عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

محمد القلاوي

ما أصعب أن يكون الإنسان معاصرًا!

2018.12.01

ما أصعب أن يكون الإنسان معاصرًا!

"أنا علي شريعتي المنحاز إلى أفضل ما في تراثه وتراث الآخرين،

 والرافض لأسوأ ما في تراثه وتراث الآخرين!"

إذا اتفقنا -جدلاً- أن من بين ما يعنيه مفهوم المعاصرة أن يعرف المرء معالم اللحظة التاريخية التي يعيش فيها، وأن يكون مُلمًا بمجمل المفاهيم الأساسية التي حصلتها الجماعة البشرية عبر تطورها الثقافي الطويل، وأن يعرف شيئًا ما عن حياة تلك النخبة المختارة من الرجال والنساء التي شكلت قسمات تاريخنا ونحتت ملامحه -أي حيوات تلك المئات القليلة المؤثرة إيجابًا أو سلبًا في تطور جنسنا البشري- مضافًا إلى هذا كله أن يكون المرء قادرًا على أن يتفاعل وأن ينحاز -قدر ما يستطيع- وبشكل واعٍ أساسًا إلى ما يراه صائبًا مع أفضل قيم عصره، وأن يكون مناهضًا لأسوأ ما في زمانه من شرور! نقول إنه لو حدث واتفقنا على تعريفٍ واسعٍ كهذا للمعاصرة فما أصعب أن يكون المرءُ معاصرًا! وما أكثر من ينتمون بأجسادهم إلى عصر ما بينما ينتمون معرفيًّا وقيميًّا إلى عصور أخرى!

فإذا تصادف -مثلًا- أن دخلت منزل رجل لا تعرفه ووجدت أمامك مكتبة حافلة تحوي مئات المجلدات فسوف تميل لأول وهلة لتحكم بأنك أمام رجل لديه حياة عقلية تمامًا كما أن له حياة اجتماعية أو شخصية، ولكن إذا حدث وأن اقتربت من تلك الأرفف ووجدت أن هذه المكتبة الباذخة لا تحوي سوى كتب التفسير ومتون الحديث والمدونات الفقهية القديمة وكتب الفتاوى التي كانت تجيب عن أسئلة زمانها وكتبًا سميكة أخرى عن الفرق الدينية والمذاهب الكلامية المختلفة، والتي ظهرت وباد أكثرها قبل ألف عام مضت، وإذا بحثت -عبثًا- عن أي شيء ينتمي لزماننا فلن تجد له أثرًا حتى يغلب على ظنك أنه ربما كان أحدث تلك المؤلفات تأليفًا قد رحل كاتبها منذ مئات السنين! اختصارًا إنك إذا لم تجد كتابًا واحدًا عن الاقتصاد السياسي أو مطولًا عن التاريخ الحضاري العام أو نصًا روائيًّا أو كتابًا وصفيًّا عن علم الأديان المقارن أو كتابًا في الفيزياء الرياضية أو مبحثًا عن نظرية الأدب وما إلى ذلك من معارف عصرنا فأنت إذن -في أغلب الظن- أمام ذاتٍ تعاني من أزمة ما، وكما قد تكون هذه الأزمة أزمة فردية لا تعدو صاحبها فقد تكون كذلك أزمة تلك الذات الفردية مظهرًا وتجليًّا لأزمة عامة شاملة تمر بها جماعة بشرية بأسرها!

إذا ما رأينا مثالًا اتسعت فيه الشُقة بين الوعي الفردي لشخص ما وبين ثقافة عصره فنحن أمام توصيفين لا ثالث لهما: الجهالة أو الاغتراب! أي إن كانت هذه الهوة المعرفية قد حدثت بغير إرادة من الفرد بأن فرضت عليه تلك الحالة فرضًا -بالسجن مثلًا- أو كان ذلك لضعف شخصي في مقدرته الإدراكية على تحصيل تلك المعرفة الضرورية فنحن إذًا وببساطة أمام حالة الجهالة، أما إذا حدثت تلك الهوة بشكل إرادي ومقصود فهذه هي حالة الاغتراب أو العيش الاختياري في المنفى الثقافي!

