عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

نتيجة الثانوية العامة سباق نحو الأمان.. لا شغف بالمعرفة

2026.08.08

نتيجة الثانوية العامة سباق نحو الأمان.. لا شغف بالمعرفة

 

حين تُعلَن نتيجة الثانوية العامة في مصر كل عام، لا يقتصر الأمر على إعلان أرقام ومجاميع تُحدِّد مصير طالب واحد، بل يتحوَّل المشهد إلى ما يشبه استفتاء وطني غير معلن على قيمة الإنسان بمقدار ما حصل عليه من درجات، وكأنَّ سنوات التعليم بأكملها لم تكن سوى ممرٍّ ضيق يُفضي إلى رقم نهائي يُقاس به نجاح الأسرة كلها لا الطالب وحده. هذه الظاهرة التي بات المجتمع المصري يعيشها بوصفها طقسًا سنويًّا ثابتًا، لم تعد تعبيرًا عن حرص جمعي على العلم بقدر ما أصبحت مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الناس بالمستقبل، وبمعنى الأمان في بلد يشعر فيه كثيرون بأنَّ الطبقة الاجتماعية التي وُلدوا فيها هي قَدَرُ يصعب الإفلات منه إلا عبر بوابة ضيقة اسمها «الدرجات».

في جوهر هذه الأزمة يقف الخوف من الفقر بوصفه المحرِّك الأكبر لسلوك الأسر المصرية تجاه أبنائها في هذه المرحلة، فالأهل الذين عاشوا أو رأوا مَن حولهم تقلبات اقتصادية متتالية، من موجات غلاء إلى تراجع في قيمة العملة إلى تضخم أرهق حتى الطبقة الوسطى التي كانت يومًا عمود المجتمع، يبحثون في نتيجة أبنائهم عن ضمانة وجودية لا عن تحصيل معرفي، فالكلية التي يدخلها الابن أو الابنة لم تعد اختيارًا أكاديميًّا بقدر ما هي بوليصة تأمين ضد مستقبل غامض، وهذا ما يفسِّر لماذا يظلُّ الحديث عن كليات القمة حاضرًا بإلحاح شديد كل موسم، فالطب والهندسة وما يماثلهما من تخصصات لم تعد تُختَار لأنَها تلبي شغفًا أو ميلًا فطريًّا، بل لأنَّها تحمل في مخيلة الجمهور وعدًا ضمنيًّا بحياة أكثر استقرارًا، حتى وإن كانت الوقائع على الأرض، من تكدس الخريجين وصعوبة سوق العمل، تُكذِّب هذا الوعد في أحيان كثيرة.

ولا يمكن فهم هذا الضغط المجتمعي بمعزل عن البنية الاقتصادية التي أنتجته، فحين تضيق سوق العمل وتتراجع فرص التوظيف، ويصبح الحصول على وظيفة مستقرة أشبه بمعجزة صغيرة، تتحوَّل الشهادة الجامعية في ذهن الأسرة إلى آخر خط دفاع متاح، وكل درجة إضافية في الثانوية العامة تصبح استثمارًا يُفترَض أنْ يُعوِّض غياب فرص أخرى للحراك الاجتماعي، لم يعد الطموح مرتبطًا بما يريده الطالب لنفسه، بل بما تحتاجه العائلة منه ليكون سندًا مستقبليًّا لها، وهنا تحديدًا تنكشف المفارقة المؤلمة، إذ يُطلب من مراهق في السابعة عشرة من عمره أنْ يحمل على كتفيه حلم عائلة بأكملها في الخروج من دائرة القلق المادي، بينما هو نفسه لم يُتح له بعد أنْ يكتشف مَن هو ككائن مستقل له رغباته الخاصة.

