هوامش
نجلاء عبد الجواد«القيم اليهودية المسيحية» حقيقة أيديولوجية يراد بها وهم لاهوتي
2026.05.09
«القيم اليهودية المسيحية»
حقيقة أيديولوجية يراد بها وهم لاهوتي
في خضم الخطاب السياسي الغربي المعاصر، لا يكاد يمرُّ خطاب لزعيم يميني أمريكي أو أوروبي إلا ويستحضر عبارة باتت كالطلسم السحري: «قيمنا اليهودية المسيحية»، تُرددها أفواه المسيحيين الصهاينة في واشنطن وبرلين ولندن، وتُزيَّن بها وثائق التحالفات السياسية، وتُبرَّر من خلالها قراراتٌ ذات تبعات دموية على أرض فلسطين، غير أنَّ أحدًا لا يتوقف ليسأل: هل هذا التحالف اللاهوتي المزعوم حقيقي؟ وهل تنظر اليهودية إلى المسيحية نظرة الشريك في المنظومة القيمية، أم أنَّ ثمة هوةً لاهوتيةً سحيقةً تفصل بين الديانتين لم يتجرأ أحد على الاعتراف بها علنًا؟ وهل ثمة صلة وثيقة بين هذا الشعار وصفقات الأسلحة التي تغذِّي حروب المنطقة وتُدر الأرباح على صناع السلاح؟
لفهم المصطلح في عمقه، لا بدَّ من استيعاب السياق الذي نشأ فيه، فـ«القيم اليهودية المسيحية» لم تكن في الأصل تعبيرًا لاهوتيًّا نابعًا من اتفاق روحي حقيقي، بل هي اختراع أيديولوجي نشأ في السياق الغربي لمواجهة الشيوعية إبان الحرب الباردة، ثم أُعيد توظيفه لاحقًا لتسويغ الدعم المطلق لإسرائيل.
والمسيحية الصهيونية، وهي تيار بروتستانتي في معظمه، ترى أنَّ دعم الدولة الصهيونية وتهجير الفلسطينيين وبناء الهيكل الثالث شرط لاهوتي ضروري لعودة المسيح الثانية، فيما يُعرف بـ«لاهوت ما قبل الألفية» أو «التيبولوجيا التنبؤية». وبهذا المنطق، فإنَّ اليهودي في عقيدة المسيحي الصهيوني ليس شريكًا في القيم، بل هو أداة في مسرحية لاهوتية يكون دوره فيها الاندثار أو التحوُّل في نهاية المطاف.
وهو ما يدركه المفكرون اليهود الجادون جيدًا؛ فقد كتب المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش بصراحة يُحسَد عليها، أنَّ التحالف مع المسيحيين الصهاينة تحالفٌ مع مَن يريد استخدام اليهودي حطبًا للخلاص المسيحي. وهذا يعني أنَّ مصطلح «القيم المشتركة» ينطوي على خداع متبادل: المسيحي الصهيوني يوظِّف اليهودي لأغراضه الأخروية، والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تقبل هذا التحالف لأغراضها السياسية، في حين تبقى الهوة اللاهوتية بين الديانتين على حالها منذ ألفي عام.
وقد أشارت ميمي كيرك، المديرة السابقة لوحدة الأبحاث في معهد الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون، إلى أنَّ القادة الإسرائيليين احتضنوا المال والنفوذ الذي يوفِّره المسيحيون الصهاينة على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، مستفيدين من إحكام قبضتهم على لوبيات نافذة تعمل على نشر الرواية الإسرائيلية في المجتمع الأمريكي، واصفة العلاقة بأنَّها انتهازية صريحة، لا سيما أنَّ المنظومة العقائدية الصهيونية المسيحية، التي ترى في غير المسيحيين كفارًا مصيرهم الجحيم، هي في جوهرها معادية للسامية حتى العظم، لكن دعمها لإسرائيل يجعل كل ذلك مقبولًا.
