عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

دراسات

جينادي كابيلوف

التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية

2021.06.01

التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية

كيف تنفي العلوم والهندسة مقولة وحدة العالم

هل من الممكن إيجاد تصَوُّر آخر حول التعددية الواقعية للعوالم؟ وهل يمكن لهذا التصوُّر أن يساعد الفرد أو الجماعة أو الدولة كلها على حماية أنفسهم من نظريات "أكثر حقيقية"؟

الطرق المُحَقَّقَة التي تكاثرت وتطوَّرت في جميع المجالات عملت على إبراز وتوسيع جانب العلم الهندسي الذي يُشَكِّل العالم، وعلى دفعه إلى المقدِّمَة. قبل ذلك كان هذا الجانب غير ملحوظ

تحت مفهوم تعزيز الحماية تندرج عملية حماية نظم التفكير التي تمارسها الشخصيات الفردية، والمجموعات الاجتماعية. وإذا اعتبرنا أنه يمتلك واقعًا مُحَدَّدًا، فلا بد أن تواجهنا مشكلة التوفيق بين منظومات التفكير هذه

وإذا كنا سنتمسَّك بـ"تعدد العوالم"، فسوف يهدأ كل هذا الهراء. وإذا اعترف بفكرة التطبيق المحلى المُقَيَّد للمفاهيم، فسوف تهدأ جميع المناقشات الخاصة بنقل وتطبيق الأفكار والطرق من مجال إلى مجال آخر

"اكتشفت العلوم وسائل بناء الموضوعات المثالية وتَعَلَّمَتْ العمل معها. والآن كان من المفروض أن تتطابق التصميمات أو النماذج اللامُدْرَكَة مع العالم في الوقت الذي بُنِى فيه هذا العالم طبقًا لها"!

يقف الآن الفلاسفة وعلماء مناهج البحث العلمي وباحثو العلوم الإنسانية التطبيقية أمام مشكلة جديدة تمامًا أملتها عليهم الحياة المعاصرة. فمن الضروري بناء مخططات للتفكير والعمل تكون صالحة للتطبيق في حالات التعددية التاريخية والثقافية المعاصرة، أو ببساطة في حالات الفوضى والعبث.

تلك المشكلة لن تظل غير محلولة، ولكن ضرورة حلها لن تصبح مفهومة إذا لم نستطع تحييد التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية: لأنها هي بالذات التي تعتبر في وقتنا الحاضر البرج الحصين (في سور القلعة) ومحور الارتكاز الذي يحكم قياسات وحدة العالم وقانون إدراكه.

يتضح تدريجيًّا أن هذا القياس الذي يوجِّه أفعالنا بشكل غير ملحوظ، يؤدي في النهاية إلى أثار سلبية. والأثر الرئيسي هو أن هذا القياس يجعل أي تصوُّر قائم على هذا المخطط الفكري ضعيف أمام التصورات المنافسة.

في الواقع، إذا كنا مقتنعين بأن العالم واحد بينما تصوراتنا عنه مجرد تقريب (على نحـو أو آخر) له من الحقيقة، فعند اكتشاف تصوُّر "أكثر حقيقية" نكون مضطرين إلى عمل شيئين: إما أن نغيِّر لوحتنا العلميوجودية "ontological" الحقيقية كليا، وإما أن نُكَوِّن نظرية وجودية توليفية ذاتية. وأمثلة هذا وذاك لا تُعَد ولا تُحصى: فهناك نظريِّو الاقتصاد الاشتراكي الذين تحوَّلوا إلى أنصار ليد السوق الخفية، وهناك أيضًا الممرضة التي من أجل التئام أو اندمال "السُّرة" بشكل أفضل تنصح بتعميد الطفل وبعد ذلك الذهاب لرقي السرة عند العرافة. هناك أيضًا الطابع العام - الجماهيري - الذي يتناول الأحاديث حول "الطاقة المنبعثة من البشر" أو "الإلكترونات الإعلامية".