على الجانب الاجتماعي، تتضح هذه الأزمة في الطريقة التي يتحدَّث بها الناس عن أبناء الجيران وأقاربهم فور ظهور النتيجة، فالحوار لا يدور حول ما الذي يحب هذا الطالب أنْ يتعلمه أو أي مجال يثير فضوله، بل يدور بالكامل حول الرقم الذي حصل عليه ومقارنته بأرقام الآخرين، وكأنَّ المجتمع يمارس طقسًا جماعيًّا من التقييم العلني يتحوَّل فيه الطالب من إنسان إلى رقم قابل للمقارنة والتصنيف، وهذا النوع من الرقابة الاجتماعية اللاواعية يخلق ضغطًا نفسيًّا هائلًا لا يقل تأثيره عن الضغط الاقتصادي، فالخوف من خيبة أمل الأهل أمام الأقارب والجيران يتحوَّل أحيانًا إلى عبء أثقل من الخوف من الفشل الشخصي ذاته، ويصبح الطالب أسير صورة يجب أنْ يحافظ عليها لا أسير رغبة حقيقية في التعلم.

هذا الواقع أفرز منظومةً موازيةً كاملةً عرفها المصريون باسم «الدروس الخصوصية»، وهي منظومة تحوَّلت مع الوقت من وسيلة مساعدة إلى بديل شبه كامل عن المدرسة نفسها، فالمدرسة الحكومية التي كان يُفترَض أنْ تكون فضاءً للتكوين المعرفي والوجداني للطالب، تراجع دورها إلى مجرد مكان لتوثيق الحضور والحصول على شهادة، بينما انتقل الفعل التعليمي الحقيقي إلى غرف السناتر الخاصة، حيث يُدرَّب الطالب على تقنيات الإجابة النموذجية أكثر مما يُدرَّب على الفهم العميق، وهذا التَّحوُّل له كلفة مزدوجة، فهو من جهة يستنزف ميزانيات الأسر المصرية بشكل غير مسبوق حتى بات إنفاق بعض العائلات على الدروس الخصوصية يوازي أو يتجاوز نفقات أساسية أخرى، ومن جهة أخرى يُفرِّغ التعليم من غايته الأصلية ليتحوَّل إلى صناعة تجارية بحتة قائمة على العرض والطلب، حيث يصبح المدرس الخصوصي أشبه بتاجر يبيع سلعةً اسمها «الدرجة النهائية»، لا معلمًا يبني عقلًا قادرًا على التفكير المستقل.

وحين يتحوَّل التعليم إلى استثمار مالي بهذا الشكل، تصبح النتيجة مطالبة ضمنيًّا باسترداد رأس المال المُنفق، وهذا ما يفسر لماذا يُنظَر إلى اختيار كلية الآداب أو الفنون الجميلة أو حتى بعض العلوم النظرية باعتباره نوعًا من الفشل أو التهور، حتى وإن كان الطالب موهوبًا حقًّا في هذه المجالات، لأنَّ المعادلة السائدة تقيس نجاح التعليم بالعائد المادي المتوقع منه لا بمدى ملاءمته لقدرات الفرد وميوله، وهذه المعادلة القاسية هي التي تُنتج أجيالًا كاملة من الأطباء والمهندسين الذين يمارسون مهنهم بلا رغبة حقيقية، بينما تُدفن في داخلهم مواهب في الكتابة أو الموسيقى أو الفنون لم تجد يومًا فرصة لتزدهر؛ لأنَّ المجتمع لم يمنحها الشرعية الكافية لتكون مسارًا مقبولًا للحياة.

