عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

عدد 10/11-100 سنة على ثورة 1919

عماد أحمد هلال

عندما تخلَّى وِلْسون عن مبادئه.. ما وراء كواليس اعتراف أمريكا بالحماية البريطانيَّة على مصر

2019.05.01

عندما تخلَّى وِلْسون عن مبادئه.. ما وراء كواليس اعتراف أمريكا بالحماية البريطانيَّة على مصر

مدخل:

لا شك أن اعتراف الرئيس الأمريكي ولسون بالحماية البريطانية على مصر في 19 أبريل 1919 كان مُحْبِطًا للمصريين، ومؤثرًا على نتائج الثورة التي جاءت هزيلة لا تضارع ما بذله المصريون من تضحيات، ولا تُرضي مطالب المصريين بالاستقلال التام. ولاعتراف الرئيس الأمريكي بالحماية قصةٌ دارت أحداثُها وراء كواليس مسرح السياسة، وتحكيها الوثائق الأمريكية بالتفصيل. ويُستحسن أن نحكيها منذ البداية.

عندما قامت الحرب العالمية الأولى وانحازت تركيا إلى دول الوسط (ألمانيا وإمبراطورية النمسا والمجر)؛ وَجَدَتْها بريطانيا فرصةً لإنهاء حالة الازدواجية في وضع مصر السياسي، إذ كانت من الناحية الرسمية ولايةً عثمانيةً، ومن الناحية الفعلية مستعمرةً بريطانيةً، فأعلنت بريطانيا حمايتها على مصر في 18 ديسمبر 1914(). وقد اتخذت هذه الخطوة بدون التشاور مع حلفائها أو صديقتها الولايات المتحدة، مُعتبرة أن ظروف الحرب هي التي أدت إلى ذلك(). وقد قامت الحكومة البريطانية بإرسال نسخة من هذا الإعلان إلى سفراء الدول صاحبة الامتيازات في مصر، ومن بينهم السفير الأمريكي في لندن. وبالرغم من أن الولايات المتحدة لم تعترف بالحماية بشكلٍ رسمي؛ إلا أن الرد الأمريكي قد تمثل في بعض التساؤلات حول تأثير إعلان الحماية على المصالح الأمريكية والامتيازات التي تمتع بها الأمريكيون في مصر، وقد اعتبرت الحكومة البريطانية الردَّ الأمريكي بمثابة اعتراف بالحماية، مع إمكانية بحث مسائل الامتيازات وغيرها بعد الحرب().

وبعد إعلان الحماية بأشهرٍ قليلةٍ أعدَّ رُشْدي باشا رئيس الوزراء مشروعًا قدَّمَه للسلطات البريطانية في فبراير 1915، تَضَمَّن وَضْعَ نظامٍ سياسيٍّ لمصر يُوفِّق بين مصالح إنجلترا وآمال المصريين، ويُعلن أن مصرَ دولةٌ مَلكيةٌ دستوريةٌ مستقلةٌ، على أن يُقَيَّد ذلك الاستقلالُ بقيودٍ أهمها أن يكون لإنجلترا حق حماية قناة السويس، والدفاع عن مصر، ومراقبة ماليتها، وحق الموافقة على القوانين المُتعلقة بالأجانب. وقد طالت المباحثات بين رشدي والسلطات البريطانية في هذا المشروع. وبالرغم من أن رشدي استجاب للمطالب البريطانية وقدَّم كثيرًا من التنازلات في ذلك المشروع المتواضع أساسًا()؛ إلا أن المباحثات استغرقت عامي 1915–1916، ويبدو أن من عوامل إعاقة إنهاء ذلك المشروع أن الوجود البريطاني في مصر كان مُعرضًا لكثيرٍ من العواصف خلال تلك الفترة التي كانت التهديدات التركية لمصر فيها قائمة، بينما كانت حملة الدردنيل قد وضعت أوزارها بالفشل البريطاني الذريع.

وعلى هذا، فإنه مع بداية عام 1917، ومع فشل الحملة التركية على قناة السويس، وإعلان الشريف حسين الثورة العربية، وتَحَوُّل الموقف العسكري البريطاني على الجبهة المصرية من الدفاع إلى الهجوم؛ بدأت بريطانيا تنظر في تحديد طبيعة علاقتها بمصر، وانقسمت الإدارة البريطانية بين رأيين: أحدهما يُطالب بضم مصر إلى الإمبراطورية البريطانية، وكان المندوب السامي البريطاني في مصر رينالد وينجت Reginald Wingate من أنصاره، والآخر يطالب باستمرار نظام الحماية، وهو الرأي الذي انتصر في النهاية()، وكان لانتصاره نتائج إيجابية على مشروع رشدي باشا، الذي اتفق مع السلطات البريطانية على تشكيل لجنة لبحثه وتقديم مقترحاتها. وعلى ذلك أصدر رشدي باشا قرارًا بتشكيل تلك اللجنة في 24 مارس 1917، وضَمَّت أعضاءً مصريين وبريطانيين، وكان مُقررها والـمُسيطر عليها هو السير وليم برونْيَت Sir William Brunyate، الذي كان في ذلك الوقت نائب مستشار وزارة المالية المصرية، غير أنه كان قبل ذلك يعمل مستشارًا للداخلية، كما كان إلى جانب هذا المستشار الأول في دار الحماية. وكانت مهمة هذه اللجنة اقتراح التعديلات الواجب إدخالها على القوانين والنظم الإدارية والقضائية المصرية التي تنسجم مع النظام الجديد، وعُرفت هذه اللجنة باسم “لجنة الامتيازات”، وهو اسم لا يحمل إلا جزءًا يسيرًا من مهمتها الواسعة، إذ كان مشروع رشدي يشمل فكرة إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة، وتوحيد القوانين والمحاكم في مصر().

وبينما كانت اللجنة تواصل عملها خلال عامي 1917–1918، دخلت السلطات البريطانية في مصر في سلسلة من المفاوضات مع الدول صاحبة الامتيازات، بهدف إقناعها بإلغاء تلك الامتيازات، وبالطبع كانت الولايات المتحدة واحدةً من تلك الدول.

أولًا: المفاوضات البريطانية-الأمريكية حول الحماية والامتيازات

تُبين التقارير التي أرسلها القنصل الأمريكي في مصر تفاصيل تلك المفاوضات، وأهمها ذلك التقرير الشامل الذي كتبه القائم بأعمال القنصل العام في القاهرة بول نَبِنْشُو Paul Knabenshue في 8 ديسمبر 1917 بعنوان “تأثير الحماية البريطانية وإلغاء الامتيازات على المصالح الأمريكية في مصر”(). وقد دارت المفاوضات بين نبنشو ورجال الإدارة البريطانية في سياق تبادل المصالح، أو بالأحرى في سياق الإجابة عن سؤال: ما الذي يمكن أن تقدمه بريطانيا لأمريكا في مقابل تخلي الأخيرة عن الامتيازات واعترافها بالحماية؟

