رؤى
دار المرايارأسمالية «السوبر ليج».. كرة القدم ابتكرها الفقراء وسرقها الأغنياء
2021.08.01
تمت الترجمة بواسطة: إيهاب نبيل
رأسمالية «السوبر ليج».. كرة القدم ابتكرها الفقراء وسرقها الأغنياء
إن إحباط محاولة تأسيس بطولة دوري السوبرليج لأفضل فرق كرة القدم الأوروبية؛ البطولة التي تبناها أصحاب المليارات المالكين الأندية الكبرى، ليس سوى فصل متقطع في قصة تسليع الرياضة، وتحويلها إلى مشروعات رأسمالية مربحة، يملكها ويديرها رأس المال، ليس من قبيل المصادفة أن المؤسسة المصرفية جي. بي. مورجان JP Morgan كانت منوطة بتمويل خطة السوبرليج، إذ يجسد البنك دور رأس المال العالمي في الهيمنة على الرياضة وتحديثها، كما أنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون المشجع والمتبني الرئيسي للسوبرليج المزمع إقامتها، هو رئيس نادي ريال مدريد، النادي الذي كان يدار سابقًا بواسطة النظام الملكي الإسباني الفاسد ونظام فرانكو، الجناح الفاشي للرأسمالية الإسبانية. وعلى عكس معظم الأندية الكبرى، فالأثرياء فقط هم من يمكنهم أن يصبحوا رؤساء للنادي المدريدي، الذي يوشك أن يكون بلا رعاة مثل بقية الأندية، فضلًا عن معاناته من ضخامة الديون.
كانت السوبرليج تسعى أن تكون بمثابة كارتل مؤسس من قبل الأندية الكبرى الغنية، وتهدف للاحتكار على حساب الأندية الأوروبية الأصغر، وفي النهاية سيصبح ذلك على حساب المشجعين وجماهير هذه الأندية، الذين سيدفعون اشتراكات كبيرة لمشاهدة المباريات على شاشة التليفزيون، أو مواجهة ارتفاع الأسعار حال مشاهدة تلك المباريات في الملاعب وهذا الذي هو ما يحدث الآن بالفعل.
الضجة التي تثار حول هذا الكارتل الاحتكاري تخص دور رأس المال نفسه، فهي نفس الفكرة عندما يتحدث الاقتصاديون عن الدور السيئ الذي تقوم به الاحتكارات، كما لو أن الرأسمالية التنافسية كانت جيدة ومنصفة وتحتاج فقط إلى العودة إلى المنافسة الحرة. والحقيقة هي أن كرة القدم قد رسملت بالفعل، امتلكها وسيطر عليها المليارديرات كأنها من ضمن ألعابهم أو وهي شخصية لهم لكنها مشروعات تدر الأموال، والجماهير ليس لديهم رأي في ذلك أما اللاعبون والمديرون يتبعون الأوامر. أما روابط المشجعين فتقوم بنقد حكم المليارديرات، لكنها بشكل عام لا تقدم أي حلول عدا القول "الآن نحن بحاجة إلى القيام بأكثر من مجرد كشف خداعهم والاستقرار على تسوية تضمن الوصول إلى حل وسط بشأن توسيع دوري أبطال أوروبا.. لذا يجب علينا إعادة كتابة القواعد وإعادة تشكيل المؤسسات وإعادة تقييم دورنا كمشجعين".
لذا فإن انتهاء هذا الكارتل في الوقت الحالي لن يغير الحقيقة بشأن تسليع الرياضة وتحويلها من كونها قيمة استعمالية أساسية للشعوب التي تلعبها وتشاهدها، إلى قيمة تبادلية ربحية، تلك الرياضة التي أصبحت مشروعًا تجاريًّا بدأ في وقت مبكر مع تطور الرأسمالية الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر، خذ كرة القدم مثالًا، يوجد نحو 600 لاعب محترف في الدوري الإنجليزي (بدرجاته المختلفة)، كما أنه يوجد ما يقرب من 4000 لاعب كرة قدم محترف في إنجلترا عمومًا، ونحو 65 ألف لاعب محترف في العالم. بالطبع أصبحت التفاوتات في دخول وأجور لاعبي كرة القدم كبيرًا؛ من لاعب يكسب 1.5 مليون دولار أسبوعيًّا إلى لاعب لا يستطيع العيش على أجور كرة القدم ويحتاج إلى وظيفة أخرى، والفئة الأخيرة بالطبع هي التي تمثل الأغلبية ثم هناك أشخاص يلعبون من أجل المتعة فقط، وعلى ما يبدو أن هناك نحو 250 مليون لاعب كرة قدم مسجلين في اتحادات كرة القدم في جميع أنحاء العالم.
