عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمد عبد الفتاح

الأردن.. هل للزلزال من تبعات؟

2021.06.01

الأردن.. هل للزلزال من تبعات؟

ثلاثة أيام فقط كانت كفيلة بأن تتلاشى الصورة النمطية عن العائلة الملكية الأردنية، كأسرة متماسكة.. ثلاثة أيام راقب خلالها الأردنيون بدهشة تسوية حسابات داخل البيت الهاشمي، اندلعت شرارتها الأولى يوم السبت الثالث من أبريل الماضي؛ بسلسلة من الاعتقالات طالت شخصيات مقربة من الملك عبد الله الثاني، و تزامن ذلك مع إعلان الأمير حمزة بن الحسين، الأخ غير الشقيق للملك، عن خضوعه لإقامة جبرية، وهو ما أغرق البلاد في حالة من الضبابية وعدم الفهم في ظل اكتفاء السلطات الرسمية ببيانات مقتضبة. ثم كانت الاتهامات التي أعلنها وزير الخارجية، أيمن الصفدي، في اليوم التالي بحق الأمير حمزة بمثابة قنبلة مدوية فجرت العديد من الأسئلة بأكثر مما كان ينتظره الرأي العام من إجابات. الصفدي، الذي يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الوزراء، صرح، ودون أن يلفظ كلمة «انقلاب»، أن الأمير حمزة بن الحسين، ولي العهد في الفترة من ١٩٩٩ إلى ٢٠٠٤، والمستشار السابق للملك، باسم عوض الله، والمبعوث الخاص للملكة الأردنية للملكة العربية السعودية، الشريف حسن بن زيد، و١٤ شخصية أخرى، مرتبطون جميعًا بمحاولة «منسقة» لزعزعة استقرار المملكة دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل. مع التوضيح أن خلاصة ما عرضه هو نتاج «مراقبة لمدة طويلة كشفت عن تدخلات واتصالات مع جهات خارجية بهدف الإضرار بأمن الأردن».

واشنطن، والرياض، وتل أبيب، سارعوا جميعاً بالإعلان عن مساندة الملك عبد الله الثاني فيما يتخذه من إجراءات للحفاظ على أمن البلاد، في الوقت الذي أثارت فيه الرواية الرسمية شكوكًا لدى المحللين والرأي العام، ووفقًا لخبير في شؤون العائلة المالكة، رفض نشر اسمه، لصحيفة لوموند الفرنسية: «لا أعتقد أنها Game of Thrones أردنية، وفي رأيي أن تلك الاضطرابات لها علاقة بالسخط الشعبي المتنامي سياسيًّا واقتصاديًّا، مع ما يخلفه ذلك من خوف في الدوائر الحاكمة. وأظن أن الحكومة تبالغ في تصوير ما يمثله الأمير حمزة من خطر، لتثبيط أي محاولات لمناقشة الفساد المستشري».

الأمير حمزة البالغ من العمر ٤١ عامًا، يمثل شوكة في حلق الملك عبد الله الثاني، الذي يكبره بثمانية عشر عامًا، والذي لم يتردد في نزع لقب ولي العهد من أخيه عام ٢٠٠٤ لصالح ابنه حسين، وهو ما يتعارض مع رغبة والده الراحل الملك حسين بن طلال وزوجته الرابعة نور الحسين والدة الأمير حمزة. وإذا كان هذا الأخير قد أُبعد عن دوائر السلطة بعد مسيرة لامعة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية، ثم طيارًا في سلاح الجو الأردني، فإن الأمير، وفقًا للمحلل الأردني أسامة الشريف «يتمتع بكاريزما لأنه ينتقد الفساد الذي أفقر المجتمع ولأنه قريب من الشعب لا سيما القبائل الكبرى التي يتمتع معها بعلاقات جيدة على غرار والده». وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، لم يتوقف الأمير حمزة عن انتقاد سوء الأداء الحكومي عبر تويتر، وإثر ذلك نزلت عدة تظاهرات في الشارع احتجاجًا على الأوضاع المعيشية بقيادة شخصيات قبلية تربطها علاقات وطيدة بالأمير. ووفقًا لخبير بشؤون العائلة المالكة فإن كثيرين يرون في الأمير حمزة» ملجأ أمان، فهو يشبه والده في كل شيء: اللباقة والطاقة والتواضع وطريقة الكلام.. كل هذا خلق شعورًا لدى البعض بأنه إذا أصبح ملكًا فإن الوضع سيكون أفضل، ولكنه مجرد شعور. كما أن الأمير نفسه يدرك أنه ليس ناشطًا وهو ليس بالغباء الذي يجعله يتحدى نظام الحكم وهو في الأصل ضابط سابق بالجيش».

