عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

ثقافات

دينا قابيل

أثر أمينة رشيد الذي لا يزول

2021.12.01

أثر أمينة رشيد الذي لا يزول

هي المناضلة اليسارية التي نشطت في صفوف الشيوعيين في فرنسا 1968، تخلت عن المركز المرموق في كبرى المراكز البحثية في باريس من أجل أن تعمل في بلدها، وتسعى لتنفيذ ما آمنت به على أرض الواقع، هي سليلة الباشوات، حفيدة إسماعيل صدقي باشا، الوزير في عهد الملك فاروق، التي تركت بمحض إرادتها طبقتها الأرستقراطية لتنغمس مع حياة الناس العادية وتتزوج ممن أحبت، وهي طالبة العلم التي أرسلتها جامعة القاهرة للحصول على دكتوراه الدولة الفرنسية فاختارت أن تتخصص في الأدب المقارن وعادت إلى جامعتها لتجذب - دون قصدية - أجيال كاملة لدراسة هذا المنهج الذي يُعلي من قيمة الاختلاف ويمد جسور التواصل الفكري مع الآخر، وهي التي رفضت التطبيع الثقافي مع إسرائيل فهرعت مع نخبة من المثقفين لتكوين "لجنة الدفاع عن الثقافة القومية"، وحين اشتد الحصار الأمني على الحياة الجامعية كونت مع زملائها من الأكاديميين جماعة 9 مارس من أجل استقلال الجامعة.

بين كل هذه النعوت التي تحاول أن تلخص شخصية الدكتورة أمينة رشيد ومسيرة النضال التي رسمتها لنفسها منذ صباها، أستعذب وصفها بـ"الأستاذة" على وجه الخصوص. ليس فقط لتتلمذي -مثل كثيرين غيري- على يديها في قسم اللغة الفرنسية وآدابها بكلية الآداب في جامعة القاهرة، بل أيضًا لأن هذا اللقب يعكس شخصيتها العميقة ويعبر عنها بصدق. فالأستاذية هنا تتجاوز مجرد تلقي العلم من ذوي الخبرة لتشمل القدوة والمثال، الأستاذة الجليلة التي نذرت حياتها للنضال فصارت محطات حياتها كلها تطبيقا لما آمنت به.. وتتجلى صفة الأستاذ هنا في معناها الذي نُحت في القرن التاسع عشر لوصف المعلم الموسوعي والذي رغم معارفه الغزيرة يسعى للتواصل مع الآخر ومساعدته للوصول إلى الطريق، وربما يمد يده إليه ليحلما معًا بتغيير العالم.

إذ يكفي أن تتأمل الكتابات والشهادات التي تبارى محبيها في تدوينها بعد رحيلها، أو تلك التي كتبها زملاؤها وتلاميذها في حياتها وقدموا خلاصة فكرهم من دراسات قيمة أهدوها لاسم أمينة رشيد خلال السنوات العشرة الأخيرة، يكفي هذا لنعلم أن الهالة التي تحيط بالأستاذة والمثقفة النادرة تتجاوز دوائر الزملاء والأكاديميين وتتعدى دوائر اليسار لتشمل مئات الطلاب والدارسين المتابعين لمسيرتها النضالية والعلمية والذين لم يتعاملوا معها عن قرب، ولكن لفحهم "أثر أمينة رشيد" الأخّاذ والممتد، إذ كم من مرة تسمع في السنوات الأخيرة ومع بدايات اعتلال صحتها- نفس التعليق المتكرر: "أمينة رشيد لم تدرس لي، لم أكن في نفس القسم، أو في نفس الكلية، أو حتى في نفس الجامعة، لكنها تركت فيَّ، دون أن تعلم، أبلغ الأثر".

