فنون
شريف حسينلماذا ضل «مندوب الليل» الطريق؟
2026.08.29
لماذا ضل «مندوب الليل» الطريق؟
شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات القليلة الماضية، تغيّرًا جذريًّا في كافة مناحي الحياة، سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، مع توجه واضح للاقتصاد السياحي التجاري، كذلك دعم الدولة لصناعة السينما من خلال صندوق «Big Time»، لتقوم المملكة بإنتاج عدد من الأعمال السينمائية، مصرية العناصر سعودية الإنتاج، بجانب صناعة سينما سعودية أخرى مهجّنة ما بين العناصر المصرية والسعودية.
لكن في ظلِّ كل ما سبق، ظهرت مجموعة أعمال سينمائية سعودية خارج الإطار الرسمي لصناعة السينما في المملكة، تمثّل صناعة سينما مستقلة وجادة ومميّزة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تناقش مملكة عربية سعودية أخرى، تتحدث عن حياة المواطن السعودي البسيط، دون إبهار مطاردات السيارات وحروب العصابات، وربما ساهم في ازدهار تلك الصناعة، مشاركة منصّة «Netflix» في إنتاج الكثير من تلك الأعمال.
تمكّنت تلك المجموعة من صانعي السينما المستقلين الشباب في المملكة، خلال عددٍ من السنوات لم يتجاوز أصابع اليد، من مواكبة صناعة السينما المستقلة في العالم، لتصل الكثير من تلك الأعمال لمنصّات التتويج عالميًّا، بالرغم من بساطة التكلفة الإنتاجية، لكن في المقابل، جودة المنتج علي كافة المستويات، فهؤلاء السينمائيون المبدعون الجدد، دشنوا لصناعة سينما حقيقية في المملكة.
يعدّ فيلم «مندوب الليل» إنتاج سنة 2023، أحد أبرز تلك الأعمال السعودية المستقلة، كما أنه يمثّل أحد إنجازات مهرجان البحر الأحمر بالمملكة، الذي شارك إنتاجيًّا في تلك الأيقونة السينمائية الفريدة، هذا العمل الذي ينقلنا لعوالم مختلفة داخل مدينة الرياض، مدينة المهرجانات والأسواق والحفلات الغنائية، لكن العمل ينقلنا للجانب الآخر من المدينة، الجانب الخفي الذي لا يعلم عنه الكثيرون شيئًا.
حصد العمل جائزة «العين الذهبية» كأفضل فيلم من مهرجان زيوريخ بسويسرا عام 2023، ومن مهرجان تورينو بإيطاليا خلال نفس العام، وكذلك من مهرجان وهران بالجزائر عام 2024، كما حصد جائزة أفضل مخرج من مهرجان كازابلانكا السينمائي بالمغرب في دورته عام 2024، إضافةً لجائزة أفضل ممثّل لمحمد الدوخي من مهرجانات روتردام للفيلم العربي بهولندا عام 2024، ومهرجان مالمو للفيلم العربي بالسويد خلال نفس العام.
من أهم نقاط قوة هذا العمل، أنَّه على الرغم من كونه محلي الأحداث، فإنَّه عالمي التوجّه، فالعمل يناقش قضيةً رئيسيةً إنسانيةً لا زمانية ولا مكانية، واردة الحدوث في أي مكانٍ علي ظهر كوكب الأرض، لكن فقط، ستختلف ماهية «الحلال والحرام» المرتبطة بكل ثقافة، لكن العمل غير معني بماهيتهما، لكن بمفهوم الحلال والحرام لدى كل إنسان، تلك المشاعر الفطرية التي قد تختلف داخل نفس المجتمع، وهل حقًا «الغاية النبيلة يمكن أنْ تبرِّر الوسيلة»، في صراعٍ إنساني داخلي شديد العذوبة، لذا، نجح هذا العمل على المستوى العالمي، وسيستمر في النجاح، لأنَّه عمل موجّه للإنسان أينما وجد.
