عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

المرايا -1

كتاب على طاولة نتنياهو قبل الحرب: ماذا أخبر باري شتراوس صانع القرار الإسرائيلي؟ «الجزء الأول»

2026.03.14

كتاب على طاولة نتنياهو قبل الحرب: ماذا أخبر باري شتراوس صانع القرار الإسرائيلي؟

«الجزء الأول»

في الأزمنة العادية يُقرأ التاريخ بدافع الفضول المعرفي، أما في الأزمنة الاستثنائية فيُستدعى بدافع القلق والبحث عن المعنى. وحين يتردَّد أنَّ كتاب «اليهود ضد روما: قرنان من التمرد على أعظم إمبراطورية في العالم» كان حاضرًا على طاولة مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل الحرب على إيران، فإنَّ المسألة تتجاوز القراءة إلى محاولة استنطاق الماضي؛ بحثًا عن يقينٍ مفقود في حاضر مضطرب. فالتاريخ هنا لا يُستدعى بوصفه سجلًا لما مضى، بل بوصفه خزانًا للرموز والدروس، وربما للتحذيرات أيضًا. فمؤلف الكتاب، باري شتراوس (Barry Strauss) هو مؤرخ أمريكي متخصص في التاريخ القديم، لا سيما التاريخ العسكري للعالم اليوناني والروماني، ويُعرَف بأبحاثه ومؤلفاته التي تتناول الحروب والاستراتيجيات العسكرية في العصور الكلاسيكية، ومن أهل المشورة في واشنطن.

لا يكتب شتراوس التاريخ بوصفه أرشيفًا مغلقًا من الوقائع، بل بوصفه مختبرًا مفتوحًا للتجربة الإنسانية، أي نافذة حية ومتجدِّدة لفهم الحاضر، بل ووضع تصورات عن المستقبل. فالتاريخ - كما يقول شتراوس - أمر جيد للتفكير، لكن التشبيهات المباشرة غالبًا ما تكون مضللة، لكن التفكير في الماضي غالباً ما يساعد على وضع الحاضر في نصابه [1]. وفي عمله هذا يعيد شتراوس سرد قرنين من الصدام العنيف بين اليهود والإمبراطورية الرومانية، منذ خضوع يهودا للنفوذ الروماني في القرن الأول قبل الميلاد وحتى نهاية ثورة بار كوخبا في القرن الثاني الميلادي. وهي قصة مفعمة بالمقاومة والتمرد، لكنها أيضًا قصة نهاية مأساوية لدولة صغيرة حاولت تحدي قوة إمبراطورية عظمى.

حين يقرأ الساسة التاريخ

القصة التي أعادت هذا الكتاب - الذى صدر في أغسطس 2025- إلى دائرة الضوء بدأت بمقطع فيديو قصير ظهر في أواخر نوفمبر 2025. في ذلك المقطع سُئل نتنياهو عن الكتاب الذي يقرأه في تلك اللحظة، فأجاب بنبرة رضا واضحة بأنه يقرأ كتاب «اليهود ضد روما» لباري شتراوس. وعندما سُئل عن سبب اختياره لهذا العمل تحديدًا، أجاب بجملة لافتة: «حسنًا، لقد خسرنا تلك المعركة.. أعتقد أنه ينبغي أن نفوز في المرة المقبلة (We lost that one. We have to win the next oneلم يكن انتشار هذا الفيديو على نطاق واسع أمرًا عفويًّا؛ فقد بدا وكأنَّه رسالة سياسية بقدر ما كان تصريحًا شخصيًّا عن القراءة. تكشف هذه اللحظة القصيرة عن جانب مهم في طريقة تفكير القيادة الإسرائيلية، وهو الميل المستمر إلى قراءة الحاضر من خلال مرآة التاريخ القديم [2].

