عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف حسين

عندما فضح برشامة حالات الغش الجماعي .. وأختلال المعايير

2026.08.08

عندما فضح برشامة حالات الغش الجماعي .. وأختلال المعايير

 

عندما يُصبح حفظ القُرآن أكثر أهميةً من فهمه، بل رُبما أصبح فهمه أمرًا غير مذكورٍ أو «غير مرغوبٍ فيه» على الإطلاق، حتى تحوّل شهر رمضان لسباقٍ محمومٍ في عدد مرات قراءة المُصحف كاملًا. عندما تُصبح الرشوة «إكرامية»، وضرورةً مُلحّةً لتسيير أُمور الحياة كافة، ويتم التعامُل معها كجُزءٍ لا يتجزأ من أي مُعاملة حياتية. عندما يُصبح الاستغلال «شطارة»، ويتحوَّل اختراق حُدود وحُقوق الأخرين لـ«حقٍ مُكتسب». عندما تُحل المُخالفات بالإتاوات أو التصالُح، فتُصبح بعدها المُخالفة غير مُخالِفة. عندما يُصبح منع الغش جريمة يُحاسب عليها كُل مَن يعتقد أنَّه يقوم بواجبه، بل وقد يتعرَّض للسب والإهانة، لأنَّه «واقف ضد مُستقبل بعض التلاميذ بلداء الفكر والإحساس». وأخيرًا وليس آخرًا، عندما يتحوَّل التعليم لمُجرّد «شهادة»، تُستخدَم فقط عند الحاجة، فلا تسأل وقتها عن القيم المُجتمعية.
القيم الدينية في أي دين، يجب ألا تختلف مع القيم المُجتمعية له على الإطلاق، فالدين يُفترَض أنَّه القانون الذي قام بجمع جميع تلك القيم التي توافقت عليها البشرية، لتتم صياغتها في قانون الدين الخاص «التحليل والتحريم»، والدين يُفترَض فعليًّا أنَّه يُمثّل التطبيق الفعلي لهذه المجموعة من القيم المُحلّلة أو المُحرمة، والتي يُمكن أنَّ تُعدُّ مقياسًا لجميع مُستجدّات الحياة الأخرى، لكن الأمر تحوَّل فقط لمجموعة من الطُقوس الحركية، التي دأب الكثيرون على الاهتمام فقط بما ظهر منها، أما أصل الأمور، فضاعت في زخم صراعات الحياة.

لقد أصبحت جميع سُلوكيات حياتنا خاضعةً للتأويلات والتفسيرات، التي تتناسب فقط مع ما نُريده، وفي النهاية «الدين يُسر».
لقد أكدت الحملة الشعواء على فيلم «برشامة»، تلك الحالة المُستمرة الأبدية من الزيف المُجتمعي، هذا المُجتمع الذي يخشى - طوال الوقت - المُكاشفة، رافعًا الشعارات الثابتة لكُل مَن يتصدَّى للمواجهة، فهو إما يسعى لـ«تشويه سُمعة الوطن»، أو «هدم ثوابت الدين»، فالدين والوطن دائمًا ما يُمثلان الحوائط التي يتوارى خلفها أصحاب تلك البُطولات الزائفة، التي دائمًا ما تُرفَع عندما يقوم أحد المُبدعين «برفع السجادة»، ليكشف عن كل ما أسفلها من قاذورات.
اعتدنا كثيرًا على سماع تعبير «تشويه سُمعة الوطن»، مع التأكيد على فكرة التآمر والعمالة، ضد الكثير من الأعمال التي كشفت وبقوة، الكثير من سلبيات المُجتمع، أو التصدِّي لكشف أي أنماط حياتية، من تلك التي يجب أنْ تبقى طوال الوقت «تحت السجادة»، دون أدنى مُحاولة جادة لحل مُشكلات الملايين ممَّن يعيشون فعليًّا «تحت السجادة»، لكن قلما سمعنا عن أعمال سينمائية وصُمت بـ«هدم ثوابت الدين»، حتى ظهر قبل سنتين فيلم «المُلحد» عن سيناريو للكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، ومن إخراج محمد العدل، لتثور ثائرة الكثيرين، الذين قاموا بتقييم العمل فقط من عُنوانه.
