هوامش
سلمى خطابميجان ماركل.. البحث عن دور خارج الملكية
2021.04.01
ميجان ماركل.. البحث عن دور خارج الملكية
لقاء صادم ظهرت فيه الممثلة الأمريكية ميجان ماركل وزوجها البريطاني الأمير هاري مع المحاورة الشهيرة أوبرا ونفري، أثارت خلاله انتباه الملايين، وذلك بحديثها عن معاملة سيئة وتمييز ضدها وتعرض للعنصرية، خلال فترة وجودها بالقصر الملكي.
وما بين ردود الفعل العالمية المتباينة، والتي شملت الرئيس الأمريكي جو بايدن والقصر الملكي في بريطانيا وغيرهم الكثيرين حول العالم، ممن رأوا في ميجان ضحية وصبوا غضبهم على القصر الملكي، ومن رأوها امرأة متسلطة تتحكم في زوجها وتمثل الاضطهاد أمامه وأمام العالم (أفراد من عائلة ميجان نفسها تبنوا هذا الاتجاه)، حاولت أن أدقق أكثر فيما قالته ميجان خلال اللقاء الذي شاهده أكثر من ٥٠ مليون شخص حول العالم.
بدا الأمر وكأنه حلقة جديدة من مسلسل «متمردون على العائلة المالكة"؛ الذي بدأت الحلقة الأولى منه في عام ١٩٣٦ حين تنازل الملك إدوار الثامن رسميًّا عن العرش البريطاني من أجل زواجه من الأمريكية والاس سيمبسون، وهو الزواج الذي كان مخالفًا للتقاليد والأعراف الملكية التي تمنع الملك العازب من الزواج من امرأة مطلقة، فما كان من إدوارد إلا أن تنازل عن العرش، ورحل مع زوجته التي تيم بحبها هاربًا من تلك التقاليد الملكية.
ثم كانت الحلقة الأكثر إثارة على الإطلاق في عام ١٩٩٦ بطلاق الأميرة ديانا والأمير تشارلز، وخروجها من القصر الملكي، ووفاتها الغامضة في حادثة سيارة في باريس بعد عام من ذلك الخروج، وما تبعها من هجوم وتساؤولات وجهت للقصر بعد هذا الحادث. وأخيرًا وليس آخرًا، الحلقة الجديدة التي ظهرت فيها ميجان مع أوبرا ودموعها على وجنتيها، تشكو من التمييز والمعاملة السيئة والتهميش التي تعرضت له داخل قصر باكنجهام.
دموع ماركل لم تكن مفاجأة بقدر ما كان حديثها عن حجم التعاسة التي عاشتها داخل القصر الملكي مفاجئًا، وطريقتها في توظيف هذه التعاسة لتصنع لنفسها دورًا جديدًا خارج العائلة. تحدثت ميجان عن اضطرابها من الأضواء وملاحقة الصحافة الدائمة لها، والضغوط والتقاليد الملكية الصارمة التي فرضت عليها، لدرجة جعلتها والأمير يعقدان قرانهما بشكل سري قبل الحفل الملكي الذي شاهده العالم أجمع بثلاثة أيام، مرورا بحديثها عن معاملة سيئة وتمييز ضدها في المعاملة، وتخوفات عنصرية من بعض أفراد القصر، لم تذكرهم، من لون بشرة ابنها، ووصولاً إلى حالة الاكتئاب الحادة والأفكار الانتحارية التي راودتها.
لكن حالة الاكتئاب والعزلة التي تحدثت عنها ميجان تبدو مفهومة ومنطقية بالنظر إلى خلفيتها كممثلة شهيرة في مجتمع منفتح كالمجتمع الأمريكي، هي ممثلة معتادة على الأضواء والتفاف المعجبين والتواصل مع دوائر واسعة من الأشخاص بحكم عملها، وبالنظر أيضًا إلى خلفيتها كامرأة نسوية تدافع عن حقوق النساء، تتخذ المبادرات وتصطدم بالمجتمع.
للوهلة الأولى قد تبدو المشكلات التي تحدثت عنها مثل سحب جواز سفرها ومفاتيح سيارتها ومنعها من الحديث مع الإعلام، ومنعها من الخروج لمقابلة أصدقائها مشكلات تافهة، لكن بالنظر إلى خلفية الممثلة الأميركية وطموحها، بدا الأمر وكأنها وضعت داخل زنزانة حتى وإن كان السجن قصرًا ملكيًّا.
كان من المتوقع أن يتسبب التحول الحاد الذي حدث في حياتها وخضوعها لطريقة حياة معينة وتعليمات صارمة في إصابتها بحالة من التخبط والعزلة والاكتئاب، خاصة وأنها قالت خلال المقابلة إنها لم تكن تحظى بأي دعم نفسي، وأنها طلبت هذا الدعم في عدة مناسبات من القصر الملكي ولم تلق استجابة، وهو ما حدث سابقًا مع ديانا التي طلبت الدعم ولم تلق استجابة.