من الواضح إذن أن الشعور الذي كان سائدًا وسط أهل الحُكم ونخبته بأن البِلاد واحة أمن واستقرار كان شعورًا مضللاً، فما كان يبدو ورديًّا على السطح طِوال السنوات الماضية كان بمثابة قمة جبل جليد تخفِي تحتها أرتالاً من الإخفاقات والأزَمات والاحتقان الشعبي، والفشل على أصعدة متعددة، فالاقتصاد انكمش بنسبة ٥٪ في الأعوام الأخيرة، والبِطالة وسط الشباب زادت معدلاتها عن ٤٨٪، و٢٠٪ من الأردنيين يعيش على أقل من أربعة دولارات في اليوم، والعجز في الميزانيّة السنوية يزيد عن ملياري دولار، والدين العام يفوق ٤٢ مليار دولار، والتحويلات القادمة من نصف مليون أردني يعملون في الخليج انخفَضت من ٦ مليار دولار عام ٢٠١٤ إلى ثلاثة مليارات العام الماضي، وربما تتراجع إلى مليار في العامين المقبلين، لانخفاض أسعار النفط، وعمليات «التسريح» المتصاعِدة، وفوق هذا وذاك انخفاض المساعدات الخليجيّة إلى ما يقرب الصفر، وما يَصِل الأردن حاليًّا عبارة عن قُروض ميسرة وودائع في البنك المركزي.

غير أن ما فعله الأمير حمزة وكل من قُبض عليهم، لا يمكن وصفه إلا بمحاولة استغلال الكثير من السلبيات والضغوط التي أوجدتها قوى دولية وإقيليمة ارتكب الملك عبد الثاني في نظرها أخطاء لا تُغتفر، والحديث هنا عن السعودية والإمارات وإسرائيل إقليميًّا، والولايات المتحدة؛ أو بالأحرى إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، دوليًّا. وأبرز تلك الأخطاء كانت رفض العاهل الأردني المشاركة في حرب اليمن مع الرياض وأبي ظبي، وكذلك رفضه لما عُرف بصفقة القرن التي تبناها ترامب وصهره جاريد كوشنر، والتي كانت أبرز بنودها تتلخص في محو حل الدولتين من أذهان الفلسطينيين وتسوية الوضع على أساس دولة واحدة يهودية، وتنازل الفلسطينيين عن حق العودة، وكذلك تنازل الأردن عن الإشراف على الأوقاف الإسلامية في القدس، والاعتراف بالمدينة المقدسة كعاصمة أبدية للدولة العبرية، فضلاً عن إنشاء مشروع اقتصادي ضخم على سواحل مصر والأردن وإسرائيل والمملكة العربية السعودية بهدف تشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يُعرف باسم مشروع «نيوم» الذي يروِّج له ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والذي كان يطمع بما يمارسه من ضغوط على السلطة الفلسطينية، تمثلت في قطع رواتب الموظفين، في أن تحصل بلاده على حق الإشراف على الأوقاف الإسلامية في القدس بدلاً من العائلة الهاشمية. ولو كان ترامب ربح الانتخابات الرئاسية الأخيرة لربما تعرض الأردن لضغوط أشد كي يكون وطنًا بديلاً للفلسطينيين.