وقد أشار نبنشو في تقريره إلى أن البريطانيين هم من بادر إلى التفاوض؛ إذ ذكر أن المندوب السامي البريطاني وينجت قد أرسل إليه المستر جريغ Mr. Greg “مدير وزارة الشئون الخارجية”- وكانت أعمال وزارة الخارجية المصرية قد انتقلت إلى المندوب السامي البريطاني منذ إعلان الحماية–لبحث مسألة اعتراف الولايات المتحدة بالحماية البريطانية على مصر، وقد تمت المقابلةُ فعلًا في 18 أكتوبر 1917، وحضر جريغ اللقاء حاملًا الملف الخاص باعتراف الحلفاء بالحماية البريطانية على مصر، وفي البداية قرأ لنبنشو نص البلاغ الذي بمقتضاه تم إعلان الحماية، ثم أوضح له أن جميع الدول الحليفة لبريطانيا، وكذلك الدول المحايدة قد أرسلت رَدَّها على ذلك المنشور، فيما عدا إيطاليا التي تجاهلت الرد. ثم أكد غرِيغ على أن الرد الروسي احتوى اعترافًا كاملًا بالحماية، أما بقية الدول فكان ردها يحتوي على بعض الملاحظات، وقد أوضح غرِيغ أن هذه الردود قد اعتبرتها الحكومة البريطانية اعترافًا من تلك الحكومات بالحماية().

أ: في مجال التبشير

وقد أشار جريغ إلى أن الحماية البريطانية سوف تستمر بعد الحرب، وأن الامتيازات الأجنبية في ظل الحماية لا لزوم لها، ولذلك سوف يعاد التخطيط لكل شيء. وعندما انتقل نبنشو إلى مسألة إلغاء الامتيازات وتأثير ذلك على المصالح الأمريكية، فإن جريغ رأى أن المختص بذلك الموضوع هو السير وليم برونيت مقرر «لجنة الامتيازات». ولما كان نبنشو صديقًا شخصيًّا لبرونيت؛ فقد قام بزيارة برونيت في منزله في 20 أكتوبر 1917. وفي بداية الحديث أكد برونيت على أن إيطاليا وإن كانت قد رفضت الرد أو الاعتراف بالحماية في سنة 1914، إلا أنها قد وقعت معاهدة مع بريطانيا سنة 1916 تحوي اعترافًا ضمنيًّا بالحماية والموافقة على إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر. 

وعندما تطرق الحديث إلى وضع أمريكا في مصر بعد إلغاء الامتيازات كان التبشير الأمريكي بمصر على رأس الموضوعات المطروحة للنقاش؛ إذ أكد نبنشو على أن المبشرين الأمريكيين ينظرون باستحسان إلى استمرار الحماية البريطانية، ولكن متخوفون بشدة من سياسة موالاة المسلمين Pro-Moslem Policy المعروفة جيدًا عن بريطانيا العظمى، والتي كان ينتج عنها تقييد للنشاطات التبشيرية المسيحية في بعض الأوقات، ونتيجة لذلك فإن المبشرين الأمريكيين يطلبون من بريطانيا ضمانات بالحريات الدينية، وأن حرية العمل التبشيري المسيحي التي كان مسموحًا بها في الماضي سوف تستمر على نطاقٍ أوسع تحت الحماية البريطانية. وقد أكد له برونيت أن النشاط التبشيري الأمريكي سوف يستمر إلى أبعد مدى يمكن أن يسمح به الأمن العام في مصر، ولكنه بأي حال لن يكون بأقل مما كان عليه سابقًا(). وكان هذا الوعد كافيًا في نظر نبنشو لكي ينتقل إلى جانب آخر من المفاوضات.

ب: في المجال الثقافي

لم يحظ الجانب الاقتصادي بقدرٍ كافٍ من المناقشات، ولعل ذلك راجعٌ إلى تضاؤل حجم النشاط الاقتصادي الأمريكي في مصر، كما إن نبنشو قد وجد أن الشركات الأمريكية لن تتأثر كثيرًا بمسائل فرض الضرائب عليها أو توحيد القوانين. 

أما بخصوص الجانب الثقافي، فقد تساءل نبنشو عن حجم الضمانات التي ستقدمها بريطانيا لحصول كل الأجانب على قدرٍ متساوٍ من المعاملة فيما يتصل بالبعثات الأثرية والنشاطات الكَشْفية في مصر تحت الحماية البريطانية؟ وقد أكد السير وليم برونيت على أن بريطانيا تتعهد بحصول أمريكا وكل الدول على قدرٍ متساوٍ من المعاملة في البعثات الأثرية والنشاطات الكشفية. ولكنه استثني من ذلك التعهد البعثات الكشفية الألمانية والنسماوية-المجرية.

ولكن نبنشو انتهز الفرصة لكي يطالب بحصول أمريكا على وضعٍ مميز؛ ولذلك استنكر سيطرة الفرنسيين على «لجنة الآثار» و«مصلحة الأنتيكخانة»، وادعاءاتهم بأحقيتهم في منصب مدير مصلحة الأنتيكخانة. ولكن برونيت أكد على أنها ليست ادعاءات، بل حقيقة مقررة طبقًا لمعاهدة رسمية وقعت مع فرنسا سنة 1904يقصد الوفاق الودي-وعندما أدرك نبنشو صعوبة الحصول على وعدٍ بحلول أمريكا محل فرنسا، فإنه تساءل عن إمكانية وضع تلك الإدارات تحت سيطرة بريطانيا، ورَدَّ عليه برونيت بأنه يتمنى ذلك().

ج: في المجال القضائي

أشار برونيت إلى أن لجنته تعمل على تغيير النظام القضائي بأكمله بعد الحصول على موافقة الدول بإلغاء الامتيازات الأجنبية، وعلى ذلك سيتم إلغاء المحاكم المختلطة، وتوحيد النظام القضائي المصري كله مع إنشاء محكمة نقض عليا. وهنا تساءل نبنشو عن موقف القضاة العاملين في تلك المحاكم، فرد برونيت بأنه سيتم تخييرهم بين البقاء للعمل في النظام الجديد أو الرحيل، مع الوضع في الاعتبار بعض الشروط التي ستكون محل اعتبار مثل: السن والمعرفة باللغات العربية والفرنسية والإيطالية المستخدمة في المحاكم المختلطة، كما أوضح أنه لن يتم أخذ جنسية القضاة في الاعتبار عند التعيين في النظام الجديد، فيما عدا القضاة البريطانيين والمصريين الذين يجب أن يكون لهم تواجد في كل المحاكم().

وعندما استعرض نبنشو مع برونيت موقف القضاة الأمريكيين العاملين وقتئذ في المحاكم المختلطة، وجد أنهم ثلاثة: أولهم س. ب. توك S. P. Tuck القاضي في محكمة الاستئناف المختلطة، وهو مُعرض للرحيل لأن عمره تجاوز السبعين عامًا. وثانيهم فان هورن Van Horne القاضي في محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة، فبالرغم من أن عمره 62 سنة؛ إلا إنه لن يبقى لأن حالته الصحية غير مستقرة. أما الثالث فهو كرابيتس Crabites القاضي في محكمة القاهرة الابتدائية المختلطة، وقد أكد برونيت استحالة ترقية كرابيتس إلى محكمة النقض المزمع إنشاؤها؛ إذ توجد أسماء أخرى أكبر منه سنًا وأكثر تَمَيُّزًا، كما شكك أيضًا في احتمال ترقيته إلى محكمة الاستئناف().