لكني أتصور أن المرأة التي ألقت خطابًا ملهما في الأمم المتحدة في عام ٢٠١٨ حول ضرورة تمكين النساء وسماع أصواتهن وإتاحة مكان لهن على الطاولة، كانت تعرف بشكل أو بآخر ما هي مقدمة عليه بزواجها من الأمير البريطاني، وارتباط اسمها بواحدة من العائلات الملكية الشهيرة بالعديد من التقاليد الصارمة خاصة فيما يتعلق بالنساء. فعلى سبيل المثال تمنع نساء العائلة المالكة من وضع الماكياج الصاخب، أو ارتداء الملابس القصيرة، ويفرض عليهن بشكل ما الالتزام بكود معين للزي، كما طلبت العائلة المالكة من ماركل قبل الزوج إغلاق كل حسابتها على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يمنع على أفراد العائلة المالكة أن يمتلكوا حسابات للتواصل الاجتماعي على الإنترنت خارج تلك الحسابات المسؤول عنها القصر.
ومن أجل زواجها من الأمير أيضًا انتقلت ميجان من بلدها وتخلت عن عملها وطموحها المهني في التمثيل، كان ذلك أكثر ما أثار انتباهي كنسوية وأنا أتابع كالملايين حول العالم تفاصيل زواجهما، وحفل زفافهما الأسطوري في عام ٢٠١٨، لكن كنت أراها تبحث عن طموح آخر داخل العائلة المالكة عبر أدوار الخدمة المجتمعية التي يقوم بها أفراد العائلة، أو ربما كانت تطمح إلى أن تحصل هي أو أولادها سريعًا على ألقاب وأدوار ملكية.
لكن عوضًا عن ذلك، وجدت نفسها في دور الزوجة التي لا تملك من الأمر شيئًا، حتى أبسط القرارات؛ كأن تخرج اليوم لتناول طعام الغداء مع أصدقائها. لقد ظنت ميجان ماركل أن زواجها من هاري سيبقيها تحت دائرة الضوء، ويتيح لها الاستمرا في أداء أدوار آخرى بدلاً من أدوارها الفنية، وربما اعتقدت أنها تضحياتها من أجل الأمير ستقدر داخل القصر، وستفرد لها مساحات آخرى داخل العائلة المالكة، تعامل فيها كأميرة، حتى وإن لم تحصل فعليًّا على اللقب.
لكن طموح الممثلة الأميركية اصطدم بالعديد من العقبات، وبدلاً من أن تمجد الصحافة «تضحياتها»، وجدت نفسها في مرمي هجوم الصحافة الصفراء طوال الوقت، وبدلاً من أن تحظى باهتمام العائلة المالكة، وجدت القصر يطالبها بالصمت، مع وعد بأن يتولى الدفاع عنها تجاه الهجوم الذي تتعرض له، وهو ما لم يحدث، إضافة إلى تجاهل طلبها بالحصول على دعم نفسي.
فما كان من ماركل أمام هذا التجاهل، والتصريحات المتتالية التي وجهت لها من داخل القصر بشكل غير مباشر أنها لن تحصل على الحماية، وأولادها من هاري لن يحصلوا على لقب أمير، إلا أن تخرج هي وأميرها من القصر، لتبحث لنفسها من جديد عن دور داخل دائرة الضوء التي تجيد التمثيل أمامها.
وخلال حوارها مع أوبرا، الذي جاء بعد نحو عام على انفصالها وزوجها عن القصر، وصمتهما التام، حاولت الممثلة الأمريكية أن ترسم لنفسها دورًا جديدًا خارج القصر الملكي، دورًا ذا بُعدين؛ واحد تصور فيه نفسها فيه كضحية للتمييز والتهميش داخل القصر الملكي تجتذب به التعاطف، والآخر تكون فيه البطلة التي ضحت بامتيازات ملكية -ربما لم تحصل عليها فعليًّا- من أجل حريتها وحرية عائلتها تجتذب به الإعجاب.
في قصة ميجان وهاري أيضًا يبدو أن العائلة البريطانية تعلمت الدرس من قصة الأميرة ديانا، وأن الصدام المباشر قد يسبب خسائر للجميع يصعب تعويضها مع الزمن، فعمدت إلى تجاهل ميجان وإسكاتها وتهميش دورها داخل القصر بدلاً من الصدام المباشر معها كما حدث مع ديانا.