رفض الملك عبد الثاني للصفقة شكلاً وموضوعًا وإصراره على ذلك وتحذير إدارة ترامب من مغبة إتمامها، كلف العاهل الأردني قطع إمداد بلاده بالطاقة والمحروقات من قبل السعودية والإمارات، وكانت النتيجة الطبيعة لذلك ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما أوجد في الشارع حالة غليان بدأت وتباينت، مدًّا وجزرًا من صيف ٢٠١٨، وحتى الآن. وأمام السخط الشعبي المتنامي لم يجد الملك حلاً سوى مصارحة شعبه بما يتعرض له من ضغوط، وذلك في لقائين منفصلين مع طلبة الجامعة، ثم مع شيوخ العشائر والقبائل، وكان كلاهما مذاعًا على الهواء، وخلالهما قال الملك صراحة: «إن ما نتعرض له صعوبات اقتصادية، هو نتيجة ضغوط تُمارس علينا من الخارج، ورسائل لا يمكن أن نرد عليها بالإيجاب.. رسائل مفادها أن امشوا معنا في موضوع القدس لكي نخفف عنكم تلك القيود، ولكن لا أنا ولا الشعب الأردني ولا إخوتنا الفلسطينيين ولا العالمين العربي والإسلامي يمكننا أن نقبل بما يطلبوه منا». وهنا تجدر الإشارة إلى بطء ردة الفعل الإماراتية تجاه ما حدث في الأردن، فيما سارعت إيران التي عزز الملك معها علاقاته في السنوات الماضية، إلى إدانة محاولة زعزعة استقرار المملكة الهاشمية، مع إشارة صريحة بأصابع الاتهام إلى «الكيان الصهيوني».

وفي شهر مارس الماضي، وتزامنًا مع ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، ألغى الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، زيارة للمسجد الأقصى كانت مخصصة للصلاة، ووفق ما صدر رسميًّا من عمان فإنه جرى الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على ترتيبات معينة ولكن تل أبيب تراجعت عنها. وفي الشهر نفسه وردًا على هذا التراجع الإسرائيلي، أمر الملك عبد الله الثاني بمنع طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من التحليق في الأجواء الأردنية كخط سير لرحلته المتجهه إلى الإمارات في زيارة رسمية، مما ترتب عليه إلغاء الزيارة من الأساس.

ومن الأمور التي تدفع للاعتقاد بأن ما تعرض له الملك عبد الله الثاني كان محاولة انقلابية بتدابير إقليمية، هو أن باسم عوض الله أحد أهم الموقوفين، يملك ثروات هائلة جراء عمله مستشارًا لعدة سنوات في القصر الملكي السعودي، قبل أن يصبح وزيرًا للتخطيط ثم للمالية ثم مستشارًا للملك الأردني في الفترة من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٥، وهو مهندس سياسة خصخصة القطاع العام، وورد اسمه في القلب من قضايا الفساد والإهمال الحكومي على مدار السنوات العشر الماضية، أكثر من مرة، كما أن عوض الله شغل منصب ممثل المملكة الهاشمية لدى الرياض، قبل أن يخلفه الشريف حسن بن زيد وهو ضمن الموقوفين أيضاً، لذا لم يكن مستغربًا أن ترسل السعودية وفدًا لعمان بقيادة وزير خارجيتها، فيصل بن فرحان، في محاولة للتوسط لدى العاهل الأردني للإفراج عن عوض الله وبن زيد، وذلك وفقًا لما أوردته رويترز عن مصادر مطلعة.

وما بين مؤيدين للملك ومساندين للأمير حمزة، لم يدم صمت العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني طويلاً فوجه خطابًا لأسرتيه «الصغيرة والكبيرة'» حاول من خلاله وضع كلمة النهاية على أزمة الأمير حمزة بتأكيده أن «الفتنة وٌئدت». وجاءت الحلول لامتصاص الأزمة وذيولها سريعة وحاسمة، وكان أبرزها المُصالحة التي قام بها الأمير الحسن بن طلال، عميد الأسرة الهاشمية الذي يحظى باحترام الكثيرين من داخِل الأسرة وخارجها، وهو الرجل الحكيم الذي قدم مصلحة الوطن على مصالحه الشخصية عندما التزم بيته، واستمر في ولائه للحكم، على الرغم من إعفائه من ولاية العهد بعد ٢٣ عامًا من توليها.

