عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

نجلاء عبد الجواد

بين بكين وواشنطن: هل تتحمل مصر كلفة التموضع التكنولوجي

2026.09.06

بين بكين وواشنطن:

هل تتحمل مصر كلفة التموضع التكنولوجي

 

جاءت زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى القاهرة في توقيت لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، فهذه أول زيارة دولة يقوم بها الرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو عشر سنوات، وهي تأتي بالتزامن مع الاحتفال بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو تزامن رمزي يمنح الزيارة ثقلًا يتجاوز البروتوكول المعتاد ليصل إلى مستوى إعادة صياغة ملامح الشراكة بين القاهرة وبكين للعقد المقبل، لا سيما أنَّ الجانبين وصفا العلاقة بينهما منذ سنوات بـ«الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، وهي أعلى تصنيف تمنحه بكين لعلاقاتها الخارجية، ما يجعل من هذه الزيارة محطةً لاختبار مدى قدرة البلدين على تحويل الوصف السياسي إلى مكاسب ملموسة على الأرض.

ولا يمكن فهم أبعاد هذه الزيارة دون النظر إلى المسار التصاعدي الذي قطعته العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين خلال السنوات الأخيرة، إذ تحوَّلت مصر إلى واحدة من أهم محطات مبادرة «الحزام والطريق» الصينية في المنطقة، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وبفضل قناة السويس التي تظل شريانًا رئيسيًّا للتجارة الصينية نحو الأسواق الأوروبية والأفريقية، وقد تجسَّد هذا الحضور في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية المعروفة باسم «تيدا» (TEDA) في العين السخنة، والتي استقطبت أكثر من 200 شركة صينية، لتصبح نموذجًا يستشهد به الجانبان كلما تحدَّثا عن نجاح التعاون الصناعي المشترك، إلى جانب مشروعات جديدة قيد التنفيذ في محور قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة، بما يعكس رغبة مصرية واضحة في جذب مزيد من الاستثمارات الصينية القادرة على دعم برنامج توطين الصناعة الذي تتبناه الدولة منذ سنوات، خاصة في قطاعات الطاقة النظيفة التي باتت تمثل أولويةً مشتركةً للبلدين في ظلِّ التزامات مصر المناخية، والطموح الصيني لتصدير تقنيات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية إلى الأسواق الأفريقية عبر البوابة المصرية.

ويُشكِّل الاستثمار الصيني المرتقب في قطاع التكنولوجيا المتقدمة أحد أبرز الملفات التي تصدرت المباحثات بين مصر والصين، حيث يمنح الملف التكنولوجي زخمًا رمزيًّا يضاف إلى ثقله الاقتصادي والاستراتيجي، فقد كشفت تقارير حديثة عن تقدم شركة «هواوي» الصينية بعرض إلى الحكومة المصرية لإنشاء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي تخدم قطاعات حكومية متعددة، من بينها مجالات عسكرية وأمنية ورقابية، ويتضمَّن هذا العرض استيراد ما يزيد على ألفَي رقاقة متقدمة من سلسلة «Ascend» (أسند)، التي طوَّرتها الشركة الصينية كبديل محلي لرقائق إنفيديا الأمريكية، منها 1480 من الرقائق المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي و600 رقاقة أخرى لتشغيل هذه النماذج وتطبيقات الاستنتاج، وإذا ما اكتمل هذا الاتفاق فإنَّه سيمثل أكبر بوابة دخول للتكنولوجيا الصينية المتقدِّمة إلى قلب البنية التحتية الرقمية المصرية منذ سنوات طويلة، في خطوة تعكس رغبة القاهرة في تسريع تحولها الرقمي عبر شراكة مع قوة تقنية صاعدة توفر بدائل تمويلية وتقنية أقل تعقيدًا من الشروط الغربية المعتادة.