هنا يأتي السؤال الأكثر حساسية والأقل تداولًا في نقاشات الحوار الديني بين اليهودية والمسيحية: كيف تنظر اليهودية فعلًا إلى شخصية يسوع الناصري؟
الإجابة المختصرة هي أنَّ اليهودية الرسمية لا تقبل يسوع مسيحًا ولا نبيًّا ولا معلمًا مقدسًا. وهذا الرفض ليس عرضيًّا أو ثانويًّا، بل هو في صميم الهوية اللاهوتية اليهودية منذ القرن الأول الميلادي، فالمسيحية قامت على إعلان أنَّ الناصري هو المسيح المنتظر، وهو الإعلان الذي رفضته طائفة الفريسيون والحاخامات رفضًا مطلقًا واعتبروه ردة وضلالًا.
أما ما هو أشد وطأة، فهو ما يحمله التراث الحاخامي الكلاسيكي أو ما يُعرف بـ«اليهودية الربانية / التلموية»، من موقف أكثر حدة، فالتلمود البابلي، في مقاطع ظلت موضع جدل أكاديمي واسع، يتضمَّن إشارات تُقرأ على أنَّها حديث عن يسوع بوصفه ساحرًا مضللًا جرى إعدامه باستحقاق؛ بسبب تجديفه وإفساده للشعب، وقد درس هذه النصوص مفصلًا المؤرخ اليهودي بيتر شيفر في كتابه «يسوع في التلمود»، مؤكدًا أنَّ هذه الإشارات ليست عارضة بل تعكس موقفًا جدليًّا مضادًا ومقصودًا، تَشكَّل في سياق المنافسة الدينية الحادة مع المسيحية الصاعدة.
ويذهب شيفر إلى أنَّ التلمود يقدِّم روايةً مضادةً واعيةً تنفي ألوهية يسوع، وتتجادل ضمنيًّا مع الادعاءات المسيحية، وأنَّ هذا الموقف لم يكن ردة فعل عاطفية بل كان بناءً لاهوتيًّا متعمدًا.
وفي العصور الوسطى، اشتدت هذه الحساسية حين أُجبر الحاخامات على حضور مناظرات علنية للدفاع عن موقف اليهودية من يسوع، فكانوا يصوغون إجاباتهم بحذر بالغ؛ خشية العنف الذي كان يتهدَّد المجتمعات اليهودية.
وفي العصر الحديث، وتحديدًا في أعقاب المحرقة، شهدنا محاولات لإعادة تأطير العلاقة اللاهوتية بين الديانتين.
وجاء إعلان «نوسترا آيتاتي» «في عصرنا» الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965 ليُبرئ اليهود من تهمة قتل المسيح جماعيًّا، وهو ما مثَّل منعطفًا كاثوليكيًّا بالغ الأهمية، غير أنَّ هذا التحوُّل جاء من الجانب المسيحي، ولم يقابله تحوُّل مماثل من الجانب اليهودي في النظرة إلى يسوع ذاته، وظهرت تيارات يهودية ليبرالية تحاول إعادة الاعتبار لـ«يسوع اليهودي»، أي النظر إليه باعتباره معلمًا يهوديًّا من القرن الأول لا غير، مجردًا من ادعاءات الألوهية، وهذا الموقف تبنَّاه مفكرون مثل المؤرخ الإسرائيلي جوزيف كلاوسنر، الذي ألَّف كتابًا بعنوان «يسوع الناصري» يتناول حياة المسيح كمعلم ومفكر، ولكن هذا يبقى خارج دائرة الإجماع الحاخامي الرسمي، وهو في كل الأحوال لا يرقى بأي حال إلى الاعتراف بيسوع مخلِّصًا بأي معنى من المعاني.
وإن كان الخداع اللاهوتي الذي رصدناه يبدو نظريًّا في ظاهره، فإنَّ تداعياته على أرض الصراع العربي - الإسرائيلي بالغة الوضوح ودموية التجلي؛ فالمسيحية الصهيونية لا تكتفي بتمويل الكنائس ونشر الكتيبات، بل وصلت إلى قلب صنع القرار في واشنطن بشكل غير مسبوق.
ففي عام 2016، تذكر مايك هاكابي، القسيس الإنجيلي الذي بات سفيرًا أمريكيًّا لإسرائيل، محادثة جمعته بدونالد ترامب حول الثوابت المطلقة للتيار الإنجيلي، وكانت إحداها الدعم المطلق لإسرائيل.