على المستوى الثقافي، تعكس هذه الظاهرة أزمةً أعمق في نظرة المجتمع المصري إلى معنى النجاح ذاته، فالثقافة السائدة لا تزال تربط بين قيمة الإنسان ومهنته، وبين المهنة ومكانتها الاجتماعية التقليدية الموروثة من عقود سابقة، حين كانت مهن بعينها ترمز إلى الرقي والاحترام بغض النظر عن التحولات التي طرأت على سوق العمل والاقتصاد العالمي، وهذا التصور الثقافي الجامد لم يواكب التغيرات الهائلة التي يشهدها العالم، حيث باتت مجالات جديدة كليًّا في التكنولوجيا والإبداع الرقمي والفنون التطبيقية تفتح آفاقًا واسعة للنجاح والاستقرار المادي، لكن المجتمع المصري ما زال في جزء كبير منه أسير تراتبية مهنية قديمة تُصنِّف الكليات إلى «قمة» و«قاع»، متجاهلًا أنَّ العالم تغيَّر وأنَّ معايير النجاح لم تعد حكرًا على مسارات بعينها.

أما على المستوى النفسي، فإنَّ الأثر الأخطر لهذه المنظومة يتمثَّل في تحويل التعلم من مصدر متعة واكتشاف إلى مصدر قلق وتوتر مزمنَين، فالطالب الذي يقضي سنوات دراسته الثانوية في سباق محموم لتحقيق أعلى مجموع ممكن، غالبًا ما يفقد في الطريق قدرته على الاستمتاع بالمعرفة لذاتها، ويتحوَّل العلم في وعيه إلى عبء يجب التخلص منه سريعًا لا كنز يستحق أنْ يُستكشف، وهذا ما يفسِّر جزئيًّا لماذا يعاني كثير من الطلاب من فتور واضح تجاه دراستهم بعد الالتحاق بالجامعة، فبمجرد الحصول على المجموع المطلوب، ينتهي الدافع الذي كان يحركهم طوال سنوات، لأنَّ هذا الدافع لم يكن يومًا حبًّا في المعرفة بل كان خوفًا من نتيجة سيئة وما يترتب عليها من إحباط اجتماعي وأسري.

ولا يمكن أيضًا إغفال البعد الجندري والجغرافي في هذه المعادلة، فالفتاة في كثير من الأسر المصرية، خاصة في المحافظات والريف، تجد في التَّفوُّق الدراسي فرصةً نادرةً لإثبات جدارتها وتأجيل قرارات الزواج المبكر أو فرض استقلاليتها المستقبلية، وهذا يجعل الضغط عليها مضاعفًا، إذ تحمل الدرجة العالية بالنسبة لها معنى مختلفًا عن معناها بالنسبة لزميلها الذكر، فهي ليست مجرد بوابة لمهنة بل أحيانًا بوابة للتحرر من قيود اجتماعية أوسع، وفي المقابل يعاني طلاب المناطق الأقل حظًا من فجوة حقيقية في جودة التعليم مقارنة بأقرانهم في المدن الكبرى وفي المدارس الخاصة والدولية، وهي فجوة لا تُقاس فقط بعدد المدرسين أو حالة الفصول، بل بمدى توفر الدروس الخصوصية عالية الجودة نفسها، بحيث تتحوَّل المنافسة على المجموع من منافسة عادلة بين قدرات متكافئة إلى منافسة غير متكافئة بين موارد مالية متفاوتة، ويصبح المجموع في كثير من الأحيان انعكاسًا لثراء الأسرة أكثر مما هو انعكاس لذكاء الطالب أو اجتهاده وحده.

ويضاف إلى كل ذلك دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي تحوَّلت في السنوات الأخيرة إلى مضخم إضافي لهذا الضغط، فمع كل موسم نتائج تمتلئ الشاشات والصفحات بقصص الأوائل وصورهم وهم يحتفلون بمجاميعهم الكاملة تقريبًا، في مشهد احتفائي يخلق معيارًا وهميًّا يقارن به كل طالب نفسه، متجاهلًا أنَّ هؤلاء الأوائل يمثلون استثناء إحصائيًّا نادرًا لا قاعدة يمكن قياس الجميع عليها، وهذا البث المكثف لثقافة التَّميُّز الرقمي القاطع يزيد من شعور الغالبية العظمى من الطلاب، الذين يحصلون على مجاميع جيدة لكنها ليست استثنائية، بأنَّهم قد أخفقوا بطريقة ما، رغم أنَّ أداءهم قد يكون جيدًا بكل المقاييس الموضوعية، وهكذا تتحوَّل لحظة إعلان النتيجة التي يُفترَض أنَّ تكون مناسَبةً للاحتفاء بجهد سنوات، إلى مصدر خفي للمقارنة المؤلمة والشعور بالنقص لدى شريحة واسعة من الطلاب وأسرهم.