ولكن هل من الممكن ومن المعقول إيجاد قياس آخر - تصَوُّر حول التعددية الواقعية للعوالم؟ وهل يمكن لهذا التصوُّر أن يساعد الفرد أو الجماعة أو الدولة كلها على حماية أنفسهم من نظريات "أكثر حقيقية"؟ وما دخل العلم هنا؟

العلوم الطبيعية: الخلق الهندسي للعالم

إن العلوم التي وُلِدَتْ في القرن الثالث عشر من الألعاب الذهنية في الفرضيات (التي تعاملت مع العوالم الأخرى المُمْكِنَة)، اكتسبت منهجًا بفضل أعمال جاليليو وديكارت ونيوتن: تلك العلوم اكتشفت طرقًا وأساليب لبناء الموضوعات المثالية وتَعَلَّمَتْ العمل معها. الأمر المهم هو أنها قلبت العلاقة بين العالم وبين التصميمات أو النماذج المُدْرَكَة. وبفضل ابتكار الهندسة والتجريب (هيوجنز وجاليليو) بدأت العلوم في تحقيق موضوعاتها المثالية في النظم التجريبية (في البداية)، ثم في النُظُم التكنولوجية - الصناعيـة (في الوقت الحاضر).

والآن كان من المفروض أن تتطابق التصميمات أو النماذج اللامُدْرَكَة مع العالم في الوقت الذي بُنِى فيه هذا العالم طبقًا لها - وكانت القوانين التي صاغها العلم صحيحة فعليًّا داخل النظم الصناعية التجريبيـة (الأدوات والمواد) فقط. ونظرا لأن النظم الصناعية التجريبية كلها أخذت تندمج أكثر فأكثر في منظومة واحدة، فتأكيد صحة القوانين بدأت تتزايد بشكل نموذجي جارف - تلك الصحة تأتي، وبشكل حرفي، من جميع الجهات. وهكذا تمت صياغة العالم العلمي التكنولوجي الذي يقف على أربعة محاور:

أولاً: هي ذلك المخطط العالمي الموجود في النواة (والذي يؤكد وجود الطبيعة الخاضعة لقوانين ثابتة). هذا المُخَطَط "مُزَوَّد" تزويدًا كاملاً بمجموعة كاملة من التصورات المادية (الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية...إلخ)، وبمنظومات متقدمة للتحقيق قادرة فعليًّا على التعبير المادي عن أي لوحة للعالم.

ثانيًا: هي تلك الأدوات أو المواد التي أنتجتها التكنولوجيا المعاصرة (الصناعية والزراعية والبيولوجية والتحويلية) - إذ رسخت قوانين عالم العلوم الطبيعية فيها وجعلها مادية (في هذا الإطار توجد بعض الطروحات الفوضوية التي لا تأخذ في اعتبارها هذا الموقف تحديدًا: وضع العلم في المجتمع "المتطور" المعاصر الذي يسانده ليس فقط مجموعة الخبراء، وإنما مجمل عالم المواد والأدوات الواقعية التي تتحقق فيها القوانين العلمية).

ثالثًا: هي الهياكل القانونية والتشريعية لدعم عالم العلم: المواد الدراسية في المدارس والجامعات، بما فيها من طلاب وبرامج دراسية ومختبرات وأقسام ودوريات علمية وعلمية جماهيرية، والمنظومة التمويلية الحكومية والادخارية، والمدارس العلمية الصناعية، والأجيال التي تنشأ وتسير على خطى التقاليد العلمية وتُعَد من أجلها أماكن تستوعبها كعلماء وخبراء متخصصين، والقرارات العلمية السليمة والمبنية على أسس في هياكل السلطة... إلخ

رابعًا: هي هياكل رد الفعل العكسي المباشر والتلقائي للعلم - الهُوية العلمية: أي اليقين بأن العلم بسعيه إلى الحقيقة، يدرك قوانين الطبيعة الواقعية. إن تلك الصيغة للهُوية تجعل عالم العلم مغلَقًا ومكتفيًا بذاته وليس في حاجة إلى جرس إنذار أو جرس لرد الفعل العكسي، وإذا تفلسف فهو يتفلسف على حساب نفسه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهذا العالم يتسع بشكل لا نهائي: فكل ما لم يُدْرَك، لم يُدْرَك إلى الآن فقط.

وفي المُحَصِّلَة، فالعلاقات الفكرية التقليدية لعلوم العصور القديمة والقرون الوسطى في علاقتها بالواقع قد استبدلت في الوقت الحاضر بالعلاقات التصميمية - الهندسية: بدأت إثباتات "صحتها" - صحة تلك العلاقات - تنتظم وتأخذ مكانها حيث الواقع يجب أن يتطابق مع القوانين، وليس العكس. بيد أن كل ذلك يفهم من خلال المقولات حول إدراك الكون، وحول قوانين الطبيعة العامة والموضوعية (التي كانوا يقولون عنها في البداية - القوانين الإلهية).