ولما وجد نبنشو أن هذا يعني أن الولايات المتحدة سوف لا تكون مُمَثلةً بشكلٍ جيدٍ في النظام الجديد، فقد قرر بحث المسألة رسميًا مع المندوب السامي نفسه السير رينُالد وينجت، وقابله بالفعل يوم 30 أكتوبر 1917، وناقش معه المسألة، ولم يعطه وينجت ردًّا، ولكن طلب منه أن يرسل له وجهة نظره الشخصية في هذه المسألة كتابةً، كي يتسنى له دراستها. وبالفعل أرسل نبنشو ملاحظاته في رسالة مؤرخة بالأول من نوفمبر 1917، ومن قراءة نص تلك الرسالة الموجود في ملحقات التقرير، نتبين أن نبنشو قد لعب على وتر صداقة الولايات المتحدة لبريطانيا، فطالب بضرورة أن يكون هناك ممثلٌ لأمريكا في محكمة النقض؛ «لأنه لا يُعقل أن تُستبعد الولايات المتحدة–التي تحولت بسرعةٍ كبيرةٍ إلى أهم حليف لبريطانيا–من هذا الموقع، بينما هناك قوى حليفةً أقل شأنًا من الولايات المتحدة سوف يكون لها تمثيلٌ قويٌ»، وهو يُشير هنا إلى فرنسا وإيطاليا().

كان هذا كل ما توصل إليه وحصل عليه نبنشو في المفاوضات مع رجال الإدارة البريطانية في مصر، ورفع ذلك إلى حكومته في تقريره المطول. وفي خاتمة ذلك التقرير، أوصى نبنشو حكومته بأن توافق الولايات المتحدة على إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر؛ لأن ذلك سيكون على أساس «إيمان الولايات المتحدة بالشعب البريطاني –الأمة الحامية– وبمقدرته على تحقيق الإصلاح المرغوب على أسسٍ أوربيةٍ وأمريكيةٍ، لا على أساس إيمانها بالشعب المصري وبمقدرته على الإصلاح، فهو ليس أهلًا لتلك الثقة على الإطلاق»!!().

وقد قوبل تقرير نبنشو باهتمام شديد في دوائر وزارة الخارجية الأمريكية، لدرجة أن الوزير أرسل له في 20 فبراير 1919 يشكره عليه، ويقول له: «إنه جاء في وقته المناسب تمامًا»،()، وهذا يعني أن توصيات نبنشو بموافقة الولايات المتحدة على إلغاء الامتيازات، واشتراطه أن يتم ذلك في ظل استمرار الحماية البريطانية كان لها اعتبارها في الدوائر السياسية الأمريكية، وأن اعتراف أمريكا بالحماية قد أصبح أمرًا واقعًا، ولكن تُرك قرار اتخاذه للرئيس الأمريكي على مائدة المفاوضات في مؤتمر الصلح.

ثانيًا: تصريحات ولسون وأثرها على الحركة الوطنية المصرية

في الوقت الذي كانت تقارير القنصل الأمريكي في مصر تُمهد لاعتراف الولايات المتحدة بالحماية، وموافقتها على إلغاء الامتيازات والمحاكم المختلطة؛ كانت الأمور على الجبهة الأوربية تسير في طريق مختلف، فقد أعلنت الولايات المتحدة دخولها الحرب منذ أبريل 1917، وفي 8 يناير 1918، أعلن الرئيس الأمريكي ولسون مبادئه الأربعة عشر كأساسٍ للهدنة، وميثاقٍ للحرية والاستقلال للشعوب كافة. وقد تضمنت تلك المبادئ بالإضافة إلى الخطب العديدة لولسون مبدأ حق تقرير المصير Self-Determination للشعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، واحترام الأماني القومية، وعدم جواز حكم الشعوب إلا بمحض إرادتها ورغبتها، وإنشاء عصبة أمم تضع الضمانات للاستقلال السياسي(). وقد كانت مبادئ وخطب الرئيس الأمريكي ولسون عاملًا أساسيًّا في صياغة الموقف السياسي للمصريين شعبًا وسلطانًا وحكومةً وزعامة شعبية.

أ: الشعب

يرصد القنصل الأمريكي الجديد هَـمْسُن جِري Hampson Gary من خلال تقاريره ربع السنوية أحداث الحرب وآثار تصريحات ولسون على المصريين، ففي تقريره للربع الثالث من عام 1918، وبعد أن يزف إلى الحكومة الأمريكية أخبار انتصارات الجنرال أللنبي Allenby في فلسطين وسوريا، يُصوِّر تحولًا كبيرًا في موقف المصريين الذين كانوا يميلون إلى ألمانيا وتركيا المسلمة، ولكنهم الآن غيروا مواقفهم ليس بسبب انتصارات أللنبي، ولكن بسبب دخول الولايات المتحدة الحرب، فهي معروفة عند المصريين بأنها بلد الحرية والديمقراطية، وبذلك جعلتهم ينظرون إلى ألمانيا وتركيا على إنها بلاد الظلم والقهر والمكر والخداع. ثم يوضح “لأن خطب الرئيس ولسون تُنشر في أوراق بِلُغاتٍ عديدةٍ هنا مصر، إذ تقرأ وتناقش بحماس شديد”().

ب: السلطان

وما يرصده القنصل الأمريكي في ذلك الوقت المُبَكِّر سرعان ما تُؤكده الأحداث، فقد بدأت الصحافة المصرية بعد استسلام تركيا، تتحدث عن مبادئ ولسون، وضرورة تطبيقها لمصلحة كافة الدول ومن بينها مصر بالتأكيد(). كما بدأ الزعماء المصريون يتحركون على أرضية تلك المبادئ(). 

ففي 11 نوفمبر 1918 تم إعلان الهدنة العامة، وأرسل جورج الخامس ملك بريطانيا برقيةً إلى السلطان فؤاد يهنئه فيها بانهزام آخر أعداء بريطانيا، ويشكره على المساعدة التي قدمتها مصر لبريطانيا، ويعد مصر وأهلها «بنَيْلِ نصيبٍ كاملٍ فيما سيكون للإمبراطورية البريطانية من العظمة والرخاء في المستقبل»، ولا شك أن هذه البرقية تكشف بوضوح عن نيات بريطانيا تجاه مصر، وهي النيات التي لم يجرؤ السلطان على رفضها، فيرد في اليوم التالي مُعْربًا عن ارتياحه وشعبه لاعتراف بريطانيا بالخدمة التي أدَّتها مصر ووعوده الطيبة نحو مستقبلها(). ولكن السلطان -من ناحية أخرى- قام بمحاولةٍ للاستفادة من مبادئ ولسون، فبعث إلى الرئيس الأمريكي ببرقيةٍ هنأه فيها بالانتصار الذي أحرزه الحلفاءُ، ورجاه أن تكون المطالب المصرية موضع عنايته وعطفه().

