هوامش
شريف حسين"زيارة الفرقة الموسيقية".. والرؤية من الجانب الآخر .. "رأفت الهجان" وصياغة المخيال الشعبي
2026.08.15
"زيارة الفرقة الموسيقية".. والرؤية من الجانب الآخر
"رأفت الهجان" وصياغة المخيال الشعبي
مثّل مسلسل «رأفت الهجان» في جزئه الثاني حالةً شديدة الخصوصية في تاريخ الدراما المصرية؛ فربما كان هو المسلسل الأكثر مشاهدةً في التاريخ. وما زال حتى يومنا هذا يُعاد عرضه في الكثير من القنوات الرسمية وغير الرسمية، ولا يزال يلقى تلك الحالة من الاهتمام الشديد بالمتابعة.
تم عرض المسلسل في السابع والعشرين من شهر مارس من سنة 1990، وقت أنْ كانت قنوات التلفزيون المصري فقط هي المتاحة للمشاهدة، وكان تَجمُّع الأسر المصرية على مشاهدة تلك المسلسلات المسائية من أهم الطقوس اليومية للمجتمع المصري.
قدَّم هذا المسلسل سياقًا دراميًّا غير مسبوق في الدراما المصرية بأنْ تدور جميع أحداثه داخل المجتمع الإسرائيلي. هذا المجتمع الذي لا يعلم عنه أحد شيئًا؛ فجميع دول الكوكب الأخرى كانت متاحةً للشعب المصري الذي سافر أبناؤه إليها إما للهجرة أو السياحة أو بحثًا عن الرزق. أما إسرائيل خلال تلك الفترة، فكانت تمثِّل مجتمعًا شديد الغموض لا يعلم عنه أحد شيئًا. لذا، كان على الراحلين، المؤلف صالح مرسي والمخرج يحيى العلمي، إعمال الخيال في وضع تصوراتهما عن هذا المجتمع الغامض. وبالفعل، أعمل كلا الراحلين الخيال في وضع تصور مُرضٍ للشَّعب المصري، فجاءت النتيجة نجاحًا باهرًا وحفاوةً جماهيريةً غير طبيعية؛ لأنَّ الراحلَين عملا على إرضاء المخيال الشعبي أكثر بكثير من البحث الجاد عن الواقع الفعلي.
رحلة البحث عن الرؤية المعاكسة
منذ ذلك التوقيت، طالما تساءلت عن مدى مصداقية ما نراه، خاصة مع انتشار مثل تلك النوعية من الأعمال السينمائية أو الدرامية التي سبق بعضها هذا العمل وتلاه الكثير منها (سواء كانت أعمالًا مبنية على وقائع حقيقية أو من خيال المؤلف). وكان مسلسل «العميل 1001» (إنتاج سنة 2005) هو أقرب الأعمال في قالبه وأحداثه لمسلسل «رأفت الهجان»، حيث دار جزء كبير من أحداثه داخل إسرائيل أيضًا.
ظلَّ تساؤلي بلا إجابة طوال تلك السنوات، حتى حلّت سنة 2016 عندما وقعت عيناي على ملخص لعمل سينمائي «من الجانب الآخر» يحمل فكرةً غير تقليدية وشديدة الغرابة. بحثت عنه عبر شبكة الإنترنت حتى وجدته، ليكون العمل السينمائي الأول الذي أشاهده من ذلك الجانب. وبالفعل، حمل العمل فكرةً شديدة الغرابة لا تخطر لأحد على بال، ليكون فاتحةً لمشاهدة عشرات الأعمال الأخرى من الجانب الآخر. وبدأتُ لأول مرة في فهم طبيعة هذا المجتمع الذي كانت كل معرفتي به سابقًا مقتصرةً على أعمال مصرية أعمل فيها صانعوها الخيال عشرات الأضعاف إعمال الحقيقة.
رغم أنَّ هذا العمل لم يُعطني التَّصوُّر الفعلي عن هذا المجتمع (على العكس من باقي الأعمال التي شاهدتها لاحقًا) لكونه حمل فكرةً شديدة الخيالية - وهو ما أكده صانعه في عشرات اللقاءات - فإنَّه أعطاني صورةً عن «كيف يرانا الجانب الآخر»؛ تمامًا كما وضع مرسي والعلمي تصوراتهما عن المجتمع اليهودي.
مثلت هذه الحالة السابقة الأولى والوحيدة لهذا الطرح، فلم أشاهدها في أي من الأعمال السينمائية الأخرى التي تابعتها فيما بعد. بالطبع، شاهدت عشرات الأعمال التي ناقشت وضع المجتمع الفلسطيني، وكان بعضها شديد التعاطف معه ويدين الكثير من المجازر الإسرائيلية، لعل أهمها فيلم «ركبة عهد» (Ahd’s knee) إنتاج سنة 2021، وبعض أعمال صانع فيلم «زيارة الفرقة الموسيقية» الأخرى.