في النهاية نجد أننا نملك هيكلاً أو مجموعة من النشاطات الفعَّالة جدًّا والعدوانية والمدمرة لكل شيء في واقع الأمر، وخاصة للأفكار المتعلِّقة بالمجالات الفكرية الأخرى. وإذا كان من البديهي أن العالم المركزي من وجهة النظر المنهجية - الثقافية يدرك نفسه (ذاته) عن طريق العالم العام والكلي والكوني (على اعتبار أن قوانين الطبيعة عامة!) بل وإذا وافقنا حتى على أن هذا العالم الكوني مُحْتَمَل أو (ممكن وجوده) وليس موجود أو نشط، فالمزج أو الاقتران المُضاعَف للقوة الواقعية (المشروطة بالقدرة على تحقيق العالم المثالي) والنزعة الموضوعية نحو توسيع نطاق التأثير وعدم الفهم الطفولي الغريب لحقيقة الأفعال الذاتية يُمَثِّل خليطًا "كوكتيل" في غاية الخطورة والانفجار.

واقعية العوالم المتعددة

وهكذا فالإجابة على سؤال: هل هناك إمكان لوجود نظرة أخرى إلى العالم والإدراك، من الضروري أن تكون بالإيجاب والتأكيد. فالعلم على حد سواء مع الهندسة يعتبر نموذج قوي وواضح وموجود وظاهر لدى الجميع من أجل التعامل الواقعي مع عالم خاص (الأمر الهام هنا هو ألا نتقيَّد في أثناء معالجته والبحث فيه والنظر إليه بتلك الأشكال والصيَغ الخاصة بـ "رد الفعل الانعكاسي الداخلي" التي صنعها - أي العلم - بنفسه عن نفسه، وذلك مثلما لا نتقيَّد بتلك الأشكال والصيغ في أثناء تعاملنا مــع الدين). إضافة إلى ذلك، فكثيرًا ما تم تناول التصوُّر حول تعدد العوالم من قبل فلاسفة كثيرين مثل أفلاطون وبرونو وليبنز، بل وحتى ديكارت ذاته نسب موضوعاته الطبيعية الفلسفية إلى "عالم جديد".

ولكن هل العلوم الطبيعية فقط هي التي تملك على أعتاب القرن الواحد والعشرين تلك الإمكانية الهندسية القوية على تنظيم وترتيب كل شيء بهذا الشكل الهندسي؟ بالطبع لا. ففي الواقع، يحاول أي مذهب أو مبدأ أن ينغلق في عالمه الخاص - أي إنه يتعلَّم تحقيق تصوراته بمساعدة هذه التقنيات أو تلك التي تحققت (أي الموجودة) في أدوات عالمه. وبعد ذلك، وبمساعدة هذه الأدوات، تحصل اللوحات الخاصة للواقع على مرتبة الحقيقة كرد فعل انعكاسي.

وهكذا، فالنظرية حول أن المجتمع ينطوي على تركيب طبقي تحققت في أثناء تنظيم الثورة الروسية، بينما الإيمان بأن المجتمع لا يجب أن ينطوي على تركيب طبقي، وإنما يجب أن يكون ضمن دورة تكنولوجية للإنتاج الصناعي، تحققت في أثناء إقامة المجتمع الاستهلاكي. ولكن على أساس مبادئ الأنثروبولوجيا الفلسفية والأيديولوجيات الحكومية تبنى النظم التربوية التي تشكِّل الناس طبقًا للتصورات حول الإنسان.

 التأمين الهندسي لعملية التناسخ reincarnation

إن جميع الأديان تمتلك خبرة ضخمة في تحقيق تصوراتها حول العالم والإله والإنسان. ففي استراحة دالاي - لاما (بمملكة نيبال) كان ينمو الصبي لينج رينبوشا (البالغ من العمر ١١ عامًا) المرشد الذي سيصبح خليفة للمرشد دالاي - لاما (البالغ من العمر ٧٠ عامًا). وهو يعتبر التجسيد القادم للمرشد الذي توفي قبل أعوام. وقد قام الخدم والمقربون من المرشد بالبحث عنه طول عامين وسط أولئك الأطفال الذين وُلِدوا بعد ذلك الموت مباشرة. واختير من بين العديد مـن المرشحين. وأخذوا الصبي من ملجأ الدير إلى الاستراحة وله فقط عامان، ثم وُضِع في الوضع نفسه الذي كان فيه المرشد السابق، إذ يحيط به خدم المرشد السابق. ويقوم بتربية لينج رينبوشا وتعليمه مساعد المرشد وصديقه العجوز ونديمه وموضع سره وثقته كُن - لي. وعندما يموت دالاي - لاما الحالي، سوف يتكرر الأمر بالضبط حيث ينبغي العثور على ذلك الطفل الذي يجسد فيه، ومن ثَم يستطيع المرشد الكبير تربية دالاي - لا ما "الجديد"... وهكذا.