سياسيًّا، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن غياب سياسات تعليمية واقتصادية قادرة على تفكيك المعادلة التي تربط الأمان المادي بمجموع واحد يُحسم في أسابيع قليلة من عمر الطالب، فطالما ظلَّ نظام القبول الجامعي في مصر معتمدًا بشكل شبه كلي على مجموع الثانوية العامة كمعيار وحيد للتوزيع على الكليات، وطالما ظلَّ التفاوت في جودة التعليم بين المدارس الحكومية والخاصة والدولية بهذا الاتساع، وطالما ظلت سوق العمل عاجزةً عن استيعاب الخريجين بما يتناسب مع تخصصاتهم الحقيقية، فإنَّ الأسر ستظلُّ مضطرةً إلى التعامل مع هذه اللحظة السنوية باعتبارها معركةً وجوديةً لا محطة تعليمية عابرة، وأي إصلاح جزئي في المناهج أو طرق الامتحان دون معالجة هذه المنظومة المتكاملة سيظل إصلاحًا شكليًّا لا يمس جوهر المشكلة.

وفي قلب هذا كله تقف مفارقة تستحق التوقف عندها طويلًا، وهي أنَّ النظام الذي يفترض أنْ يكون أداةً لاكتشاف مواهب الأمة وصقلها، تحوَّل إلى آلة تنميط تُنتج نسخًا متشابهة من الطموحات، فبدلًا من أنْ يخرج كل طالب من هذه المرحلة وقد اكتشف ما يُحبه وما يجيده حقًّا، يخرج غالبًا وقد تعلَّم كيف يُخفي رغباته الحقيقية خلف قرار عائلي يبدو عقلانيًّا من الخارج لكنه في جوهره استسلام مبكر لفكرة أنَّ الحياة سباق واحد له خط بداية وخط نهاية واحد، وهذا التنميط له كلفة بعيدة المدى على مستوى الأمة ككل، لا الفرد وحده، لأنَّ أي مجتمع يحتاج في نهاية المطاف إلى تنوع في المواهب والمسارات كي يبني اقتصادًا متكاملًا وثقافةً حيةً، لا إلى جيوش من الخريجين الذين يحملون شهادات في تخصصات لم يختاروها بأنفسهم أصلًا.

في النهاية، يبدو أنَّ الخروج من هذا النفق يتطلب أكثر من مجرد تعديل تقني في نظام الامتحانات أو توزيع الدرجات، فهو يستدعي إعادة نظر جماعية في العلاقة بين التعليم والقيمة الإنسانية، وفي مفهوم النجاح ذاته باعتباره مسارًا متعددًا، وفي دور الدولة في توفير شبكة أمان اقتصادي واجتماعي تُخفِّف من هذا الاعتماد المفرط على شهادة واحدة كطوق نجاة وحيد، فدون هذه المراجعة الشاملة، ستظلُّ أجيال متعاقبة من الطلاب المصريِّين تدخل قاعات الامتحان وهي تحمل فوق كتفيها أحلام آبائهم وأمهاتهم بدلًا من أحلامهم الخاصة، وسيظل السؤال الحقيقي الذي يستحق أنْ يُطرَح كل عام، ليس كم كان المجموع هذه المرة، بل كم عدد الطلاب الذين سُمِح لهم فعلًا بأنْ يكتشفوا من هم قبل أنْ يُقرِّر غيرهم مَن هم.