فبالنسبة لنتنياهو، كما لغيره من الساسة الإسرائيليين، لا يبدو الماضي مجرد مرحلة منتهية، بل يعدُّ إطارًا مرجعيًّا دائمًا لفهم الصراع المعاصر. وقد ظهر هذا الميل مرارًا في خطاباته، سواء حين أشار إلى الفلسطينيين في غزة باسم «عماليق» في أكتوبر 2023، مستحضرًا سرديات توراتية عن العدو الأزلي، أو عندما قارن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2018 بدور الملك الفارسي كورش الذي سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي. وإن هذا الربط المستمر بين التاريخ القديم والسياسة المعاصرة ليس ظاهرة فردية تخص نتنياهو وحده، بل يكاد يكون جزءًا من الثقافة السياسية للحركة الصهيونية منذ نشأتها. فالمؤسسون الأوائل للدولة العبرية كانوا يرون في التاريخ التوراتي خزانًا للشرعية الرمزية والسياسية. ويبرز في هذا السياق اسم ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، الذي لم يكتفِ باستدعاء رموز الماضي في خطاباته، بل جعلها جزءًا من هويته الشخصية. فقد غيَّر اسمه الأصلي «غرون» إلى «بن غوريون»، وهو اسم يستحضر قائدًا يهوديًّا حارب الرومان في العصور القديمة.

وقد كتب دان كورزمان، في سيرته عن بن غوريون، أنَّ الأخير كان يرى نفسه، بمعنى حديث، امتدادًا لشخصيات توراتية كبرى: موسى ويشوع وإشعياء. وفي تصور بن غوريون، لم يكن قيام دولة إسرائيل عام 1948 مجرد حدث سياسي حديث، بل كان فصلًا جديدًا في سردية تاريخية طويلة تمتد إلى الخروج من مصر، وغزو أرض كنعان بقيادة يشوع، وثورة المكابيين ضد الحكم السلوقي. والمفارقة أنَّ بن غوريون لم يكن رجلًا متدينًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان شديد العناية بالنصوص التوراتية، يتعامل معها بوصفها سجلًا تاريخيًّا ومصدرًا للهوية القومية [3].

في هذا السياق، تبدو قراءة نتنياهو لكتاب شتراوس أكثر من مجرد اهتمام أكاديمي بالتاريخ القديم. إنَّها جزء من تقليد سياسي وفكري يرى في الصراعات القديمة نماذج يمكن استحضارها لتفسير صراعات اليوم. فكتاب «اليهود ضد روما» لا يروي فقط قصة تمردات اليهود ضد الإمبراطورية الرومانية، بل يطرح سؤالًا جوهريًّا عن مصير الشعوب الصغيرة حين تواجه قوى إمبراطورية كبرى.

يروي شتراوس كيف قادت سلسلة من التمردات - أبرزها الثورة الكبرى بين عامَي 66 و74 ميلادية، ثم ثورة الشتات في القرن الثاني، وأخيرًا ثورة بار كوخبا - إلى صدامات دامية مع روما. وقد انتهت هذه الثورات بثمن باهظ: تدمير القدس، وهدم الهيكل الثاني، وتشتيت أعداد كبيرة من اليهود في أنحاء الإمبراطورية. كانت تلك نهاية مرحلة تاريخية وبداية أخرى، إذ تحوَّل اليهود تدريجيًّا من شعب يمتلك دولةً إلى جماعة دينية وثقافية موزعة في الشتات [4]. غير أنَّ شتراوس لا يقدِّم هذه القصة بوصفها مجرد مأساة تاريخية، بل بوصفها درسًا معقدًا في السياسة والقوة والإيمان. فالثورات، رغم بطولتها، كانت أيضًا تعبيرًا عن حسابات خاطئة، وعن اندفاعات أيديولوجية جعلت المواجهة مع قوة عظمى أمرًا حتميًّا. وفي هذا المعنى، فإنَّ الكتاب لا يمجِّد التمرد بقدر ما يكشف تناقضاته وتكاليفه.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إثارة: ما الذي وجده نتنياهو في هذا الكتاب قابلًا للتطبيق على لحظة الحاضر، وما الذي اختار تجاهله؟ فالتاريخ بطبيعته قابل لتفسيرات متعددة، وغالبًا ما يقرأه الساسة؛ بحثًا عن الدروس التي تعزِّز رؤاهم، لا تلك التي تُشكِّك فيها. وهكذا يتحوَّل الماضي أحيانًا إلى أداة لإضفاء الشرعية على قرارات الحاضر، بدل أنْ يكون مجالًا للتأمل النقدي في عواقبها.

