عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

محمد عبد الفتاح

حادث كندا العنصري.. اعتراف متأخر بالإرهاب الأبيض

2022.01.01

حادث كندا العنصري..  اعتراف متأخر بالإرهاب الأبيض

أربعة أفراد من أسرة مسلمة قُتلوا غدرًا ومع سبق الإصرار في مدينة لندن، الواقعة بمحافظة أونتاريو الكندية، في السادس من يونيو الماضي، دهسًا بشاحنة كان يقودها الشاب ناثانيل فيلتمان، الذي لم يتجاوز العشرين، ودافعه الأول إيمانه العميق بتفوق العرق الأبيض. لم يستغرق الأمر سوى دقائق ليقبض عليه على بعد 7 كيلومترات من مسرح الجريمة. وقبل غروب شمس نفس اليوم أكد بول وايت، محقق شرطة لندن، أن هناك دلائل دامغة على أن « الحادث مخطط له منذ فترة وبدافع الكراهية، ونعتقد أن الضحايا استهدفوا لأنهم مسلمون». وأصدرت أسرة الضحايا، وهم من أصول باكستانية، بيانًا حددت فيه أسماء أبنائها القتلى، وهم: سلمان أفضل (46 عامًا)، وزوجته مديحة (44 عامًا)، وابنتهما يمنى (15 عامًا)، والجدة (74 عامًا)، إضافة إلى الفتى فايز الذي أصيب بجروح خطيرة ونُقل إلى المستشفى.

غير أن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو امتلك من الشجاعة ما دفعه للإقرار الصريح، وحتى قبل صدور الاتهام الرسمي من جهات التحقيق، بأن ما حدث هو «عمل إرهابي مصبوغ بكراهية الإسلام»، وفي نفس الاتجاه سار بيل بلير، وزير الأمن العام في كندا، بالقول إن ما حدث «عمل مروع من أعمال الإسلاموفوبيا، وتلك المجزرة الجماعية وغيرها من هجمات مماثلة هدفها إرهاب الجالية المستهدفة ونشر إحساس بين أفرادها بأن الدور سيأتي على عائلاتهم.. لا ينبغي لأحد أن يعيش بهذه الطريقة». فيما قال مصطفى فاروق، رئيس المجلس الوطني لمسلمي كندا، إن هناك «إحساسًا أكبر من الرعب يسود.. إنه حادث إرهابي ويجب التعامل معه على هذا الأساس». وأعاد الحادث للأذهان ذكريات مؤلمة عن واقعة إطلاق نار داخل مسجد بمقاطعة كيبيك في يناير 2017، أودى بحياة ستة أشخاص فضلاً عن خمسة إصابات شديدة الخطورة، وكان يُصنف بالحادث الأسوأ من نوعه ضد جالية مسلمة في دولة غربية، قبل أن يقع حادث أكثر بشاعة بمدينة كرايست تشيرش بنيوزلندا مطلع 2019، راح ضحيته 51 قتيلاً وعشرات المصابين. ومنذ إطلاق النار على المصلين في كيبيك زادت جرائم الكراهية عمومًا في كندا بشكل ملحوظ، حيث شهدت تورنتو في أبريل من عام 2018، مقتل 10 مشاة بشاحنة صغيرة. 

المختصون في علم الاجتماع بكندا يعزون تنامي ظاهرة العنف بشكل عام إلى ما يُطلق عليه بالإنجليزية trash radios أو «إذاعات القمامة» وهي محطات إذاعية خاصة يتحدث مذيعوها بنبرة متعصبة للعرق الأبيض ومؤمنة بمؤامرة تحاك عليه من قوى خفية، ومحرضة على العنف في أكثر من اتجاه؛ تارة ضد المسلمين وتارة ضد اليهود، فضلاً عن أوصاف عدوانية تجاه الطبقة السياسية الحاكمة أقلها أنهم «حفنة من الخونة الخنازير سمحت بجلب مهاجرين، ومنهم حمقى وقتلة يستحقون القتل»، وذلك على حد وصف ستيفان جيندرون، الإذاعي السابق بعدد من محطات كيبيك والذي يصف نفسه الآن بالـ«تائب» في حديث مع صحيفة لوموند الفرنسية اليومية، ويتابع «لقد كنت رجلاً أبيض غاضبًا على الدوام.. العدوانية وإلقاء القاذورات على الآخرين كانت إدمانًا بالنسبة لي.. وكنت دائمًا موضع ثناء وتقدير من رؤسائي في العمل، وكان المستمعون يطلبون مني الاستمرار بنفس اللهجة الغاضبة المتعصبة، كنت أقول بصوت عالٍ ما كانوا يقولونه فيما بينهم بغيظ مكتوم».