التفاوت في الأجور موجود أيضًا في رياضات كبرى أخرى حول العالم مثل: البيسبول وكرة القدم الأمريكية والكريكيت والتنس، خصوصًا أن كرة القدم والبيسبول، من المفترض أنهما لعبتان شعبيتان، لكنها في حقيقة الأمر لم تكونا شعبيتين قط؛ فقد استبعدت المرأة على نطاق واسع من ممارسة اللعبتين حتى وقت ليس بالبعيد، فلم تكن كرة القدم رياضة لعبة الرجال والنساء، بل كانت لعبة للرجال فقط، يمارسها الرجال، ويشاهدها الرجال بشكل أساسي.
دخلت كرة القدم النسائية للتو إلى العالم الأوسع في العقود الأخيرة، ولا تزال تحظى بدعم محدود من رأس المال والمتابعين، إذ كان من المفترض على النساء البقاء في المنزل وإعداد الوجبات عندما يعود الرجال من اللعب أو المشاهدة. أما في لعبة الكريكيت كان من المتوقع أن تعد النساء الشاي والسندويتشات بينما يلعب رجالهم في الملعب. كانت العنصرية قوة السلطة الجبارة في تحديث الرياضة وتطويرها، فإذا كنت أسود أو آسيويًّا فستستبعد من احتراف الرياضة، على سبيل المثال لم تضم فرق البيسبول الأمريكية المحترفة لاعبًا أسود حتى عام 1947م، بل حتى ذلك الحين لم تكن لعبة البيسبول مجرد رياضة للرجال عمومًا بل رياضة الرجل الأبيض لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمال، فقد نشأت لعبة الكريكيت في العصور الوسطى بقري إنجلترا وفرنسا ولعبها الريفيون أول الأمر، لكنها سرعان ما أصبحت "رياضة أنيقة" وعلى مستوى منتظم أصبحت تسيطر عليها الطبقة الأرستقراطية (ولا تزال) في إنجلترا، وقد قسمت اللعبة الاحترافية بين اللاعبين الذين كان عليهم دفع أموال مقابل لعبها، أما السادة الذين لم يكونوا بحاجة إلى دفع أموال مقابل اللعب، ففي عاصمة لعبة الكريكيت؛ إنجلترا، كانت هناك مداخل منفصلة للسادة وأخرى للاعبين، وكل عام كل فريق يلاعب الفريق الآخر مع الحفاظ على تقاليد فصل أحدهما عن الآخر. وبالطبع تخلصت الرأسمالية الحديثة من معظم هذا الإرث القروسطي، فبمجرد أن تحدثت لغة المال أصبحت لعبة الكريكيت الآن مؤسسة رأسمالية عالمية يديرها مليارديرات هنود يوظفون فيها مرتزقة لعبة الكريكيت من جميع أنحاء العالم في مسابقاتهم المربحة، وقد كانت الكريكيت رياضة شعبية في جنوب آسيا (نتاج الحكم الاستعماري)، لكنها أصبحت لعبة مسلعة بالكامل في قمتها. في الواقع فإن كارتل بطول السوبرليج في كرة القدم أصبح يعمل فعليًّا بنفس الميكانيزم في لعبة الكريكيت في الهند، بينما أصبح مؤسسو اتحادات اللاعبين الهواة في مواجهة رأس مال الملياردير، والآن نادرًا ما تلعب لعبة الكريكيت في المدارس الحكومية الإنجليزية، ويختار اللاعبون المحترفون غالبًا من المدارس الخاصة أو من عائلات الكريكيت. ومن ثم اختفى في الغالب لاعبو الطبقة العاملة في المناطق الصناعية في يوركشاير ولانكشاير. وعلى صعيد آخر لم تكن التنس رياضة شعبية، فقد ابتكرها أرستقراطيو العصور الوسطي، ولُعبت في قصور الملوك والنبلاء على سبيل التسلية، وقد حافظ التنس على صفة الهواية في أواخر القرن العشرين، نظرًا إلى كونه من أنشطة الطبقة العليا، كان بطل التنس الإنجليزي من الطبقة العاملة "فريد بيري" ابن عامل غزل القطن من لانكشاير بطل ويمبلدون ثلاث مرات، وفائزًا بثمان بطولات جراند سلام، ومع ذلك لم تكن السلطات تعترف به، لأنه أصبح محترفًا لكسب لقمة العيش، إلا أن تحول التنس للشكل الاحترافي انتصر في النهاية عندما رأت الرأسمالية الأرباح التي يمكن جنيها من هذه الرياضة. لعبة التنس الآن لعبة معولمة أخرى يديرها وينظمها مليارديرات تأسيسًا على سباق أشبه بسباق الفئران العالمي المكثف للحصول على تصنيفاتهم وأرباحهم.
