء بحكم سلطة عمله، أو وضعه الأسري، أو حتى بممارسة البلطجة والإرهاب النفسي المباشر.

 

متلازمة القهر والفساد: الدائرة المفرغة

في عنوان المقال، تعمدت إقران القهر بالفساد، فهل هما حقًّا مقترنان؟

الإجابة القاطعة هي «نعم»؛ فالقهر والفساد متلازمان شديدا الارتباط ولا يمكن فصلهما. إنَّ الكثير من المقهورين في قاع المجتمع لا يجدون وسيلةً لإعادة تدوير القهر الواقع عليهم سوى من خلال استغلال سلطات وظائفهم، والتي تمثل واحدة من أهم قنوات تفريغ هذا القهر.

هنا، قد تتجاوز صلاحيات موظف بسيط - في تحقيق هذا القهر المقرون بالفساد - صلاحيات الكثيرين ممَّن يعلونه في سلم السلطة. بل قد يُدفع هذا الموظف ليكون مجرد واجهة لسلسلة تراتبية من المنتفعين الفاسدين الأكبر منه (ولنا في فيلم «هي فوضى» المثال الأوضح والمباشر لذلك). وتتجلَّى المفارقة في أنَّه كلما انخفضت الدرجة الوظيفية لهذا الموظف وارتفعت صلاحياته الميدانية، ازدادت درجة «شراسته» في إعادة تدوير القهر؛ والسبب ببساطة أنَّه هو شخصيًّا مقهور في عشرات المجالات الحياتية الأخرى.

هكذا تتحوَّل عملية «إعادة تدوير القهر» إلى عملية انتقامية شخصية من مجتمع ظالم وفاسد؛ إذ يرى هذا الموظف أنَّ كل مواطن يقع تحت براثن سلطته إنما هو ممثل لهذا المجتمع الذي طالما مارس عليه القهر والتهميش.

هذه الديناميكية المُعقَّدة التي أسهبت في توصيفها، تمثل الجوهر الذي استعرضه فيلم «يوم وليلة» بذكاء لافت من خلال شخصياته الرئيسية، والتي شكَّلت بدورها حلقات في سلسلة متماسكة من القهر والفساد. شخصيات تدور طوال الوقت حول محورها المأزوم، دون أنْ يستطيع أحد الفرار من هذه الدوامة، متأثرين بما يُشبه في علم الفيزياء بـ«قوة الجذب المركزية»؛ تلك القوة التي تجتذب باستمرار جميع العناصر التي تدور في فلكها، لتجبرها على الاستمرار في الدوران دون توقف، ودون أنْ تمنحها حتى لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس أو إعادة الحسابات.

 

زمان ومكان الدائرة المغلقة

تضم بطاقة هذا العمل السينمائي الكاتب يحيى فكري مؤلفًا، وأيمن مكرم مخرجًا، إلى جانب كوكبة واسعة من النجوم، من بينهم: خالد النبوي، درة، حنان مطاوع، أحمد الفيشاوي، محمد عادل، حمزة العيلي، خالد سرحان، محمد جمعة، أوتاكا، زينة منصور، وفدوى عابد.

هذا الحشد الكبير من الممثلين تُرجم على الشاشة إلى عدد هائل من الأنماط البشرية الغنية وشديدة التباين والثراء.

وقد اختار صناع العمل ببراعة أنْ تدور جميع الأحداث خلال دورة زمنية كاملة للأرض حول محورها؛ أي 24 ساعة ضمت نهارًا كاملًا وليلة كاملة. ليمثل هذا «اليوم التام» دورة مكتملة من دورات القهر والفساد اليومية، التي يتشابه فيها اليوم بالبارحة، في متتالية حياتية متكرِّرة ورتيبة.

جاء اختيار الشخصيات والنماذج التي ضمَّها العمل وكأنَّه عملية انتقاء لعينات عشوائية تهدف لإجراء فحص مجتمعي شامل لاكتشاف مدى تفشي مرض عضال في جسد المجتمع. ليستعرض لنا الفيلم نتائج هذا التحليل، فنكتشف بيقين أنَّ الغالبية العظمى من الحالات جاءت «إيجابية» بالمرض؛ فالوباء تفشى وانتشر وقارب أنْ يصيب الجميع. هي عدوى قابلة للانتقال من شخص لآخر طوال الوقت، لكن ليس عن طريق التلامس الجسدي، بل من خلال ممارسة القهر على الآخرين.