وإذا كنا لا ندري في الحقيقة أيهما أشد سوءًا من الآخر: أهي الجهالة ونقص المعرفة أم القطيعة المعرفية والتنكر العمدي لها؟ فالأمر الذي لا نشك فيه أن شيوع تلك الحالة بمظهريها يشكل خطرًا داهمًا على الفرد نفسه وعلى الجماعة التي يعيش فيها، ولنسمي هذه الحالة الإدراكية والمعرفية الخطرة باسم (الرؤية السلفية)، ولسوء الطالع فمجتمعنا العربي لا يعاني ندرة في كلتا الحالتين!

الرؤية السلفية ومعالمها

في البداية نقول إن جوهر الرؤية السلفية هو موقف من التاريخ! فليست السلفية بالمعنى العام إلا نفيًا للتاريخ باعتباره حركة دائبة للأمام، واعتقادًا جازمًا من تلك الرؤية -الحولاء- في أن مستقبل البشرية يقبع خلف ظهرها هناك في عصر ذهبي سعيد مضى وانقضى منذ مئات السنين، فليس التاريخ- عندهم- مثلما يراه التقدميون حلمًا مراوغًا يمتد أمام البشر كما لو كان أفقًا هاربًا يتراجع كلما تقدمنا في سيرنا إلى الأمام، إذ لا نهاية لمطامح الإنسان ولا منتهى لكمالاته! بل يراه السلفيون -على خلاف هذا تمامًا- مثل سارٍ بليلٍ يبتعد تدريجيًّا عن مصدر الضوء، لذا فالعتمة تشتد في عينيه كلما أوغل في الحلكة مبتعدًا عن مصدر النور الوهاج!

إذن فليست هناك سلفية -بداهة- إلا مع وجود فترة مظلمة يتوق أهلها شعوريًّا إلى تلك الفترة المضيئة -حقيقة أو وهمًا- من تاريخهم، وعلى هذا يمكننا القول إن السلفية هي التطلع المشوب بالحنين والتنهد لذكرى ماضٍ جميل من شرفة حاضر محبط وكئيب.

وتتميز السلفية كذلك معرفيًّا باعتقادها في أن كل الحقائق الأساسية قد عُرفت منذ زمن بعيد ولم يتبق أمام بقية العصور سوى أن تجمع أشتاتها وأن تعيد إنتاج مضمونها المرة بعد المرة في قوالب جديدة، إنما لا سبيل أبدًا إلى كشف جوهري لم يُعرف من قبل ناهيك بأن يكون هذا الكشف المعرفي الجديد مصوبًا أومصححًا لما عرفه السابقون من أهل تلك الحقبة الذهبية!

وتتميز الرؤية السلفية أيضًا بأن نماذجها الإنسانية من أهل تلك الفترة الذهبية ليسوا مجرد آحاد من الناس يتحققون بهذه القيمة المعرفية أو الروحية أو تلك وسوف يجود الزمان بأمثالهم، بل وبأفضل منهم، كلا! إنهم يعتقدون اعتقادًا راسخًا في أن أهل تلك الحقبة يجسدون النماذج الفريدة التي ستظل أبدًا النماذج الأسمى، وليس هناك من سبيل أمام بشر كل العصور لبلوغ شأوهم وإن أمكن الاقتراب -بشق الأنفس- من ذراهم الشاهقة!

وهذا الإيمان المطلق في حدوث تجربة بشرية كاملة لا تتكرر مهما فعلت الأجيال اللاحقة عليها إلا ويكون الفارق بينهما شاسعًا بقدر ما تكون المسافة بين الصورة وبين المثال هو ملمح أساسي في كل رؤية سلفية!