يمكن اعتبار ركوب الدراجات من الرياضات الشعبية، إذ إنها رياضة يمارسها الملايين كل يوم، بينما يتنقل الملايين بالدراجات في الإجازة الأسبوعية من أجل المتعة، ثم أصبحت تلك الرياضة الاحترافية منتجًا تجاريًّا آخر يهيمن عليه الرعاة المليارديرات وملئ بتعاطي المخدرات والفساد والتلاعب في السباق. كانت لعبة الرجبي رياضة عادية بسيطة، وعلى الرغم من أنها اكتسبت في الأودية ومناطق التعدين والكثير من المجتمعات المحلية سمعتها كرياضة شعبية، فإنها كانت (للرجال فقط)، بخلاف ذلك كانت الرياضة الرئيسية للمزارعين في المناطق الأكثر ثراء في إنجلترا وفرنسا والمستعمرات في استراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، وفي المدارس الخاصة للطبقات العليا، وقد لاقت بطولة الرجبي تطورًا في مناطق الطبقة العاملة في شمال إنجلترا ونظمت بشكل احترافي، بحيث يمكن دفع رواتب لاعبي الطبقة العاملة، وهو ما أثار استياء سلطات اتحاد الرجبي، والمفارقة أن رأس المال جعل اتحاد الرجبي في النهاية يتحول إلى الاحتراف، حيث توجد الأموال، ومع ذلك يظل دوري الرجبي فقير نسبيًّا. أما لعبة البيسبول تلك اللعبة الشعبية الأمريكية فقد جلبها المهاجرون الذين كانوا قديمًا يلعبون المضرب والكرة في إنجلترا إلى القارة الجديدة، ثم تم تسويقها بالكامل، فلم تكن كرة القدم الأمريكية حقًا رياضة للطبقة العاملة، ولكنها أصولها جاءت من دوري (ريفي) للأثرياء مثل لعبة الرجبي في المملكة المتحدة، الآن يحاول أطفال الطبقة العاملة ذوي المواهب الرياضية يائسين الحصول على منح دراسية في كرة القدم والتنس وكرة السلة، كنقطة انطلاق نحو تحقيق الثراء. وبالطبع فقط أقلية صغيرة يمكنها تحقيق ذلك بالرغم من التضحيات الهائلة. كذلك كانت كرة القدم رياضة الطبقة العاملة في أوروبا، وقد لعبها في البداية العمال الريفيون في القرى، ثم عمال المدن الصناعية، وكانت تُلعب في الغالب مقابل القليل من المال أو دونه، وشجعها رجال الطبقة العاملة وبعض النساء، وقد كانت هذه اللعبة بالنسبة للعديد من أفراد الطبقة العاملة الموهوبين طريقة للخروج من الفقر كذلك لعبة الملاكمة أيضًا لكن رأس المال قد استولى عليها في آخر 150 عامًا، فالآن كرة القدم هي شركة يديرها مليارديرات من أجل متعتهم وتُمول بشكل متزايد من قبل رأس المال العالمي، كما أن أندية كرة القدم لها مساهمون ويتم تداول أسهمها في البورصة، ومن ثم فإن ملحمة السوبرليج ليست سوى أحدث فصل في تسليع الرياضة بواسطة الرأسمالية.
لذلك تدار الرياضة الآن من أعلى بواسطة رأس المال من أجل رأس المال واللاعبين الكبار مثل المصارعين في روما القديمة، يدفعون الكثير ويعشقهم الملايين، لكن سرعان ما يتم التخلي عنهم لاحقًا، بينما تستمر الرياضة من أجل الربح، فمئات الملايين يشاهدون هؤلاء المصارعين من أجل الترفيه، لكن قليلين في الواقع من يمارسون الرياضة ذاتها. فما تخبرنا به قصة كرة القدم والرياضات الأخرى أنها لا يمكن أن تصبح رياضة شعبية مرة أخرى في ظل الرأسمالية، ولتحقيق ذلك يتطلب أن تكون الملاعب والأندية ملكية عامة، وأن يكون للأندية أعضاء يمثلون وكأنهم صوت واحد لتحديد أنشطتهم في تلك الأندية. الرياضة يجب أن تمولها الدولة فقط وليس رأس المال، ويجب توظيف اللاعبين بأجور معقولة مثل أي وظيفة أخرى. كما يجب استبدال رأس المال الخاص والرياضة التي تستهدف الربح برياضة شعبية حقيقية ينظمها الناس من أجل الناس، لكن تنفيذ مثل هذا النهج لن يكون ممكنًا بمفرده، ولا يمكن أن يعمل بشكل آلي، إلا من خلال اعتباره جزءًا من برنامج أوسع للملكية العامة والرقابة الشعبية الديموقراطية في المجتمع بشكل عام.
- نشرت بموقع «صوت اليسار
(*) مايكل روبرتس كاتب أمريكي وخبير اقتصادي، عمل في لندن لمدة 40 عامًا في مؤسسات مالية مختلفة، و مؤلف لعدة كتب منها: "الركود الكبير.. وجهة نظر ماركسية"، "العالم في أزمة"، وله الكثير من المقالات عن عولمة رأس المال، وأزمة اليسار العالمي.
ترشيحاتنا