Choi-FM

هي المحطة الأشهر التي يقع تصنيفها ضمن «إذاعات القمامة»، ويرى دومنيك باييت، بالباحث في أصول المجتمعات بجامعة لافال بكيبيك، أن الأمر في هذا النوع من الإذاعات لا علاقة له بصحافة الرأي بل هو «فضاء عام تنتشر فيه الكراهية، وتوجه فيه شتائم لسياسيين بعينهم، وتُنصب فيه محاكمات أخلاقية وهوياتية لمجتمعات بأكملها، دون الأخذ بعين الاعتبار أي من معايير المهنية والحياد».

ومن الصعب التمييز بسهولة بين أبناء كندا ذات الأعراق المتعددة، لكن يختلف الأمر مع المحجبات اللاتي يمكن استهدافهن من المتطرفين بسبب ملابسهن التي تدل على كونهن مسلمات.

أما علي منحنيف، عميد كلية العلوم الاجتماعية والسياسية بجامعة «سياريف هداية الله» الإسلامية، فيشير إلى ظاهرة «الإسلاموفوبيا» كأحد أهم مظاهر العولمة وأزمة الهوية. وقد قال في تصريحات نقلتها وسائل إعلام كندية إن صعود الإسلاموفوبيا في الغرب يدل على أنه «لم يكن مستعدا لاستيعاب المهاجرين بخلفياتهم وثقافاتهم المختلفة». وأوضح أن غياب الحوار في الدول الغربية خلف أزمة الهوية التي نتج عنها العنف ضد المجتمع والعرق والدين.

على مدار العشرين عامًا الماضية استهدفت برامج راديو Choi-FM من خلال مذيعيه، دومنيك موريس ودينيس جرافيل وجيف فيليون، المسلمين والمدافعين عن حقوق البيئة والمرأة، وكانت رسالتهم الصريحة «أننا لم نُخلق لنعيش مع هؤلاء»، بل وفي بعض الأحيان طال هذا الخطاب البيض من الطبقات الفقيرة، وكان لوصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الجارة أمريكا وقع السحر في انتشار هذا الخطاب في كندا على مدار السنوات الأربع الماضية، علمًا بأن كل «إذاعات القمامة» كانت مساندة لترامب بشكل صريح في حملته الانتخابية ضد جو بايدن؛ الذي تراه تلك الإذاعات «حليفًا للشيوعيين ولقوى شيطانية تريد السيطرة على العالم من خلال نشر فيروس كورونا وإجبار البشرية على ارتداء كمامات وتلقي لقاحات». وجاءت جائحة كورونا لتمنح «إذاعات القمامة» الفرصة لخوض معارك جديدة، إذ انخرطت جميعها في حملات شرسة لمعارضة كل التدابير الاحترازية التي أعلنتها الحكومة للحد من انتشار الفيروس، مع دعوات للتظاهر في الشارع في مواعيد الإغلاق العام وحظر التجوال.

من الناحية الصحفية تقدم كوليت برين، مديرة مركز دراسات الإعلام في مونتريال، وجهة نظرها «إذاعات القمامة تشكل مأوى لكل من يرى في نفسه مهمشًا ويشعر بالاغتراب الاجتماعي في نظام يُفترض فيه أنه يمثل النخبة الاجتماعية والثقافية في كيبيك.. أما بالنسبة لمديري هذه المحطات فالأمر لا يتعلق بأيديولوجيا يتبنونها بقدر ما هو محتوى يمنحهم تميزًا في المشهد الإعلامي».

وقد تأسس راديو Choi-FM في عام 1976، ويمتلك تاريخًا حافلاً بالاتهامات، ففي عام 2017 وبعد حادث إطلاق النار في أحد مسجد كيبيك على المصلين، اتهم ضابط مخابرات كندي سابق مذيعي المحطة الإذاعية بأن أيديهم ملطخة بدماء الضحايا على اعتبار أن منفذ الهجوم كان متأثرا بخطابهم الإعلامي المناهض للإسلام والمسلمين. هذا فضلاً عن أن الراديو هو المتهم الأول في تفشي وباء كورونا على نطاق واسع في كيبيك بعدما تبنى حملة فتح الصالات الرياضية وحض مستمعيه على كسر القيود التي فرضتها الحكومة، وبعد 3 أسابيع من بدء الحملة ومع استجابة قطاع كبير من المستمعين لها، تفشى الوباء بشكل مخيف في كل أرجاء المقاطعة لدرجة أدت لتصنيفها منطقة حمراء، أي شديدة الخطورة، وكشفت تحقيقات وزارة الصحة أن بؤرة التفشي كانت إحدى الصالات الرياضية الذي يملك صاحبها، ويُدعى دان مارينو، علاقات متميزة مع مذيعي المحطة، الذين قد يمثلون بالفعل أمام القضاء إثر قضية رفعتها حركة تسمى «أخرجوا القمامة من المدينة» وتضم طلاب ومعلمين ونقابيين، لا سيما وأنه من المثبت إصابة 208 أشخاص في الصالة الرياضية بالفيروس، وقد توفي أحدهم وهو لم يبلغ الأربعين بعد من العمر.