ورغم أنَّ الأحداث تدور في فلك يوم واحد متكرر، إلا أنَّ صناع العمل اختاروا يومًا يحمل دلالة روحية خاصة: إنه الليلة الختامية لمولد «السيدة زينب». هذه الليلة التي تعد الأهم في تقويم أحباب «السيدة»؛ الذين يعتبرونها مصدرًا رئيسيًّا للسند والشفاعة (وهي تمثل المعادل المصري والإسلامي للسيدة مريم العذراء في الرجاء والملاذ). إنها حيلة مَن لا حيلة له، والمأوى الباحث عنه هؤلاء المهمشون خارج حدود قدراتهم المحدودة، وهو الملجأ الذي سيزودهم بجرعة الأمل اللازمة لإكمال رحلتهم الشاقة في الحياة.

وعلى المستوى المكاني، جاء اختيار «حي السيدة زينب» ومحيط المسجد كمسرح للغالبية العظمى من الأحداث موفقًا للغاية. فإلى جانب الجو الروحي الذي يحيط بالمكان، يُعدُّ هذا الحي من الأحياء العريقة ذات التركيبة الديموغرافية شديدة التنوع؛ حيث يضم فئات اجتماعية وثقافية ومادية متباينة تعيش جنبًا إلى جنب دون صراعات طبقية ظاهرة. كما أنَّ طبيعته كحي تجاري، وقربه الشديد من وسط العاصمة، جعلاه نقطة التقاء مثالية لجميع خطوط العمل.

 

منصور الذهبي والمواطن «X»: وجوه العجز والغضب

تتمثل الشخصية شبه الرئيسية في هذا العمل في شخصية أمين (أو مساعد) الشرطة «منصور الذهبي»، التي جسَّدها ببراعة خالد النبوي. والشيء بالشيء يذكر؛ فعلى الرغم من أنَّ تاريخ السينما المصرية يزخر بعشرات الأفلام التي لعب فيها «ضابط الشرطة» دور البطولة، فإنَّ الأعمال التي تصدَّر فيها «أمين الشرطة» المشهد نادرة للغاية. ولا نكاد نتذكر في هذا السياق سوى فيلم «شياطين إلى الأبد» (إنتاج 1974)، وفيلم «هي فوضى» للمخرجين يوسف شاهين وخالد يوسف (إنتاج 2007). هذا الندرة تدعو للتأمل؛ فشخصية أمين الشرطة هي الأكثر احتكاكًا بالشارع وبالمجتمع، وتحمل أبعادًا درامية أعمق من الضابط؛ لأنَّه في النهاية ابن الطبقات الأكثر معاناة واحتياجًا. لذا، كان اختيار هذه المهنة لبطل العمل ضربةً دراميةً في غاية الذكاء.

تدور الأحداث وفق وحدة الزمان والمكان لترصد يوميات شخصيات متباينة في المستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي والمادي، إلى جانب الاختلاف الديني. وقد اهتمَّ العمل بتسليط الضوء على هذا الموضوع الشائك (الدين) من خلال نظرة المجتمع للآخر المختلف دينيًّا، في دولة ذات أغلبية مسلمة تُعدُّ فيها الأقلية المسيحية جزءًا عضويًّا ورئيسيًّا من مكونها العام.

لكن التفصيلة الأهم والأكثر تأثيرًا في هذا العمل - من وجهة نظري - تمثلت في شخصية «المواطن» التي أداها الممثل محمد عادل. لقد تعمَّد صناع العمل ترك هذه الشخصية (Anonymous) بلا اسم محدد؛ ليكون ببساطة المواطن «X». إنه يمثل أي مواطن مقهور في هذا المجتمع، تُمارَس عليه أشكال الإذلال كافة، بينما يقف هو عاجزًا تمامًا عن إعادة تدوير هذا القهر على أي مستوى. هو المواطن المقهور الذي يعجز عن توثيق أوراقه الرسمية دون دفع إكراميات، مجبرًا على انتظار مزاج الموظفة. هو المقهور حين يُلقى به في الحجز دون تحقيق، ويُسلب كل ما يحمله داخل هذا الحجز، في قسم الشرطة ذاته الذي يُفترَض أنْ يحميه. وهو المقهور في عمله لأنَّ صاحب العمل يرفض التأمين عليه توفيرًا للنفقات، في ظلِّ منظومة حكومية تتركه مكشوفًا ليحيا يومه بيومه طوال الوقت.

وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم عبقريةً ودلالةً، يأتي سؤال مذيعة التلفزيون - المُغيبة تمامًا عن قسوة الواقع - حين تلتقيه صدفة أثناء تغطية المولد لتسأله بسذاجة: «أنت كمواطن مصري حتدي إيه لمصر؟». هذا السؤال يعيد تفكيك المفهوم الدائم للوطن والمواطنة. وكانت إجابة هذا المواطن المسحوق هي الهروب ببساطة من أمام الكاميرا؛ لتكون إجابته الصامتة إعلانًا صريحًا وموجعًا عن طبيعة علاقة المواطن بالوطن. متى وكيف يجب أنْ نحب الوطن؟ وهل كُتب على هذه العلاقة أنْ تظلَّ دائمًا «حبًّا من طرف واحد» يُقدِّم فيه المواطن كل شيء ولا يحصل على أدنى مقومات الكرامة؟

من خلال شخصية هذا المواطن المقهور، أطلق العمل جرس إنذار شديد الأهمية، وكان من الذكاء وضع هذا التحذير في بداية الفيلم وليس في نهايته. حين انفجر هذا المواطن المغلوب على أمره داخل مصلحة الشهر العقاري محطِّمًا كل ما امتدت إليه يداه، قُدَّم لنا إنذارًا حيًّا بعواقب الكبت الناتج عن القهر المجتمعي. فهذا المواطن الملتزم بـ«المشي جنب الحيط» والذي لا يُسمَع له صوت، حين ينفجر، ستكون عواقب انفجاره كارثية؛ ليثبت بالفعل أنَّ قاعدة «الكبت يولد الانفجار» لا تخطئ أبدًا.

 

كسر التنميط والولوج إلى المسكوت عنه

من أبرز الانتصارات التي تُحسَب لصُنَّاع هذا العمل، هو التمرُّد على التنميط المعتاد للشخصيات المسيحية. فكثيرًا ما تتعامل الأعمال السينمائية والتلفزيونية بحساسية مفرطة مع الشخصية المسيحية، لتُظهرها وكأنَّها قادمة من كوكب «يوتوبي»؛ شخصية شديدة المثالية، بلا أخطاء، حتى تتحوَّل إلى كيان بلا ملامح وبلا روح. لكن الإخوة المسيحيين الثلاثة في هذا الفيلم كانوا من نسيج المجتمع الحقيقي؛ يعانون من آليات القهر والفساد نفسها، لذا أنتجوا هم أيضًا أخطاءً وفسادًا وقصورًا، لأنَّهم أبناء هذا المجتمع الذي لا تفرق آلة قهره العميقة بناءً على خانة الديانة المتواجدة في بطاقات الرقم القومي.

كما تجرَّأ العمل على طرح مشكلة «الطلاق في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية»، وهي الأزمة التي نتجت عن قرارات البابا شنودة منذ السبعينات بمنع أسباب الطلاق كافة عدا «علة الزنا» (رغم أنَّ أسبابًا أخرى كانت مطروحة قبل تلك القرارات). هذا الطرح الواقعي لمشكلة تمس شريحة كبيرة من المصريين - والذي سَبق وأن طُرح بجرأة في فيلم «واحد-صفر» عام 2009 - يُحسب لصُنَّاع العملين لخوضهما في معاناة تدفع الكثيرين للجوء لحلول تتناقض مع عقائدهم ومبادئهم.

وفي إطار المسكوت عنه أيضًا، طرح العمل إشكالية علاقة الصداقة والزمالة بين الرجل والمرأة، مضيفًا إليها درجة أعلى من التعقيد بكون الرجل مسيحيًّا والمرأة مسلمة.

يسلط الفيلم الضوء على النظرة المجتمعية التي تعتبر هذه الصداقة البريئة «علاقة شائنة» ومحل استهجان قولي وفعلي. هذا المنع المجتمعي للعلاقات الصحية بين الجنسين منذ الصغر هو ما يتسبَّب لاحقًا في الكثير من تشوهات الكبت التي تفرز حالات التَّحرُّش والاغتصاب.