ج: الحكومة

في ذلك الوقت كانت «لجنة الامتيازات» قد انتهت تقريبًا من عملها، وقدمت تصورها لوضع مصر الذي عُرف فيما بعد باسم «مشروع برونيت»، وهو مشروع قانون نظامي - دستور- ينزل بمصر إلى مرتبة أدنى المستعمرات()؛ وقد رفض رشدي باشا هذا المشروع رفضًا باتًا، فلم يكن يتوقع أن مشروعه الذي ألح مرارًا على تنفيذه ينتهي به الحال إلى تلك الدرجة المزرية بمكانة مصر. واختمرت في رأسه فكرة السفر إلى لندن لمفاوضة الحكومة البريطانية في الحصول على ما هو أفضل من ذلك، وحصل على موافقة السلطان على السفر، وكانت حجته أن مؤتمر الصلح سيوافق على الحماية رسميًّا، وعليه لا يمكن ترك ماهيتها وكنهها بلا تعريفٍ أو تحديد()، وقام رشدي بتشجيع سعد ورفاقه على تكوين وفدٍ شعبي يؤازر الوفد الرسمي الذي أزمع تشكيله().

د: الزعامة الوطنية

وبناءً على تشجيع رشدي لسعد ورفاقه؛ اجتمعوا في منزل محمد محمود باشا، واتفقوا على مقابلة وينجت، وتمت المقابلة في الساعة الحادية عشرة صباح يوم 13 نوفمبر 1918، ورفض وينجت مطالب الزعماء بالحرية والاستقلال، وبناءً على ذلك تم تشكيل الوفد المصري للسفر إلى لندن للتفاوض مع الحكومة البريطانية، ونشطوا في جمع التوقيعات بالتوكيل الشعبي لهم(). وفي الوقت نفسه استقال رشدي، أما الوفد فقرر في اجتماع تاريخي في 5 ديسمبر 1918 تغيير استراتيجيته، والعدول عن فكرة السفر إلى لندن، والعمل على تدويل المسألة بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس، والاتصال بالرئيس ولسون، ومسيو كليمنصو Georges Benjamin Clemenceau رئيس مؤتمر الصلح بشتى الوسائل، مادام الوفد ممنوعًا من السفر إلى باريس، وعدم تنفيذ أي أمر يصدر إلى الوفد من السلطات البريطانية إذا كان فيه مساس بقضية البلاد، وهي إلغاء الحماية وتحقيق الاستقلال. وتنفيذا لهذا القرار يرسل الوفد في 6 ديسمبر نداءً إلى قناصل الدول بمصر()، ومن بينهم بالطبع القنصل الأمريكي.

وقد عثرنا على نص ذلك النداء في الأرشيف الأمريكي، وهو عبارة عن أربع صفحات باللغة الفرنسية يتضمن إعلام تلك الدول بتأليف الوفد وخطواته الأولى وطلبه الاستقلال التام، وموقف السلطات البريطانية من ذلك. ويحكي القنصل الأمريكي هَـمْسُن جِري أن سعد زغلول ومحمد محمود هما اللذان حضرا إلى القنصلية الأمريكية في ذلك اليوم، وقاما بتسليم ذلك النداء لسكرتير القنصلية، كما طلبا مقابلة القنصل، ولكن طلبهما رفض بحجة أنه لا يستطيع التحدث في أي موضوع ذي صبغة سياسية؛ لأنه ممنوع على كل القناصل أن يتحدثوا في أمورٍ سياسية خاصة بالبلاد التي يعملون فيها؟!().

ثالثًا: موقف القنصل الأمريكي من الوفد المصري

كان المصريون يأملون أن يَصِفَ هَمْسُون جِرِي لحكومته بأمانةٍ رغبةَ الشعب المصري في الاستقلال، ولكنه كان يُرسل شكاواهم ونداءاتهم المتكررة إلى الحكومة الأمريكية وقد شفعها بتوصية باستمرار الحماية البريطانية على مصر. ففي رسالته المؤرخة في 16 ديسمبر 1918، يصف هَـمْسُن سعدًا بأنه قائد الحزب المتطرف The Leader of the Extremist Party، الذي يطالب بتطبيق مبدأ تقرير المصير على مصر، وهو – أي هَـمْسُن– يرفض ذلك تمامًا؛ لأن هذا يعني أن المصالح الأمريكية سوف تتأثر بشكلٍ خطير، ويعلن أن “النشاطات الأمريكية التبشيرية والأثرية والاقتصادية والسياحية سوف تكون عُرضة للقوانين المحلية”، وعلى ذلك يطالب هَـمْسُن حكومة الولايات المتحدة بالاعتراف بالحماية البريطانية على مصر فيقول “من أجل تحقيق حكومة جيدة تعمل لمصلحة كل طبقات الشعب المصري، ومن أجل حماية مواطنينا الأمريكيين والمواطنين من كل الجنسيات القاطنين في هذا البلد، ومن أجل صيانة حق الحرية الأصيل والعدالة؛ فإنني أوصي باعتراف الولايات المتحدة بالحماية البريطانية على مصر، وبتشجيع إقامة إدارة بريطانية حازمة لهذا البلد، وفيما عدا ذلك، فإنني بضمير خالص لا أستطيع أن أفعل شيئًا”(). 

وعلى الرغم من أن القنصلية الأمريكية قد استقبلت العديد من الشكاوى من مختلف طبقات الشعب المصري خلال النصف الثاني من شهر ديسمبر؛ إلا أن القنصل الأمريكي كان يُصر على تكرار تلك العبارة الأخيرة في رسائله المرفق بها تلك الشكاوى، كتلك الرسالة التي أرسلها في الثلاثين من ديسمبر(). 

وفي ذلك الوقت كانت الحكومة البريطانية قد قررت الموافقة على استقبال رشدي ولكن ليس في الوقت الراهن، بل في مارس 1919، كما رُفض نهائيًّا مبدأ سفر الزعماء الوطنيين؛ واعتبر رشدي ذلك التأجيل رفضًا، وقدَّم هو وشريكه في المشروع عدلي يكن باشا استقالتهما للمرة الثانية في 23 ديسمبر 1918، ورفض السلطان فؤاد قبول الاستقالة، وضغط الإنجليز عليه للتراجع ولكنه أصر عليها، وأرسل كتابًا ثانيًا إلى السلطان يستعجل قبولها(). 

في ذلك الوقت أرسل هَـمْسُن جِري برقيةً إلى حكومته يُوضح فيها خطأ الحكومة البريطانية في عدم السماح لرشدي بالسفر، ويصفه بأنه زعيم الحزب المعتدل الذي يطالب بالحكم الذاتي تحت الحماية البريطانية، ويوضح بأن ذلك يرفع من أسهم الحزب المتطرف بزعامة سعد زغلول(). وفي تقريره للربع الأخير من عام 1918 يشير هَـمْسُن إلى أن الوضع السياسي في مصر غير مستقر، ولكنه يؤكد أنه يتحسن، إذ يقول: «وفي تقديري الشخصي أن رشدي باشا رئيس الوزراء، وعدلي يكن باشا ناظر المعارف سوف يستردان مناصبهما ويستأنفان خدمة الحماية البريطانية بولاء وإخلاص، وأنه ليس ثمة شك في أن الحماية سوف تكون متسامحة ومتحررة»().