في أساس كل تلك الحالة توجد لوحة تناسخية للعالم: روح الإنسان بعد الموت تحل في جسـد جديد. ولكن هل لهذا أي معنى أو أهمية؟ وهل هذا التصوُّر حقيقي؟ إذ أنه بفضل جميع ترتيب الأحداث التي اتخذت وما تزال، ففي الواقع سوف ينجحون في صناعة مرشد جديد قادم من هذا الصبي: حيث يستطيع المربون تشكيل وصياغة شخصيته بإنماء الملامح والصفات "المتشابهة"، وإخماد - تدريجيًّا - غير الضروري فيها، وسوف يتشكل لدى الصبي منظومة التبجيل والمسوغات ووجهات النظر، تلك المنظومة التي سوف يرسِّخها كذكرى عن الحياة السابقة: سوف يعرف (يتذكَّر) كيف تصرَّف في الحياة السابقة مع هذه المواقف أو تلك... إلخ إن التناسخ هنا قد حدث وتحقق بشكل هندسي بغض النظر عما هو عليه بالفعل. واللوحة المطابقة للعالم لا تشكل سوى إدراك هذه الحالة وتعطي أساسًا عمليًّا وأخلاقيًّا من أجل الفعل الهندسي.

مثل هذا الوضع بالضبط موجود في مشكلة علاقة العلوم الطبيعية بـ "الحقيقة": حيث تصنع الحقيقة اصطناعًا - تقنيًّا داخل العالم (العوالم) الهندسي. ومن البديهي أن المعرفة العلمية ستكون في هذه العوالم الهندسية صحيحة ومتطابقة مع مثل هذا الوضع. في هذا الإطار يصبح السؤال، في صورته التقليدية، حول الحقيقة أمر بلا معنى: فأي معنى لمناقشة صحة قانون القصور الذاتي عند جاليليو إذا كنا نمارس كل الجهود من أجل تحقيقه هو بالذات في كل التصميمات الهندسية المختلفة (وعلى سبيل المثال استبعاد أو تقليل قوى الاحتكاك)؟

المدخل الهندسي لكل شيء وفي كل مكان

وهكذا، إذا كانت العلوم الطبيعية قد تعلَّمَت، باستخدام المواد والموضوعات الطبيعية الجامدة جدًّا "وصعبة المراس"، تشكيل العوالم الهندسية التي تعلن عن تلك التصورات المتعلِّقَة بالاجتماعي، وبالتراكيب الجماعية والاجتماعية، وبالإنسان وحياته وموته - تلك العوالم تتشكَّل بشكل أسهل وأبسط بسبب تَغَيُّر وعدم رسوخ المجتمع "المعاصر"، والإنسان عمومًا. ومن أجل نموذج ذلك التشكيل أو الخلق الاصطناعي - "تحقيق البرنامج في عالم خاص" -استخدمت العلوم الطبيعية للمرة الأولى من أجل تأسيس وتطوير الهياكل أو الأشكال الهندسية المُحَقَّقَة.

إذا كان الكلام أعلاه صحيحًا، فسنكتشف أنه لم يتبق أي شيء إطلاقًا من اللوحة التقليدية للعالم الواحد. ومن ثَم، يجب أن تظهر الآن المساحة الآهلة بالسكان على الكرة الأرضية في شكل عوالم محلية - مركزية - متعددة يتم الالتزام في كل منها على حدة بـ "نظام عالمي" خاص (يتعلَّق بذلك المخطط الموجود في النواة). تلك العوالم في الإطار الاجتماعي، تعيش أحيانًا على الموضوع نفسه أو المـادة (الاجتماعية والإنسانية والحقوقية)، وأحيانًا تكون محلية أو مركزية من حيث الفضاء أو المساحة فقط. ولكنها تتناول وتتبادل موضوعات وأدوات ذات طبيعة مختلفة، مُسْتَخْدِمَةً إياها من أجل رسم واستكمال مفاهيمها الوجودية، وتتقبل من بعضها البعض وسائل تحقيق رد الفعل الانعكاسي وصورته، وتظهـر وتتلاشى.