ولكن إذا أمكن تخيل صور متعددة من (السلفيات) أدبية كانت أو اجتماعية إلا أن مجموع تلك المعالم السابقة لا تكاد تتجمع سوية إلا في السلفيات الدينية وحدها، لأن كل تصور ديني في الأساس هو في جوهره رؤية تريد أن تفلت من لعنة الزمني والنسبي وتطمح إلى الأبدي والمطلق! فالرؤية السلفية وإن شاع عنها أنها منظومة سلوك إلا أنها بالأساس منظومة اعتقاد منغلقة، حيث تتداخل فيها جميع تلك العناصر السابقة، ويسبق هذا كله عظيم الاعتقاد في الصوابية التامة والمطلقة لنص ديني بعينه يحوي في ثناياه كل الحقيقة! وهي من أجل ذلك رؤية تمامية تمجد اليقين وتذم روح التشكك والارتياب وتوجب الاتباع وتجرم الإبداع ولا تقبل المراجعات إلا في التفاصيل، أما إعادة طرح الأسئلة حول الأمور الأساسية فلا!

وأما أخطر معالم تلك الرؤية فهو الميل إلى التفسيرات الحرفية للنصوص الدينية، وهو ما يجعلها رؤية خطرة لأنها لا تبعد عن التطرف سوى بخطوة واحدة، ولا يفصلها عن الإرهاب المسلح سوى خطوتين! فهل هي واسعة حقًا تلك المسافة التي تفصل بين ما كان يفعله تنظيم (داعش) بالأبرياء وبين من يقبل حرفيًّا ظاهر معنى هذا الحديث «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»؟ ألا يفسر لنا هذا سهولة الانتقال من السلفية الوعظية إلى السلفية الجهادية؟ّ

أما كيف تتم تلك النُقلة فهذه سمة أخرى من سمات الرؤى المغلقة، حيث تتحول الرذائل البشرية في دوائر الإدراك المغلقة تلك إلى فضائل، وتستحيل العيوب التي لا تستحق سوى القدح إلى مزايا تستحق الفخر والمدح، فالتعصب للرأي هو تثبت ويقين، والعُجب والاعتداد بالنفس هي ثقة المؤمن وعزة أهل الحق، والقسوة والغلظة هي شدة المؤمنين على أعداء الله من الضالين الكافرين، والسلب والنهب هو جهاد وفتح..إلخ!

السلفية الإسلامية

أما عن السلفية الإسلامية في العصر الحديث فيمكن لمن شاء أن يعتبرها رد فعل طبيعي على تلك الهجمة الاستعمارية التي أخضعت بلاد المسلمين وأحدثت للعقل المسلم تلك الصدمة المروعة وأثارت فيه هذا السؤال الموجع: كيف حدث هذا؟! وكيف تحولنا من القوة إلى الضعف ومن فتح الممالك والبلدان إلى أن نتعرض للغزو والاستعمار؟!

لم تكن السلفية الإسلامية المعاصرة في البدء سوى استجابة متطرفة للعودة إلى الذات حفزتها وأحدثتها ظاهرة الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي -مثلما أثارت نزعات أصولية أخرى في ثقافات مختلفة تعرضت لذات ما تعرض له العرب المسلمون- ولكن يمكن القول إنه ربما كانت الأصولية الإسلامية هي أكثر الأصوليات عنفًا وغضبًا، ليس لأنها تلقت صدمة مروعة جاءتها في عقر دارها فحسب، بل لأنها كانت أيضًا نتاج رؤية شاملة ناجزة استكملت ملامحها كأيديولوجيا لحضارة منتصرة ظلت لقرون طويلة تغرد وحدها، ولم ترَ تلك الرؤية قط أنها تحتاج إلى شيء من خارجها؛ فهي -في اعتقاد أصحابها- رؤية تامة كاملة وأخيرة، لكنها وقد تلقت ضربة موجعة لكبريائها ليس فقط بتلقيها الهزيمة العسكرية، بل لأنها وقفت أيضًا عاجزة مرتبكة أمام أسئلة الواقع الذي تغير بسرعة مدهشة بسبب الظاهرة الاستعمارية. فجاءت الأصوليات -بشكل عام- كرد فعلٍ على التحديث القسري الغشوم الذي حاول الإطاحة بكل مظاهر الخصوصيات الثقافية لصالح فرض نمط ثقافي بعينه وهو منظومة قيم الحضارة الأوروبية الحديثة، والتي هي نتاج تجربة محلية كغيرها من الرؤى الحضارية الأخرى وإن اعتبرها الأوربيون الحضارة الأعظم بين جميع الحضارات التي أبدعها الإنسان!

