مراجعات
حمدي عابدين«الحياة هروبًا تحت سُقوف الحانات»… ثلاثية بوهوميل هرابال بين القمع الأمني والشخصيات المأزومة
2026.01.03
«الحياة هروبًا تحت سُقوف الحانات»… ثلاثية بوهوميل هرابال بين القمع الأمني والشخصيات المأزومة
منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي كتب الأديب التشيكي بوهوميل هرابال "مارس 1914- فبراير 1997" ثلاثية روائية قام خلال أجزائها "حفلات زفاف في المنزل" و"حياة جديدة" و"ثغرات" بتسجيل بعض من سيرته الذاتية، ورصد تفاصيل من حياته وآلامه نهاية الأربعينيات، وحتى أواخر الستينيات، وقد خَصَّبها بما فيها من عثرات وعشوائية وتردٍّ وخوف وعدم شعور بالأمان، بكثير من الرموز، وجعلها إشارات إلى أوضاع تتجاوز الخاص، وتسخر من الواقع الذي تشكَّل بعد دخول الجيش السوفييتي براغ، وجعل مستقبل أبناء المجتمع التشيكوسلوفاكي غائمًا وغير واضح.
الثلاثية صدرت نسختها العربية حديثًا عن دار "تنمية"، وقدمها المترجم الدكتور خالد البلتاجي، وقد سبقتها ترجمات كثيرة من اللغة التشيكية، منها ما كان لهرابال نفسه مثل روايتي "خدمت ملك إنجلترا"، و"دروس في تعلم الرقص". وكان سبقهما بمجموعة قصصية عنوانها "إعلان عن منزل لا أحب العيش فيه" لكنها لم تصدر بعد.
في الجزء الأول من الثلاثية "حفلات زفاف في المنزل" تبنى هرابال تقنية سردية تجريبية من دون علامات ترقيم. وجاءت الفصول أو المقاطع، عبارة عن دفقات قصيرة لم يعطِها عناوين ولا أرقامًا، وهو تكنيك التزم به في الجزء الثاني "حياة جديدة"، فلم يلجأ هرابال، صاحب المكانة الرفيعة في المشهد الإبداعي في بلاده، إلى علامات الترقيم، واقتصر منها فقط على علامتي التعجب والاستفهام في بعض السياقات، وكان يضع أحيانًا ثلاث نقاط بين بعض الجمل ليكبح تيار الحكي، الذي جعله الكاتب في عصمة زوجته "إيليشكا" فيما يمكن تسميته "الراوي البديل".
السخرية كسلاح لمواجهة السلطة
فعل الكاتب ذلك ربما ليعطي نفسه، وهو يحكي بلسان زوجته، مساحة كبيرة من الحرية في فضح الواقع والتضييق على الحريات وشيوع المصادرات والقمع الذي كان سائدًا زمن الحقبة الاشتراكية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل سلط هرابال سوط سخريته اللاذعة على كل شيء، وقد شاعت روحها في نصوص الثلاثية، حتى أنه كان يسخر من نفسه؛ من طريقته في الكتابة، وتفاهة إبداعاته، وهو يتحدث -مثلًا- أمام رجال الشرطة. وفي مقام آخر وهو ويتحدث عن قيمة ما يكتب مقارنة بميخائيل أرتزيباشيف، وألويس يراسيك. تقول زوجته التي يتخفى الكاتب وراءها، في حديث جانبي مع والدته، لا تنقصه السخرية والرغبة في التقليل من أهمية ما حصد من شهرة بعد صدور روايته الأولى: "كيف يكون أديبًا وهو يفشل في ملء أي استمارة، يكتبها بشكل خاطئ؛ مكان الاسم يكتب اللقب، ومكان اللقب يكتب الاسم، ولا يفرق بين الجنسية والقومية".
لجوء هرابال إلى هذا التكنيك، ربما فرضه منطق التداعي الذي سيطر على الحكي في الثلاثية منذ بدايتها، وقد استهل مقاطعه السردية بكلمات ذات حروف كبيرة ليسمح للقارئ بالتقاط أنفاسه، ويشعره بأن هناك انعطافة جديدة في مسار الأحداث التي تتابعها "إيليشكا"، وتتبع محركيها، وترصد الأماكن التي يتحركون فيها، وما كان يطرأ عليها وعليهم من تغيرات، لتكشف عن سَوْءات واقع مرير قضَّ مضاجع الجميع.