تدور جميع أحداث العمل خلال أسبوعين من حياة «فهد»، الإنسان مضطرب الشخصية، الذي يعيش متقوقعًا داخل فقاعته التي تحوي داخلها مجموعةً من المشكلات المادية والنفسية، فهو المسؤول عن والده المريض، الذي يحتاج إلى إجراء عمليةٍ باهظة التكاليف، كما أنَّه يعول أخته سارة المطلّقة وابنتها. فهد أيضًا مريض «بارانويا»، يحيا بمتلازمة المؤامرة والاضطهاد، معتقدًا دائمًا بأنَّه الأحق والأفضل. هذان الأسبوعان مثّلا مفترق طرق في حياة فهد، لتتغير حياته تمامًا، وللأبد.
فهد يعمل صباحًا ممثّل خدمة عملاء، ومساءً مندوب توصيل لأحد تطبيقات توصيل الطلبات للمنازل، مستخدمًا سيارته التي تعدّ أقرب لمنزلة المتنقّل، والتي يعيش داخلها الجزء الأطول والأهم من يومه.
فهد موظّف غير كفء، لذا قرّر مديره إعطاءه الفرصة ليستقيل بعد مواجهة، أثبت فيها المدير عددًا من أخطاء فهد، الذي أنكر ورفض قبول القرار، بل وقام بإحداث تلفيات في مقر العمل، مما تسبّب في قضيةٍ ضده، وغرامة مالية واجبة الدفع، أضيفت لباقي أعبائه المالية، إضافةً لخسارته لراتب عمله الصباحي.
جاءت ذروة الأحداث عندما قام فهد بتوصيل أحد الطلبات، لإحدى الشقق مرتفعة المستوى، وعند تسليمه الطلب، فوجئ بإعطائه مبلغ 18 ألف ريال، وهو ما لا يتوافق على الإطلاق مع سعر بضعة أطباقٍ من السلطة، لكن عندما قام صاحب الشقة بفتح الطلب ليكتشف خطأه، قام بتصحيح الأمر سريعًا، لكن ما حدث كشف لفهد أنَّ الرجل كان في انتظار مندوبٍ آخر في نفس التوقيت.
وجود بعض الشخصيات العامة في الشقّة زاد من ريبته، وهو ما دفعه لمعرفة ماهية الطلب الذي سيدفَع له مبلغ 18 ألف ريال، ليكون هذا الطلب هو السبب في تلك المغامرة التي خاضها فهد، والتي استمرَّت على مدار باقي أحداث العمل، ليكتشف فهد عوالم المدينة الأخرى، التي لا يعلم فهد أي شيء عن وجودها.
قرَّر فهد استغلال تلك الصّدفة وخوض هذه المغامرة، في محاولةٍ منة لتدبير مبلغي عملية والدة، والغرامة المالية التي حكم عليه بها في قضية مقر عمله السابق، ليعيش صراعًا ما بين الغاية والوسيلة، وماهية الحلال والحرام، لتمثّل تلك المغامرة وتوابعها، الخط الرئيسي لهذا العمل.
جاء مشهد النهاية الرائع داخل أحد أتوبيسات النقل العام، والتي لا يستخدمها المواطن السعودي، ولا يكاد يستخدمها سوى الغرباء من قاطني المدينة، خاصةً العمالة الفقيرة من الشرق آسيويين، غير القادرين على شراء سيارة، كإعلان عن وجهة نظر صنّاع العمل التي لم يذكروها خلال أحداثه، لكنها جاءت مبطّنة داخل هذا المشهد المليء بالرسائل ووجهات النظر.
شارك في كتابة سيناريو هذا العمل كل من علي الكلثمي مخرج العمل، ومحمد القرعاوي، السيناريست والممثّل السعودي، والذي أدى أيضًا دور مدير فهد في شركة خدمة العملاء في هذا العمل.
