عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

د. إلهام غالي

مخاوف «ذات» من العولمة دراسة تطبيقية في علم اجتماع الأدب

2026.03.14

مخاوف «ذات» من العولمة

دراسة تطبيقية في علم اجتماع الأدب

يحاول هذا البحث تناول محور «الهوية والعولمة» من خلال تحليل رواية «ذات» للكاتب المصري المعاصر صنع الله إبراهيم، وذلك عبر تطبيق بعض أدوات الجماليات السوسيولوجية أو علم اجتماع وجمال الأدب، كما قدَّمها عدد من أساتذة هذا المجال مثل د. فتحي أبو العينين، والسيد يسين، ود. سيد البحراوي وغيرهم.

وسيحاول البحث ألا يضحِّي بالجانب الجمالي الخاص بالرواية، وإن كان يترك التحليل الفني الخالص للنقاد الأدبيين المتخصصين في ميدان النقد الأدبي؛ إذ تنظر الجماليات السوسيولوجية إلى العمل الأدبي بوصفه وثيقة اجتماعية دالة، بينما يتناول النقد الأدبي العمل من زاوية الأدوات الفنية التي استخدمها الكاتب في بنائه. كما يسعى البحث إلى تجنب القراءة المسبقة لرواية «ذات»؛ حفاظًا على خصوصية العمل الأدبي، سواء كانت تلك المسبقات سياسية أو آيديولوجية. فالرواية هنا تُعدُّ عينة تحليلية يمكن من خلالها استخلاص بعض الخلاصات السوسيولوجية المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الهوية والعولمة.

ويبدأ البحث أولًا بتقديم تعريف علمي دقيق لمفهوم العولمة، ثم يبيِّن كيف تتداخل العولمة مع إشكالية الهوية في رواية «ذات» لصنع الله إبراهيم (الطبعة الأولى، مارس 1992).

أما بالنسبة للتناول الأدبي العام للرواية، فيستند البحث جزئيًّا إلى دراسة د. لطيفة الزيات حول مفاهيم التغريب والقناع والمرارة، وكذلك إلى دراسة د. سيد البحراوي المعنونة «قاتلة الذات وثيقة الإدانة» المنشورة في عدد يونيو 1992 من مجلة «أدب ونقد». وقد أفاد البحث من هذه الدراسات النقدية وغيرها، وإن كان ينظر إلى الرواية من منظور سوسيولوجي، يتمحور أساسًا حول اختلال التوازن الاجتماعي والنفسي في المجتمع المصري في ظلِّ انفتاح مصر على اقتصاد السوق العالمية. وهذه هي الخلاصة السوسيولوجية الرئيسية التي يسعى البحث إلى إبرازها من خلال قراءة رواية «ذات».

 

تشهد الرأسمالية في مرحلتها ما بعد الصناعية الجديدة ظاهرة التدويل أو تخطي الاقتصادات القومية نحو إطار عالمي أوسع للنمو. ولم يعد من الممكن فهم عمليات النمو والاستهلاك بمعزل عن السياق العالمي؛ إذ أصبحت دورات الإنتاج والاستهلاك ذات طابع عالمي، متجاوزة الحدود القومية.

 

تدويل رأس المال.. تدويل العمل.. تدويل الأزمات

وهذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا؛ فقد سعت الرأسمالية منذ بداياتها إلى نقل أسلوب إنتاجها خارج حدودها؛ بحثًا عن الموارد والأسواق وفرص الاستثمار، وإلى إدماج العالم كله في سوق عالمية واحدة. ففي القرنين السادس عشر والسابع عشر ساهم توسع التجارة العالمية في إسقاط نمط الإنتاج القديم وولادة نمط الإنتاج الرأسمالي الجديد. ومن هنا كانت السوق الرأسمالية العالمية خطوةً ضمن عملية تاريخية طويلة تحوَّلت فيها الرأسمالية تدريجيًّا إلى نظام عالمي شامل.