لقد تمَّ إيقاف عرض العمل قبل موعد عرضه السينمائي بأيام، ليعود لدور العرض بعد أكثر من سنةٍ، ويكتشف الجميع أنَّ عُنوان العمل كان مُجرد خدعة، وأنَّ العمل فعليًّا هو دعوة لـ«الدين»، وليس ضد «الدين»، فكُل الأمور تُدار «سماعيًّا»، لأنَّ بالتأكيد أحدًا مِمَّنْ لم يُشاهدوا العمل على الإطلاق، هو مَن قد أصدر فتاوى اغتياله، كما تمَّ اغتيال فرج فودة «سماعيًّا»، ومن قبله كانت مُحاولة اغتيال نجيب محفوظ عن رواية لم يقرأها مُغتالوه، ولا مَن أصدر لهم الأمر، والأغرب، أنَّ الرواية كانت قد تمَّت كتابتها، قبل 35 سنةً من مُحاولة الاغتيال.
لقد قام فيلم «برشامة» بالكشف عن الكثير من صور العوار في المُجتمع على المُستويات كافة.

الفيلم فعليًّا لم يحتج لتسليط الضوء بصورةٍ مُباشرة على الكثير من الأمور، لكنه اكتفى طوال أحداثه بالعديد من الإشارات التوجيهية في الكثير من تفاصيله، التي وُجِّهت نحو العديد من السلبيات المُخبأة «أسفل سجادة المُجتمع»، لتثور ثائرة هذا المُجتمع على عددٍ من العبارات التي وردت في بعض حوارات العمل، دون الاهتمام بكُل ما تمت الإشارة له داخل أحداثه.
فيلم «برشامة» إنتاج سنة 2026 من إخراج خالد دياب، الذي شارك في كتابة سيناريو هذا العمل، مع كُلٍ من شيرين دياب وأحمد الزغبي، وهذا العمل - بعيدًا عن النقد المُجتمعي له - لا يجب مُناقشته كعملٍ واقعي، يُحاسب على أخطاء عدم مُضاهاة الواقع، لكنه عمل رمزي ساخر، أشار إلى كُل ما استهدف الإشارةِ إليه من صور العوار المُجتمعي، في قالب شبيه بالواقع، لكنه ليس واقعًا فعليًّا، والسينما العربية زاخرة بالعديد من تلك النماذج المُميزة من الأعمال، مثل الفيلم اللبناني «وهلأ لوين» للمُخرجة اللبنانية نادين لبكي، أو الفيلم المغربي «سيدي المجهول» للمُخرج علاء الدين الچم، وغيرهما من الأعمال التي استخدمت الإطار الواقعي للرمزية لواقع أكثر عُمقًا، لذا، ففيلم «برشامة» هو ليس «مدرسة مُشاغبين» جديدة، لكنه يُمثّل مُحاولةً جادة لإمعان النظر في الكثير من الخطايا التي أصبحت تُشكّل جُزءًا لا يتجزأ من ثقافة وسُلوكيات المُجتمع المصري.
أهم الخطايا والمُشكلات التي أشار إليها العمل، تمثّلت بصورةٍ مُباشرة في منظومة التعليم في مصر، وكلُ ما بها من عوار، وسأبدأ بسؤال شديد الأهمية، قام بطرح نفسه من خلال سيناريو العمل، لماذا اختار صُنّاع العمل أنْ تدور أحداثه داخل لجنة منازل، وليس لجنة اختبار نظامية، لطُلاب في سنِّ المرحلة الثانوية؟
لقد قام العمل بالإجابة عن هذا السؤال، من خلال عدد من الإجابات المُختلفة، التي تفاوتت ما بين الإجابة المثالية، للإجابة الحالمة، للإجابة الواقعية، وأخيرًا، الإجابة الفانتازيا الساخرة، حيثُ صوّرت الغالبية العُظمى من تلك الإجابات، الواقع الفعلي لمفهوم التعليم في مصر.