لقد قام الكاتبان - من خلال أحداث العمل - بمناقشة عدد من المشكلات اللا زمانية واللا مكانية، بدايةً من أعراض مرض البارانويا التي قد تصيب الكثير من غير المتحقّقين، الشاعرين دائمًا بعقدة الاضطهاد، إضافةً لأنهم غير قادرين - طوال الوقت- على التواصل مع الآخر. تلك الشخصية قادرة دائمًا على إيجاد مبرراتها الذاتية، والاعتقاد دائمًا بأنَّهم الأحق والأكثر كفاءةً، لكن تقف دائمًا جميع نظريات المؤامرة أو الظروف المعاكسة، حائلًا تجاه السماح لهم بالنجاح، ففهد كان يرى نفسة الأجدر بمنصب المدير، نافيًا عن نفسه أي شبهة تقصير، بل على العكس تمامًا، ففهد كان يرى في مساعدته المادية لأسرته تفانيًا، أعاقه عن التدرّج في الصعود في السلم الوظيفي.
كما قام الكاتبان بمناقشة مدى مصداقية علاقة الإنسان بالتابوهات أو المحرّمات، وهل تمثّل تلك العلاقة نوعًا من الرياء المجتمعي الديني، أم هي نتاج ثقافة موروثة، قد يكون الدين منبعها أحيانًا، والموروث الثقافي أحيانًا أخرى. هذا السؤال تمت الإجابة عنه داخل أحداث العمل من خلال وجهتَي نظر، الأولى خاصة باشتهاء هذا المحرّم، والأخرى، الاستفادة المادية من هذا المحرّم.
جاء بناء شخصية سارة، أخت فهد المُطلقة، تلك الشخصية النسائية الطموحة، التي قرّرت أنْ تقوم بإعالة ذاتها وابنتها، رافضةً تمامًا الاستعانة بفهد، حتى في أبسط تفاصيل الحياة، بعد أنْ اختارت عدم إكمال الحياة مع زوجها.
سارة اتخذت مسارًا في الحياة بأن يكون لها مشروعها الخاص، وهو الخط المهم جدًّا شديد الإنسانية، الذي ظهر تصاعديًّا على مدار أحداث العمل، فسارة بدأت تجربتها الشخصية وهي منعدمة الخبرة، لتسقط في فخ العديد من الأخطاء البديهية، لكنها لم تسقط أبدًا في فخ اليأس، بل كانت كل سقطة تقوي من عزيمتها، حتى تمكنت أخيرًا من أن تجد بدايةً متحققة للنجاح، من خلال تتابع مجموعة من المشاهد شديدة الذكاء في تصاعدها الدرامي، وشديدة الإقناع في نتائجها.
مثلت سارة نموذجًا فعليًّا للمتغير الاجتماعي للمجتمع السعودي خلال العَقد الأخير، هذا التغير الذي أتاح للمرأة السعودية الكثير من الحريات التي افتقدتها على مدار تاريخ المملكة السابق، لتكون سارة نموذجًا وتمثيلًا للمرأة السعودية الجديدة، المحملة بمعاناة التبعية والاعتمادية على مدار عقود، فجاء تدرج سارة من الإخفاق للنجاح، من قلة الخبرة لإدارة مشروع ناجح، حتى لو كان صغيرًا، هو تجرد منطقي للخروج من تلك الحالة من التبعية البطريركية.
كما مثلت سارة (الواقعية)، المقابل لفهد (الواهم)، فبدت سارة هي الأصوب رؤيةً، الأقدر على حل الكثير من المشكلات، والأكثر تحملًا للمسؤولية.
من المشاهد شديدة الإنسانية في خط سارة، كان مشهد برنامج «الرياديون»، عندما تقدمت بمنتجها في البرنامج التليفزيوني «الرياديون»، الشبيه ببرنامج «Shark tank» وما شابه، تلك النوعية من البرامج التي تقوم بتمويل المشاريع التي تتوسم فيها النجاح، لذا عندما أخطأت - ربما لسوء وضعها الاقتصادي أو عدم الخبرة - وقوبلت بتهكم لجنة التحكيم، كان هذا الإخفاق الكفيل بتحطيم الآخرين، نقطة انطلاق لها للنجاح فيما بعد.
بالرغم من أن «مندوب الليل» هو العمل الطويل الأول لعلي الكلثمي، بعد 7 سنواتٍ كاملةٍ من عمله الأول القصير «وسطي»، إلا أن العمل يبدو شديد النضج، ولا يحمل على الإطلاق سمات وأخطاء العمل الأول، فعلي مخرج شديد الذكاء، ولديه رؤية قادرة على تحويل السيناريو - الذي شارك هو شخصيًّا في كتابته- لمستوى أعلى وأكثر عمقًا من الإبداع البصري.