وقد جعلت الرأسمالية الصناعية من العالم كله مجالًا لإشباع حاجاتها، فحطَّمت العزلة السابقة بين البلدان. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية اتجهت الرأسمالية المعاصرة بشكل متزايد نحو التدويل، بحيث أصبحت إمكانيات الدولة الواحدة غير كافية لاحتواء النشاط الاقتصادي. ومن ثم برزت عمليات متصاعدة أدت في النهاية إلى تدويل الحياة الاقتصادية داخل كل بلد.

فالإنتاج والتسويق لم يعودا ممكنين إلا في إطار عالمي، والبحوث العلمية تُجرى في مراكز دولية، ورأس المال أصبح دوليًّا. أي أنَّ العمليات الأساسية للإنتاج وإعادة الإنتاج - من تراكم وتنظيم للعمل وتسويق وتوزيع - أصبحت تتم على نطاق عالمي.

 

تمثل رواية «ذات» واحدة من أهم روايات صنع الله إبراهيم، كما تعدُّ من أبرز الأعمال التي تناولت بعمق اختلال الواقع الاجتماعي المصري؛ نتيجة انفتاح المجتمع على النظام الاقتصادي العالمي منذ النصف الأول من السبعينات.

وتقدم الرواية مستويين متلازمين من مفهوم الذات:

الأول: ذات الفرد، ويتمثل في نمو فتاة مصرية عادية تعيش تحولات ثلاث مراحل سياسية:

عهد جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات، ثم حسني مبارك.

الثاني: ذات الجماعة أو الهوية الاجتماعية، ويتجلى ذلك من خلال البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها البطلة:

علاقتها الزوجية مع عبد المجيد، وعلاقات الجوار مثل الشنقيطي وسميحة، وعلاقات العمل مع همت ومنير.

 

تثير الرواية سؤال الهوية في سياق التحولات التي شهدها المجتمع المصري خلال ربع القرن الأخير. فهناك دلائل واضحة في النصِّ تشير إلى التحول السريع في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

غير أنَّ هذا التحول لا يعني انتقالًا بسيطًا من الاشتراكية الناصرية إلى الرأسمالية الساداتية. فالحلم الرأسمالي الذي بدا قريب المنال في ظل الاشتراكية الناصرية أصبح بعيدًا في ظلِّ رأسمالية الانفتاح. وكأنَّ الكاتب يريد أنْ يقول إنَّ عهد عبد الناصر لم يكن اشتراكيًّا خالصًا، كما أنَّ عهد السادات لم يكن رأسماليًّا مكتملًا.

الميزة الأساسية لهذا التحوُّل أنَّ الثروات الضخمة لم تعد تتجمع في أيدي بيروقراطية الدولة كما كانت الحال سابقًا، بل أصبحت تتكوَّن بسرعة بين السماسرة والمقاولين والأثرياء الجدد، بينما ظلت الطبقة المتوسطة - التي يمثلها عبد المجيد وزوجته - بعيدة عن هذا التراكم السريع للثروة.

 

تُشكِّل رواية «ذات» تشخيصًا لحالة الذات المريضة أو المختلة التي تسير تحت شعار متكرر في الرواية هو «مسيرة الهرم والبناء»، وهي عبارة تتكرَّر حتى تبدو كأنَّها اللحن الرئيسي في العمل.

غير أنَّ هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي لم يكن تحولًا كاملًا؛ إذ يوازيه استمرار التخلف الثقافي. ومن هنا يقدم الكاتب مشهد ختان البطلة بوصفه رمزًا لصراع بين الحداثة والتقليد، حيث لم يكن الاجتثاث كاملًا، بل ترك أثرًا دائمًا يذكّر بالجزء المفقود.

 

نتيجة هذا الانشطار بين التحول الاقتصادي والثبات الثقافي، يقدِّم الروائي صورة لمجتمع يستخدم أدوات الحداثة الغربية، لكنه يفكر بأدوات تقليدية ضيقة.