«زيارة الفرقة الموسيقية»: نجاح عالمي.. وحرمان من «الأوسكار»
نعود للعمل موضوع هذا المقال، والذي تمَّ إنتاجه سنة 2007 (وهو توقيت له دلالته التي سأناقشها لاحقًا). حمل العمل، الذي دارت حواراته بثلاث لغات (العبرية، والعربية، والإنجليزية)، عنوانَين: عنوانًا إسرائيليًّا تمت ترجمته للإنجليزية وهو «زيارة الفرقة الموسيقية» (The band’s visit)، وعنوانًا باللغة العربية وهو «الحفل الأخير». لكن العنوان الأول كان الأقرب لفكرة العمل وأحداثه.
حصد العمل أكثر من 46 جائزة عالمية ومحلية، لعل أهمها كانت جائزة «نظرة ما» (Un Certain Regard) من «مهرجان كان السينمائي» في دورته الستين سنة 2007، والذي حقَّق خلاله العمل نجاحًا مدويًا وشهرةً سبقته لجميع مهرجانات العالم الأخرى التي شارك بها. إلا أنَّه حُرِم من المشاركة في مسابقة «الأوسكار» كأفضل عمل غير أمريكي، لأنَّ الغالبية العظمى من حواراته جاءت باللغة الإنجليزية، وهو ما يخالف شروط التَّرشُّح.
كانت البطولة الرئيسية لكل من الممثلة الراحلة رونيت الكابيتز (أهم ممثلة في تاريخ السينما الإسرائيلية وذات الأصول المغربية)، وساسون جاباي (أهم ممثل إسرائيلي ذو أصول عراقية يجيد العربية تمامًا وأدى لاحقًا دور السادات في فيلم نتفليكس «الملاك» عام 2018 مما لاقى استهجانًا كبيرًا). أما الثنائي الآخر فكانا الممثل الفلسطيني الشهير صالح بكري، والممثل الفلسطيني خليفة ناطور (من أبناء عرب 48).
ومن الغريب أنَّ هذا العمل الإسرائيلي، والذي كان باكورة أعمال السيناريست والمخرج عيران كوليرين، تحوَّل إلى مسرحية موسيقية عُرضت على خشبة أحد مسارح «برودواي» بالولايات المتحدة خلال سنة 2017. ورغم أنَّ الفكرة بعيدة كل البُعد عن المشاهد الأمريكي، فإنَّ النجاح العالمي المدوي للعمل كان سببًا في تلك الخطوة غير المسبوقة.
متاهة الوصول: فرقة مصرية في مدينة الأشباح
يبدأ الفيلم بعبارة تظهر على شاشة سوداء باللغتين العبرية والعربية نصها: «منذ زمن ليس ببعيد، زارت إسرائيل فرقة موسيقية صغيرة لشرطة مصرية، لا يتذكر ذلك الكثيرون، فذلك لم يكن مهمًّا». تظهر بعدها «فرقة الإسكندرية للموسيقى الكلاسيكية» التابعة لوزارة الداخلية المصرية أمام مطار «بن جوريون» بمدينة اللد. الفرقة مكونة من ثمانية أفراد برئاسة «العقيد توفيق» ويليه في التراتبية «سيمون» (وقد كان الخطأ في تراتبية الرتب العسكرية أحد أهم أخطاء العمل).
كانت الفرقة تنتظر سيارة لتقلها لمدينة «بيتا تيكفا» (Petah Tikva) لإحياء حفل افتتاح المركز الثقافي العربي هناك. ولأنَّ السيارة لم تأتِ، قرر العقيد توفيق - الذي لا يحاور سوى سيمون ولا يتقبل آراء الآخرين - الاعتماد على الذات، رافضًا طلب سيمون بالتواصل مع القنصلية المصرية. فشل توفيق في التواصل الهاتفي لعدم فهم لغة الآخر رغم تحدثه بالإنجليزية، فدفع بأصغر أفراد الفرقة (خالد) للسؤال في استعلامات المحطة.
وصلت الفرقة إلى وجهتها، ليكتشفوا أنَّهم وصلوا فعليًّا إلى مدينة أخرى قريبة الاسم جدًّا هي «بيت هاتيكفا» (Beit Hatikva)، نتيجة لنطق خالد الخاطئ. وجدوا أنفسهم في مدينة شديدة الهدوء على أطراف الصحراء وشبه خالية تمامًا من الحياة. وبعد التأكد من خطأ الوصول عبر «دينا» صاحبة المطعم الوحيد بالمنطقة التي تجيد الإنجليزية، توعَّد توفيق الشاب خالد بالرفد بعد العودة لمصر.