بدايةً، فمَن يتقدَّم لأداء اختبارات الثانوية العامة منازل، هو في الأغلب شخص غير قادرٍ على الانتظام الدراسي، وفي الكثير من الأحيان، هو إنسان قد فاته قطار التعليم في توقيته الفعلي، لكن عندما تهيأت له الظُروف، قرَّر أنْ يستكمل تجربته التعليمية، لكن السؤال الأهم هنا، يتمثّل في الهدف الذي يستهدفه هذا الإنسان من استكمال تعليمه، في تلك المراحل المتأخرة من العمر.
قدَّم لنا العمل من بين جميع الطلاب الذين تقدَّموا لأداء الاختبار ستة إجابات، سأقوم باستعراضهم بالترتيب العمري لأصحاب الإجابات.

كانت «زينب» هي الأصغر مَن بين من قام العمل بشرح أسبابهم، فاللجنة تقع في نطاق منطقة قروية، وزينب، التي فاتها قطار التعليم منذ بضع سنوات غير كثيرة، انتوت استكمال مسيرتها التعليمية، وتسعى للهروب من السيطرة البطريركية الذكورية، المتمثّلة في الأخ الأكبر، الذي قرَّر منذ البداية، منع زينب من التعليم، لأنَّه في الأساس أُمِّي، ويرى أنَّ زينب يجب أنْ يكون خروجها الوحيد من دار الأسرة، فقط لدار زوج أُمِّي أيضًا، ولا يوجد أي تكافؤ فكري أو عقلي بينه وبين زينب، لكن بما أنَّ الأخ الأكبر قد أعطى الموافقة، فلا حاجة لرأي زينب على الإطلاق. وهنا سنجد أنَّ العمل قد تصدَّى لإحدى أهم مشكلات المرأة في المجتمعات الريفية، والتي تتمثّل في السلب القمعي لحقوقها كافة، وأهمها بالطبع، حقها في تقرير المصير، سواء كتعليم أو كزواج، فالمرأة لا تزال في مجتمعاتنا مجرد تابع، لا يحقُّ له الاختيار أو الاعتراض.
الإجابة الثانية جاءت من خلال «فاتن»، التي تعمل راقصة درجة ثالثة، ويبدو - دون التصريح - أنَّها تقوم منفردة بإعالة ذاتها وابنتها الرضيعة، دون أي وجود فعلي للزوج، ونظرًا لأنَّها لا تمتلك أية مقومات تعليمية أو مهنية، فلم تجد أي عملٍ متاحٍ سوى الرقص، ففاتن مثل زينب، سُلب منها حقُّ التعليم، وعندما تزوجت، قام الزوج بتركها، لتجبَر وهي لا تمتلك أية مؤهلات، على خوض تجربة الحياة هي ورضيعتها وحيدةً، لتتلقفها الأيدي المستغلة.
لكن فاتن أيضًا رافضة لنمط حياتها، وهي تسعى حثيثًا لتغييره، حتى لو كان هذا التغيير على المستوى المادي، سيكون لما هو أدنى، لكنه في المقابل سيكون لما هو أكثر كرامةً. فاتن تحلم بأنْ تكون قدوةً صالحةً لابنتها، لذا فهي تسعى للحصول على الشهادة، لكي تنجح في الحصول على فرصة عمل، لتنهي بها مرحلةً سابقةً من حياتها، أجبرتها فيها أيضًا البطريركية الذكورية، على العمل راقصة درجة ثالثة.
الإجابة الثالثة، والتي جاءت دون التصريح بها، من خلال شخصية «حِليلة» ابن عمدة القرية، هذا الشاب الذي يعاني من حالة «Mental retardation» أو تأخّر عقلي، لكن والده العمدة لا يقبل خروج العمودية من العائلة، حتى لو كان هذا الابن غير مُؤهَّل على المستوى العقلي لإدارة ذاته، وبما أنَّ شرط التعليم هو أحد شروط العمودية، لذا قرَّر العمدة حصول ابنه على الشهادة بأي صورةٍ، فإذا كان هذا الابن سيدير القرية وهو غير مؤهَّلٍ على الإطلاق، فلن يضير أنْ يكون حصوله على الشهادة بالغش أو بأي وسيلةٍ أخرى.