غير أنَّ هذا الاستثمار الواعد، رغم أهميته التنموية، فإنه يضع مصر أمام كلفة اقتصادية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن واقع الدولة المالي الصعب، فالحكومة تخطِّط بالفعل لتخصيص ما يقارب 860 مليون دولار للتوسُّع في مراكز البيانات والحوسبة حتى نهاية العقد الحالي، وهو رقم قد يبدو متواضعًا مقارنة بحجم الاستثمارات العالمية في هذا القطاع الذي يتجه نحو تريليون دولار سنويًّا على مستوى العالم، لكنه يظل عبئًا إضافيًّا على موازنة دولة تصارع لخفض دينها الخارجي الذي بلغ نحو 161 مليار دولار، وتلتهم أقساطه وفوائده وحدها ما يقارب ثُلثي الإنفاق العام، بما يُضيِّق مساحة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري المتاحة أمام الحكومة، وتواجه مصر في الوقت ذاته استحقاقات خارجية تناهز 50 مليار دولار حتى نهاية العام الحالي وحده، وهو وضع يجعل من أي إنفاق جديد، مهما بدا واعدًا من الناحية التنموية، مسألة تستوجب حسابًا دقيقًا للعائد المرتقب منه مقابل كلفته الآنية والمؤجلة، خاصة أنَّ مصر لا تزال في العام الأخير من برنامجها مع صندوق النقد الدولي، وتحرص على إظهار انضباط مالي يطمئن الدائنين والمستثمرين قبيل استكمال المراجعتين الأخيرتين للبرنامج، ومن هنا فإنَّ نجاح هذا الاستثمار الصيني في تحقيق أهدافه التنموية دون أنْ يتحوَّل إلى عبء مالي إضافي يتوقف بشكل كبير على طبيعة آلية التمويل المتفق عليها، فإذا جاء الاستثمار عبر تمويل ميسر من الجانب الصيني نفسه أو عبر شراكة مع القطاع الخاص، فإنه يمكن أنْ يُشكِّل رافعةً تنمويةً حقيقيةً، أما إذا اعتمد على اقتراض مباشر تتحمله الخزانة العامة فإنَّه سيضيف إلى عبء الدين القائم في توقيت لا تحتمل فيه الموازنة المصرية أي التزامات إضافية غير محسوبة العائد.

وإلى جانب هذه الكلفة المالية المباشرة، يحمل هذا الاستثمار التكنولوجي المرتقب أعباء بيئية يصعب تجاهلها عند تقييم جدواه الشاملة، فمراكز البيانات الضخمة تُعدُّ من أكثر الأنشطة الصناعية استهلاكًا للكهرباء والمياه في آنٍ واحد، إذ يستهلك مركز البيانات متوسط الحجم أكثر من 300 مليون جالون من المياه يوميًّا لأغراض التبريد وحده، بينما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنَّ الطلب العالمي على الكهرباء من مراكز البيانات مرشح للارتفاع بنسبة تقارب مئة بالمئة بحلول 2030، مع احتمال تضاعف استهلاك المنشآت المخصصة للذكاء الاصطناعي تحديدًا 3 مرات خلال الفترة ذاتها، وهذه المعطيات تحمل دلالة مقلقة بالنسبة لمصر التي تعاني من فجوة في إمدادات الكهرباء تتكرَّر معها أزمات الانقطاع الموسمي خلال أشهر الصيف؛ نتيجة الضغط المتزايد على الشبكة الوطنية، كما أنها دولة تُصنَّف ضمن أكثر مناطق العالم فقرًا في الموارد المائية للفرد الواحد، وتعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل وسط ضغوط متصاعدة ناجمة عن ملء سد النهضة الإثيوبي والنمو السكاني المتسارع، ما يعني أنَّ استضافة مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من المياه العذبة لأغراض التبريد قد تضع الدولة أمام معضلة حقيقية بين طموح التحول الرقمي، وضرورة الحفاظ على أمنها المائي الذي يمثل خطًا أحمر لا تحتمل الدولة المساس به مهما كانت المكاسب التقنية المرجوة.