التواصل الإنساني في ليلة استثنائية
أمام حالة الجوع، تناول الجميع وجبة غداء بسيطة، ليقع توفيق في معضلة أخرى؛ إذ غادرت آخر حافلة للمدينة المطلوبة، وبات لزامًا عليهم المبيت في هذه المدينة الخالية من الفنادق قبل حفلهم في اليوم التالي.
هنا ننتقل للمرحلة الثانية عندما عرضت «دينا» استضافة الفرقة عبر تقسيمهم لثلاث مجموعات. رضخ توفيق للأمر الواقع، فأقامت مجموعة في المطعم (وجلسوا في الشارع يتمرنون لعدم ارتياحهم النفسي)، وتوجَّه توفيق وخالد للإقامة لدى دينا، بينما توجَّهت مجموعة ثالثة (تضم سيمون والعميد كمال) مع «إيتزك» للإقامة في منزل أسرة زوجته.
مثَّلت المجموعة الأخيرة الأحداث الأهم. كان الوضع في منزل أسرة زوجة إيتزك شديد التوتر، خاصة أنَّ اليوم تزامن مع عيد ميلاد الزوجة. بذكاء، استخدم المخرج اللغات الثلاث على مائدة العشاء؛ فكل طرف استخدم لغته الأم لإظهار التذمر، بينما استُخدمت الإنجليزية للحوار المشترك. كسر الأب الجليد بالموسيقى التي وحَّدت الجانبين في هدوء مؤقت، بينما نجح العميد كمال في محادثة القنصلية المصرية التي وعدته بإرسال سيارة في الصباح. على الجانب الآخر، خرج توفيق مع دينا بطلب منها، فرغم إعجابها به، لم تنجح في إذابة الجليد تمامًا لتحفُّظه الرسمي، بينما قضى الشاب المتمرد خالد ليلته على طريقته.
قراءة سياسية ونقد الشخصيات
لفهم العمل، لا بد من تحليل خلفيته التاريخية التي مثلت المرحلة الأكثر تعاونًا بين مصر وإسرائيل إثر توقيع اتفاقية الكويز (QIZ) في ديسمبر 2004. ورغم ذلك، رُفض عرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي 2007 (عُرض بشكل خاص في فندق)، كما منعت هيئة قصور الثقافة عرضًا له في قصر ثقافة بني سويف عام 2016 وعاقبت المسؤول عنه.
المفارقة أنَّ مخرج العمل عيران كوليرين مناصر تمامًا للقضية الفلسطينية ورافض للممارسات القمعية الإسرائيلية، وهو ما تجلَّى في فيلمه «فليكن صباحًا» (إنتاج 2021) الناطق بالعربية والذي يدعو لثورة شعبية فلسطينية.
في «زيارة الفرقة الموسيقية»، رسم المخرج الشخصيات المصرية بمثالية وإيجابية (مثل العميد كمال الرافض للتطبيع، وسيمون المتسامح والواقعي)، بينما مثَّل العقيد توفيق القيادة المستبدة، وخالد الجيل الجديد الناقم. في المقابل، جاءت جميع الشخصيات الإسرائيلية - وهو نهج تكرَّر في أعمال كوليرين - شديدة السلبية والفشل والإحباط. فشلت الشخصيات الذكورية تمامًا، بينما ظهرت «دينا» كمترددة تحكمها نزواتها، والجارة الفضولية كمثال لمجتمع وصفته دينا بأنَّه يعيش في «العصر الحجري».
عكست صورة المجتمع الإسرائيلي هنا بحث المخرج الدائم عن السلبيات وانتقاد الجانب المظلم.
والشيء بالشيء يُذكَر، مدينة «بيتا تيكفا» موجودة فعلًا، بينما «بيت هاتيكفا» مدينة وهمية ابتكرها المخرج للحبكة.
كما أظهر العمل التأثير الحقيقي للفن المصري، حيث أكدت دينا أنَّ شوارع إسرائيل كانت تخلو قديمًا لمتابعة «الفيلم العربي». ورغم غرابة ظهور فرقة شرطية تغني لأم كلثوم وفريد، فإنَّ المخرج رمى لتأكيد دور الفن في التقارب بين الشعوب.
أخيرًا، يحمل العمل العشرات من الأسئلة حول الهدف من إنتاجه. وتبقى التساؤلات قائمةً بعد مشاهدة هذا العمل وغيره: هل كانت تصورات صالح مرسي ويحيى العلمي عن المجتمع الإسرائيلي ستظل كما هي لو تمَّ إنتاج مسلسل «رأفت الهجان» في عصرنا الحالي، الذي لا يحتاج فيه الوصول لأي معلومة لأكثر من لمسة لشاشة الهاتف المحمول؟!