وفي انتخابات 2024، جاء ثلث أصوات ترامب من المسيحيين الإنجيليين، وهو رقم يُفسِّر وحده كثيرًا من قرارات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
وفي مقابلة مثيرة للجدل، صرَّح هاكابي بأنَّ لإسرائيل حقًّا إلهيًّا في أراضٍ تمتد من نهر الفرات إلى النيل، بما يشمل لبنان وسوريا والأردن ومصر وأجزاء من المملكة العربية السعودية، قائلًا بصراحة: «لا بأس لو أخذت إسرائيل كل ذلك»، قبل أنْ يتراجع لاحقًا واصفًا تصريحه بـ«المبالغة.»
وعلى الصعيد اللاهوتي المحض، يرى المسيحيون الصهاينة أنَّ أي مساعي سلام أو حلول تفاوضية ليست إلا إرباكًا للصراع الجلي بين الخير والشر، بل قد تسلب إسرائيل أراضي يرونها حقًّا إلهيًّا لا يقبل التفاوض.
وهذه القناعة تُعرقل عمليًّا كل مبادرة سلام تنبع من واشنطن، إذ يجد أصحابها في صناعة القرار الأمريكي مَن يعيقها من الداخل.
وفي مارس 2026، وصف جون هاجي، مؤسِّس منظمة «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» -أكبر منظمة مسيحية صهيونية داعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة - التوترات العسكرية الإقليمية بأنَّها جزء من خطة إلهية، مؤطِّرًا إياها في نبوءات نهاية الأزمنة.
وحين يرى أصحاب النفوذ الديني أنَّ الحرب تحقيق للنبوءة وليست جريمة إنسانية، يغدو كل دم مسفوك مُقدسًا في منظومتهم العقائدية.
لكن اللاهوت وحده لا يُفسِّر استمرارية هذا الدعم اللامحدود، فثمة ما هو أكثر أرضية من الإيمان: المصلحة الاقتصادية الهائلة.
إنَّ الثروة العامة الأمريكية يُعاد، ضخها عبر المعونات لإسرائيل، إلى خزائن صناع الأسلحة الأمريكيين والسياسيين، في دائرة مغلقة تجعل من شعار «القيم المشتركة» غطاءً أيديولوجيًّا لمصالح مالية ضخمة. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، أقرَّ الكونغرس الأمريكي تشريعات تتضمَّن ما لا يقل عن 16.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية المباشرة لإسرائيل.
وفي مايو 2025، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنَّ الولايات المتحدة سلَّمت منذ أكتوبر 2023 تسعين ألف طن من الأسلحة والمعدات على متن 800 طائرة شحن و140 سفينة، في تدفق للسلاح لم تشهد المنطقة له مثيلًا.
وفي مطلع ولاية ترامب الثانية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في فبراير 2025، - مستندة إلى حالة طوارئ - إعفاء الصفقات من المراجعة البرلمانية، بواقع ثلاث صفقات أسلحة محتملة لإسرائيل، بنحو 2.04 مليار دولار لعشرات الآلاف من القنابل زنة ألفي رطل.. و675 مليون دولار لقنابل أخرى وأطقم توجيه دقيق، فضلًا عن 295 مليون دولار لجرافات كاتربيلار D9 مدرعة كانت إدارة بايدن قد أوقفت بيعها؛ بسبب استخدامها في هدم البيوت الفلسطينية.
وقد كشفت دراسة صادرة عن مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون أنَّ المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة لإسرائيل بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024 بلغت 17.9 مليار دولار، وهو ما يُمثِّل أكبر تمويل عسكري يُمنَح لإسرائيل في سنة واحدة على الإطلاق، ويغطي نحو ثلاثة أرباع نفقات الحرب الإسرائيلية في غزة خلال تلك الفترة.
والأهم أنَّ إسرائيل ملزمة باستخدام هذه المساعدات لشراء الأسلحة حصرًا من المقاولين العسكريين الأمريكيين، مما يعني أنَّ كل دولار من المعونة يعود في نهاية المطاف إلى شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«بوينغ» وغيرهما من شركات السلاح.
وما بين عامي 2020 و2024، حصلت 5 شركات أمريكية كبرى وحدها على 771 مليار دولار من عقود البنتاغون، مقارنة بـ356 مليار دولار فقط خُصِّصت لمجمل برامج الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية الأمريكية في العالم، وهو ما يعني أنَّ الولايات المتحدة أنفقت على خمسة من مصنعي الأسلحة ضعفي ما أنفقته على الدبلوماسية والسلام مجتمعين.