في الجزء الثالث "ثغرات" يعاود هرابال الحديث عن الشاعر فلاديمير بودنيك، وكاريل ماريسكو، وإيجون بوندي، ويظهر والداه مرة أخرى في فضاء الحكي، وعمه بيبين، وأصدقاؤه من الفنانين والشعراء والكتاب، مثل الألماني هاينرش بول صاحب نوبل، وأرنوشت لوستيج اللذين عاشا معه ربيع براغ، أغسطس 1968، أما عن إستراتيجية الكتابة فيعود هرابال إلى استخدام علامات الترقيم، مع احتفاظه بالطريقة نفسها في سرد الأحداث في الأجزاء الثلاثة، مستخدمًا المقاطع القصيرة، فلا فصول ولا عناوين، فقط دفقات رصد وتصوير وبوح أنثوي يفيض بالسخرية، والشكوى، والضجر، والشعور بالغبن والهزيمة والضعف وافتقاد الأمان وعدم القدرة على تحقيق أبسط ما يتمناه الإنسان، حتى "إيليشكا" نفسها كانت تتمنى أن يكون لديها أطفال تحملهم بين أحضانها بدلًا من روايات زوجها "هرابال" وكتبه، وتنشغل بهم بعيدًا عن "الصياح والشجار معه".
تفكر "إيليشكا" في الأمر بحسرة وغضب، وأحيانًا تنصبغ مشاعرها بالتشفي، والشماتة، حين يقع هرابال في أزمة، أو حين تضبطه في لحظات هلعه وخوفه من السلطات الأمنية. يأتي ذلك علامة على تحول جذري يتضاد مع التزاماتها التي قطعتها على نفسها قبيل نهاية الجزء الأول "حفلات زفاف في المنزل" عندما راحت ترجوه أن لا يتركها ويهرب، وتعده بعد أن يتم إجراءات الزواج بها أن لا تغير شيئًا من نمط حياته السابقة، تقول: "ليس عليك أن تشرح لي أي شيء إن أردت، وسألتزم الصمت، ويمكنك أن تحكي لي، وتفصح عما بداخلك، وسوف أقدر ما ستقوله، يمكنك أن تكتب في وجودي، وسألتزم الصمت والسكينة، وكأنني لست معك، ربما أبدأ في تعليق الصور بينما أنت تكتب، لكن رجاء لا تهرب مني، لا يهمني غير الحياة معك، سأموت لو لم تأتِ إلى حفل زفافنا".
كل هذه الوعود تنساها "إيليشكا"، وتعود لتندب حظها أنها تزوجت رجلًا يكبرها بسنوات؛ "يخاف أنه إن جاءه أطفال منها! فسوف يكونون بلهاء بكل تأكيد".
المكان كمرآة تنعكس عليها صورة النظام القمعي
تبدأ الثلاثية بظهور "إيليشكا" في الجزء الأول "حفلات زفاف في المنزل". نراها وهي تتجه صوب بناية قديمة بمدينة "ليبان"، تصف أجواءها. يتضح منذ البداية أنها جاءت تبحث عن محل إقامة، تحصل بمقتضاه على وظيفة، حسب شروط المصلحة لتعيينها. هناك يتشكل أحد محركات السرد الأكثر تأثيرًا في الأحداث بعد مصادرة أموال والدها إمبراطور تجارة الأخشاب، وفشل علاقتها مع خطيبها عازف الجيتار الذي تركها، وهرب ليتزوج فتاة أخرى.
إلى هذه المحركات الثلاثة تستند محاور القص في الثلاثية، وحركة شخصياتها، ومصائرهم منذ دخول "إيليشكا" المنزل، ووصفها حالته البائسة، وتعمقها في أوضاع سكانه المتردية، ثم مشاركتهم في الحفلات التي يقيمونها باعتبارها وسيلة من وسائل تحدي الواقع الصعب، والتحايل على ما يلاقونه من ظروف معقدة لمواصلة الحياة.