وإذا كانت العودة إلى الجذور ومحاولة استلهام الحلول بالرجوع إلى الذات قد أحيت بعض الاتجاهات النافعة في تراثنا الفكري إلا أنها -للأسف الشديد- قد أعادت إلى الحياة واحدة من أسوأ الرؤى التقليدية في الإسلام وأشدها خطرًا على المستقبل وهي المدرسة السلفية -أو مدرسة أهل الحديث- والتي كانت لا تشكل داخل ثقافتنا التقليدية سوى تيار صغير من بين تيارات عديدة أخرى، سواء أكانت تيارات عقلانية تمجد العقل كالمعتزلة أو تيارات روحية ذوقية تعلي من شأن الكشف والاستلهامات الباطنية مثل الاتجاهات الصوفية -على اختلاف مشاربها بين نظرية تأملية صفوية وبين عملية سلوكية شعبية- أو كانت اتجاهًا وسطيًّا كالاتجاه الأشعري الذي حاول ألا يجنح إلى التطرف وأن يلزم القصد والاعتدال بين معالم المدرستين السابقتين، إلا أن تلك المدرسة السلفية في العقود الأخيرة قد ذهبت بعيدًا -حد التبجح- بأنها تمثل وحدها الإسلام وتعبر عن رؤيته!

 السلفية المصرية

انتشار المد السلفي في مصر ظاهرة تستحق -في ذاتها- الدراسة والتأمل، خصوصًا إذا ما تذكرنا أن المصريين لم يعرفوا هذا النمط من التدين -سلوكًا أو اعتقادًا- قبل أواسط السبعينيات من القرن الماضي، فلنا أن نتساءل: لماذا إذن فشا في مصر هذا الضرب من التدين حتى استطاع -في عدة عقود قليلة- أن يستقطب كل تلك الملايين التي أثار احتشادها الذعر والهلع في قلوب أنصار الدولة المدنية فيما سُمي بــ«جمعة حماية الشريعة» قبل عدة سنوات؟

الحقيقة التي نعتقدها أن هناك أسبابًا موضوعية كانت من وراء انتشار هذا النوع من التدين، يتمثل أولها في طبيعة الخطاب الديني بشكل عام؛ فالرؤية الدينية تقدم خطابًا مختزلاً وبسيطًا يجترئ أن يكون بديلًا لكل المعارف الأساسية العميقة والمتشعبة والمعقدة، فنراه يقدم إجابات ناجزة وسطحية عن الأسئلة الكبرى، فيكفي أن يجلس أحدهم أمام واعظ مفوه بليغ العبارة يقدم لمستمعيه خطابًا إنشائيًّا عاطفيًا حتى يشبع احتياجاته العقلية كلها! فهو يقدم له إجابة عن كل سؤال وحلًا لكل معضلة ومخرجًا من كل أزمة! وهذا الولع بالتبسيط ملمح عام نجده حاضرًا في جميع التصورات الدينية الشعبية، ولا فارق بين أن يقدمها لأتباعه شيخ سلفي يرتدي الجلباب ويجلس متجهمًا في وقار أو كان واعظًا إنجيليًا متحمسًا يصرخ على المسرح ويستعرض في عظاته الحماسية مواهبه التمثيلية البارعة!