إن مثل تلك اللوحات أو المخططات تُنَقَش بشكل مكثَّف في موضوعات الُوقع (جمع واقع) الافتراضية - إلا أن هذا المصطلح الآن في حاجة إلى تدقيق. فكل واقع حقيقي مثل عالمه، ونحن لا نستطيع أن نقول أي منها (في حالة وجود أكثر من واقع افتراضي) يأتي في المرتبة الأولى أو الثانية أو العاشرة. إن جميع الوقع افتراضية. والسؤال: إلى أي مدى تتوافق، من حيث الإيقاع والتلاحق، طرق تشكيل عوالم جديدة سريعة التطور. على سبيل المثال، عندما يتفوَّق التحقق المادي في النظم والعادات على التحقق الثقافي - الاجتماعي - النفسي؟

لعله قد أصبح من الواضح الآن لماذا صار من الممكن أن ندافع عن تلك النظرة، غير التقليدية إطلاقًا، إلى العلم: إن الطرق المُحَقَّقَة (الرائجة) والتي تكاثرت وتطوَّرت في جميع المجالات عملت على إبراز وتوسيع جانب العلم الهندسي الذي يُشَكِّل العالم، وعلى دفعه إلى المقدِّمَة. قبل ذلك كان هذا الجانب غير ملحوظ أو مخفي - إذ إن الأنطولوجيا العلمية الطبيعية كانت تُفَسَّر كواقع وحيد. ولكن منافسة اللوحات (المخططات) العلمية للعالم، والتي ظهرت بعد الثورة في علم الفيزياء، ومنافسة اللوحات البديلة الأخرى، سمحت بانعكاس ما يفعله العلم ومقارنة تأثيره مع التراكيب الفكرية الأخرى التي تشكل العالم. وعليه، فالعلم نشاط فعَّال ومهم لتشكيل العالم، ولكنه أحد النشاطات الكثيرة وليس الوحيد.

أهمية النظرة لتعددية العالم

 لنناقش في البداية هذه القضية من دون الإشارة إلى العلوم الطبيعية بوجه خاص. ماذا تعطينا وجهة النظر التي تفترض وحدة العالم ووحدة الحقيقة؟ نرى أنها تعطينا الحرية والحماية: درجة أكبر من الحرية وتعزيز للحماية.

قضية الحرية تنطوي على تناقض ظاهري مهم: إن هذا العالم (الغربي) العلمي - الهندسي الذي نعيش فيه قد تأسس كعالم مُحَرِّر. وسعت العلوم الجديدة إلى وضع القوى الخفية للطبيعة في خدمة الإنسان كي تعزز قوَّته، وسعت النزعات السياسية الجديدة إلى تحريره من سلطة الكنيسة ودرجات الترقي والطائفية.

ولكن بعد مرور ٣٠٠ سنة حدث وأن أصبحت حياة الإنسان تسير داخل العالم الذي تكوَّن نتيجة لضم ثلاثة عوالم: العلمي - الهندسي (التكنولوجي)، والمالي - التجاري، والأيديولوجي - النفســي (وهو المسؤول عن مسار أو خط سير المادة البشرية في هذا العالم). في هذا العالم أصبح الإنسان مرة أخرى هدفًا (مادة) للتاريخ وليس فاعلاً (ذاتًا) له. ومن ثَم، فمن الجائز تمامًا أن ينتهي التاريخ كما يخطط السيد فوكوياما!

إن أهداف (مواد) التاريخ اليوم هي المنظومات المؤسساتية والقانونية والمنظومات التي تشكِّل العالم: العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، البنية المالية التحتية، وسائل الإعلام، مجموعة العلوم الإنسانيـة (الهندسة الاجتماعية، والهندسة النفسية)، بالإضافة إلى، وربما هذا هو الأمر الرئيسي، عمل البُنى التي تضع الأفعال الانعكاسية والتفسيرات: كل ذلك التصميم الاصطناعي الذي يتم التعامل معه كواقع وحيد وأصيل.