جاء المكان في الثلاثية بوصفه صورة تنعكس عليها الأوضاع المختلفة. جعله هرابال معبرًا عنها، فبدت البناية التي تدور بين جنباتها معظم الأحداث، بعفونتها، وضيق وحداتها السكنية، وبرودة حوائطها، كأنها مرآة تنعكس عليها صورة النظام القمعي وممارسات السلطة الجائرة التي تمعن في قهر ضحاياها؛ الدكتور الذي كانت عائلته تمتلك مصنعًا للخمور، وتم تأميمه، و"بيرانوفا"، المرأة ذات العنق السمين، وصفتها إيليشكا بـ"السيدة النظيفة"، ظلت لعشرين عامًا تعمل نادلة في أحد بارات هامبورج. الآن تغسل الأطباق في مطعم "ظلاتا هوسا". أمَّا "إيليشكا" فقد كانت قبل ظهورها في منزل "ليبان" مخطوبة لموسيقي شاب يدعى "يركا"، جذبها بمواهبه في العزف على الجيتار، ووجدت فيه تعويضًا لما أصابها من خسائر جراء مصادرة ثروة عائلتها. وقد دفعها الفشل الذي أصاب علاقتهما به للانخراط في عالم منزل "ليبان"، ورصد الصراعات بين سكانه الناجمة عن طبيعته التي لا توفر قدرًا مناسبًا من الاستقلال والخصوصية، ثم تتطور علاقتها بأحد السكان، وهو "الدكتور"، تصل في نهايتها إلى الزواج منه.
ومع تتابع تدفقات الحكي، يسعى هرابال لرسم صورة تفصيلية للشخصيات، ينسج ملامحهم، بعين "إيليشكا". يصحبهم من حال إلى آخر، ويتأمل تطور نظراتهم للحياة، وقدرتهم على تجاوز آلام ما مروا به، وصعوبة الواقع الذي يقاسونه، وذلك في مشاهد عديدة تنتهي في آخر المطاف بإيليشكا، وهي تدعو ضيوف حفل زفافها لمشاهدة المكان الذي ستعيش فيه بصحبة "الدكتور"، حبيبها الذي وقع عقد زواجها فورًا. تقودهم إلى غرفة نومها الصغيرة، والحمام المشترك بينها وبين جيرانها، وتشير سعيدة إلى المدفأة بمدخنتها الواسعة التي كانت حتى وقت قريب ملحقة بورشة حدادة. نسيت العروس روائح المنزل وعفونته، وحوائطه "الكريهة" المبللة الباردة، وفناءه الذي كان حين تهب الرياح يصبح مثل قلب دوامة تدور بالرمال والتراب وأوراق الشجر، وحين تهدأ يدرك سكان البيت أن شرفاتهم تطل على صندوق قمامة!
مغادرة منزل
تتطور الأحداث، وتتقلب، وتتصاعد في شقة ليبان، أو "جسر الخلود"، حسب وصف هرابال إياها. ويشهد المنزل تحوله إلى كاتب معروف. تنجح أولى رواياته، وينطلق ويضع أقدامه على طريق الشهرة، والمال، ثم يأتي الصدام مع السلطات، والرقابة والحظر، وهذا هو المحرك الثاني للسرد. من خلاله يستدعي هرابال كثيرًا من المواقف والأحداث المخيفة والقاهرة التي تواجهه، هو وزملاءه، ويفسر ما ترسخ لديه من مشاعر خوف، وسعي دائم للبعد عن أي أزمات يمكن أن تؤدي إلى اعتقاله.
تظل إيليشكا "الراوية" ترصف تفاصيل حكاياتها في لوحة فسيفسائية، ترصعها بلحظات إنسانية متناقضة ومتضادة؛ يمتزج فيها الرعب من التواجد الأمني، بالشجاعة في مواجهتهم، الفرح بالحزن، الخطر مع الشعور بالأمان، الصحة والمرض، وهكذا تتوالى تفاصيل حياة الشخصيات، وتتطور، حتى نجد "إيليشكا" في ختام أحداث "ثغرات"، في منزل ليبان، تصف شعورها، بعدما قامت وهرابال بالتخلي عن شقتهما التي تزوجا فيها. تداهمها ذكريات السنين التي عاشتها هناك. وتتذكر الأحداث التي مرت؛ أصوات الضجيج القادمة من المصنع المجاور، التي دائمًا ما كانت تحرمهما النوم، الساعات التي كانت تقضيها في باحة المنزل للتمتع بالشمس، الجدران المبللة التي كانت تلوث أكمام قمصان زوجها وهو عائد من الحانة في ساعات الليل المتأخرة، حركته وهو يتنقل بالآلة الكاتبة من ركن إلى آخر بحثًا عن لحظة إبداع يسعى إلى اقتناصها، والمواقف الساخرة التي نتجت من استخدام أي من سكان المنزل المرحاض المشترك، الذي يفتقد أبسط اعتبارات الخصوصية.