ولمواجهة هذه المعضلة البيئية، تبدو الحاجة ملحة إلى أنْ تشترط الحكومة المصرية منذ بداية أي مفاوضات مع الجانب الصيني استخدام تقنيات تبريد حديثة أقل استهلاكًا للمياه، مثل أنظمة التبريد الهوائي المغلق أو تقنيات إعادة تدوير المياه المستخدمة في التبريد، إلى جانب الاعتماد على مصادر طاقة متجددة لتشغيل هذه المراكز بدلًا من الاتكال الكامل على الشبكة الوطنية التي تعتمد أساسًا على الوقود الأحفوري، وهو ما يمكن أنْ يتحقَّق عبر ربط مراكز البيانات المزمع إنشاؤها بمشروعات الطاقة الشمسية والرياح التي تنفذها مصر بالفعل في مناطق مثل خليج السويس وأسوان، بحيث يتحول الاستثمار التكنولوجي الصيني من عبء إضافي على شبكة الطاقة إلى جزء متكامل مع منظومة الطاقة النظيفة التي تسعى الدولة لتوسيعها ضمن التزاماتها المناخية الدولية، وهذا النهج ليس مجرد خيار تقني بل ضرورة استراتيجية تحمي مصر من الوقوع في فخ استيراد تكنولوجيا متقدمة على حساب مواردها الطبيعية الشحيحة، خاصة أنَّ أي تفريط في هذا الجانب قد يجر الدولة إلى أزمات مركبة تجمع بين نقص المياه ونقص الكهرباء في وقت واحد، وهو سيناريو لا تحتمل الدولة أعباءه الاجتماعية والسياسية.

كما يكتسب هذا التوجه أهميةً إضافيةً حين يوضع في سياق التنافس التكنولوجي العالمي المحتدم بين واشنطن وبكين على قيادة صناعة الذكاء الاصطناعي، فالصين التي تسعى منذ سنوات إلى كسر الاحتكار الأمريكي لصناعة الرقائق المتقدمة عبر شركات مثل «هواوي»، تجد في الأسواق الصاعدة كمصر فرصةً لتوسيع رقعة انتشار تقنياتها وتثبيت معايير تشغيلية صينية بديلة عن المعايير الأمريكية السائدة عالميًّا، وهو ما يمنح القاهرة أهميةً استراتيجيةً تتجاوز حجمها الاقتصادي المباشر، إذ تمثل مصر بوابة محتملة لتصدير النموذج التكنولوجي الصيني نحو باقي دول أفريقيا والشرق الأوسط التي تربطها بها علاقات تجارية وثقافية عميقة، وتزداد حساسية هذا الملف حين يوضع في سياقه القانوني، ذلك أنَّ واشنطن تمتلك أداة ضغط فعلية تتمثل في نظام تراخيص تصدير الرقائق المتقدمة، وقد دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ سنوات على التحذير من أنَّ استخدام بعض معالجات «هواوي» دون موافقة أمريكية مسبقة قد يعرِّض الجهات المستخدِمة لعقوبات أو إجراءات قانونية بموجب قواعد الرقابة على الصادرات، وهو ما يضع القاهرة أمام معادلة دقيقة تتطلب مهارةً دبلوماسيةً عاليةً، فهي من جهة حريصة على الاستفادة من العروض الصينية التنافسية التي غالبًا ما تأتي بشروط تمويل ميّسرة ودون اشتراطات سياسية مرتبطة بحقوق الإنسان أو الإصلاحات الداخلية كما هي الحال في بعض العروض الغربية، وهي من جهة أخرى لا تريد الدخول في مواجهة مع حليف تقليدي كالولايات المتحدة تربطها به علاقات عسكرية واقتصادية عميقة تشمل المساعدات العسكرية السنوية، والتنسيق الأمني في ملفات إقليمية بالغة الحساسية مثل غزة والبحر الأحمر وليبيا.