ووجهة النظر البديلة والمُعَلَّلَة هنا - تلك التي تنظر إلى المعمورة كمجموعة من العوالم المحليـة "المركزية" التي بُنِيَتْ ولا تزال تُبْنَى اصطناعيا - تعطي أسسا فكرية من أجل تحقيق الحرية، وتسمح بفهم إمكانية الحرية (مؤكدة بعدم حتمية الواقع) وتلَمِّح إلى طريقة تحقيقها (تشكيل عالم محلي "مركزي" بطرق هندسية - اجتماعية متنوِّعَة)، كما تسمح على نحو واعٍ بتطوير هذه الطرق وإعادة تفسير نظم المعرفة الإنسانية حول ما هو موجود موضوعيًّا، وتتعامل معها كمشروعات وحدود ومبادئ موجودة في عملية تشكيل العوالم، وتعطي إمكانية للعمل مع الوضع المعاصر (الآني). إضافة إلى أنها تسمح بالخروج بنتائج متفائلة حول احتمال تشكيل إنسان بديل عن الإنسان الحالي (إنسان وسائل الإعـلام الغربية)، إنسان بديل في حاجة إلى هذه الحرية بخلاف الإنسان الحالي.

تحت مفهوم تعزيز الحماية تندرج عملية حماية نظم التفكير التي تمارسها الشخصيات الفردية، والمجموعات الاجتماعية، والدوائر التخصصية... إلخ وإذا اعتبرنا العالم واحد ويمتلك واقعًا أصيـلاً مُحَدَّدًا، فلا بد أن تواجهنا مشكلة التوفيق بين منظومات التفكير هذه. وسوف يكون ذلك في شكل: إما ابتلاع منظومة لأخرى (كما حدث على سبيل المثال في أثناء صراع النيوتونيين مع الكارتيزيين)، أو بناء نظم جديدة كبيرة الحجم (وأفضل الأشكال التي يمكن تحقيقها لا تحدث إلا عندما نتمكن من تحديد، وبشكل واضح، الحدود المنهجية العلمية والمعرفية "إبستمولوجية" لكل من النظم الأولية)، أو بناء "فلسفة عميقة" من نوع "وأنتِ أيضًا، يا أُختي، على حق!" ومع ذلك ففي كل تلك الأشكال لا توجد ضمانة بالحفاظ (في حالة صِدَام عالم "الثقافات والجماعات" الأولى المُعَذَّب مع عالم "الثقافات والجماعات" المُحَدَّد والمنشود) على منظومة المفاهيم - الأنطولوجيا.

إن وجهة نظر تعددية العالم تربط لوحة الواقع والتكوين "البِنَاء" بالمنظومات القانونية والمؤسساتية والحقوقية لذلك العالم. في هذه الحالة نجد أن مشكلة التوفيق هنا غير موجودة إطلاقًا، أو في أسوأ الأحوال، أصبحت ضعيفة جدًّا. وسوف يصبح لكل عالم نظامه العالمي. وليس من المُجدِي أن يُمْلِي عالم ما أفكاره ومفاهيمه على عالم آخر. وهذا يعني تلك الحماية الضخمة للعالم، والتي يشير إليها قبل كل شيء الهدوء الداخلي لهذا العالم أمام الضوابط الأخرى للمعمورة كلها.

ضرورة الوقوف ضد المذهبية العلمية antiscientism

نعود إلى العلوم الطبيعية. وأعتقد أن عقيدة تعدد العوالم لن تحصل على أي انتشار واسع أو اعتراف إذا لم يتيسر مبدئيًّا هز النظرة التقليدية إلى العلوم الطبيعية. ونحن نستطيع أن نناقش، كما يحلو لنا من حيث الوقت والجهد، عملية بناء الوُقع الرمزية في سياقات ثقافية مختلفة، وعوالم الأسرار الخفية البديلة، والطابع التكويني على نحو هندسي للمعارف الإنسانية. ولكن إذا لم تُجَرَّد العلوم الطبيعية من سلطة القضاء الأعلى الذي يملك وحدة السيطرة الكاملة على الحقيقة، فسوف تظل كل تلك الإشارات والمفاهيم الأحادية إلى تعدد الوُقع مجرد تلاعبات واحتيالات تفسيرية لباحثي العلوم الإنسانية.

ومن ثَم، فمن الضروري تنشيط عملية النقد الواسع والتفصيلي للعلم وعلى نحو مشابه للعملية النقدية التي جرت طول القرنين الثامن والتاسع عشر مع الديانة المسيحية. وإلى جوار تطوير الإلحاد العلمي ينبغي تطوير اللا مذهبية العلمية على نحو ثقافي منهجي بحثي. والمهمة الرئيسية لهذا العمل يجب أن تكون عدم أسطرة demythologize العلوم الطبيعية.

العلم - ظاهرة فريدة من حيث مستوى توافق أو تناسق تأثيراته وهُويته (وعيه بذاته). وهذا ما كانت عليه المسيحية قبل أن تتحقق عملية النقد التاريخية.