الإجابة الرابعة جاءت من خلال شخصية «عبد الحميد»، الرجل القروي الذي قارب على الأربعين من العمر، لكنه لا يزال يحلم بأنْ يصبح مهندسًا يومًا ما، حتى إنَّه كان قد خاض الاختبارات في العام الأسبق، وتحصَّل على مجموع 92%، لكن نظرًا لأنَّ هذا المجموع كان غير كافٍ للقبول في كلية الهندسة، قرَّر إعادة المحاولة في هذا العام، وهو يمثّل الشخصية الإيجابية الأهم في هذا العمل، لكن عبد الحميد في الوقت ذاته، يعاني من التأثير الديني «الحافظ مش فاهم»، وهو ما جعله مستعدًّا لخسارة عامًا كاملًا آخر من عمره، بسبب الوساوس والمخاوف الدينية، التي أصبحت تسيطر على قطاعٍ كبيرٍ من قاعدة السلفيِّين.
الإجابة الخامسة وهي الإجابة الساخرة والفانتازيا، جاءت من خلال «حجاج» السجين، الذي قرَّر الحصول على شهادة الثانوية العامة، بهدف المشاركة في مسابقة المكتبة في السجن، حتى يتمكَّن من دخول المكتبة، ليقوم مع مجموعة من زملائه، باستكمال حفر نفق للهروب، اقتداءً بالفيلم الأمريكي «The Shawshank Redemption».
الإجابة السادسة والأخيرة، وهي الإجابة شديدة الواقعية، جاءت على لسان «إنعام»، السيدة التي قاربت على الستين من العمر، وتستهدف الحصول على الشهادة، فقط لزيادة معاشها بما يزيد قليلًا على 700 جنية، وهنا تحوّل الهدف لشراء شهادة، فقط لكي تكون سببًا في زيادة المعاش أو المرتب، دون أدنى فائدة لها على المستويين الوظيفي أو العلمي.
بعيدًا عن كارثة أنْ يصبح التعليم مجرّد شهادة، والشهادة مجرّد اختبار سيتم اجتيازه بأي وسيلةٍ من الوسائل، فالعمل أيضًا قد أشار بذكاءٍ شديد إلى تفصيلةٍ غاية في الأهمية، تمثّل صورةً من صور التمييز شديدة الخطورة، والمتمثّلة في احتواء مادة اللغة العربية لآيات قرآنية وأحاديث، على الرغم من أنَّ الطلبة - بالتأكيد - بينهم الكثير من غير المسلمين، وعلى الرغم أيضًا من وجود مادة دراسية للدين، فلماذا يتم تدريس أجزاء من القرآن والأحاديث، ضمن مادة اللغة العربية.

لقد بنى السيناريو على احتواء مادة اللغة العربية لآيات قرآنية حبكته الرئيسية، حتى وإنْ كانت الحبكة تتجه في اتجاه بعيدٍ كل البعد عن هذه الكارثة التمييزية، إلا أنَّ السيناريو تمكَّن وببراعة من تصدير المشكلة، من خلال الخط الدرامي بعبد الحميد شديد السلفية، ليقوم العمل بطرح تلك المشكلة، من خلال تصديره لمشكلةٍ أخرى تسببت فيها العقلية السلفية التي تحكم الكثيرين.
من بين أذكي تفاصيل هذا العمل، جاءت في امتلاك حِليلة لموهبة خاصة في الرسم، والتي مثّلت رسالةً شديدة الأهمية من صنّاع العمل، فقط ابحث داخلك عن نقاط قوتك، ستكتشف أنك تمتلك الكثير من النقاط المضيئة في بعض الأمور. قد يكون حِليلة غير مؤهل للتعليم، وبالطبع - العمودية-، لكنه يمتلك مواهب أخرى يمكنه استغلالها، بل ويمكنه تحقيق نجاح مميز من خلالها، ولنا في أديسون والعقاد اللذين لم يكملا تعليمهما، المثال الأهم.