عند تلك اللحظة تتوقف سيرة هرابال، فلا شيء بعد ذلك المشهد، كأنه يقول إنه بانتهاء علاقته بشقته في مدينة ليبان، لم يعد هناك من شيء ذي معنى يمكن أن يتذكره أو يتحدث عنه، حيث يشكل ارتباطه هو و"إيليشكا"، بالمنزل، لبنة أساسية في معمار السرد، وتكنيكاته لدى الكاتب، وقد بنى عليه محاور الحكي في الأجزاء الثلاثة؛ ما روته المرأة ورأته ومرَّ بها. ثم اندفاعها نحو إتمام زواجها بحثًا عن الاستقرار، وشجارها الدائم معه بعد ذلك، بينما تتسارع الأحداث التي مرت بها تشيكوسلوفاكيا، وتتفاقم تأثيراتها في المجتمع وحياة ناسه فيما يجلبه ذلك من تردٍّ للأوضاع على مستويات عديدة.
كل ذلك ربما كان مبررًا أساسيًّا للشكل الذي اعتمده هرابال في الكتابة، فقد بدا السرد معتمدًا منطق التداعي، فقرات قصيرة متلاحقة، وجمل متواصلة بلا فواصل، وقد اكتفى مع بداية كل دفقة سردية بكتابة عدة كلمات بحروف كبيرة بارزة للإشارة إلى أن هناك حلقة جديدة تبدو كمنمنمة يتم رصفها دفقة جوار دفقة لتصنع في النهاية "جدارية" الحكاية.
هُويَّات معروفة وأحداث مأساوية
يستدعي هرابال شخصياته في الثلاثية بهوياتها المعروفة، إلَّا هو، تشير إليه "راوية الأحداث" بصفة "الدكتور". تخفي هويته على مدى أحداث الجزء الأول، لكنه في الجزء الثاني والثالث يظهر بكينونته الحقيقية دون قناع، كأحد الشخصيات الرئيسية الفاعلة في السرد. ينبني عليه الحكي باعتباره الطرف الثاني الذي يكشف بحركته ما يدور في المجتمع بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا، ثم سيطرة سلطة موالية للاتحاد السوفييتي على مقاليد الحكم في براغ.
تتصاعد الحكايات في الجزء الثالث، وتكشف عن أحداث مأساوية وحزينة يتعرض لها هرابال، يمكن النظر إليها تحت عنوان الموت وفقد الأحبة، والحصار والقمع، بدءًا من ظهور الدبابات الروسية في شوارع تشيكوسلوفاكيا، ثم أحداث ربيع براغ 1968، وظهور قائمة من الكُتَّاب المحظورين، الممنوعين من النشر، وتوجيه المدافع صوب اتحاد الكُتَّاب، ثم وضع أعضائه تحت المراقبة، فلا "مقالة" يمكن أن تُنشر دون تدقيق، ولا مُؤلَّف يصدر دون موافقة السلطات، وإن حدث فيكون المصير، إتلاف النسخ جميعها، والتحقيق مع الكاتب، وربما يصل الأمر إلى اعتقاله، وقد ترتب على ذلك توقف كثيرين عن الكتابة، بمن فيهم هرابال، الذي فقد بعضًا من رواياته بين أسنان ماكينات سحق النفايات.
لم تتوقف المآسي لدى هرابال عند هذا الحد، بل راحت تضربه أحزان أخرى بفقدان أحبائه؛ "بيبتشاك"؛ صديقه الصغير الذي ساعده في طلاء شقته حين كانت زوجته في زيارة لأخيها في فيينا، وعمه "بيبين"؛ الجندي الذي خدم في الجيش النمساوي، وصاحب الحكايات الكثيرة عن معاركه وانتصاراته، وصديقه الرسام "فلاديمير بودنيك"؛ الذي زين بلوحاته كتابه "البراعم".
يودعهم هرابال في جنازات تشف خلالها المشاعر والأحاسيس التي يصورها بعيون زوجته. تأتي الصور مشحونة بالشعور بالحسرة والحزن. تصف "إيليشكا" مشهد وداع "بيبتشاك"، بينما المعزون يتقدمون من خلف ستارة سوداء للاستماع إلى الموسيقى، وأغنية "يا فتاة المعسكر ضحكتك رائعة"، التي كان يحبها "بيبتشاك"، وهو يجلس القرفصاء في شوارع "ليبان"، وحانة "السيد فانيتشا"، وبين جنبات "جسر الخلود" حين كان يزور "هرابال" وينصت إلى حكاياته ويستمتع بها. هكذا عاش الصغير بيبتشاك، وحين مات لم يكتشف أحد من جيرانه أنه ودع الحياة إلا بعد أسبوع من رحيله.