ولا شك أن رسائل هَـمْسُن جِري وبرقياته قد لعبت دورًا مؤثرًا في صياغة موقف الرئيس الأمريكي، لدرجة أنه تَجَاهَل الردَّ على أي من الرسائل والنداءات العديدة التي وجهها له الوفد في 14 و26 ديسمبر 1918، و3 يناير 1919، بالاحتجاج بشدة على كل اعتداء على حقوق مصر واستقلالها، والمطالبة بتهيئة الفرصة للوفد لكي يُدلي بآمال مصر الشرعية وذلك بالمساعدة في سفر الوفد(). ولمَّا لم يُكلف الرئيس ولسون نفسه عناء الرد على رئيس الوفد المصري؛ أرسل سعد باشا برقيةً أخرى في 13 يناير 1919 إلى وزير خارجية الولايات المتحدة لانسنج Lansing مُوضحًا فيها “أن مصر هي أَوْلَى الأمم بالتمتع بنعم المبادئ الجديدة لسياسة العالم، وبين يديكم نضع آمالنا القومية، ولذمتكم نكل الدفاع عنها حتى لا تضيع حقوقنا بحجة أن خصومنا أقوياء، واثقين أن في الإنسانية لِحُسن الحظ قوةً أخرى هي قوة المبادئ، لا تُستخدم لإذلال الأمم بل لتخليص الإنسانية من رجس البغي، وتحرير رقاب الشعوب، ونقول ذلك متمسكين بقول الدكتور ولسون: إن مصلحة أضعف الشعوب مقدسة كمصلحة أقواها”().

ويعقد الوفد اجتماعًا يوم 13 يناير 1919 في بيت حمد الباسل ويخطب سعد في جموع الحاضرين ويشرح قضية الاستقلال ويتحدث عن مبادئ الرئيس ولسون ووجوب سيادتها على العالم، ويقترح إرسال تلغراف إلى الرئيس ولسون بالإعجاب بمبادئه، وعرض قضية مصر عليه، فيوافق المجتمعون هاتفين بحياة ولسون وأمريكا ومصر والاستقلال(). وبالفعل يتقدم الوفد بمذكرةٍ تفصيليةٍ مؤرخةٍ بالخامس والعشرين من يناير 1919 إلى القنصلية الأمريكية، وهي مُكونةٌ من 33 صفحةٍ باللغة الفرنسية، وموقعٌ عليها من رئيس الوفد وأعضائه، وتحتوي على مطالب مصر بالاستقلال التام، ذلك الاستقلال الذي حققه محمد علي فعليًا، وانتهى رسميًا بدخول تركيا الحرب، أما الحماية البريطانية فهي لم تكن بناءً على طلب من مصر، ولذلك فمصر ليست مُلزمة بقبولها، كما أن مصر لها الحق الحصول على حقها في تقرير مصيرها ومصير السودان الذي هو مرتبط بمصير مصر. ومرة أخرى يرسل هَـمْسُن جِري المذكرة إلى حكومته دون تعليق، ولكنه ينوه فقط إلى رسائله السابقة التي توضح حقيقة الأمر().

ونظرًا لتوالي البرقيات من سعد إلى ولسون في باريس؛ فقد شعر الرئيس الأمريكي أن معلوماته عن الأوضاع في مصر ليست كافية، فأرسل إلى وزارة الخارجية في واشنطن يطلب أن ترسل له المعلومات الكافية عن الوضع في مصر، ولم يجد ويليام فيليبس William Phillips القائم بأعمال وزير الخارجية في واشنطن –حيث كان وزير الخارجية الأمريكي عضوًا في وفد بلاده في باريس– أمامه أنسب من الرسالة التي كان جِري قد أرسلها له في 16 ديسمبر 1918، فأرسلها إلى باريس في 12 فبراير 1919()، وفي نفس اليوم أرسل فيليبس إلى هَـمْسُن جِري يخبره بأنه تم إرسال نسخة من تلك الرسالة إلى الوفد الأمريكي في باريس(). وبعد يومين أرسل فيليبس إلى الوفد الأمريكي الرسالة التي كان جِري قد أرسلها له في 30 ديسمبر 1918(). وحيث إن هَـمْسُن جِري قد أعلن صراحةً في هاتين الرسالتين أن الأسلوب الذي يجب أن تتبعه الحكومة الأمريكية يتمثل في ضرورة استمرار الحماية البريطانية على مصر واعتراف الولايات المتحدة بها؛ فلا شك أن ذلك كان له تأثيرٌ كبيرٌ على قرار الرئيس ولسون الذي صدر بعد شهرين من وصول تلك الرسائل إليه بالاعتراف بالحماية.

بيد أنه يجب تُضاف إلى هاتين الرسالتين رسالتان جديدتان شاملتان كتبهما هَـمْسُن جِري في الأسبوع نفسه، لما أحسَّ بأن الوفد الأمريكي في باريس في حاجةٍ إلى مَزيدٍ من المعلومات. وقد أرسل جِري الرسالة الأولى في 15 فبراير 1919، ووضع لها عنوان “مُلخص الوضع السياسي في مصر”، وفيها يحلل العوامل التي أدت إلى قيام ثورة 1919 قبل قيامها بثلاثة أسابيع، ثم يقدم الحل الذي يراه لمنع قيام تلك الثورة. فيشير إلى أن القضية الأساسية التي شغلت الساحة السياسية في مصر طوال فترة الحرب كانت مسألة إلغاء الامتيازات وإيجاد نظام قضائي جديد في ظل الحماية البريطانية. بيد أن الموقف قد تغير بسرعةٍ وراديكاليةٍ، ثم يقدم توصياته للحكومة الأمريكية والتي لم تخرج عن التوصيات التي سبق أن أكد عليها في رسالتيه السابقتين إذ يقول في هذه المرة: “إن الحل العملي والمثالي لهذا الوضع الشاذ هنا – ذلك الوضع الذي لا نظير له في أي مكان آخر من العالم– يكمن في استمرار الحماية البريطانية والاعتراف بها، إلى أن يأتي الوقت المناسب – عندما يصبح الشعب مؤهلًا لذلك – لإجراء زيادة مستمرة ومتدرجة في الحكم الذاتي من خلال السلطان ومجلس وزرائه والمؤسسات الحكومية الأخرى”().

أما الرسالة الثانية فقد كتبها هَـمْسُن جِري في 21 فبراير 1919، وقد وضع لها عنوان «مصر والحكم الذاتي تحت الحماية البريطانية»، ولا شك أن العنوان يُعبر عن المضمون، فقد افتتح جِري رسالته المُطولة بمقدمة مستفيضة عن فضل الإنجليز على مصر، ثم ينتقل من المقدمة إلى الموضوع فيوضح أن عملية إنقاذ وإحياء مصر تلك قد تَمَّتْ بواسطة طاقة الأجانب ومقدرتهم، وأن بقاء هذه الإنجازات واستمرارها مرهونٌ ببقاء الوجود الأجنبي في مصر. ثم يُوضح جِري أن الحكومة البريطانية لم تُعلن موقفها النهائي بعد، وأن المندوب السامي البريطاني قد سافر إلى لندن للتشاور في ذلك الأمر. ولكنه يرى أن الصحف البريطانية قد سبقت وأعلنت ذلك الموقف المتمثل في ضرورة استمرار الحماية البريطانية على مصر، وأن هذا الرأي يميل إليه كثير من رجال الحكومة البريطانية، وكذلك المندوب السامي في مصر().