الخطاب الذي اعتبره البعض غير كافٍ، ولا يغني عن ظهور الملك تليفزيونيًّا لمخاطبة الشعب مباشرة حمل في طياته عددًا من الإشارات والرسائل. بداية حسم الملك توصيف ما حدث باعتباره «انقلابًا» عليه من أخيه غير الشقيق، وعلى الرغم من تحاشيه في رسالته استخدام هذا اللفظ مثلما فعلت كل البيانات الرسمية السابقة فإن كلماته لا تحمل سوى هذا المعنى، حين اعتبر أن تحدى الأيام الماضية هو «الأكثر إيلامًا» مشيرًا إلى أن أطراف ما أسماها بـ»الفتنة» كانت «من داخل البيت الواحد وخارجه» كما تحدث عن شعوره «بالصدمة والألم والغضب كأخ وولي لأمر العائلة الهاشمية وكقائد للشعب».

العاهل الأردني حاول احتواء الأزمة التي هددت البلاد في لحظة شديدة الحرج؛ فسعى لامتصاص غضب أنصار أخيه الذين أطلقوا هاشتاج «أين الأمير حمزة؟»، ليجيب الملك أنه «في قصره وتحت رعايتي». وأكد الملك أنه اختار نهج الأسرة الهاشمية مستلهمًا قول الله تعالى «والعافين عن الناس». إلا أن البعض اعتبر أن صورة أو فيديو للأمير حمزة ربما يكون أكثر أهمية لإنهاء الشائعات عن اختفائه، وهو ما حدث بالفعل في ظهور مشترك للملك وأخيه يتلوان الفاتحة عند قبر والدهما في الذكرى المئوية لتأسيس الدولة في الحادي عشر من أبريل الماضي، في الوقت الذي أشارت تقارير إلى أن والدته الملكة نور، والمقيمة في العاصمة البريطانية، تبحث عن خروج آمن لابنها الأكبر.

وفيما يتعلق ببقية جوانب القضية أكد الملك أنها قيد التحقيق وفق القانون وبما يضمن العدل والشفافية، وهو التصريح الذي يمكن تفسيره كرد على تساؤلات أهالي المعتقلين ضمن القضية من جهة، وردًا على الأنباء التي ترددت عن سعي السعودية للإفراج عن باسم عوض الله مستشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والمتهم الأبرز في القضية من جهة أخرى.

أما النقطة الأهم في خطاب الملك فكانت اعتباره الأزمة «ثمنًا» لمواقف الأردن «من أجل شعبه وفلسطين والقدس ومقدساتها». وهي النقطة التي حرص أنصار الملك على إبرازها على وسائل التواصل من خلال إعادة نشر تصريحات سابقة للملك كرر فيها تأكيده على موقف بلاده من القدس. وهذه النقطة يمكن اعتبارها إشارة غير مباشرة للجهات الخارجية التي تقف وراء مؤامرة الانقلاب فيما يتعلق برفض الملك عبد الله لصفقة القرن، وتمسكه بإشراف بلاده على المقدسات الدينية في القدس في ظل التقارير التي تحدثت عن سعي السعودية للإشراف على الأقصى في حال تطبيعها للعلاقات مع إسرائيل وهي التقارير التي تنفيها الرياض بشكل متكرر.

انتهى الزلزال الأردني والأيام وحدها كفيلة بكشف حقيقته ومدى الضرر الذي ألحقه ببلد مأزوم وما إن كانت توابعه ستهز المنطقة أم أن سياسة الاحتواء نجحت هذه المرة أيضًا.