لقد تحدَّثنا أعلاه عن الـ "كوكتيل" أو الخليط الإدراكي المفاهيمي الخطير - وهكذا، فعملية عدم الأسطرة يجب أن تتم بمطابقة تفسيرات العلم وواقعية تأثيراته. إن العالم الهندسي للعلوم الطبيعية يجب أن يُدْرَك كعالم اصطناعي ومحلي "مركزي"، وكعالم موجود على حد سواء مع عوالم أخرى. إنني هنا لا أقف ضد العلم، ولا أسعى إلى صنع تقاطع للعلم مع "الطاوية" Taoism. فابتكارات العلوم الطبيعية وإنجازاتها - المكوِّنة للنشاطات والأفكار والقادرة على خلق العوالم - هي ابتكارات وإنجازات عظيمة. ولكن "الكوكتيل الشيطاني" من وجهة نظري ينشأ فقط في ظروف الهُوية (إدراك الذات) غير الملائمة لهذا العالم، وفي ظروف عولمته، وقبل كل شيء عولمته الفكرية - الإدراكية. ومن أجل تفادى الضرر، من الضروري وجود النقد الواسع والتفصيلي للعلم مع التقييد الذاتي. وأنا لا أقصد هنا عملية رقابة المجتمع على التجارب العلمية أو التقويمات القاسية لنتائجها، ولا فرض القيود على موضوعات الأبحاث العلمية (على سبيل المثال في ميدان الهندسة الوراثية)، ولا المطالبة بمساواة جميع التقاليد في جميع الهياكل التعليمية ومواقع اتخاذ القرارات. إن رقابة المجتمع والتقويمات القاسية وتقييد موضوعات الأبحاث لا تُشَكِّل قيودا على العلم، وإنما تعرضه للهلاك التام والنهائي (نظرًا إلى أن العلوم لا تنفصل عن منظومات تحقيقها).

ولكن الأهم من وجهة نظري هو الانعكاس الدقيق والأصيل تاريخيًّا ومنهجيًّا وثقافيًّا لطريقة بناء علاقة العلم والتقنيات بالواقع القاسي والمتوحش، والفهم الملائم لمكانة العلم كنشاط تشكيلي للعالم في إطار مجموعة التكوينات المؤسساتية والقانونية. من هنا تحديدًا ينبغي تجريد العلم من كونه سلطة "بديهية طبيعية موضوعية" تاركين له وضع البديهية الموضوعية التاريخية المحلية.

حول مكانة العلم

إذا كانت العلوم الطبيعية تخبرنا عن حقيقة الطبيعة، تلك الحقيقة الموجودة بذاتها، وإذا كانت العلوم هي فقط وسيلة لتفسير الطبيعة دون تشويهها وتحريفاتها، ففي الواقع لا يهم فعلاً إذا كانت العلوم حية أم ميتة، موجودة أم غير موجودة، أو حتى توجد هذه المدرسة العلمية بالذات أو غيرها. فمن وجهة نظر الحقيقة، الأمر سيان. ولكنه سيختلف تمامًا إذا اعتبرنا العلم إبدًاعًا بشريًّا أصيلاً يعيد بناء العالم الذي نعيش فيه عن طريق أعمال ونشاطات وأفكار الناس. في هذه الحالة، يجب أن يتنظر إلى هذا العالم، وإلى ما هو موجود في نواته (أي إلى العلم) كأشياء ضعيفة في حاجة إلى العون والإصلاح والرعاية. العلم مثل الحب والثقافة والحق واللغة، لا يمكنه أن يحيا دون فرسانه الذين يعملون من أجله. وبكلمة أقل مجازية، فالعالم لا يمكنه أن يعيش دون تجديد وإنعاش - وفي كل مرة عن طريق النشاط البشرى الحي - معايير العمل والتفكير الموجودة فيه، وفي طرق وأساليب "إدراك الحقيقة". وفي حالة إذا لم يتم هذا التجديد والإنعاش فسوف ينهار العلم ومعه كل ما بني خلال الثلاثمئة سنة الماضية. ولن توجد أية حقيقة خارج إطار البشر يمكنها أن تقف وراء العلم.

تلك النظرة تتطلب احترامًا شديدًا إلى إنجازات العلم، وكيف قام بها، وتتطلب قلقا شديدًا على الشكل المُحدد الذي وصل إليه العلم في الوقت الحاضر. إنها تتطلب كل ذلك أكثر مما تتطلب الأفكار المتهورة التي ليس لها أي أساس من الصحة عن العلم - العلم مرآة الطبيعة التي توجد ما دام هناك وجود للطبيعة ذاتها.