ولا شك في أن تلك الرسائل الأربع التي أرسلها القنصل الأمريكي في 16 و30 ديسمبر 1918، و15 و21 فبراير 1919، كانت هي القاعدة التي على أساسها اعترفت الحكومة الأمريكية بالحماية البريطانية على مصر، خصوصًا وأن الولايات المتحدة لم تكن لها أطماع استعمارية في مصر، وكانت علاقتها ببريطانيا في ذلك الوقت من القوة والمتانة إذ لم يكن منتظرًا أن تضحي الولايات المتحدة بها من أجل مطالب المصريين بتقرير المصير، كما أن المصالح الأمريكية في مصر لم تكن كبيرة، وقد حصلت الولايات المتحدة على وعود من بريطانيا بتأمين النشاط التبشيري للإرسالية الأمريكية إلى أقصى درجة يسمح بها الأمن العام في مصر–حسب الوعد الذي قدمه برونيت إلى نبنشو– كما حصلت على وعود بحُسن المعاملة للبعثات الأثرية الأمريكية، وبوجود قاضٍ أمريكي على الأقل في النظام القضائي الجديد الذي سينشأ بعد إلغاء الامتيازات والاعتراف النهائي بالحماية.

وبداية من شهر مارس 1919، ومع تصاعد وتيرة الأحداث؛ غيَّر القنصل الأمريكي من أسلوب مراسلاته، فأصبح يُرسل بالبرقيات المتتالية إلى السفارة الأمريكية في باريس بدلًا من وزارة الخارجية في واشنطن، منوهًا في أعلاها على ضرورة أن تقوم السفارة بعمل نسختين من كل برقية: واحدة للوفد الأمريكي في باريس والذي يرأسه ولسون بنفسه، والأخرى إلى وزارة الخارجية في واشنطن. وفي تلك البرقيات استكمل القنصل الأمريكي نقل تفاصيل الأوضاع في مصر إلى وزارة الخارجية والوفد الأمريكي في باريس، مع التأكيد في كل برقية على أن الحماية سوف تستمر، فبعد أن قبل السلطان فؤاد استقالة رشدي باشا في أول مارس 1919، قام القنصل الأمريكي بإرسال برقية – عبر باريس– إلى الوفد الأمريكي وإلى وزارة الخارجية يؤكد فيها أن الحماية سوف تستمر، وأن هذا أمر يعلمه رشدي تمامًا، ولكنه اشترط سفر سعد معه إلى لندن لكي يشاطره سعد مسئولية الفشل في تحقيق الاستقلال التام. ثم يختتم جِري برقيته المطولة –ثلاث صفحات– مؤكدًا على أن المصريين قد أصبحوا غير مستعدين للقبول بالحماية طواعية، إلا إذا جاءت بتفويض من عصبة الأمم، وهو يعتقد أن بريطانيا ربما تذعن لهذه النقطة وتحصل على ذلك التفويض().

وبذلك ساهم القنصل الأمريكي في تكوين انطباع لدى الرئيس الأمريكي بأن الحماية يجب أن تستمر، ولكن ولسون كان مترددًا في اتخاذ القرار بالاعتراف بالحماية حتى بدايات مارس 1919، بيد أن ذلك التردُّد سرعان ما تَبَدَّد في الهواء عندما قامت الثورة، إذ كان معروفًا عنه معارضته للعنف، كما حدث تغير في لهجة التقارير الواردة من القنصلية الأمريكية في مصر إذ ساهمت في اعتراف الولايات المتحدة بالحماية.

رابعًا: قيام الثورة وموقف القنصل الأمريكي منها

كان المُخطط البريطاني يقوم على أساس تفويت الفرصة على فريق المعتدلين بقبول استقالة رشدي، ثم التخلص من المتطرفين بالقبض على سعد ورفاقه ونفيهم إلى مالطة، وقد نجحت الخطة البريطانية تمامًا، إذ وجه الجنرال وَطْسُن General Watson القائد العام للقوات البريطانية في مصر إنذارًا إلى سعد ورفاقه في يوم 6 مارس، ثم قام بالقبض عليهم يوم 8 مارس. ولكن انتفاضة الشعب المصري التي بدأت بتظاهرات الطلبة في 9 مارس أحبطت ذلك المُخطط. وقد بدأ القنصل الأمريكي في كتابة التقارير عن أحداث الثورة مساء يوم 10 مارس، حين أرسل برقية إلى الوفد الأمريكي ووزارة الخارجية الأمريكية عبر باريس يشرح فيها الأحداث منذ اليوم السادس من مارس، فيشير إلى أن الجنرال وَطسُن القائد العام للقوات البريطانية في مصر قد أنذر سعدًا ورفاقه بالتوقف عن نشاطاتهم مذكرًا إياهم بأن البلد لا تزال تحت الأحكام العرفية، ولكن سعد لم يتوقف، بل قام على الفور بإرسال برقية إلى لويد جورج David Lloyd George رئيس الوزراء البريطاني، واستمر على سياسته المعارضة؛ فتم القبض عليه هو وثلاثة من رفاقه في مساء يوم 8 مارس، وفي صباح اليوم التالي تم إرسالهم إلى بورسعيد تمهيدًا لنفيهم إلى مالطة. ونتيجة لذلك وقعت أحداث «الشغب»، وهنا سنلاحظ أن هَـمْسُن جِري قد تَعَمَّد أن ينقل للحكومة الأمريكية صورة الثورة من وجهةِ نظرٍ أقرب إلى وجهة النظر البريطانية، فوصفها بأنها أحداث شغب، ولذلك تجاهل ذكر التظاهرات التي وقعت يوم 9 مارس والتي لم يقع فيها شغب أو عدوان على الممتلكات، وانتقل مباشرة إلى أحداث يوم 10 مارس فوصفها قائلًا: «قام قطاعٌ عريضٌ من الشباب المصريين والطلاب بالسير في شوارع القاهرة هذا الصباح، وكسروا نوافذ المحلات وعربات الترام، وتزاحموا أمام مبنى الوزارة ودار المندوب السامي. وعلى الفور تم استدعاء البوليس الأهلي والقوات البريطانية التي سرعان ما نجحت في تفريق المتظاهرين. وكنتيجة للصراع بين العساكر والجماهير فقد تم إطلاق الرصاص على عددٍ من الأهالي، البعض قتل، والعديد قُبض عليهم، وكل الشوارع المؤدية إلى دار المندوب السامي – والتي تقع في مواجهة القنصلية الأمريكية مباشرة – قد تم حراستها بالقوات العسكرية، وتم نصب المدافع الرشاشة على نواصي الشوارع، ونُصب أحدها أمام القنصلية مباشرة. وقُتل اثنان من المصريين على مسافة مائة ياردة من مبنى القنصلية. أعتقد أن القوات العسكرية لم تجد صعوبة في استعادة النظام. وهناك احتمال قوي بأن تكون دعاية ونقود تركية وألمانية وراء حركة الوطنيين هذه»(). وهكذا وصف جِري الثورةَ بأنها شغب، والقتلَ بأنه نتيجة لصراعٍ بين طرفين، وسَمَحَ لنفسه أن يَدَّعي بأن هناك أيدٍ تركيةٍ وألمانيةٍ وراء هذا الشغب.