كما يلفت الكاتب الانتباه إلى أزمة إنتاج المعنى في المجتمع المصري. فبينما لا تزال القيم التقليدية تتحكم في منظومة التحريم، ظهرت مفردات جديدة في اللغة اليومية خالية من المعنى الحقيقي، مثل:

دريسنج، التليباثي، المسرمكة، السرمكة، الإنتركوم، الكمبشة، الكندشة.

ومن مظاهر أزمة المعنى أيضًا انتشار اليأس والإحباط بين الشخصيات. فبطلة الرواية تعيش إحباطًا على المستويات الجنسية والزوجية والاجتماعية، ويعود أصل هذا الإحباط - كما يوحي النص - إلى هزيمة 1967.

ومع ذلك، لا يستسلم النص لليأس الكامل؛ فبعد لحظات الحزن تعود «ذات» لمحاولة جديدة. فإذا كان اليأس تكتيكًا، فإن الأمل هو الهدف الاستراتيجي.

 

لا يقدم الكاتب بديلًا واضحًا لهذا الاختلال الاجتماعي، بل يكتفي بالإشارة إلى مَواطن الخراب. ومع ذلك يلمّح إلى أنَّ المستقبل قد يكون في التفسير العلمي للظواهر بوصفه الجسر الذي يربطنا بالعالم.

ومن ثم، رغم الجو الكئيب الذي يخيِّم على الرواية، فإنها تحمل خيطًا رفيعًا من الأمل في إمكانية تجاوز الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أعقبت هزيمة 1967.

 

ينشغل الكاتب كذلك بالتفاوت بين الأسباب التقليدية لإنتاج المعنى وبين الرغبة العالمية في طمس الهويات الخاصة. فرغم التحولات الاقتصادية والإعلامية السريعة، فإنَّ مجتمعاتنا ما زالت تحتفظ بأسوأ ما في تراثها.

وفي هذا السياق ينتقد صنع الله إبراهيم الهوية الثقافية السائدة بدلًا من تمجيدها، ويكشف عن رؤيتها للعالم كما تتشكَّل في الحياة اليومية.

الرؤية التي يفككها الكاتب هي رؤية استهلاكية نفطية خليجية أمريكية حلّت محل خطاب الستينات القائم على الاشتراكية والقومية العربية.

وقد ارتبطت هذه الرؤية الجديدة أيضًا بظهور نزعات طائفية لم تكن بارزة في العصر الناصري، كما يظهر في تعامل بعض الشخصيات مع زميلتهم المسيحية «نادية».

 

ورغم رسوخ الهوية الثقافية، فإنَّ الكاتب يبيِّن كيف تغيّرت روايتنا للعالم والإنسان بتغيُّر الظروف السياسية من عبد الناصر، إلى السادات، ثم مبارك.

فالهوية الدينية في الرواية لا تُعرض كنصوص عقائدية، بل كوقائع اجتماعية معيشة. فبيت «ذات» يمتلئ بالمصاحف بعد فترة من النسيان، في إشارة إلى التحول الديني التدريجي في المجتمع.

ومع ذلك، لم يمنع ازدياد التدين الظاهري المجتمع من الانخراط في العالم الاقتصادي الجديد.

 

في النهاية يطرح الكاتب فكرة أنَّ الثقافة مُنتَج اجتماعي، وأنَّ رسوخ الهوية ليس حقيقة مطلقة بل قد يكون أحيانًا وجهة نظر أيديولوجية تسعى لتثبيت الواقع القائم.

ومن هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في دور التراث في تشكيل قدرة الهوية على التكيُّف أو عدم التكيُّف مع العالم المتغير.

وتظلُّ أزمة المعنى التي نعيشها اليوم متمثلةً في أننا دخلنا العالم اقتصاديًّا، لكننا لم ندخله ثقافيًّا. وهي الأزمة نفسها التي تواجهها مجتمعاتنا منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى اليوم.

 

 مصادر البحث

1-  د. فؤاد مرسي: الرأسمالية تجدد نفسها، عالم المعرفة، الكويت، 1990.

2-  صنع الله إبراهيم: ذات، دار المستقبل العربي.