إذ وراء هذه الابتسامة الدمثة، ورقة التعامل التي لا تتناقض مع مواقفها الحاسمة التي لا تلين، كانت أمينة تستأنس الآخر المختلف وتستحوذ على قلبه. لا بد أن هذا الخليط العجيب من الالتزام الفكري على طول مسيرتها، مع الإيمان العميق بالحرية هو ما جعلها في مكانة فريدة وسط اليسار المصري التقدمي.

إذ يتجلى الالتزام لديها في محطات حياتها المختلفة، غير أنه تجسد في عملها بالتدريس (في جامعة القاهرة)، بصفته تجربة إنسانية للإثراء المتبادل، وإيمان بالعقول الشابة وقناعة بأن التغيير ممكن وأن الإسهام في ذلك ممكن. "الإنسان في حاجة إلى التواصل، وهذا من الأسباب التي جعلتني أتوق للعودة إلى مصر. فأنا أهتم كثيرًا بالبحث العلمي، ولكني كثيرًا ما أتساءل إن كان يمكنني أن أعيش دون تدريس"، كما تروي في كتاب يحمل عنوان "أمينة رشيد" خطته بكثير من الشغف تلميذتها د. سلمى مبارك، عندما انتهت من الدكتوراه في باريس 1976 وصممت على العودة إلى مصر تاركة وراء ظهرها منصب باحثة في ال CNRS وحياة ثقافية وسياسية حيوية.

كانت قاعات الدرس بالنسبة لأمينة رشيد نموذج للحرية، تفتح لطلابها أبواب النظرية الأدبية هنا البنيوية، والشكلانيين الروس، وهنا النظرية الماركسية، ودائمًا إدوارد سعيد ونظريات ما بعد الكولونيالية، لكنها قط لم توجه طلابها لاعتناق فكرها الماركسي، بل تشير - من غير أن تقصد - إلى مناهج الدراسات المقارنة في الأدب، هذا الذي اختارته في أثناء بحثها في أطروحة الدكتوراه.

راحت تنقب في العلاقة بالآخر، في ثنائية الاستقلال والتبعية، ترفض الامتثال لنظريات التأثير والتأثر الكلاسيكية في الأدب المقارن، وتلفظ المركزية الأوروبية التي تنطلق منها مناهج البحث المقارن، فالأدب الغربي أو أدب الآخر ليس النموذج أو الأنموذج، بل يسمح هذا التخصص في الأدب بالغوص في الأدب المحلي وفي معرفة الذات من خلال مرآة الآخر، فيجد فيه الطلبة والدارسين ضالتهم، ليس فقط في الأدب، ولكن في الدراسات البينية بين الأدب والمسرح والأدب والسينما أو الفن التشكيلي.

أعطت أمينة دروسا في الالتزام والجسارة أيضًا حين كانت طالبة غضة ذهبت في منحة دراسية في 1962 لنيل دكتوراه الدولة (من أرفع الدرجات العلمية في فرنسا) واختارت نموذجًا يؤيد ما تؤمن به هو الفيلسوف الإسباني رايموند لول والباحث في علم اللاهوت (الذي صار بعد احتكاكه بالحضارة الإسلامية في العصور الوسطى أحد أبرز المفتونين بها ولعب دورًا مهمًا في الوساطة بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي)، بينما كان مشرف رسالتها اسم لامع يكاد يكون مؤسس الأدب المقارن وهو الفرنسي رينينه إيتامبل. كانت الحركة الأممية في أوجها في سنوات الستينيات من القرن الفائت، والقضية الفلسطينية على رأس الأولويات تحملها أمينة في ضميرها ووجدانها. وحين علمت أن أستاذها اليساري، مشرف أطروحتها، مؤيد لإسرائيل، وذلك في لحظة قاتمة في أثناء حرب الأيام الستة في 1967، حين وقَّع إتيامبل على عريضة ضد البلدان العربية، ضمن العديد من المثقفين الفرنسيين .

