دراسات
سلمى مبارك«التلصص» لصنع الله إبراهيم بين السيرة الذاتية الاجتماعية وسردية النسب.. الجزء الأول
2026.01.18
«التلصص» لصنع الله إبراهيم بين السيرة الذاتية الاجتماعية وسردية النسب.. الجزء الأول
تُشكِّل العلاقة بين الفردي والجمعي نواةً لمفهوم السيرة الذاتية الاجتماعية الذي صاغته آني إرنو Annie Ernaux، الكاتبة الفرنسية الحاصلة مؤخرًا على «جائزة نوبل»، لتصف تلك العلاقة التي تتردد في أعمالها منذ روايتها الأولى «المكان».
تشير السيرة الذاتية الاجتماعية إلى نوع يتناول فيه الكاتب/ الراوي حياته وحياة أسرته، في ضوء البنية الاجتماعية التي ينتمون إليها، والتي تترك أثرها العميق على شكل العلاقات العائلية.
في «المكان» تحكي إرنو عن علاقتها الملتبسة بأبيها، حيث تشكَّلت تلك العلاقة في ظلِّ شروط اجتماعية/ تاريخية عاشتها طبقتها، وحالة الصعود الاجتماعي لتلك الطبقة، تسبَّبت في شروخ بين الابنة التي لحقت بالبرجوازية، والأب الذي ظلَّ في أعماقه فلاحًا «جاهلًا».
وبعيدًا عن فكرة الانتقال أحادي الاتجاه «من وإلى»، وعن مفاهيم التأثير والتأثر، فإن الظاهرة الأدبية التي يشير إليها المصطلح تتواجد في آداب أخرى، حيث تخلق الظروف التاريخية المتشابهة أشكالًا أدبية متناظرة [1] . وتسمح المقارنة بين آداب مختلفة بالربط بينها «لمحاولة إيجاد القوانين التي تحكم الإبداع» [2] ، وهو ما نلاحظه من خلال التنظير للسيرة الذاتية الاجتماعية كنوع أدبي.
يرى كل من فيليب لامرز Philipp Lammers، وماركوس تويلمان Marcus Twellmann أنَّ موضوع الحدود الطبقية وتجاوزها شرطان مؤسِّسان لنوعِ السيرةِ الذاتية الاجتماعية. ففي الأعمال التي تنتمي لهذا النوع تتحرك الشخصية الرئيسية صعودًا في السلم الاجتماعي من خلال اجتياز حدود طبقتها، وتتحوَّل بفعل الصعود الاجتماعي، ثم تعود مرة أخرى بشكل مادي أو مجازي (الكتابة عن الأصول بوصفها عودة) في زيارة للبيئة الاجتماعية الأولى.
يظهر هذا النوع الأدبي، على وجه الخصوص، في المجتمعات التي شهدت حراكًا قاد عددًا غير قليل من المنتمين للطبقات الشعبية إلى الالتحاق بالطبقات العُليا من خلال انتشار التعليم المدرسي والجامعي بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بفعل تطبيق سياسات تعليمية تعتمد على جعل التعليم حقًّا أساسيًّا لجميع المواطنين ومحورًا عموديًّا في تنمية المجتمع.
ومن هنا يمكننا أن نتساءل مع كل من فيليب لامرز وماركوس تويلمان: إلى أي مدى يمكننا اعتبار السيرة الذاتية الاجتماعية نوعًا ينتمي إلى الأدب العالمي؟
إن مجتمعَ الطبقات والاضطرابات الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب العالمية الثانية، مع دمقرطة التعليم المتوازية في العديد من بلدان العالم، وتأثير ذلك على الظروف الحياتية للكُتّاب، وعلى وعيهم، قاد إلى خلق ظروف متشابهة نمت فيها التجربة الأدبية لعدد من الأدباء، نحسب صنع الله إبراهيم من بينهم.