وفي مساء 11 مارس، يرسل جِري برقيته الثانية عن الثورة، ويوضح فيها أن «الشغب» قد استمر في أحياء عديدة من القاهرة، وأن عدد القتلى كان أكبر، وأن الموظفين قد تعرضوا للتهديد إذا تجرأوا على الذهاب إلى أعمالهم، ثم يُشير إلى أن المحلات التي يمتلكها الأجانب قد تعرضت للتدمير، بينما لم تُمس المحلات المصرية بسوء(). أما برقيته التي أرسلها في مساء 12 مارس، فأشار فيها إلى أن الجنرال وطسن قد أصدر منشورًا بمنع التجمع والتظاهر طبقًا لقانون الأحكام العرفية، ثم يوضح كيف أن المصريين حاولوا كَسْب عَطْف الولايات المتحدة، فقام حشدٌ منهم برفع العلم الأمريكي والسير تجاه القنصلية الأمريكية للتظاهر أمامها، ولكن القوات العسكرية أخذت العلم منهم وفرقت شملهم. ويؤكد جِري على أن الجنرال وطسن قد انتهز تلك الفرصة «ليتحدث إليه بشكل غير رسمي، وبطريقةٍ ودودةٍ للغاية، عن تلك الحادثة إذ حاول البعض استخدام العلم الأمريكي عندما كانوا يعصون السلطات ويرتكبون أعمالًا ممنوعة منعًا باتًا بواسطة القانون»().

ولم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة التي بذلها المتظاهرون لجذب انتباه الولايات المتحدة إلى القضية المصرية، فخلال النصف الثاني من مارس انهالت البرقيات والرسائل على القنصلية الأمريكية بالقاهرة، من مختلف أنحاء مصر، بعضها بأسماء أشخاص أو مجموعات من الطلاب والأطباء والمحامين والفلاحين، والبعض الآخر بأسماء قرى أو مدن، مُعظمها باللغة الإنجليزية، وبعضها باللغة الفرنسية، وجميعها إما تعترض على وحشية القوات البريطانية في معاملة الوطنيين العزل، أو توضح حقيقة موقف المصريين، وعدم كراهيتهم للأجانب، أو تطالب بالإفراج عن الزعماء المعتقلين والسماح لهم بالسفر إلى باريس. وكان القنصل الأمريكي يُمرر تلك البرقيات إلى حكومته بدون التعليق عليها(). 

بيد أنه كان يفعل في الوقت نفسه ما يُفسد مفعول تلك البرقيات، وذلك بإرسال رسائل أخرى ومعها نصوص برقيات وشكاوى من أجانب تشكو من سوء معاملة المصريين للأجانب، ومن ذلك أنه أرسل نص شكوى من مواطن أمريكي كان مسافرًا من الفيوم إلى القاهرة، وتصادف أن هجم الثوار على القطار، ونهبوا متاع الأجانب من جميع الجنسيات، وقتلوا رجلًا إنجليزيًا(). ثم كانت الطامة الكبرى عندما كتب جِرِي برقيةً إلى السفارة الأمريكية في باريس في 18 مارس محذرًا الحكومة الأمريكية والوفد الأمريكي في باريس من خطر تحول مصر إلى «دولة شيوعية» يتحكم فيها العمال والرعاع ويعيد إلى الأذهان تلك الفوضى التي حدثت في أثناء الثورة العرابية، والتي هددت مصالح الأجانب وعرضتهم للقتل والنهب.

بيد أن أخطر ما في تلك البرقية كان محاولة القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني الجنرال شِتهام Cheatham طلب المساعدة من الأمريكيين، فقد ذكر هَـمْسُن جِري أن المندوب السامي استدعاه صباح يوم 18 مارس وأخبره أن الوضع في حالة من السوء لم تشهدها مصر منذ تمرد عرابي سنة 1882، ثم ألمح إلى أنه قد يُضطر إلى طلب مساعدته في استعادة النظام. وبالرغم من أنه لم يوضح نوع المساعدة التي قد يطلبها؛ إلا أن جِري فهم أنه «بلا شك يشير إلى العلاقة الدافئة التي يشعر بها المصريون تجاه الولايات المتحدة، وأن تصريحًا من ممثل أمريكا هنا سوف يكون له تأثيرٌ عظيمٌ، وربما يمنع تدمير ممتلكات الأجانب... وفيما يتعلق بذلك فإنني أقترح أن تقوم حكومتنا سريعًا ببذل مساعيها الحميدة مع الحكومة البريطانية، وأطلب أي تعليمات ربما ترغب وزارة الخارجية في إعطائها لي»()، وكأنه بذلك يطلب من حكومته السماح له بإصدار تصريح حول موقف أمريكا من الثورة.

ولا شك أن مثل هذه الكلمات كانت كفيلة بانزعاج الحكومة الأمريكية من تطور الأوضاع في مصر، لدرجة أن نسخة من تلك البرقية قد تم إرسالها إلى قائد الأسطول الأمريكي، وبالرغم من أن الرسالة الموجهة إلى قائد الأسطول لا تحمل أية دلالة على أوامر بالتحرك، إذ يقول القائم بأعمال وزير الخارجية في واشنطن “ويشرفني أن أمرر أليكم نسخة معادة الصياغة من برقية استلمناها من القنصل الأمريكي في القاهرة مؤرخة بالثامن عشر من مارس عبر السفارة الأمريكية في باريس، بخصوص الاضطرابات الحادثة في مصر”().

خامسًا: اعتراف ولسون بالحماية

وفي خلال النصف الأول من أبريل 1919 تصاعدت وتيرة الأحداث على محورين أساسيين ساهما في اعتراف ولسون بالحماية يوم 19 من ذلك الشهر: محور التقارير الصادرة عن القنصل الأمريكي في القاهرة، ومحور الدبلوماسية البريطانية التي بدأت تنشط بعد أن أدركت أبعاد الموقف في مصر وخطورته.

المحور الأول: لا شك أن التقارير التي أرسلها القنصل الأمريكي في مصر كانت هي السبب الرئيس في اعتراف ولسون بالحماية، فكل التقارير التي أرسلها القنصل خلال الفترة من نوفمبر 1918 وحتى نهاية مارس 1919 تؤكد على أن المصريين غير مؤهلين لحكم أنفسهم، وأنهم يكرهون الأجانب، وأن مصلحة مصر ومصلحة أمريكا في بقاء الحماية البريطانية، غير أن تقارير شهر أبريل 1919 أضافت بُعدًا جديدًا إلى تلك الصورة السيئة، تمثل في التعصب الديني، إذ ركز القنصل الأمريكي على الأحداث التي تعرض لها الأرمن، فكتب في 10 أبريل يصور لحكومته أن المصريين قد اعتدوا على الأرمن بينما الحقيقة أن الأرمن هم الذين بدأوا بإطلاق النار على المتظاهرين، كما يصور الأمر على أساس أن الجماهير هي التي تهاجم القوات العسكرية فتضطرها إلى إطلاق النار عليها، بينما الحقيقة أن تلك القوات هي التي تحاول تفريق المتظاهرين بإطلاق النار(). وفي 16 أبريل يُرسل جِري برقية إلى باريس، يُوعز فيها للوفد الأمريكي أن الحل ببساطة هو اعتراف مؤتمر الصلح بالحماية، فيقول: «أعتقد أن البريطانيين في مصر يدركون جيدًا أن صدور قرار من مؤتمر الصلح سوف يُعزِّي الكبرياء المصري، وإن مثل هذا القرار هو الذي يستطيع أن يزيل ذلك العبء الأخلاقي هنا»().