وتضاف إلى هذه الحسابات مقارنة مفيدة مع تجارب دول أخرى في المنطقة أقدمت على استضافة استثمارات تكنولوجية صينية أو أمريكية ضخمة في مجال مراكز البيانات، إذ تظهر تجارب دول الخليج مثل الإمارات والسعودية أنَّ نجاح هذا النوع من المشروعات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود فوائض مالية ضخمة، وقدرة على تمويل البنية التحتية المصاحبة من الطاقة النظيفة دون الحاجة إلى اقتراض إضافي، وهو ما يميِّزها عن الوضع المصري الذي يتسم بمحدودية الموارد المالية وضيق هامش المناورة في الموازنة العامة، ما يفرض على القاهرة نهجًا مختلفًا يقوم على التدرج في التوسع بدلًا من محاكاة نماذج دول لا تواجه القيود المالية والبيئية ذاتها، بحيث تبدأ مصر بمشروعات محدودة النطاق قابلة للتوسع التدريجي مع مراقبة أثرها الفعلي على الموازنة العامة وشبكتَي الكهرباء والمياه قبل الالتزام بمشروعات أضخم قد تتجاوز الطاقة الاستيعابية الحقيقية للدولة في هذه المرحلة.

ومع ذلك، فإنَّ حماس القاهرة المشروع تجاه الاستثمار الصيني ينبغي ألا يحجب عنها مخاطر التبعية التقنية التي قد تنجم عن الاعتماد المفرط على منظومة تكنولوجية واحدة، خاصة في مجال بالغ الحساسية كالذكاء الاصطناعي المرتبط باستخدامات عسكرية وأمنية ورقابية كما يكشف العرض المطروح، فبناء مراكز بيانات حكومية بالكامل على رقائق ومعدات صينية يعني عمليًّا ربط جزء كبير من البنية التحتية الرقمية السيادية للدولة بمنظومة تقنية خارجية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة مصر على ضمان استقلالية قرارها التقني في المستقبل، خاصة إذا ما تعرضت العلاقات بين بكين وواشنطن لتصعيد إضافي قد ينعكس على سلاسل التوريد والصيانة والتحديث الدوري لهذه الأنظمة، ولذلك يجب اتباع نهج تكنولوجي متعدد المصادر يجمع بين الشراكة مع الصين والحفاظ على قنوات تعاون مع الشركات الأمريكية والأوروبية في آنٍ واحد، بحيث تتجنب مصر الوقوع في فخ الاصطفاف الكامل مع أي معسكر تكنولوجي على حساب مرونتها الاستراتيجية التي شكَّلت على الدوام أحد أهم أصولها الدبلوماسية.

إنَّ الاستثمار الصيني المرتقب في قطاع التكنولوجيا المتقدمة يحمل فرصةً تنمويةً حقيقيةً لمصر إذا ما أحسنت القاهرة إدارة شروطه وتوقيته، بحيث يصبح رافعةً لبناء اقتصاد رقمي قادر على استيعاب أعداد متزايدة من الشباب المصري في وظائف نوعية، ويعزِّز في الوقت ذاته من مكانة مصر كمركز إقليمي للحوسبة والذكاء الاصطناعي يخدم محيطها الأفريقي والعربي، لكن هذه الفرصة تظلُّ مشروطةً بقدرة الحكومة المصرية على انتزاع شروط تفاوضية صارمة تضمن نقل التكنولوجيا وتوطين جزء من الصناعة محليًّا، وتُحمِّل الجانب الصيني نصيبًا عادلًا من كلفة البنية التحتية المصاحبة من محطات كهرباء ومصادر مياه بديلة، بدلًا من الاكتفاء باستيراد المعدات وترك القاهرة وحدها تتحمل كلفة تشغيلها وصيانتها والأعباء البيئية المترتبة عليها على المدى الطويل، فالمعيار الحقيقي لنجاح هذا الاستثمار لن يُقاس بحجم الرقائق المستورَدة أو عدد مراكز البيانات المنشأة، بل بمدى قدرته على تحقيق توازن مستدام بين الطموح التكنولوجي ومحدودية الموارد المالية والطبيعية التي تعيشها مصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها الاقتصادي.