إلى أي مدى يمكننا تلمس ملامح نوع السيرة الذاتية الاجتماعية في رواية «التلصص»؟
تُشكِّل «التلصص» انعطافةً مثيرةً في مسيرة صنع الله إبراهيم التي بدأها عام 1966، فهو:
«الكاتب الثوري المنشغل طوال الوقت بالهمِّ السياسي وكشف فساد المجتمع والنظام الحاكم. تجلّى هذا المشروع (الملتزم) في كل أعماله الروائية السابقة: (تلك الرائحة)، (اللجنة)، (أمريكانلي)، (ذات)، (نجمة أغسطس) وغيرها. ثم تجيء هذه الرواية لتكوِّن ما يشبه (الانعطافة) الحادّة في المسيرة بطبيعتها الفنية المؤدلجة، كأنها (إشفاقة) إنسانية (يهدهد) بها الكاتب نفسه عبر استدعائه ذاكرة الطفولة التي غيّبها نصف قرن من الزمن». [3]
هذا الانتقال من العام للخاص يمزج في حقيقة الأمر بينهما. ويتجلَّى في انطباق مفهوم السيرة الذاتية الاجتماعية على رواية «التلصص».
إنَّ مجتمع الطبقات واجتياز الأفراد للحدود الطبقية سمتان مميزتان لنوع السيرة الذاتية الاجتماعية، وهو ما تعبِّر عنه رواية «التلصص». لكن هذا الاجتياز لا يتم دائمًا في اتجاه الصعود كما هي الحال في الرواية الغربية، حين انتقلت الطبقات الشعبية على السلم الاجتماعي لتدخل شريحة جديدة من الطبقة الوسطى بفعل دمقرطة التعليم.
في رواية «التلصص» نرى خلخلة طبقية، فيها الهبوط والصعود، حيث أدت الاضطرابات الاقتصادية التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية إلى إفقار شرائح من الطبقة الوسطى، وصعود فئة جديدة من أغنياء الحرب، عمَّقت أكثر وأكثر مجتمع الطبقات الأزلي في التاريخ المصري، وهواته السحيقة بين فئات شعبية وأخرى مسيطرة من الكهنة ورجال الحكم والموظفين. [4] وإن كانت مجانية التعليم التي نصَّت عليها المادة 19 من دستور 1923، ولم توضع موضع التنفيذ سوى في العام الدراسي 1943- 1944، قد ساهمت في تقليص الفوارق الطبقية، وهو ما استفاد منه جيل صنع الله إبراهيم الذي تدور أحداث روايته في 1948.
في «التلصص»، كما في بقية كتاباته المُتخيَّلة، تحتوي هذه الأعمال على العديد من عناصر السيرة الذاتية [5] ، تلك السيرة التي تردَّدت في أول أعماله : «حددت (تلك الرائحة) الموقف الذي يدفعني إليه مزاجي الخاص: الوحدة بين الرواية والواقع والمؤلف، وهي وحدة جعلتني أقف دائمًا على حافة السيرة الذاتية، لا يفصلني عنها غير حاجز التشكيل الفني [6] ».
سردية النسب
في رواية «التلصص»، يدور السرد حول شخصيتَي الأب والأم، حيث يعود الكاتب إلى تاريخ العائلة لتسليط الضوء على علاقات إشكالية، في رحلة داخل متاهات الذاكرة. تحكي الرواية على مدار فترة قد تصل إلى شهور من عام 1948، على لسان طفل، مشاهد من حياته اليومية، حيث يتشارك غرفةً قذرة وسريرًا واحدًا مع أبٍ مُسنّ. يقضي الطفل الوحيد وقته متلصصًا على مَن حوله من خلال النظر من فتحات الأبواب، وفتح الأدراج المغلقة، والتنصت على كلام الكبار.
في خلفية الرواية، تتجلَّى نهاية الحرب العالمية الثانية، وحرب 1948، وهزيمة القوات المصرية، وفساد الملك، والتفاوتات الطبقية الكبيرة. كذلك ينقل صنع الله إبراهيم تعددية المجتمع، بطوائفه الدينية المختلفة والمتناغمة في نسيج مختلط. على مدار الرواية يتحرَّك الراوي ما بين الحاضر والماضي.
حاضر يتقاسمه الأب العجوز مع الابن الصغير، تغلب عليه الكآبة، والعوز، والحرمان العاطفي، وماضٍ سعيد أشبه بجنةٍ مفقودة بصحبة الأم، يظهر في شكل ذكريات محكية بصيغة المضارع، تتخلل الفقرات دون أي فاصل يسمح للقارئ بإدراك النقلات الزمنية، اللهم إلا استخدام الخط الثقيل.
في هذا الماضي السعيد كانت الأم حاضرةً، ويتذكر الطفل الوحيد، بحنين مكتوم، حياةً ميسورةً وهانئةً، في كنف العائلة المكتملة.