وقد بلغت إيرادات أكبر 100 شركة لصناعة الأسلحة في العالم مستوى قياسيًّا بلغ 679 مليار دولار في عام 2024 وحده، مدفوعة بحربَي غزة وأوكرانيا، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
أما الشركات الإسرائيلية الثلاث الكبرى، «إلبيت سيستمز» و«صناعات الفضاء الإسرائيلية» و«رافاييل»، فقد رفعت إيراداتها المشتركة بنسبة 16 % لتبلغ 16.2 مليار دولار، مع ارتفاع لافت في الطلب الدولي على طائراتها المُسيَّرة وأنظمتها الدفاعية.
مما سبق نجد أنَّه تتشكَّل دائرة ثلاثية الأضلاع تحكم الصراع العربي - الإسرائيلي من بعيد وتُديمه عن قرب:
المسيحيون الصهاينة هم ركيزة التمويل الانتخابي، ويصل بعضهم إلى أعلى المناصب حاملًا معه قناعاته الأخروية.
وصانعو السلاح الذين يوفِّرون الوقود المادي للاستمرارية، ويضخون بدورهم ملايين الدولارات في صناديق حملات السياسيين وأروقة مراكز الأبحاث المؤثرة في القرار.
واللاهوت الذي يقدِّم الغطاء الأخلاقي والشعبي الذي يُسبغ على كل هذه المصالح هالة من القداسة.
وقد لخص الناشط السياسي الأمريكي تاكر كارلسون هذا التناقض الصارخ حين استضاف في برنامجه التلفزيوني، قسيسًا مسيحيًّا من بيت لحم يصف معاناة مسيحيي فلسطين، فصاح قائلًا: «إذن لديكم أناس في الولايات المتحدة، مسيحيون بحسب إعلانهم، يرسلون أموالًا لاضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط»، وهي جملة تختصر كل الزيف الكامن في هذا الشعار.
وليس أدل على هذا التناقض البنيوي من أنَّ المجتمع الأرثوذكسي اليهودي في إسرائيل يُحرم قانونيًّا وأخلاقيًّا التبشير المسيحي، ويعتبر محاولة تنصير اليهودي جريمةً بالغة الخطورة، في حين يرفع المسيحيون الصهاينة في أمريكا شعار الأخوة المشتركة، ويتبادلون الأحضان الإعلامية مع المسؤولين الإسرائيليين.
ولعل أبلغ التناقضات أنَّ تلك القيم «المشتركة» لا تحمي المسيحيين العرب أنفسهم في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا، ممن هُجِّروا وقُتلوا وهُدِّمت كنائسهم، في حين يصفق لها مَن يدَّعون في واشنطن حمل راية الحضارة الغربية.
بكل صراحة تقتضيها الأمانة الفكرية، فإنَّ مفهوم القيم اليهودية المسيحية يقوم على ادعاء مشترك زائف من أساسه. ذلك أنَّ القيم الأخلاقية المشتركة بين أتباع الديانتين كالعدل والرحمة ورفض الظلم ليست حكرًا عليهما، وهي موجودة في كل منظومة أخلاقية إنسانية كريمة.
أما الجوهر العقائدي لكل منهما فمتناقض تناقضًا صريحًا لا يقبل التجميل، المسيحية قائمة على التجسُّد والفداء والخلاص من خلال المسيح الابن، واليهودية تنفي كل ذلك نفيًّا قاطعًا وترى في هذه العقيدة ضربًا من الشرك.
حين يتلفظ السياسي الغربي بـ«قيمنا اليهودية المسيحية»، فإنَّه في الغالب لا يقصد لاهوتًا ولا فلسفة، بل يقصد تحالفًا بعينه، تخدم فيه هذه العبارة كغطاء أيديولوجي لمصالح متشابكة تتجسَّد في أصوات انتخابية، وصفقات أسلحة، وخرائط جيوسياسية رُسمت بالدم.
لذا يجب الاعتراف بهذه الهوة الحقيقية بدلًا من طمرها تحت ركام من الشعارات السياسية، لأنَّ الفهم الصحيح لجذور الصراع في المنطقة لا يمكن أنْ يُبنى على أوهام لاهوتية مُصطنعة تخدم في نهاية المطاف مصانع الأسلحة أكثر مما تخدم أي دين أو قيمة.