من بين الكوارث التعليمية الاجتماعية التي قام العمل برصدها بعبقرية، هي مستويات التعليم في مصر، وتفاخر الكثيرين بأنَّهم حاصلون من قلب أوطانهم، على شهاداتٍ تعليمية غير مصرية، وتلك كارثة لم يدركها أي وزير تعليم عبر أكثر من خمسة عقود، تسربت فيها العديد من نظم التعليم غير المصرية إلى مصر، حتى أصبح التعليم من أهم مظاهر التمييز، وحتى أصبح عدم الإلمام باللغةِ العربية، مدعاةً للتفاخر والتباهي، وحتى أصبحت الوظائف المهمة تفتح ذراعيها فقط للقادرين ماديًّا، الذين ابتعدوا عن منظومة التعليم المصري، بينما الملايين من الحاصلين على الشهادة المصرية، أصبحوا غير مرغوبٍ فيهم في سوق العمل.
لقد كان من بين الطلبة داخل لجنة الاختبار، أحد هؤلاء الحاصلين على إحدى الشهادات الدولية، والتي تضع لها الدولة قاعدةً هزيلةً بخوض الحاصلين على أيّ منها لاختبار اللغة العربية، كشرطٍ للقَبول في الجامعات المصرية. كان من الذكاء جدًّا أنْ تضم اللجنة تلك الحالة المخالفة لجميع مَن في اللجنة، والذي تتباهى والدته الطبيبة، بأنَّه لا يجيد اللغة العربية، ليرصد العمل حالةً مجتمعيةً تمييزيةً شديدة الأهمية، تم دسها داخل المجتمع المصري عبر خمسة عقود، لتصبح الحياة في مصر للقادرين جدًّا فقط.
من بين النقاط التي أثارت الجدل في هذا العمل، استغلال العمدة لميكروفون الجامع القريب من المدرسة التي تضم اللجنة، كوسيلة لإيصال الإجابات النموذجية لابنة، ومن أسعدهم الحظ بوجودهم معه داخل نفس اللجنة. لقد اعترض الكثيرون على فكرة استخدام الجامع «للغش»، وكأنَّ منابر جوامعنا بل وكنائسنا، لا تستخدم لتمرير الكثير من الأمور التي تعدت مستوى الغش التعليمي، لمستوى الغش المجتمعي، واللعب على وتيرة الدين، لخداع الملايين من أبناء هذا الشعب المحكوم عقليًّا بالدين.
من أذكى تفاصيل هذا العمل، جاءت تفصيلة مشكلة اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب في هذه القرية، في رمزية إلى اختلاط الفساد بكل شيء وانتشاره في المجتمع، فمياه الصرف الصحي قد عكّرت تمامًا مياه الشرب في القرية، حتى أصبحت غير صالحة لأي غرضٍ من أغراضها، تمامًا كما عكّر الفساد كل شيء في المجتمع بمجرد مخالطته له، فالثمرة الفاسدة تفسد جميع الثمار التي تجاورها.
من تفاصيل هذا العمل المهمة أيضًا، التأكيد على وجود نماذج صالحة في المجتمع، ومثّلها في هذا العمل 4 شخصيات، لكنها تفاوتت في درجة قدرتها على مقاومة زحف الفساد، والقدرة على مجابهته، فكان التأكيد على وجود النماذج الصالحة، مع إبراز بعض ما قد تتعرَّض له تلك النماذج من ضغوطٍ خارجية، وكان على رأس تلك النماذج شخصية «أستاذ درديري»، الذي قاوم قدر استطاعته ضغوط الفساد، التي واجهته طوال الوقت بسلاحَي الترغيب والترهيب.