أفتح عيني على سعتهما. يرد أبي في صوت هادئ: «أنا حبيتها»، مصباح الصالة يضيء سطح المائدة. مزدحمة على غير العادة. رائحة كبدة محمرة، زيتون، فستق، زجاجة صغيرة بها سائل في لون الماء. صوتها يأتي من غرفة النوم، تُردّد أغنية أسمهان: «إمتى حتعرف إمتى. إني بحبك إنت». ضحكات صوتها مرة أخرى بنبرة مختلفة: «يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي».. صوت أبي ببقية الأغنية: «غرامي هالكني» (53 ص) [7]
تغفل الرواية الأسباب التي أدت بالأب والطفل إلى الانحدار الطبقي الذي يعيشانه، وإن كنا نستنبط الأسباب - على عادة صنع الله إبراهيم وميله إلى توثيق التاريخ من خلال الأخبار - من خلال حوارات الأصدقاء، ونكاتهم، وأخبار الصحف، ونداءات الباعة، وإعلانات الشوارع، التي تنم عن العديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها المجتمع المصري في ذلك الحين.
أما أسباب غياب الأم فلا تتكشف إلا ببطء وغموض، تلك الأم التي تزوجها الأب بفارق طبقي وعمري هائل بينهما، عانى الطفل من تبعاته.
تحيل هذه العناصر إلى ملامح سردية النسب كما وصفها دومينيك فيار Dominique Viart: إذ «يستعيد شخصٌ حقيقي، من خلال البحث والفرضيات وجمع المعلومات أو الوثائق، حياة أحد الوالدين أو الجدود [...] الذي يتصارع مع القيود العائلية والاجتماعية والتاريخية [8] ».
تفترض سردية النسب حدوث انفصال وجداني أو فعلي أو الاثنين معًا (أزمة في العلاقة مع الأم أو الأب، غياب أحد الوالدين، قصة عائلية مخزية ومسكوت عنها، إلخ) يسعى مشروع الكتابة إلى التصالح معه. وفي «التلصص» يظهر الخزي مزدوجًا ويتجلَّى على صعيد علاقة الابن بالأب والأم على حد سواء، وهو ما سنتعرَّض له بالتفصيل في الجزء المقبل.
غالبًا ما يبدأ النصُّ في سردية النسب بانقطاع خيط ما (موت، اختفاء، رحيل...) يكون مُفجِّرًا لعملية الكتابة أو لسرد القصة. في «التلصص» تبدأ الرواية بالرحيل من منزل وحَيِّ الطفولة الذي عاش فيه الراوي مع أبيه وأمه، إلى الحيِّ الجديد الفقير والغرفة الغريبة.
يقول فيار إن الراوي في سردية النسب «يعود للوراء، جامعًا الذكريات والشهادات والأشياء التي ستسمح بفك رموز الماضي، ومنها الصور الفوتوغرافية والوثائق المختلفة وكذلك الأشياء التي تخصُّ الأسلاف الذين تُروى حياتهم [9] »، فتتضافر الذاكرة الذهنية مع الذاكرة المادية، وهو ما يقوم به الراوي، حيث يتحوَّل الكاتب للطفل الذي كانه، ويلملم ذكريات متناثرة تحتلُّ فيها الأشياء والتفاصيل المادية التي تحيل لزمن الأسلاف مساحةً كبيرةً.