منذ ظهور ميجان في الصورة، وهناك محاولات دائمة للربط بينها وبين الأميرة ديانا وفرض تشابه بين المرأتين رغم اختلافاتهما الواضحة، بداية من فرق السن، فالأميرة ديانا تزوجت من الأمير تشارلز في عمر العشرين، أما ميجان فتزوجت من الأمير هاري في عمر الـ٣٦، وكان الأمير تشارلز هو تجربة الزواج الأولى لديانا، أم ميجان فسبق لها الزواج قبل هاري، وبالتأكيد لعب فرق السن والخبرة والتجربة دورًا في تجربة كل منهما، فديانا رفضت خيانة زوجها وطلبت الطلاق وخرجت مع العائلة المالكة دون أن يكون لها حياة بديلة واضحة، أما ميجان فبدا أن حياة القصر لا تلائمها ولا تلائم نمط حياتها الموجود بالفعل.
كذلك اكتسبت ديانا مكانتها وشهرتها في المجتمع البريطاني من أعمالها الخيرية وأدوارها الاجتماعية التي لعبتها في قضايا إنسانية مهمة، أحبها البريطانيون والناس في كل أنحاء العالم، وشعروا أنها قريبة منهم، لذلك كان خروجها من القصر مدويًّا، ومؤثرًا بشكل أكبر في العائلة.
أما ميجان، فدخلت إلى العائلة وهي تحظى بالشهرة للفعل نتيجة لعملها كممثلة، وظهورها كنسوية مدافعة عن حقوق النساء، لم تقم بما قامت به ديانا، ربما لم تتح لها الفرصة، وكان الوقت الذي قضته في القصر قصيرا، لم تكمل عامين، وبالتأكيد لم يحدث خروجها الضجة والتأثير الذي أحدثه خروج ديانا.
شيء ما في محاولات تحويل ميجان إلى ديانا جديدة، يجعل منها شخصية مصطنعة يصعب تصديق الدور الذي تحاول خلقه لنفسها. لذلك بدت المخاوف التي عبر عنها هاري خلال اللقاء من أن «يعيد التاريخ نفسه» وتلقى زوجته مصير والدته مخاوف غير منطقية بعض الشيء، ورغم غضب الأمير الظاهر من عائلته، بدا أن هذا الخوف الدافع الأكبر وراء قراره بالانفصال عن العائلة والرحيل مع زوجته.
من زاوية اخرى، ثمة جانب مادي للقصة لا يمكن إغفاله، جانب بدا مباشرًا في حديث هاري الصريح عن توقف الأموال التي كان يحصل عليها من عائلته فور خروجه، وسحب الحراسة التي كانت ترافقه، مع أنهما أكدا على إرسال رسائل الود المباشرة إلى الملكة، ونفي تعرضهما لأي معاملة سيئة أو تمييز من جانبها، على العكس أكدا أن علاقتهما بها كانت طيبة وحميمية ولم تنقطع بخروجهما من القصر.
شخص ما، أو أشخاص داخل القصر كانوا وراء «التعاسة والمعاناة» التي عاشها الزوجين في القصر الملكي، صحيح أنهما لم يذكرا أسماء بعينها، لكنهما استبعدا أسماء أخرى، كالملكة ودوقة كمبردج كيت ميدلتون، وبدا الأمر وكأن الزوجين يوجهان رسائل أخرى غير مباشرة للقصر بأن هناك أمورًا يريدونها من القصر - ربما تكون تسويات مادية - وأن لدينا المزيد الذي قد نفصح عنه في حال لم نحصل على ما نريده.
خاصة وأنه فور خروج الزوجين من القصر، تناثرت الأنباء حول توقيعهما لعقود مع شركات مثل «نتفلكس» و"سبوتفاي»، وبدا اللقاء الذي دفعت قناة «سي بي أس» الأمريكية ٩ ملايين دولار لشركة أوبرا ونفري مقابل بثه، مجرد بداية أو إعلان تشويقي لما يمكن أن يكشفاه من تفاصيل حول العائلة إذا ما قررا ذلك.
في تصريح لها قبيل الزواج من الأمير، قالت ميجان إنها «لم ترغب أبدًا أن تكون سيدة من سيدات المجتمع الراقي، رغبت دائمًا أن تكون سيدة عاملة»، منذ البداية كان واضحًا جدًا أن ماركل غير مقتنعة نهائيًّا بحصر دورها في الحياة في وظيفتها كزوجة لأحد أفراد العائلة المالكة، وسيدة من سيدات المجتمع الراقي اللاتي يظهرن في المناسبات والحفلات الخيرية، يبتسمن ويساعدن في جمع التبرعات ولا يتحدثن إلا بحساب.
طغى جانب الممثلة التي عاشت في مجتمع متحرر، والنسوية المدافعة عن حقوق الإنسان من شخصية ميجان على جانب السيدة الراقية التي تتصرف دائمًا وفق إطار صارم من التقاليد، وباتت تبحث لنفسها عن أدوار جديدة خارج العائلة الملكية، وكان الدور الأول الذي اختارت أن تلعبه هو دور الضحية للتمييز والتهميش داخل القصر.
ترشيحاتنا