إعادة تقييم التنافس الإيراني: الانحراف.. لا الحتمية

لا يخفي المؤرخ الأمريكي اليهودي شتراوس أنَّ العَدَاء المعاصر بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية كان أحد الدوافع الفكرية التي قادته إلى دراسة الصراع القديم بين اليهود وروما. فقد أثار هذا العَدَاءُ في ذهنه مفارقةً تاريخيةً لافتةً؛ إذ تكشف المصادر القديمة أنَّ العلاقة بين اليهود والإمبراطوريات الإيرانية - على اختلاف مراحلها - لم تكن قائمةً على العداء الدائم كما تبدو اليوم، بل اتسمت في فترات طويلة بالتقارب أو بالتوازن البراغماتي [5]. ومن هنا نشأ السؤال الذي قاد بحثه: كيف تحوَّلت علاقة تاريخية اتسمت أحيانًا بالتعايش إلى خصومة أيديولوجية حادة في العصر الحديث؟

يرجع شتراوس إلى جذور هذه العلاقة في العصور القديمة، حين سمح الملك الأخميني كورش الكبير لليهود بالعودة من المنفى البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وهو حدث ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة اليهودية. ومنذ ذلك الحين، لم تُنظر إلى الإمبراطوريات الإيرانية بوصفها عدوًا تقليديًّا لليهود، بل كثيرًا ما ظهرت كقوة موازنة لخصومهم. وقد تجسَّد ذلك بوضوح في عهد الإمبراطورية البارثية، التي امتدت منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى أوائل القرن الثالث الميلادي عبر فضاء جغرافي واسع من نهر الفرات إلى تخوم آسيا الوسطى، مسيطرة على طرق التجارة الكبرى، وفي مقدمتها طريق الحرير.

بالنسبة لليهود في يهودا، الواقعة على الحافة الشرقية للإمبراطورية الرومانية، مثلت بارثيا أكثر من مجرد جار قوي؛ فقد كانت عامل توازن جيوسياسي دائمًا في مواجهة روما. فوجود إمبراطورية شرقية منافسة خلق مجالًا للمناورة السياسية، وجعل الإقليم اليهودي يعيش بين قوتين عظميين تتبدل بينهما التحالفات والعداوات. وفي هذا السياق، نشأت داخل الأراضي البارثية - خاصة في بابل - جاليات يهودية كبيرة ونشطة، احتفظت بصلات وثيقة مع يهودا، وشكَّلت أحيانًا شبكة دعم محتملة للمتمردين اليهود ضد الحكم الروماني.

وخلال موجات التمرد في القرنين الأول والثاني الميلاديَّين، علّق كثير من الثوار اليهود آمالًا على تدخل بارثيا لصالحهم. فقد بدت الإمبراطورية البارثية، بوصفها الخصم الأكبر لروما، الحليف الطبيعي لأي قوة تسعى إلى تقويض الهيمنة الرومانية في الشرق. ويرى شتراوس أنَّ هذه التوقعات لم تكن وهميةً تمامًا، إذ كانت بارثيا تعتبر الاضطرابات داخل الحدود الرومانية فرصةً لإضعاف منافستها الإمبراطورية. ومع ذلك، لم يتحقَّق هذا الأمل على نحو حاسم، وبقي في حدود الاحتمال السياسي أكثر من كونه واقعًا عسكريًّا. يُشبِّه شتراوس هذا الرهان بما حدث في الثورة الأمريكية حين عوَّل المستعمرون على دعم فرنسا في مواجهة بريطانيا؛ فوجود قوة كبرى منافسة يمكن أنْ يحوِّل تمردًا محليًّا إلى صراع دولي أوسع. غير أنَّ اليهود، بخلاف الأمريكيين، لم ينجحوا في استقطاب تدخل بارثي مباشر يُغيِّر ميزان القوى مع روما، ما تركهم في نهاية المطاف يواجهون الإمبراطورية الرومانية وحدهم. وإن كان شتراوس ينقل في مواضع عديدة صورًا للدعم البارثي، فينقل عن المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس أنَّ بعض الأفراد قدموا من وراء الفرات دعمًا للثوار في ثورتهم الأولى في ستينات القرن الأول، كما شارك رجالٌ من مملكة أديابين الفارسية إلى جانبهم، وهو الأمر نفسه في ثورة الشتات في عهد الإمبراطور الروماني تراجان.