حول استراتيجيات المركزة

من الصعب الحديث حول الأشكال التي يمكن أن تتم منها أو بها عملية عدم أسطرة العلوم الطبيعية وجعلها محلية. إضافة إلى أنه من غير المعروف كيف ستتغير في أثناء ذلك المؤسسات الاجتماعية المرتبطة بالعلم - وهذا موضوع قائم بذاته.

مع الأسف الشديد، فهذا السيناريو بالذات: سيناريو حركة الأفكار في هذا الموضوع يتكرر من قرن إلى آخر، وهو كالآتي: هناك دائمًا ذلك الميدان الخاص بالأفكار والخبرات والتجارب العملية المسؤول عن تشكيل العقيدة (المفاهيم) الأساسية (ميدان العلم في الوقت الحاضر، وفي السابق كان علم اللاهوت والفلسفة). ومرة وراء أخرى كان هناك من يأخذ على عاتقه إنجاز الاكتشافات والابتكارات الجديدة والسعي إلى وضع تفسيرات ومفاهيم أكثر اتساعًا، ونشرها أو تطبيقها على جميع الخبرات الأخرى. ودائمًا كان هناك من يرفض ويقف ضد ذلك مدافعًا عن استقلالية الميادين والمجالات المُعَرَّضَة للاقتحام من قِبَل الأفكار والاكتشافات الجديدة.

لقد نادى جوردون برونو، متفقًا مع كوبرنيكس ومرتكزًا إلى أفكاره الشخصية حول تعدد العوالم، بأن تمتلك الخارطة السياسية الأوروبية عدة مراكز متساوية. ولكن هذه الفكرة كان بإمكانها أن تهدد التوازن السياسي - الديني المؤقت والهش آنذاك، والذي تم التوصُّل إليه عَبْرَ العديد من الكوارث. ومن ثَم، كان من الطبيعي أن يعدم صاحب الفكرة، وطور بويل برنامج إعادة بناء علم الكيمياء الذي تأسس على اكتشافات نيوتن في مجال الميكانيكا الفلكية، ولكنه صار مسخرة لزملائه من العلماء "الجادين!".

والنظرية النسبية لأينشتاين التي استخدمت بشكل واسع من أجل مذهب نسبي أخلاقي، ولكن ذلك في وقتنا الحاضر يتم التعامل معه كنكتة.

تلك الحالات والمواقف تتكرر، وستظل تتكرر على الدوام، وفي أساسها توجد قناعة بأنه من الممكن تصديق أحد مجالات المعرفة عن طريق نتائج أو مداخل من المجالات الأخرى. ولا مفر من اتساع وإطلاق الأفكار، ولا مفر من الاتهامات بإساءة الاستخدام أو الجهل طالما سنظل نرى أن أحد مجالات الخبرة الإنسانية يمكنه أن ينفي أو يؤكد أحد المجالات الأخرى. ولكن هذه الفكرة تبرز مباشرة من التصور حول وحدة العالم، وهو تصور في غاية العدائية والضرر.

وإذا كنا سنتمسَّك بوجهة نظر العالم المتعدد، أو بالأحرى "تعدد العوالم"، فسوف يهدأ كل هذا الهراء الدائر حاليا من تلقاء نفسه. وإذا اعترف بفكرة التطبيق المحلى المُقَيَّد للمفاهيم، فسوف تهدأ جميع المناقشات الخاصة بنقل وتطبيق الأفكار والطرق من مجال إلى مجال آخر. وبدلا من كل ذلك سوف نناقش الإشكاليات الحقيقية الخاصة بالتطبيقات المنطقية والمنهجية والبحثية للأفكار والوسائل، وإشكاليات العلاقة بينها جميعًا في منظومة متعددة.

القضية ليست التقليل من شأن العلم بشكل عام، والعلوم الطبيعية وإنجازاتها على وجـه الخصوص. ولكنها في كيفية التوصُّل إلى إدراك أن استخدام نوع محدد من العلم، واستخدام مُخَطَط أساسي مُحَدَّد، يجر وراءه بناءً محددًا ومحدودًا للعالم - بما في ذلك طبعًا البناءات الأخرى اجتماعية كانت أو ثقافية... إلخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(جينادي كابيلوف) متخصص في الفيزياء النظرية والرياضية، ورئيس تحرير مجلة (centaur)