أتفحص محتويات الرف: زجاجات دواء، أنبوبة زجاجية رفيعة بها ورقة حمراء، حبوب «كارتر» لعسر الهضم، «بلمونكس» للسعال، زجاجة « أسبرو»، قطرة «بروتكتين»، نصف ثمرة من جوزة الطيب يضع أبي نتفة منها تحت لسانه عندما يشرب القهوة، برطمان به مسحوق بيكربونات الصودا يذيبه في الماء ويستنشق منه، بقايا متسخة من عروسة المولد النبوي، حبتان من ثمرة القراصيا السوداء يستخدمها أبي ضد الإمساك، كتاب بغلاف ملون يحمل عنوان «رسول الملكة» الصفحة الداخلية بها إعلان عن كرسي الضابط وآخر عن براندي «أوتار»، كاسات الهواء مرصوصة في نظام فوق بعضها، دفتر حكومي كبير يحوي مذكرات أمي، علبة صغيرة بها بطاقات باسم أبي ليست هناك كلمة «بك» يقول إنها لا تُكتَب إلا إذا كانت البكوية من الدرجة الأولى أما بكويته هو فمن الدرجة الثانية، صورتان قديمتان في حجم الكارت. (ص 38)
إنَّ البحث الذي يقوم به صنع الله إبراهيم ليس خارجيَّا فقط يظهر في تفقد أشياء تحيل إلى زمن قديم (علب، أدوية، أنابيب، برطمانات...)، لكنه كذلك بحث في طبقات الذاكرة وأعماق النفس، بحث داخل الذات يفتح الباب لعملية الحكي العسيرة التي تتمخض عن أسرار شائنة، نكتشفها بشكل مجزأ، كتمها الطفل في نفسه. يقول محمد براده: «يمكن أن نقرأ (التلصّص) على أنها حفْر في الطفولة لاستخراج النواة الصّلبة التي جعلت من صنع الله ما صاره لاحقًا، في انتمائه اليساري وخياراته الفكرية والعاطفية والجنسية [10] ». تشكَّلت هذه النواة الصلبة حول علاقة ملتبسة مع الأم والأب.
ويقول صنع الله إبراهيم عن روايته في واحد من حواراته: «حملتُها في داخلي قرابة أربعين عامًا. أردتُ كتابتها مرارًا، حاولتُ، لكني لم أنجح. حاولتُ منذ عام ١٩٦١، ونجحتُ في كتابة قصتين قصيرتين عن تلك الفترة من حياتي، لكنني لم أنجح في كتابة رواية. لم أتمكَّن من إكمال هذا المشروع إلا عندما تجاوزتُ الخامسة والستين، تقريبًا في نفس عُمر والدي وقت الأحداث التي أرويها.»
تلك العودة المتأخرة لفترة الطفولة مكَّنت الكاتبَ من تأمل مرحلة مظلمة من مراحل حياته شكَّلت وعيه وفكره وعواطفه، عودة بعين الطفل وبوعيه المتداخل مع وعي الرجل الكبير: «أثناء فترة الشباب نضع غطاءً قويًّا على جراح الطفولة، لكن كلما تقدَّمت بنا السنُّ استيقظت الثغور وانزاح الغطاء لغاية سقوطه النهائي». [11] مما لا شك فيه أنَّ البوح في «التلصص»، هو محاولة لرأب صدع داخلي وتجاوز ألم صاحبَ الكاتبَ طويلًا، احتاج إلى مرور تلك الأعوام لكي يستطيعَ النظر إليه بالعين الموضوعية، واستخدام القلم البارد للتعبير عنه، وهي الأساليب التي تبنَّاها في أعماله السابقة، والتي سعي من خلالها إلى تجريد أسلوبه من التعبيرية، لكي تقتربَ من التوثيق الذي يبدو ظاهريًّا، تقريريًّا، خاليًا من المشاعر، وإن كان يموج بها، لكن تحت سطح الكتابة.
[1] أمينة رشيد، «الأدب المقارن والدراسات المعاصرة لنظرية الأدب»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2011، ص. 23
[2] المرجع السابق، ص. 24
[3] فاطمة ناعوت، تلصص على «تلصص صنع الله إبراهيم»، موقع «الجمل بما حمل»، 26-02-2007
[4] سيد البحراوي «الحداثة التابعة في الثقافة المصرية»، دار ميريت، القاهرة، 1999، 18
[5] حوار مع صنع الله إبراهيم، تامر وجيه ونهى مصطفى، مرايا، 2024- 04- 05
[6] صنع الله إبراهيم: تجربتي الروائية، باب مصر، 2025-08-13
[7] صنع الله إبراهيم، «التلصص» مؤسسة هنداوي، 2022
[8] Viart, D. (2019). Les récits de filiation. Naissance, raisons et évolutions d’une forme littéraire. Cahiers ERTA , (19), 9–40. https://doi.org/10.4467/23538953CE.19.018.11065
[9] المرجع السابق
|
[10] محمد براده، صنع الله ابراهيم يبحث عن الجرح السري للطفولة، «المؤتمر نت»، 2/2/2007 |
[11] طالب الرفاعي، حين تتحول السيرة الذاتية الى التلصص على مجتمع، الحياة - 15 فبراير (شباط) 2008