ولكن إذا كان هذا الملمح يتقاسمه الخطاب الديني كله فلما انتشرت الرؤية السلفية إذن؟ وهنا تأتي (المزية) التي يختص بها السلفيون دون غيرهم -بل يحق لمن شاء أن يعتبرها مناط الافتراق الأساسي بينهم وبين جماعات الإسلام السياسي كله- وهي أنها رؤية تجمع لصاحبها بين التدين وما يثيره من شعور بالطمأنينة الروحية وبين المسافة الآمنة من السلطة باعتبارها رؤية مهادنة؛ فتجعله في الوقت نفسه بعيدًا عن العمل السياسي المباشر ومخاطره؛ مما جعلها تفلح في أن تجذب إليها قطاعًا كبيرًا من الساخطين الناقمين، لكنهم من الذين لا يقاومون ولا يتصادمون مع الدولة وأجهزتها الأمنية الباطشة، أي أنهم إذا وجدوا فرصة آمنة تحركوا وانتشروا وإن التفتت إليهم الدولة غاضبة صمتوا وتوقفوا دون أن يفكروا للحظة واحدة في مصادمتها لأنهم في النهاية نتاج خطاب ديني رجعي تمت صياغة مرجعيته الأخيرة هناك في دولة المنشأ الخليجية تلك، حيث تُمجد هناك قيم طاعة ولي الأمر ولزوم التأدب معه، وحيث يتم الترويج هناك لتلك العلاقة الأبوية المفترضة بين الراعي وبين رعيته، والأهم من كل هذا ألا ضرورة هناك للديموقراطية، بل يكفي البلاد مجلس شورى ذو طبيعة استشارية لا يلزم الحاكم ولا يقيده بشىء، وحيث يقتصر من يُستشارون هناك على أهل الحل والعقد -من فقهاء السلطان وأعوانه- وحيث يستخرج ذلك الخطاب أساسه التنظيري من تراثنا القديم عبر استلهام مواقف بعض النماذج المهادنة سلسة القياد والتي شاءت لها خياراتها الذاتية ألا تدخل في صدام مع سلطة عصرها، فيتم استعادة تلك النماذج وحدها ويُغض الطرف عن نماذج أخرى ربما كانت مواقفها أكثر اتساقًا مع النصوص الدينية الأساسية، لكنه الخطاب الانتقائي الانتهازي المداهن، وأضف إلى ذلك كله الدعم السخي الذي قدمته وما تزال تقدمه تلك الدولة الخليجية التي تصدر الإرهاب إلى العالم كله عبر مراكزها الثقافية المنتشرة بمساجد عواصم العالم، ثم تحشد في الوقت ذاته حملة بزعامتها لمقاومة التطرف والإرهاب!

الطريق إلى المعاصرة!

 «العاقل من عرف زمانه!» إذا كانت هذه العبارة الأخيرة -المعزوة إلى الشيخ عبد الوهاب الشعراني (1493م- 1565م)- تشكل -ربما- مفتاحًا عمليًّا لمن يستهدف كياسة التعامل مع الواقع الاجتماعي والسياسي وتجنب مخاطره، خصوصًا عندما يكون واقعًا استبداديًّا فظًا ولا رحمة فيه مثل العصر الذي عاش فيه صاحب تلك المقولة وناقلها! فإن كل تلك السطور السابقة والتي تكرم القارىء بإلقاء نظرة عليها ستكون سعيدة مغتبطة إذا ما كانت مجرد هامش تفسيري لهذه البساطة الساحرة التي تسطع من تلك الجملة الملهمة التي صدرنا بها هذه الفقرة، والتي استطاع أن يصكها بهذا النصوع رجل من أولئك المفكرين السابقين على عصورهم، ولتقدم لنا مفتاحًا أساسيًّا من مفاتيح المعاصرة وهو امتلاك الحس النقدي اللازم للتفرقة بين ما ينتمي لزماننا من قيم ومعارف وما كان يصلح منها للعصور السابقة!

وإذا أردنا مقياسًا واحدًا لرجحان المزايا الإنسانية في أعظم مظاهرها لكان هذا المعيار دون سواه -أي موقع وعي كل ذات إنسانية من خريطة أفكار المسيرة البشرية ومنظومة قيمها- فالأكثرية الساحقة من الناس -للأسف- يتخلفون بشكل واضح عن عصورهم، وقليل هم من يجسدون لحظاتهم التاريخية، وأقل القليل من يسبقون عصورهم ويتجلون في زمانهم كطليعة للمستقبل، فطوبى للغرباء!