من التفاصيل المهمة في هذا العمل، جاءت تفصيلة شرح المعاني المختلفة لكلمة «المندوب»، سواء جزئيًّا قبل بدء أحداث العمل، أو كليا في نهايته لتكون المعاني الثلاثة المختلفة تمامًا التي تعنيها الكلمة، مطابقة لحال فهد داخل أحداث العمل، وهي كما جاء ذكرها في العمل:
1- المندوب هو الشخص الموكل من طرف آخر لتوصيل طرد أو بضاعة.
2- المندوب هو الشخص الذي يُحزَن عليه، كالمتوفى أو تعيس الحظ.
3- المندوب هو المصاب بجرحٍ أو علةٍ ظاهرة، بعد حادثٍ أو إصابة.
جاء الصمت كلغة حوار دالة في العديد من مشاهد العمل، فاللغة الجسدية لفهد مثلت لغة حوار، نظرات الأعين، الحركات الجسدية، جميعها تم توظيفها لتكون لغة حوار بديلة، ولقد أبدع الممثل السعودي محمد الدوخي في التعامل مع تلك الحالة من الدراما الصامتة، التي أدى فيها بملامح وجهه، أكثر كثيرًا من استخدام الحوار.
كما مثلت تكوينات وأحجام اللقطات، لغةً أخرى في هذا العمل، فالتعبير بالتكوين وأحجام اللقطات، يعد أحد أهم وأقوى وسائل التواصل مع المشاهد، وهو الأمر الذي يمثل إحدى نقاط التميز لأي مخرج، فجاءت - على سبيل المثال - تلك اللقطة داخل منزل الأسرة، والتي ضم تكوينها كلًا من غرفة المعيشة، حيث الجميع يتناولون الطعام، ودورة المياه، حيث يجلس ليقوم بمكالمته الهاتفية، وكأننا أمام مشهدين متجاورين، لإظهار تلك الحالة من التباين بين حالة فهد المضطرب دائمًا، وحالة أبناء عمومته. كما جاءت اللقطة التي التقى فيها مع زميله في ساحة الانتظار، والسيارتان تقفان في اتجاهين معاكسين، وهما أيضًا في وضعيةٍ متقابلة، والزميل يجلس في حالةٍ من الأريحية مسترخيًا للخلف، بينما فهد مائل للأمام، وهو في حالته المعتادة من التوتر والقلق.
لم يمل علي الكلثمي للاستعراض على الإطلاق في هذا العمل، فجاء استخدام «المسيرات» شديد الترشيد، لكن كانت له أهميته في كل مرة تم استخدامه، كما جاء استخدام الإضاءة غير المباشرة، لخلق تلك الحالة من العمق المتدرج في الصورة، وتلك الحالة مع تفاعل المشاهد - سلبًا وإيجابًا - مع فهد، فهذا العمل ينتمي لأفلام الـ«Point of view» أو «أفلام وجهات النظر»، التي يتوحد فيها المشاهد مع البطل، ليعيشا نفس وقع الحدث في نفس اللحظة، حيث يدور العمل بصورة شبه تامة من وجهة نظر فهد على مستوى الصورة، وبصورة تامة على مستوى الرؤية.
فيلم «مندوب الليل» هو أيقونة سينمائية تظهر مدينة الرياض كما لا يعرفها الكثيرون، فيلم صادم عن تلك العوالم السفلية الأخرى، بعيدًا عن المهرجانات والمواسم الصاخبة. فيلم «مندوب الليل» يحكي عن واقع فعلي، يحكي عن عوالم المهمشين في المملكة، هذا العالم الخافي تمامًا إعلاميًّا، وهو ما ناقشه أيضًا علي الكلثمي من خلال عمله الأول «وسطي»، الذي كان ينبئ بمخرجٍ واعدٍ، له أفكاره وهمومه الخاصة، له عالمه ورؤيته السينمائية المميزة.