وجه آخر للحزن الذي ضرب روح "هرابال" ترصده "إيليشكا" بعد مشاركتهما حفل زفاف لأحد أقاربه. هناك في الطريق إلى مدينة الموتى، وبعد انتهاء الحفل، راحت تراقب حركة العمة "هلادوفكوفا"، وهي تتقدم إلى مقبرة ابنها حاملة صحنًا من الطعام لتضعه هناك. لا تصدق أنه مات. ذهب على دراجة نارية بصحبة خطيبته للاتفاق على مباراة، واصطدم بعربة ترام. من وقتها وهي تذهب إليه كل يوم بالطعام، تنظف سطح المقبرة، وتفترشها بالزهور، وتجلس منتظرة قبالتها، وحين لا يأتي، تعود بطعامها باكية إلى البيت.
ربيع براغ وحظر نشر
ويسيطر عنوان الخوف والرعب والحصار من السلطة على معظم أحداث الثلاثية، فقد وضعت هرابال ضمن قائمة من المبدعين المحظورين عقب ربيع براغ عام 1968، ومنعته من النشر. هنا تكشف "إيليشكا" عن كثير من صفات زوجها؛ وكيف كان يتعامل مع الواقع الذي يحيط به، وجنوحه إلى السخرية حتى من نفسه، وجبنه، وإيثاره الدائم للسلامة، ومعاناته وحساسيته، وشعوره الذي يلازمه بأن السلطات قادرة على البطش به في أي لحظة، وإمكانية تعرضه للاعتقال لأهون الأسباب حتى أنه تحفظ على دعوة الاحتجاج، حين نصحه بذلك صديقه الكاتب الألماني صاحب جائزة نوبل "هاينرش بول". تسلح بالانزواء والانعزال لمواجهة تلك الصعوبات والعراقيل الكثيرة. ولم يتوقف عن الإبداع بل ظل يكتب، ويضع أعماله في الأدراج. لم يحتج على حظره، ولم يبُح بمعاناته حتى لأقرب أصدقائه، بمن فيهم "هاينرش"، فحين التقاه خلسة في إحدى حانات براغ، كان يدرك أن الأجواء ما زالت معبأة بغازات الرقابة والمصادرة والمنع، الذي طال روايته "براعم الزهور".
أمَّا تَمَتُّعُ هرابال بحس ساخر، وسخريته حتى من نفسه، فيظهر في كثير من المواقف التي توزعت بين أحداث الثلاثية، منها ما قاله مدير مؤسسة النفايات، لإيليشكا وهو يتجاذب معها أطراف الحديث في "الجزء الأول من الثلاثية"، حين اصطحبها خطيبها "الدكتور" إلى هناك قبل الزفاف. راح المدير يحكي لها عن ماضيه، وكيف أنهم صادروا بيته، وجعلوه مسؤولًا عنه، وقيمًا عليه. وفي الوقت الذي يمنعونه من العيش فيه، يكلفونه بجمع إيراداته، وإرسالها إلى السلطات، ثم حين يقررون تجديده يحملونه تكلفة الترميمات.
ومنها رد هرابال، حين طلب منه الكاتب الألماني "هاينرش بول" الاحتجاج مع زملائه على منعهم من الكتابة وتوقف المجلات، قال له من يريد الاحتجاج فليحتج، أما أنا فلا، وإن كان لي أن أعترض فسوف أفعل، ولكن في الحمَّام!
رغم ذلك رفعت السلطة الاشتراكية سقف تجاوزاتها ضده حتى أن رجالها لم يتركوا له فرصة أن يحتفل بيوم ميلاده، اقتحموا المكان. وصادروا اليافطة التي علقها أصدقاؤه تقديرًا له في مدخل الحانة.