ومن جهة أخرى، لم تكن روما القديمة غافلةً عن هذا الاحتمال؛ إذ نظرت الإمبراطورية إلى يهودا بعين الريبة، لا بسبب التمردات المتكررة فحسب، بل لأنَّها كانت ترى دائمًا «ظل» الإمبراطورية البارثية ماثلًا خلف تلك الاضطرابات. ولهذا فإنَّ تدمير القدس بعد الثورة الكبرى لم يكن مجرد عقاب على تمرد محلي، بل حمل أيضًا رسالةً استراتيجيةً إلى الشرق مفادها بأنَّ روما لن تسمح بوجود قاعدة مضطربة أو حليف محتمل لبارثيا على حدودها. ومن زاوية أوسع، يخلص التحليل إلى نتيجة أنَّ أزمة اليهود والرومان لم تكن، في جوهرها، دينيةً بقدر ما كانت سياسيةً. فلم يكن اليهود يُنظر إليهم بوصفهم خصمًا عقائديًّا، بقدر ما كان يُنظَر إليهم باعتبارهم طرفًا قد يرتبط بقوة منافسة. وكانت صلتهم الوثيقة ببارثيا - العدو الأكبر لروما في الشرق - العامل الذي ضاعف من الشكوك الرومانية، وأضفى على التمردات اليهودية بُعدًا استراتيجيًّا يتجاوز حدود الصراع المحلي [6].

الحرب على النظام لا على المجتمع: قراءة في منطق الصراع مع إيران

في هذا السياق التحليلي، يذهب المؤرخ الأمريكي باري شتراوس إلى أنَّ العداء الإيراني المعاصر لإسرائيل لا يمثل امتدادًا تاريخيًّا حتميًّا لصراع قديم، بقدر ما يعكس تحوُّلات سياسية وأيديولوجية حديثة فرضتها ظروف ما بعد قيام الجمهورية الإسلامية. فالتاريخ، في نظره، لا يسند فكرة العداء البنيوي بين الفرس واليهود؛ إذ تشير الشواهد القديمة إلى صورة مختلفة تمامًا، حين احتفظت الذاكرة اليهودية بتقدير خاص للإمبراطورية الفارسية منذ عهد كورش الكبير، الذي سمح بعودة اليهود من السبي البابلي وأجاز لهم إعادة بناء الهيكل في القدس، وهو ما منح الفرس مكانةً إيجابيةً في المخيِّلة التاريخية اليهودية.

ويبدو أنَّ هذه القراءة التاريخية تركت أثرًا واضحًا في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي دأب على التمييز بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم. ففي خطاباته المُتكرِّرة، حرص نتنياهو على التأكيد على أنَّ الإيرانيين ليسوا أعداء إسرائيل، وأنَّ الخصومة الحقيقية تكمن في النظام السياسي الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية. ومن ثمّ تشكَّلت رؤية استراتيجية تقوم على استهداف بنية الحكم لا المجتمع الإيراني، انطلاقًا من افتراض أنَّ المجتمع الإيراني يحمل في أعماقه استعدادًا مختلفًا للتفاعل مع إسرائيل مقارنة بالخطاب الرسمي الذي تتبناه القيادة الدينية. ومن هنا يمكن فهم محاولات إعادة إحياء رموز إيران الملكية في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، وعلى رأسهم رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل محمد رضا بهلوي. فاستدعاء هذه الشخصية لم يكن مجرد استعادة لرمز تاريخي، بل يعكس - في نظر بعض المحللين - محاولة لإحياء صورة إيران ما قبل عام 1979، حين كانت طهران أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، وشكَّلت جزءًا من منظومة التوازن الإقليمي التي سعت واشنطن إلى ترسيخها في مواجهة المدِّ السوفيتي آنذاك.

وفي ضوء هذه الخلفية الفكرية يمكن فهم أهداف الضربة الأمريكية -الإسرائيلية التي وقعت في 28 فبراير 2026، والتي ركَّزت على استهداف النخبة الحاكمة في إيران، وعلى رأسها المرشد الأعلى، انطلاقًا من تصور مفاده بأنَّ ضرب رأس النظام قد يؤدي إلى انهيار سريع لبنيته السياسية. غير أنَّ التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية تشير إلى أنَّ النظام الإيراني يتمتع بقدر كبير من التماسك المؤسسي والاجتماعي، سمح له عبر العقود بامتصاص أزمات وضغوط متعددة دون أنْ يفقد قدرته على إعادة تنظيم نفسه.

ولهذا فإنَّ استهداف النخبة الحاكمة قد يظل، في أفضل الأحوال، إجراءً تكتيكيًّا محدود الأثر، لا يكفي وحده لتفكيك البنية العميقة للنظام. فقد أظهرت التجربة منذ قيام الجمهورية الإسلامية أنَّ شبكة المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية قادرة على إعادة إنتاج التوازن الداخلي، حتى في ظلِّ الضغوط الخارجية الشديدة.