جاء قرار عبد الحميد بمساعدة فاتن في نهاية الاختبار، كرسالة شديد الذكاء من صناع العمل، حتى وإنْ كان هذا الأمر شديد الخطأ على المستوى الواقعي، لكن كما ذكرت سابقًا، فالعمل لا يجب تقييمه كعملٍ واقعي، لكن كمجموعة من الرسائل، وهنا كانت رسالة إعادة تقييم الأفكار، وأهمية الهدف من كل ما نقوم به، وأنَّ الحياة ليست «كتالوج» ثابتًا لا يتغيَّر، فمساعدة عبد الحميد لفاتن، جاءت بهدف مساعدة إنسان في إحداث تغيير ضروري ومطلوب في مسار حياته، لذا جاءت إعادة تقييم عبد الحميد لمعتقداته، نابعةً من الهدف من هذا التغيير.
من خلال عبارة كتبها خالد دياب وكأنها إحدى العبارات المأثورة التي امتلأت بها جنبات الفصل، صدّر خالد دياب وجهة نظره الخاصة، عندما كتب تلك العبارة: «النجاح هو الانتقال من فشلٍ إلى فشل، دون أنْ تفقد حماسك»، موقعًا عليها «خالد دياب 1814».

إنَّها بالفعل وجهة نظر شديدة الواقعية، صاغها خالد دياب من خلال تلك العبارة التي ربما مرَّت على الكثيرين مِمَّنْ شاهدوا هذا العمل، دون أنْ تسترعي انتباههم على الإطلاق، فنحن أمام حالاتٍ من الفشل والفساد المجتمعي، التي أصبحت تشكِّل جزءًا من السلوك العام، حتى أصبحت تمثّل أساسًا للحياة في مصر.
لقد نجح العمل أيضًا في التأكيد على الفهم الخاطئ لمفهوم العقاب الإلهي اللحظي والعقاب المؤجل، وكانت الكثير من تلك العبارات التي تؤكد على هذا المفهوم، هي التي تسببت في تلك الحالة من الثورة المجتمعية، وبعيدًا عن المفهوم الديني للعقاب الإلهي اللحظي والمؤجل، فلقد أشار العمل من بعيد إلى أنَّ أخطار وعواقب مثل تلك الأخطاء على بنية المجتمع، لربما تكون أكثر أهميةً من العقاب في حدِّ ذاته، لأنَّها تقوم بتمزيق نسيج المجتمع وتماسكه، لتصبح دائمًا الحلول الفردية أيًّا كانت درجة صلاحيتها أو تأثيرها على الآخر، تمثّل دائمًا الاختيار الأول، بل والأوحد، لكل فردٍ على حدة.
بالطبع، وقع العمل في بعض الأخطاء، من أهمها تلك الأخطاء النمطية في الكوميديا المصرية، والتي لم يتم التخلّص منها منذ أنْ بدأها الراحل إسماعيل ياسين، فلا تزال كوميديا «الإفيهات شديدة السذاجة» و«السباب» و«كوميديا المخدرات»، من أساسيات أي عملٍ كوميدي في مصر، كما أيضًا لا تزال الشخصيات المنمّطة أحادية الجانب، من بين أهم وسائل محاولة الإضحاك في الكوميديا المصرية. تلك الأخطاء المنمطة كان من الممكن جدًّا تجنّبها في عمل بمثل تلك القيمة، والتي لو كان صناع العمل قد تجنبوها، لكان هذا العمل مُصنَّفًا من بين أهم الأعمال السينمائية المصرية في القرن الجديد.
في النهاية، تحية لهذا العملٍ الذي تمكَّن من إلقاء حجر في المياه الراكدة، لربما نجح في تسليط الضوء على بعض المشكلات، بل إنَّ هناك العديد من المشكلات الأخرى التي تناولها العمل، لكن لن تسمح مساحة المقال بمناقشتها، لكن أعود مرةً أخرى كما ذكرت في المقال السابق، لأؤكد أنَّ السينما ليس من بين أدوارها تقديم الحلول، هي فقط عدسة مكبّرة تسلّط الضوء على بعض السلبيات، وعلى المجتمع وأصحاب القرار تفهُّم الرسائل، ومحاولة إعادة تقييم الأمور مرةً أخرى.