كانت كاترين دوريون، النائبة ببرلمان كيبيك، أول من حذر من خطورة «إذاعات القمامة» على السلم الاجتماعي، خصوصًا مع تمكن مستشاريهم القانونيين من التلاعب بالألفاظ والمصطلحات للإفلات من القضاء، رغم حالة الاستقطاب والاحتقان والتوترات الشديدة التي يخلقها محتواها الإعلامي وفي بعض الأحيان الإهانات الصريحة لبعض الأشخاص، وتؤكد دوريون أن أحد زملائها في البرلمان «انهار في البكاء بعدما شاهد كم ما تعرض له من سباب وإهانات على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بتلك المحطات، بعدما تقدم بمشروع قانون يشدد الرقابة على ما تبثه للمستمعين».

 ويدافع فيليب لوفيفر، مدير محطة Choi-FM عن خطه التحريري ويدحض اتهامه بتعريض حياة المواطنين للخطر بالقول: «نحن مذنبون في شيء واحد فقط، وهو طرح الأسئلة وتشغيل الراديو للجميع.. نحن نقوم بعملنا.. وسنواصل القيام به رغم أن خطر الرقابة يحاول الإجهاز على الحرية». وفي 2004، كانت الإذاعة مهددة بالإغلاق من قبل هيئة البث الكندية، بسبب ما تبثه من محتوى عنصري ضد الأقليات، فما كان من القائمين عليها إلا اللجوء لشعار «يا حرية التعبير باسمك أستغيث»، ونجحوا بالفعل في حشد عشرات الألاف من المتظاهرين المؤيدين لخطابهم الإذاعي في الشارع فتراجعت هيئة البث عن تلويحها بإغلاق المحطة وهو ما أكسبها أرضية صلبة منذ ذلك الحين.

وبالتوازي مع الخطاب الإعلامي المحرض على العنف وكراهية الآخر، فإن هناك جماعات كندية مؤمنة بتفوق العرق الأبيض لا تختلف أيديولوجيتها عن جماعات أصولية على شاكلة داعش والنُصرة، وأبرز تلك الجماعات حركة «براود بويز» اليمينية الأمريكية المتطرفة، والتي لها أفرع منتشرة في أرجاء كندا، وصنفتها أتاوا في شهر فبراير من العام الجاري، جماعة إرهابية. ومع أن هذه المجموعة لم تشن أي هجوم على الإطلاق في كندا، فإن مراقبين رجحوا احتمالية تورطها في هجوم الشهر الماضي، إذ ذكر مسؤولون كنديون أن «المخابرات المحلية أصبحت قلقة بشكل متزايد بشأن تورط -براود بويز- في هجمات». وقد تأسست «براود بويز» أو «الأولاد الفخورين» في عام 2016 وتضم في صفوفها الذكور فقط، مع بعض الاستثناءات. وبحسب صحيفة وول ستريت، تركز هذه المجموعة على «القيم الغربية» وتصف نفسها بـ»جماعة الشوفينيين الغربيين»، فيما تصفها المخابرات الأمريكية بأنها «أخطر مجموعة متعصبة للبيض». وغالبًا ما يدلي المنتمون للأولاد الفخورين بتصريحات معادية للمرأة، بما فيها تصريحات تدعم الاغتصاب، ومعاداة المسلمين ومناهضة الهجرة. وكشفت الصحيفة الأمريكية أن العديد من أعضاء في الولايات المتحدة أدينوا بجرائم عنف واعتداء، وحُكم عليهم بالسجن لسنوات. وكانت السلطات الكندية قد صرحت حين صنفت المجموعة كمنظمة إرهابية، إن أعضاء «براود بويز» يشجعون ويخططون لأنشطة عنيفة ضد الأشخاص الذين يعارضون أيديولوجيتهم. كما صنفت السلطات الكندية مجموعتين أمريكيتين يمينيتين لهما وجود على أراضيها، هما «أتوموافن ديفيجن» و«ذا بايز»، كيانات إرهابية.