ولم يغفل الفيلم التَّطرُّق لصور قهر بالغة الإنسانية والقسوة، تجلت في نظرة المجتمع للأطفال ذوي القدرات الخاصة من مصابي «متلازمة داون» (Down Syndrome). فلقد عانت الطفلة «فرح»، ابنة أمين الشرطة منصور الذهبي، من القهر والرفض من الجميع تقريبًا؛ بدءًا من الجدة (والدة الأب)، مرورًا بزملاء المدرسة الحكومية التي اضطر والدها لنقلها منها، وصولًا إلى أطفال المنطقة، في أوجع أمثلة عدم قبول الآخر التي يمكن أنْ يشهدها المجتمع.

وعلى صعيد موازٍ، كان العمل جريئًا في تفكيك عقلية التَّشدُّد الديني من خلال شخصية «الأستاذ عبد السلام» (معلم اللغة العربية). لم يكتفِ الفيلم بعرض سلوكه العدائي ولغة الكراهية المباشرة التي يُكنها للمختلف دينيًّا من شركاء الوطن، بل غاص في العقلية التي تُدير أمثال هذا الأستاذ؛ ذلك الموروث الذي بدأ يضرب بجذوره منذ عام 1979 (العام الفارق في تاريخ الشرق الأوسط)، والذي أنتج أجيالًا متعاقبة من المتشدِّدين المنفصلين تمامًا عن الواقع الفعلي «عقليًّا»، حتى وإن شاركونا العيش فيه «جسديًّا».

 

حضرة الهروب.. وتطهير الألم المؤقت

من أروع المشاهد التي قدَّمها هذا الفيلم، والذي يمكن اعتباره من أهم مشاهد السينما المصرية في الألفية الثالثة، هو مشهد «حلقة الذكر».

جمع هذا المشهد الاستثنائي عددًا كبيرًا من الشخصيات شديدة التباين والمتنازعة فعليًّا في الواقع، ليتوحَّدوا جميعًا داخل حلقة الذكر على وقع الحالة ذاتها من النشوة (الزائفة).

كان هذا المشهد التجسيد البصري الأصدق لما قاله الدكتور مصطفى حجازي عن هروب الشخصيات المقهورة للاحتماء بعوالم الغيبيات والخرافات والتفكير السحري؛ هروبًا من واقعها المرير. لقد عاش الجميع حالة من «الهدنة» والسلام المؤقت؛ حالة من التطهر العابر الذي لن يستمر سوى لدقائق، عمر تلك «الحضرة». وبمجرد انتهائها، سيعود كل هؤلاء الذين رفعوا راية الاستسلام بعقولهم قبل أجسادهم أمام تلك السكينة إلى مستنقع القهر الذي كانوا يغرقون فيه قبل دقائق معدودات.

 

السينما كمشرط جراح

لا تزال جعبة هذا العمل تحمل الكثير من الأطروحات العميقة؛ فقد نجح في تسليط كشافات الضوء على العديد من صور العوار المجتمعي، وآليات إعادة تدوير القهر، وأوجه الخلل المريع في العلاقات الإنسانية والأسرية.

تحية واجبة لصُنَّاع «يوم وليلة» على هذه الجرأة في الطرح والتنفيذ. فرغم مقص الرقابة والتدخلات، فإنَّ ما وصل إلينا في النسخة النهائية يؤكد على رؤية ثاقبة تمَّت صياغتها في قالب درامي بالغ التشويق والتداخل. تداخلت فيه الخطوط الدرامية الكثيفة دون أنْ تتشابك أو تعيق تسلسل الأفكار والأحداث عن ذهن المشاهد.

وفي النهاية، نؤكد دومًا أنَّ من أسمى أدوار السينما الحقيقية هو تسليط الضوء على هذه الجروح الغائرة والمشكلات المجتمعية المعقدة. فليس منوطًا بالسينما أنْ تُقدِّم «الحلول السحرية»؛ فتلك مسؤولية المجتمع ذاته ومؤسساته وأصحاب القرار فيه. لكن دورها الأصيل يبقى في تحريك المياه الراكدة، لتُشكِّل أعمالها دومًا جرس إنذار حقيقي يقرع أبواب كل مَن يهمه الأمر.