أما المحور الثاني فقد تمثل في النشاط الدبلوماسي البريطاني المكثف، والذي بدأ مع برقية أرسلها أللنبي إلى كِرْزُن في 28 مارس يقول فيها «أرى من الأهمية القصوى أن يعرف المصريون أن حمايتنا عليهم قد لقيت موافقة الدول، وقد فهمت أن إيطاليا والولايات المتحدة لم تعترفا بالحماية، فهل يمكنكم الحصول على هذا الاعتراف أو إصدار تصريح ما لا يقبل الجدل»؟ وقد أحالت الخارجية البريطانية هذه البرقية على الفور إلى بالفور Balfour وزير الخارجية وإلى لويد جورج رئيس الوزراء الموجودين على رأس الوفد البريطاني لمؤتمر الصلح في باريس()، وقد نجح رئيس الوزراء البريطاني في إقناع ولسون بالاعتراف بالحماية، وقد ساهمت في ذلك عدة عوامل يمكن إضافتها إلى نشاط الدبلوماسية البريطانية وإلى تقارير القنصل الأمريكي في مصر؛ فالحقيقة أنه لم يكن في وسع ولسون إغضاب بريطانيا برفض هذا الطلب الهين، خصوصًا وأن هناك أمورًا أخرى أكثر أهمية وحساسية، فقد كان ولسون في حاجة إلى مساندة إنجلترا ضد أطماع اليابان في الشرق الأقصى، وهي الأطماع التي تمثل خطرًا مباشرًا على أمريكا، كما كان بحاجة إلى مساندتها للوقوف ضد أطماع فرنسا القوية في أوربا، هذا بالإضافة إلى أن ولسون كان يُعاني عزلة شديدة في مؤتمر الصلح، بعد أن عارض مطامع إيطاليا في فيومي Fiume، وصرح بأن مثل هذا الطلب يناقض المبادئ التي حاربت الولايات المتحدة من أجلها، ونتج عن ذلك غضب إيطاليا وانسحاب وفدها من المؤتمر().

وفي هذا السياق -سياق المصالح- يجب أن نؤكد على أنه -بشكلٍ عام-تمَّ تطبيق مبدأ حق تقرير المصير بانتقائيةٍ صريحةٍ، إذ كانت هناك مصلحةٌ مباشرة للحلفاء في تطبيقه؛ طُبِّق، وكان تطبيقه مضرًّا بمصلحة الحلفاء؛ تُجُوهل تطبيقه، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ، فقد تم تطبيقه على دول البلقان –رومانيا واليونان وصربيا– وذلك بالطبع على حساب تركيا والمجر بعد فصلها عن النمسا، كما تم تطبيقه على دول البلطيق –فنلندا وأستونيا وليتوانيا– على حساب ألمانيا، ولتكون تلك الجمهوريات حائطًا في وجه الخطر الشيوعي الجديد المتمثل فى الاتحاد السوفيتي، ولكن من ناحية أخرى لم يُطبق على الهند والعراق ومصر لأنه يضر بمصالح بريطانيا، ولم يُطبق على ليبيا لأنه يضر بمصالح إيطاليا، ولم يُطبق على تونس والجزائر ومراكش وسوريا الكبرى والنمسا، لأنه يضر بمصالح فرنسا.

وعلى هذا الأساس استجاب ولسون للضغوط البريطانية، خصوصًا بعد أن عَلم أن ذلك الاعتراف هو مجرد اعترافٌ بأمرٍ واقعٍ؛ لأنه لم يكن من المأمول أن تنسحب إنجلترا من مصر، ليس فقط بناءً على وجهة نظر القنصل الأمريكي في مصر، ولكن أيضًا بناءً على تقارير من السفير الأمريكي في بلغاريا الذي أرسل إلى حكومته في 15 أبريل –أي قبل اعتراف ولسون بالحماية بأربعة أيام– يؤكد على أن الأوامر قد صدرت إلى القوات البريطانية المُعسكرة في بلغاريا منذ نهاية الحرب بالانتقال إلى مصر، وسوف تحل محلها القوات الإيطالية الموجودة بالفعل هناك»(). وهذا يعني أن إنجلترا كانت مُصرة على السير في طريق القضاء على الثورة إلى النهاية.

وبناءً على كل ما سبق؛ أرسل الرئيس ولسون بلاغًا إلى بالفور وزير خارجية إنجلترا في 19 أبريل يعلن فيه اعترافه بالحماية البريطانية على مصر؛ ومن ناحيته أرسل وزير الخارجية الأمريكي لانسنج برقيةً إلى قنصله في مصر في مساء 21 أبريل تحتوي على ذلك الخبر مع بعض التوجيهات، وبناءً عليها قام جِري بزيارة أللنبي في دار المندوبية في الساعة الثانية والنصف بعد ظهر يوم 22 أبريل، وأبلغه شفهيًا باعتراف الرئيس بالحماية، ولكن أللنبي طلب بيانًا رسميًّا مكتوبًا لينشره في الصحف، فوعده جِري بذلك وانصرف إلى قنصليته، وهناك كتب بيانًا بدون الرجوع إلى حكومته، وأرسله إلى دار المندوبية في اليوم نفسه، وقام أللنبي بنشره في صباح اليوم التالي 23 أبريل، كما نشر معه تحذيرًا بأن الأحكام العرفية سوف تُطبق بشكلٍ صارمٍ. ويذكر هَـمْسُن جِري في برقيته التي أرسلها في 24 أبريل أن ذلك البلاغ قد ساهم في تحسن الوضع في مصر، وأنه أدى إلى انهيار البرنامج السياسي للوفد المصري في باريس. ثم يختتم برقيته بقوله: «والآن يمكنني أن أقرر أن اعتراف الرئيس بالحماية قد أنقذ الوضع عمليًّا، وبدأت الأمور تعود إلى طبيعتها»(). 

خاتمة:

هكذا لعب القناصل الأمريكيون في القاهرة دورًا كبيرًا في توجيه السياسة الأمريكية لمصلحة بلدهم من ناحية، ولمصلحة بريطانيا من ناحية أخرى، دون الأخذ في الاعتبار المبادئ والمثل التي نادى بها الرئيس الأمريكي ولسون. وقد ظهر ذلك واضحًا في موقف الولايات المتحدة من قضية مقتل بطرس باشا غالي، ومن المفاوضات التي دارت حول مسائل الحماية والامتيازات قبل الحرب وبعدها، والتي استمرت قرابة أربع سنوات تُوجت في النهاية باعتراف الرئيس ولسون بالحماية البريطانية على مصر، إذ لم يكن هذا الاعتراف وليد لحظته بل سبقته دراساتٌ كثيرةٌ ومراسلاتٌ عديدةٌ.