مثل هذه الممارسات الغاشمة من طرف السلطات جعلت رأس هرابال بيئة حاضنة لهواجس الاعتقال والتوقيف والمنع والمصادرة. كان يشعر أن المدافع التي صوبها رجال الأمن عام 1968، على الطابق الأول لاتحاد الكتاب، وتوارت عن الأنظار فيما بعد، لا تزال مستعدة لتتوجه من جديد في الاتجاه الذي يراد لها، من هنا كان سعيه إلى العزلة، وطلب الأمان. توقف عن الكتابة، واشترى كوخًا في غابة "كيرسكو" بعيدًا عن مصادر الأذى، هناك تصاحب والقطط، التي كان يعشقها منذ صغره، وقد جمع هو وزوجته كثيرًا منها تحت سقف الكوخ. وابتعد عن السياسة، وكان إذا التقى بالفلاحين في حانة لا يتحدث أبدًا عن معاناته، ويلتزم الصمت كلما سأله أحدهم عن الأدب، ورغم ذلك لم تتوقف السلطة عن مراقبته حتى في قلب الغابة. هناك خصصوا له رجل أمن يتابعه بنظارة تليسكوبية؛ كان يذهب خلفه في رحلات مراقبة، وحين يعود لا ينسى أن يزود "إيليشكا" بتقرير عن الأماكن التي تردد عليها زوجها في الغابة، وكانت هي تخبره، فيزداد جنوحًا إلى العزلة.
سحق ومصادرة
قبل لقائه "هاينرش بول" في إحدى حانات براغ، كانت الرقابة أرسلت اثنتين من رواياته إلى ماكينات السحق، وزادوا بمنع روايته "براعم الزهور"، إلا أنهم هذه المرة لم يستطيعوا منع وصولها إلى القراء. فقد تعرض القطار الذي كان يحملها للسرقة، ونهب عمال السكة الحديد كل حمولته منها، ثم راحوا يعرضونها على زبائن الحانات، النسخة مقابل عشرين كرونة.
ورغم كل هذا، هناك من يتعاطف من رجال الأمن مع هرابال. ترسم "إيليشكا" مشهدًا دالًّا على ذلك حين كانت وزوجها في طريقهما إلى بلدة "مورافيا"، كان خبر مصادرة روايته "براعم الزهور" ما زال ساخنًا، أثناء ذلك استوقفتهما دورية أمنية. حين تعرف الضابط على هرابال، انحنى في اتجاهه: "سيد هرابال، هل جئت من أجل "براعم الزهور"، أنا أيضًا حصلت على نسخة منها"، قالها بضحكة مجلجلة. سرقوا عربة كاملة من القطار في محطة "هولاشوف"، وصارت الرواية متوفرة في كل مكان في مدينة "برنو".
محاولات تقبل الواقع
رغم كل تلك الأزمات التي واجهها هرابال، فإنه كان يسعى إلى تقبل الواقع بكل سوءاته، وقد عمل في كثير من الأحيان على تجميله، خذ مثلًا وصفه لمنزل ليبان البائس، بـ"جسر الخلود"، الذي لم يكن سوى مجموعة من ورش الحدادة، تحولت في غفلة من الزمن، إلى شقق يعيش فيها بعض من ضحايا النظام الاشتراكي، كانت تسمية "جسر الخلود" محاولة منه لمنح المنزل صفة افتراضية، لا تنطبق عليه أصلًا، كان هدفه أن يغطي بهذا الاسم على واقعه المتردي، وأن يتعايش معه متسلحًا بنوع من السلام النفسي، ومتصالحًا مع وضع لا يمكنه تغييره. فقد كان عليه أن يكمل يعيش حياته في الغرفة الصغيرة التي كانت في الأصل ورشة حدادة ملحق بها مدخنة، هناك لم يكن لأحد حمام خاص، وقد كان عليه هو وباقي السكان أن يقضوا حاجاتهم دون أدنى شعور بخصوصية.
وتتنوع الأماكن التي تدور فيها الأحداث الروائية بين استراحة كيرسكو التي اشتراها هرابال في قلب الغابات، بحثًا عن الهدوء، وبين منزل "ليبان" بضجيجه، وأوضاعه المتردية، ومصانع وشركات النفايات وبشاعة ما يحدث بين جوانبها من أعمال تتنافي وفكرة الحرية حيث يتم سحق وتدمير الكتب والمجلات، وحانات تحتفي بإنسانية روادها، فيها يمارسون حريتهم التي يفتقدونها في الخارج. وهذه الأخيرة كانت واحدة من ملاذات هرابال. قضى فيها وتحت سقوفها معظم وقته، مفضلًا البعد عن كل ما ينغص حياته. جعلها مكانه المفضل الذي يلتقي فيها ضيوفه، بما في ذلك أكبر الشخصيات التي كانت تزور جمهورية التشيك، وكان من بين هؤلاء الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، عام 1994، وقد حرص هرابال على الاحتفاء بالأنهار، والمدن، والشوارع، ودور السينما ومحطات القطار، ورصد التحولات التي أحدثتها السلطات الاشتراكية فيها. لكن منزل "ليبان" ظل أبرز الأماكن حضورًا في الأحداث الروائية، وقد جعله الكاتب معادلًا موضوعيًّا لما يدور في المجتمع، حيث لا طمأنينة ولا أمان ولا خصوصية.