وفي هذا الإطار، لا تبدو الحرب الراهنة مرشحةً لأنْ تنتهي بمعادلة صفرية حاسمة. فإيران، بخلاف كثير من خصوم إسرائيل في المنطقة، ليست هدفًا توراتيًّا، ولم تشغل في الوعي التاريخي اليهودي موقع «العدو التقليدي»، بل احتفظت بصورة إيجابية نسبيًّا في الذاكرة التاريخية منذ العصر الفارسي القديم. ومن ثمَّ فإن الاحتمال الأكثر واقعية قد يتمثَّل في تسوية سياسية تعيد ترتيب التوازن داخل النظام الإيراني دون إسقاطه بالكامل، وربما تتضمَّن تعزيز دور المؤسسات المدنية المنتخبة مقابل تقليص نفوذ المؤسسة الدينية، إلى جانب تسوية نهائية لملف البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية وتقديم ضمانات أمنية متبادلة.

ولعل العلاقات بين طهران وواشنطن في زمن الجمهورية الإسلامية تكشف لنا أنَّ الصراع بينهما لم يكن دائمًا صراعًا مطلقًا. فعلى سبيل المثال أقرَّ محمد علي أبطحي، نائب الرئيس في عهد محمد خاتمي، بأنَّ بلاده قدَّمت دعمًا غير مباشر للولايات المتحدة خلال الحرب في أفغانستان، وغزو العراق، مشيرًا إلى أنَّ سقوط كابول وبغداد تمَّ بسهولة أكبر بفضل هذا التعاون غير المعلن. وهي تصريحات تنسجم مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في أكثر من مناسبة بأنَّ الولايات المتحدة احتاجت إلى الدور الإيراني في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية خلال السنوات الأولى من الحرب عليه في العراق وسوريا. بل إنَّ الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد خلال الحرب السورية كان مُرحَّبًا به أمريكيًّا؛ إذ سمح بإطالة أمد الصراع، مانحًا واشنطن الوقت الكافي للبحث عن بديل مناسب، حتى وجدت ضالتها في الشرع.

وخلاصة القول، إنَّ القراءة التاريخية التي يقدِّمها باري شتراوس - إذا ما استُحضرت في التفكير الاستراتيجي - قد تدفع إلى البحث عن مَخرَج سياسي سريع للحرب يتيح لجميع الأطراف أنْ تدّعي النصر. وهم كذلك، إذ إنَّ المهزوم الحقيقي في هذا الصراع هو العالم العربي، الذي دفع ثمن تلك الحرب من خزائنه، وناله الكفل الأكبر من درنها، وحصد نصيبه من تقريع طرفيها؛ بين مَن يراه أنه سمح لأراضيه بأنْ تكون منطلقًا للهجوم عليه، ومَن يراه صديقًا لم يفِ بمقتضيات الصداقة ولم يشمر عن ساعد الجد لخوض حرب رفقة صديقيه. وفي ظلِّ هذه المعادلة المُعقَّدة ينتظر العرب جميعًا استحقاقًا أشد وقعًا، عندما تصبح أراضيهم هدفًا للمشروع الصهيوني الذي يرى أنَّ هذه اللحظة هي الأنسب لتحقيق إمبراطوريته الإقليمية، وهو ما يفسِّر تعليق نتنياهو على كتاب شتراوس: «أعتقد أنه ينبغي أن نفوز في المرة المقبلة».

 

 

[1] James Blake Wiener, «Interview with Barry Strauss: Jews vs. Rome—The Latest Book by Barry StraussWorld History Encyclopedia, January 15, 2026.

[2] Laurent Guyénot. «Jews against Rome, Forever: Bibi: ‘We Lost That One, We Have to Win the Next One.’» The Unz Review. November 24, 2025.

 

[3] Dan Kurzman, BenGurion: Prophet of Fire (New York: Simon & Schuster, 1983), pp. 33–35.

[4] Barry Strauss, Jews vs. Rome: Two Centuries of Rebellion against the Worlds Mightiest Empire (New York: Simon & Schuster, 2025), p. xx.

[5] Wiener, Interview with Barry Strauss.

[6] Barry Strauss, Jews vs. Rome, pp. 80-86.