لم تسكت أمينة رشيد، وتروي في حوار أجرته معها د. رنده صبري أستاذة الأدب الفرنسي والنقد الأدبي تضمنه كتاب "إلى أمينة رشيد"، (دار العين، 2010):

"ذهبت لأقابله وأفهمته أننا لم نكن ضد اليهود، ولكننا ضد إسرائيل، رافضين الأسلوب الذي تم به الاستيلاء على فلسطين وطرد الفلسطينيين من ديارهم. وأظن أنه لو كان أصّر على موقفه لكنت قررت ألا أعمل معه أبدًا".

بنفس هذه القوة النفسية للطالبة التي تتحدى، بل تُفهم أستاذها، استمرت أمينة رشيد تقوم بما تؤمن به، ففي زمن السادات، وبعد اعتقالها ضمن اعتقالات 1981 التي طالت الإخوان والشيوعيين، عادت أمينة أكثر إصرارًا من ذي قبل وصارت عضوًا مؤسسًا في لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وهو أول تكتل جمع المثقفين المصريين المعارضين لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وبعدها بسنوات حين طال التضييق الأمني الحياة الجامعية والبحث العلمي والترقيات العلمية، كونت أمينة رشيد مع مجموعة من أساتذة الجامعة من الكليات المختلفة جماعة 9 مارس لاستقلال الجامعة.

أما اختيار الشيوعية في سن السادسة عشر، فكانت بالنسبة إليها منهجًا للثورة وللحياة، "رحت أترجم المنشورات، أخفي كتبًا وكتابات، أشتري تذكرة طائرة لرفيق سوف يستبدلها فيما بعد للسفر إلى دمشق، أسهم في إخفاء إنجي أفلاطون، أشعر بفخر وسعادة، إذ كنت أسهم في بناء عالم جديد وتغيير قيم، أحلم بالمساواة بين البشر، أحب الاستراتيجية وأنفر من التكتيك! وأيضًا تنتابني لحظات الرعب، فلا أنسي أبدًا شتاء 1959 القارس، شتاء اعتقال الشيوعيين وبداية الحملة الوحشية ضد اليسار، الأتوبيس الفارغ في أنصاف الليالي وأنا أقوم بمهامي السرية ولا أعرف إذا كنت أرتعش من البرد أو من الخوف" كما تروي أمينة رشيد عن "سنوات اليسار الصعبة" وتحلل اختيارها للماركسية بعد مرور خمسين عامًا، في مجلة الهلال 2002:

"عندما قامت حركة الضباط الأحرار، أو ثورة 1952 كما سميت - كنت على وشك الانتهاء من دراستي الثانوية، التي تمت في 1954 في بداية 1954 أيضًا قررت الانتماء إلى الماركسية، منهجًا للثورة وللحياة، لم أنم في تلك الليلة -ليلة اختياري هذا! - التي ما زلت أتذكر تاريخها: 3 مارس 1954، كانت أوضاع أسرتي قد تدهورت نتيجة للإصلاح الزراعي، وخاصة وضع أبي وأمي، إذ لم تكن لأبي ملكية خاصة أو عمل ثابت مثل زوجي أمينة وبهية (خالاتها)، وانقسمت حياتي من جديد إلى نصفين: نصف سعيد بوعد التغيير، ونصف يشاهد انهيار من أحبهم، وبصراحة كان انتمائي الأساسي للنصف الأول".

وحتى هذا الاختيار المبكر كان له جذوره في شخصيتها منذ طفولتها، إذ نشأت في حي حلمية الزيتون الذي تأسس في بداية القرن العشرين ليكون سكن الأسرة المالكة والطبقة الأرستقراطية، وكانت الفيلا التي تسكنها مع عائلتها الكبيرة ملكًا لجدها إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء في عهد الملك فاروق ما بين أعوام 1930 و1946. وتروي سلمى مبارك في كتابها عن أمينة رشيد، العبور نحو الآخر:

"كان العبور الأول نحو الآخر، خلف أسوار المنزل العائلي وطبقة ملاك الأراضي التي تنتمي إليها، من خلال صداقتها بماري، طفلة بالتبني لعامل نجارة تعيش على مقربة من القصر. كانت الزيارات التي تقوم بها لماري في عشة مكونة من حجرة بائسة تكسر الطبقية الشديدة التي تعم حياة البيت الكبير، فيعشش بداخلها وجع لازمها منذ الطفولة".