وهناك ملامح أساسية يمكن ملاحظتها عند النظر في الشخصيات الروائية، وتركيباتها، وفاعليتها في محيطها، ومدى تطورها وهي تنمو في زمن الثلاثية الطويل إلى حدٍّ ما. ففي الجزء الأخير "ثغرات" تظهر شخصيات كان الحديث عنها في الجزءين السابقين بضمير الغائب، وكانت الإشارات إليها سريعة وعابرة، لكنها في الأخير، تعود لتتحرك في فضاء السرد بعد أن تشكلت صورتها، وصارت قادرة على النظر في الأشياء من حولها. وقد أعادها هرابال ليكشف وقائع حضورها القاسي، والمرير في الواقع. جعلها تحكي عن شعورها بالغبن والاغتراب في المجتمع. وهي سمات يمكن ملاحظتها عند متابعة تفاصيل حياة الشخصيات، وهي تتحرك في فضاء الرواية، فها هو "كاريل كارلي" شقيق "إيليشكا"، الذي قالت إنه أصيب في الحرب في ستالينجراد يظهر فجأة بعد أن انقطعت أخباره، يتحدث عن نظرة المجتمع في فيينا له، لم يكن معترفًا به، نمساويًّا، وظلوا ينظرون إليه بوصفه مواطنًا ألمانيًّا، ما جعله يركز فقط في العمل، ويلزم بيته، دونما قدرة على الاندماج في محيطه.
ويضع الكاتب شخصيات ثلاثيته في مواجهة بعضها بعضًا، وهو ما يبرز كثيرًا من التناقضات التي تمنح السرد كثيرًا من الحيوية، فشجاعة كاريل مارسيكو "صاحب المطبعة" الذي ظل على مدى أربعين عامًا يطبع أعمالًا محظورة، دون أن يحسب خطورة ما يقوم به في مواجهة سلطات غاشمة، يقابلها على الجانب الآخر، خوف مرضي يصل إلى حد الرعب من رجال الأمن يعاني منه كاتبه هرابال. ولا يمكن النظر إلى مخاوف هرابال الأمنية بمعزل عن طبيعته وخشيته من أي شيء يهدد وجوده، ففي السياق نفسه يمكن ملاحظة إحباطه وهلعه من الموت حين تقرر إجراء عملية جراحية له بعد إصابة كبده بالصفراء، ليأتي على الجانب الآخر في متوالية السرد نموذج نقيض تمامًا له تعبر عنه شخصيات مثل لوثر وبافليك اللذين يكشفان بمحبتهما للحياة وقوتهما في مواجهة الإعاقة التي تعرضا لها، أثناء أحد السباقات الرياضية، هشاشة شخصية هرابال في التعامل مع الحياة واختباراتها.
ومع تداعي الذكريات والتدفقات السردية على لسان "إيليشكا"، يجد القارئ نفسه أمام فسيفساء درامية، يمكن من خلالها تتبع معاناة شخصيات الرواية من قهر السلطة؛ فرضت حظرًا على الكتاب، وحرمتهم حتى من إصدار بطاقات هوية، وصادرت أعمال المخالفين لها، بمن فيهم هارابال نفسه الذي كان يعاني أيضًا من اضطهاد رؤسائه في العمل. سخروا منه منذ البداية في مؤسسة النفايات بعد أن حصل على تفرغ بنصف دوام رغمًا عنهم تحت صفة أديب. كان وقتها يسعى إلى إثبات وجوده، ويكتب أول أعماله الروائية، وحين تحقق له ذلك وجد نفسه محاصرًا من السلطات الأمنية والرقابية، وهنا اضطر مثل كثير من شخصيات الثلاثية، إلى الانزواء والهروب من الواقع، والعيش وقضاء معظم ساعات يومه تحت سقوف البارات.