ظلت أمينة رشيد تحمل تاريخًا لا يد لها فيه، هي حفيدة صدقي باشا الذي الذي وقع على المعاهدة الشهيرة صدقي بيفن التي تنحاز للمستعمر البريطاني على حساب أهل البلد، رغم تخليها عن كل ما يمت لطبقتها بصلة، تروي أمينة رشيد عن هذا الجرح الساكن منذ الطفولة، في فيلم أربع نساء من مصر للمخرجة تهاني راشد (الذي تناول مسيرة 4 مناضلات مصريات هن أمينة رشيد ووداد متري وصافي ناز كاظم وشاهندة مقلد):

"في يوم، كان ذلك في 1947، رمتني طفلة بالحجارة لأن جدي إسماعيل صدقي كان قد وقّع للتو معاهدة صدقي/بيفن التي تعطي امتيازات أكبر للإنجليز وتربط مصر بهم بشكل أكبر، وكانت هناك مظاهرات تندد بالمعاهدة.. كانت تلك هي الصدمة التي لم أنج منها أبدا. أي أنها كانت الصدمة الأولى التي عرفت منها أن هناك من يهاجمونني، وأن من يهاجمني كان معه الحق في ذلك".

في السنوات الأخيرة وبعد رحيل رفيقها د. سيد البحراوي، وإصابة ذاكرتها بالوهن مع تقدمها في العمر، كانت تستعيد أحداثًا ومشاهد قديمة -كما يحدث دائمًا في استعادة الذاكرة البعيدة- في قصر حلمية الزيتون، ثم بيت الزمالك الذي تخلت عن إرثها فيه، عن السيدات التي أحاطوا طفولتها وجعلوها تعي مبكرًا بالقضية النسوية مثل أمها وخالاتها إلى درجة جعلت أمينة تكتب في جانب من سيرتها "في مجتمعنا الذكوري، كنت أشعر أننا نعيش منحدرين من سلالة نسائية"، ومع مرور السنوات لم تعد تحمل نفس النظرة التي شيطنت في الماضي صاحب صدقي/بيفن. كانت في لقاءاتنا المتباعدة تتحدث عن مذكراتها التي كتبت أجزاءً متناثرة منها، وعند حثها على جمعها بمساعدة تلاميذها وأحبائها، كانت تستبعد الفكرة، ربما لم تكن تريد أن تتناول تاريخًا شديد الحساسية، أن تتعرى فيتأذى في الوقت نفسه كثيرون غيرها... وعندما جاءت سيرة جدها، بدأت تتحدث عن ذكرى الجد المثقف الحنون في طفولتها البعيدة (هل يخطئ حدس الأطفال؟) وليس رجل الدولة الموصوم بعلاقته بالإنجليز. لم أندهش من ذلك فلطالما كانت أستاذتي تلتقط الإنساني في كل شيء تتناوله، فقد علمتنا أمينة -كما علمتنا الحياة- من خلال دراسة السيرة الذاتية، أن الشخصية التاريخية تتجاوز ثنائية الأبيض والأسود، وأن الإنسان أكثر تعقيدًا وله وجوه عديدة ينبغي فهمها أولًا من أجل التعامل معها.

أستعيد الآن مشوار أمينة رشيد شديد الثراء، وتلازمني فكرة "أثر أمينة" الذي يجذب كل من قاربها حتى يضيء له السبيل، فلا أجد غير كلمات محمود درويش تداوي قلوب محبيها:

أَثر الفراشة /أَثر الفراشة لا يُرَى/ أَثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ/ يستدرج المعنى، ويرحلُ/ حين يتَّضحُ السبيلُ